47/07/14
لزوم الفحص عن المخصص قبل العمل بالعام/ مبحث العام والخاص /باب الالفاظ
الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص /لزوم الفحص عن المخصص قبل العمل بالعام
كان الكلام في وجوب الفحص قبل العمل بالعموم والمطلق. والواقع أن وجوب الفحص لا يقتصر على العمل بالعموم أو المطلق، بل يشمل العمل بأي دليل اجتهادي أو حتى أصل عملي؛ فأي دليل من الأدلة لا يمكن العمل به إلا بعد الفحص. وبدون الفحص لا يكون حجة فعلية بل ولا منجزة، وهذا المطلب متفق ومتسالم عليه بين الأعلام.
لو أردنا أن نفسر هذه القاعدة صناعياً، فهي تعني أن الحجية في الحجج الظنية ليست آحاداً، ولا يعقل أن تكون آحاداً؛ بل الحجية في الأصل هي "منظومية مجموعية". فدعوى وجود أدلة تدل على حجية خبر بمفرده أو ظهور بمفرده، مما لا صحة فيه، لأن طبيعة الحجج الظنية هي حجية مجموعية.
ورغم رفض نظام الحجية المجموعية من قبل السيد الخوئي في علم الرجال، أو التشدد في مسلك السيد أحمد بن طاووس، إلا أن دعوى أن الحجج مستقلة ومنفردة (آحاد) غير صحيحة تماماً. الحجج دائماً مجموعية منظومية، وغاية الأمر أن القدماء كانوا يشترطون علاوة على الانضمام أن يصل إلى "العلم العرفي" (الذي سموه العلم العقلي الدقي)، فلابد أن يصل الانضمام إلى العلم العرفي وإلا لا تثبت الحجية.
هذا الحال لا يختص بالظنون، بل يسري في كل العلوم الدينية وغيرها. حتى الدليل اليقيني، لا يسوغ عقلاً ولا عقلائياً الاستبداد به منفرداً؛ لأن اليقين درجات ومساحات بلحاظ متعلقه، فكيف يمكن الاعتماد على يقين واحد؟ لابد من الاعتماد على جميع الأدلة القطعية لتتشكل لوحة واضحة، مثل الآية الكريمة "أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض". فالقرآن قطعي، ومع ذلك لا يمكن الاستبداد بآية دون أخرى. وكذلك الفلاسفة والمتكلمون في البراهين العقلية لا يستبدون بدليل يقيني دون البقية؛ لأن كل يقين يكشف زاوية من الواقعية، وانكشاف مجموع الواقعية أمتن علماً وحكمة ودراية.
بناءً على ذلك، فإن نظرية الانسداد ونظرية الانفتاح نتيجتهما واحدة من حيث الاعتماد على التراكم. فإذا ضعفت القرائن، لا تنظر إلى ضعفها بل انظر إلى تراكمها وانضمامها. أما أن تحاسب كل قرينة وأمارة ضعيفة بمفردها ولا تكترث بها، فهذه جهالة علمية؛ لأن طبيعة الأمارات والظنون منظومية.
وحتى أدلة حجية خبر الواحد عند الأصوليين المتأخرين تدل في الأصل على حجية العلم الحاصل من مجموع الظنون النقلية (العلم العرفي)، وليست دالة على خبر واحد بالدقة. فالآية "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" غايتها العلم، و"فتبينوا" غايتها التبين، وهذا هو العلم العرفي الحاصل من مجموعة الظنون.
وعليه، فالحق مع القدماء كابن قبة، والشيخ المفيد، والسيد المرتضى، وابن براج، وابن زهرة، والحلبيين، وابن إدريس، والشهيد الأول، وغيرهم، حيث يرون أن الفقه لا ينبني إلا بالمنظومة ومنظومة القرائن. ومن ثم لا ينبغي أن نفرط في رواية واحدة ضعيفة كما يفعل البعض، لأن العمل ضمن قواعد وصناعات علم الأصول يقتضي عدم التفريط في الأمارات والقرائن والكتب، بل نبحثها لنعرف درجات الامارات والكتب قوة وضعفاً، ونرى نتيجتها التراكمية إذا انضمت. أما بحث علم الرجال لكي نسقط ونفرط في قرينة مهما ضعفت، فهذا ليس من المنهج العقلائي بتاتاً، وفيه تفريط بالتراث.
والدليل على ذلك أن السيد الخوئي نفسه في باب اللغة لا يتبع هذا المنهج ولا يطلب أسانيد، مع أن علوم اللغة (النحو، الصرف، المعاني، وكتب كالعين للفراهيدي) كلها "مراسيل". ومع ذلك، يعتمد عليها العلماء من الفريقين، ويقولون إن مراسيل اللغويين تشكل ضرورة وبديهة لغوية. فلو كان الظن المرسل عدماً، فكيف شكل ضرورة؟ هي ضرورة ناشئة من التراكم، لا من وهم أو خيال.
كذلك الحال في التراث والأمارات والروايات. فمبنى القدماء ومدرسة الانسداد بغض النظر عن نتيجتها قويم وصحيح وهذا هو معنى الفحص وسنخوض في معنى وجوب الفحص ان شاء الله في محله.
هذه المنظومية في الحجج ليست فقط في الأحكام، بل حتى في العقائد. "لا نفرق بين أحد من رسله"، فلا يصح التفريق بين الله ورسله، بل لابد من المجموع. فرغم أن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) والقرآن مهيمنان على ما سبقهما، إلا أننا مطالبون بالإيمان بالكتب السماوية والأنبياء السابقين؛ لأن لهم دوراً في التوضيح والتفسير، ولا يغني الإيمان بسيد الأنبياء عن الإيمان بهم، كما لا يغني الإيمان به عن الإيمان بوصاية أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام).
إن طبيعة الحجج الوحيانية مجموعية بسبب النقص فينا نحن لا بسبب النقص في الحجج؛ فالله غني عن العالمين، لكنه لا يقبل الإيمان به (الشهادة الأولى) إلا بالشهادة الثانية، وجعل سيد الأنبياء باباً لذلك. فطبيعة النظام القائم على الوسائط هي طبيعة مجموعية، وهذا دين تكويني حتى العرش والكرسي والملائكة يدينون الله بالشهادة الثانية بالشهادة لمخلوق مربوب اعظم من العرش والكرسي. يداين الله هذه المخلوقات العظيمة بالشهادة الثانية. فطبيعة الحجج طبيعة منظومية بسبب النقص في القابل نحن لان غنى الله لا يجعنا اغنياء. نظام خلقة الله قائم على الوسائط. هذا البحث في وجوب الفحص ام الحجج لانه يصنع لك خارطة واضحة في بحث الحجج كلها.
بل سيجيء انه ليس فقط المحمول والحجية منظومية بل حتى موضوع الامارات بالدقة نسيج شبكي مجموعي وليس آحادا مبتورة. وسيأتي الكلام فيه ان شاء الله.
ومن هنا نأتي إلى نقطة مهمة: وجوب الفحص في الأدلة يشمل فحص الأدلة القطعية. القرآن الكريم يصرح بتصديق الكتب السماوية التي "تصدق بعضها البعض" بتصديق العقل النظري والعقل العملي. تصديقها بالعقل النظري يعني التطابق. والقرآن يصدق ما بين يديه من التوراة والإنجيل، تصديقاً بمعنى التطابق في الواقعية.
وما يثار من أن الإنجيل أو التوراة الموجودين حالياً "باطلان" برمتهما بسبب التحريف، هو كلام باطل ومخالف للقرآن. فالقرآن يقول إن فيها تحريفاً، لكنه لم يسقط اعتبار التوراة والإنجيل بالكلية في آخر سورة نزلها الله تعالى (سورة المائدة)، لأن المحكمات فيهما أبى الله إلا أن يحفظها.
إن القول بأن التحريف يُسقط الكتاب بالكامل هو منطق علماني تسرب إلى المسلك الديني؛ فكما أن وجود الوضع في الحديث لا يُسقط التراث الحديثي، كذلك التحريف لا يسقط الوحي، لأن المحكمات تفرز وتميز الصحيح من السقيم. وإلى الآن، الإنجيل والتوراة الموجودان يتضمنان تحريم الربا، والزنا، وكشف النساء متبرجات، وفيهما بشارات بالنبي الخاتم وعصمة أهل البيت (أصحاب الكساء).
فأهل البيت (عليهم السلام) كانوا يحاججون أهل الكتاب بكتبهم الموجودة، بالقسم المحكم غير المحرف فيها. أما دعوى السقوط الكامل فهي ترهات تخالف منطق أهل البيت. إن القرآن يُطالب أهل الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه إلى يوم القيامة، وهذه المحكمات حجة عليهم.
هذا دفع للمسك العلماني انه اذا علمنا بالموضوع في التراث الحديثي فلابد من رفضه ودفعه. الموضوع شيء والوحي شيء آخر يجب العمل به. المحكمات ابى الله الا ان يحفظها. (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) الذكر هو القرآن والانجيل والتوراة. ان هذا المصحف الذي موجود بين ايدي المسلمين ليس مصحف امير المؤمنين سلام الله عليه مع ذلك يحتج الأئمة عليهم السلام به ويحفظون به. لانه وحي وأدلة وحيانية فيه. بل منهج ومنظر اهل البيت أعظم من منهج السقيفة. لأنهم يرون فيه اليقين الحسي ونحن نرى اليقين الوحياني وهو أعظم وأكمل.
للأسف، هناك "سقيفة" في المناهج تسربت للفريقين؛ سقيفة على التراث، وسقيفة عرفانية، وسقيفة قرآنية تحاول إبعادنا عن منبع الوحي ومنطق أهل البيت. إن كتاب "الاحتجاج" للطبرسي يبين لنا نظام الحجج عند النبي وأهل البيت، وهو نظام يعتمد على المجموعية وعدم التفريط، وعلينا أن نتبع صناعيات الوحي لا النتاجات البشرية القاصرة وهذا هو معنى انفتاح باب الاجتهاد.