« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/07/10

بسم الله الرحمن الرحيم

ضوابط أخرى في التمسك بالعموم/التمسك بالعام لإثبات التخصيص لا التخصص /باب الالفاظ، مبحث العام والخاص

 

الموضوع: باب الالفاظ، مبحث العام والخاص /التمسك بالعام لإثبات التخصيص لا التخصص /ضوابط أخرى في التمسك بالعموم

 

مر بنا أنه اذا خرج فرد عن العموم فدار الامر بين أن يكون خروجا موضوعيا (التخصص) وبين أن يكون خروجا حكميا (التخصيص) فهل يمكن التمسك بالعموم لإثبات التخصيص لا التخصص. مر بنا ان هذا ليس مبنى عقلائي في الظهور.

مثال ورد في الفقه: ماء الاستنجاء غير منجّس للملاقي له بشروط خمسة ذكرها الاعلام.

هل هذا الماء مع انه لاقى عين النجاسة فلا ينجّس الملاقي له، من باب ان الماء ليس بنجس فلا ينجس او انه نجس مع ذلك لا ينجّس الملاقي؟ طبعا تترتب عليه آثار أخرى وهذا مثال واحد والا الأمثلة كثيرة في أبواب عديدة.

فجماعة ذهبوا الى انه نجس ولكن لا ينجس عفوا وهذا هو الصحيح.

جماعة ذهبوا الى انه طاهر فلا ينجّس. فقولان او ثلاثة في المسألة.

هنا طوائف من الأدلة في المسألة:

الاُولى: ان الماء قليل فإذا لاقى النجاسة يتنجّس. (كأدلة الكر)

الثانية: ما دلت على انفعال الملاقي للماء النجس وما دل على ان النجس ينجّس.

الثالثة: ما دلت على عدم انفعال الملاقي لماء الاستنجاء فحسب.

إنّ هذه الطائفة الثالثة لا تخلو من أن تكون مخصصةً للطائفة الاُولى بغير ماء الاستنجاء، ونتيجة هذا التخصيص هي طهارته وعدم انفعاله بملاقاة النجس كالبول أو العذرة، وحينئذ تكون طهارة ملاقيه على القاعدة ومن باب التخصص، أو تكون مخصصةً للطائفة الثانية فتكون نتيجة هذا التخصيص نجاسة ماء الاستنجاء من دون تأثيره في انفعال ملاقيه كالبدن أو الثوب.

يستدل السيد الخوئي رحمه الله على ان العرف محكّم على انه اذا كان الماء نجسا فالمفروض انه ينجّس فحيث انه لا ينجّس فهو طاهر.

لكن الصحيح: في المقام أن العموم الاول (ان الماء القليل اذا لاقى النجاسة يتنجس) بغض النظر عن تنقيحه للتخصيص او التخصص للعموم الثاني، ليس موجب لرفع اليد عنه.

لان عين النجس لا ينجّس ماء الاستنجاء وهو خلاف تحكيم العرف الذي ادعاه السيد الخوئي فالمتنجس اضعف منه قطعا. ومن ثم في جملة من الموارد لا نبني على ان هذه الموارد من المطهرات انما هي موجبة للعفو. مثلا ماء الاستنجاء او الاستنجاء بالحصى و الاحجار لا يطهر الموضع لكنه يبيح الصلاة ومعفو عنه في الصلاة، فلو مس الانسان ذلك الموضع بالرطوبة فيتنجس. كذلك مطهرية الارض انها موجبة للعفو لا انها مطهرة لان الاعلام انفسهم يعترفون بأن الذرات الصغيرة لا تمحي ولا يمحي الاثر. غاية الاثر هذا المشي موجب للعفو. لكن هذا العفو له شرائط. من ثم اصحاب الوسواس لا يوسوسون لان القدم على الارض موجب للعفو ولا تسري نجاسته. المهم ان هذا عفو وليس تطهيرا لشواهد كثيرة ذكرناها في موضعه. كذلك في ماء الاستنجاء.

هذا ليس من باب التمسك بالعموم لتنقيح التخصيص او التخصص بل من باب ان هذا فرد له وبالتالي القرائن والشواهد محكمة.

فأصالة العموم في نفسها تجري بحث آخر لكنها تجري لتنقيح التخصيص او التخصص فلا، لانه ليس من مفادها.

 

مسألة اخرى: مسألة أخرى مرتبطة بهذه المسألة: لو علمنا علماً إجمالياً بأن أحد الزيدين خارج عن عموم معين -عموم أكرم العلماء- وشككنا أن "زيد الجاهل" خارج أو "زيد العالم" خارج؟ دائر الأمر بين الزيدين. غير المسألة التي سبقت؛ التي سبقت فرد بعينه خرج من العموم -ماء الاستنجاء- وشككنا هل خرج تخصصاً أو خرج تخصيصاً. هذه المسألة لا؛ أحد الفردين خرج، لا نعلم أنه فرد العموم خرج (تخصيص) أو فرد غير العموم خرج (تخصص)، بس أحد الفردين إجمالاً. هنا لا مانع من التمسك بالعموم، لا من باب أن العموم يوجب تعيين التخصيص أو التخصص، لا، باعتبار أن هذا الفرد من أفراد العموم قطعاً، ولمَ يخرج ما عندنا موجب. هنا ينحل العلم الاجمالي بانحلال حكمي.

وهنا نكتة لطيفة يلفت إليها الأصوليون: أن الأدلة الاجتهادية تجري في بعض أطراف العلم الإجمالي، بل سيأتي حتى الأصول العملية إذا كان جريانها في بعض أطراف العلم الإجمالي لا في جميعه ومجموعه تجري. فالأصول اللفظية -اللي هي أدلة اجتهادية- كأصالة العموم، أو الأصول العملية، إذا كانت تجري في بعض أطراف العلم الإجمالي لا مانع.

هنا قد يُشكل بماذا؟ بأن العموم وأصالة العموم ليس مفادها تنقيح التخصيص أو التخصص، كما أنه ليس من مفاد الالتزام أن ذاك الطرف هو المعلوم بالإجمال دون هذا الطرف، باعتبار أحد الزيدين إما زيد العالم أو زيد الجاهل... فليس أصالة العموم منقحة إلى أن ذاك الطرف علم إجمالي... ليس فيها دلالة هكذا التزاماً. وبعبارة أخرى -بحث مهم في الدلالة الالتزامية ما بحثه الأصوليون في الألفاظ لكن بحثوه في الحجج وهو من الألفاظ-: أن الدلالة الالتزامية لبعض أفراد العموم ليس العموم فيها حجة. أعيد العبارة: الدلالة الالتزامية للعموم في بعض الأفراد، لا في كل الأفراد وفي كل الطبيعة، هذه الدلالة الالتزامية العموم والدليل ليس بحجة فيها وإن كان هو دليل لفظي اجتهادي.

إذاً أين الدلالة الالتزامية حجة؟ الدلالة الالتزامية حجة كالدلالة المطابقية إذا كانت لغالب أفراد -إن لم يكن للكل فكافٍ لغالب- أفراد العموم، إذا كان هناك دلالة التزامية للطبيعة بما هي طبيعة غالبية، هذه الدلالة الالتزامية حجة. أما إذا كانت الدلالة الالتزامية للبعض دون بعض، فرد دون الكل، هذه الدلالة الالتزامية ليست بحجة. هكذا مبنى موجود عندهم؛ لأن العموم أو الكلام لم ينطلق أو ليس في المحاورات العرفية الدلالة الالتزامية "البعضية" متّبعة أو حجة عندهم، سيما إذا كان اللازم فرداً أو فردين.

صحيح الأدلة اللفظية الدلالة الالتزامية فيها حجة دون الأصول العملية، ولكن هذه الدلالة الالتزامية التي هي حجة في الأدلة الاجتهادية حجة إن لم تكن دلالة التزامية لبعض، إن كانت للجميع والمجموع أو للغالب، وإلا فليست بحجة.

هذه الضوابط فيها استثناءات عجيبة، "ما من عام إلا وقد خُص". يعني من الأصول العملية الدلالة الالتزامية بعضها حجة فيها؟ إي كيف يصير؟ ومن هذه الدلالة الالتزامية اللفظية لبعض الأفراد في بعض المواد حجة أيضاً؟ ضابطتها أذكرها عليكم: الدلالة الالتزامية سواء لبعض الأفراد في الدليل ليست بحجة... في الأصل العملي أيضاً ليست بحجة... هذا فيه استثناء.

الله يرحمه السيد محمد الروحاني يقول: السيد الخوئي أتته نوبة الموت عدة مرات بس دُفع عنه، ففي أحد المرات في مستشفى الكوفة، على أساس يبيّن السيد الخوئي أنه في كامل وعيه ويوصي في كامل وعيه، فذكر للسيد الروحاني: أنه أنا اذكر هذه المسألة -مسألة معقدة لأنها في الأصل العملي كيف الدلالة حجة- على أساس يبينه في كمال وعيه ووصية نافذة.

أنا ما أريد أدخل تفصيل المسألة بس أريد أقصد النكتة فقط، الفتوى، أما البحث معقد جداً. فالدلالة الالتزامية للأصل العملي ليست بحجة إذا كانت دلالة التزامية لمؤدّى ومفاد الأصل العملي، وليست للجعل في الأصل العملي. كذلك الدلالة الالتزامية للدليل اللفظي في بعض الأفراد حجة وليس بحجة؟ ليس بحجة، إلا إذا كانت ليست دلالة التزامية للمدلول إنما دلالة التزامية لـلجعل. ماذا الفرق بين الجعل والمجعول؟ بحث آخر يأتي في محله.

إذاً الجعل حجة، للمجعول ليس بحجة... سواء اجتهادي أو أصل عملي، للجعل يصير حجة، للمجعول ليس بحجة. هذا اللي يقولون "ليس بحجة ليس بحجة" للمجعول، للمفاد، للمدلول، أما إذا كان للجعل فيكون حجة. لماذا؟ هذا بحث يجي في محله. المقصود نلتفت له أن الدلالة الالتزامية اللفظية حجة إذا كانت للمجموع -الطبيعة- هو المجعول لمجموع الطبيعة ولغالب الطبيعة. أما الدلالة الالتزامية للأصل العملي ليست بحجة حتى لو كان للجميع. أصلٌ يُستثنى من الدلالة الالتزامية اللفظية إذا كانت لبعض الأفراد فليست بحجة... إذاً الدلالة الالتزامية لبعض الدليل ليست بحجة إلا أن تكون دلالة التزامية للجعل وليس للمجعول؛ الدلالة الالتزامية للجعل دوماً حجة ولو لفرد واحد.

وهذه ينفتح منها أبواب عجيبة غريبة في الاستنباط، يعتبرون من أسرار المباحث الأصولية التي نقحها الأعلام في القرن هذا الأخير.

فإذاً فرق بين هذه مباحث الدلالة الالتزامية: اجتهادية أو أصل عملي، الدليل الالتزامي حجة وليس بحجة فيما إذا كان للمجعول -أي لمؤدى الدليل، أي لمفاد الدليل، أي للطبيعة المدلول عليها- هذا الفرق بين الأصل العملي والدليل الاجتهادي. أما إذا كان للجعل فحجة في الأصل العملي، حجة في الألفاظ، حجة للفرد أو للكل. السيد الخوئي رحمة الله عليه في إحدى النوبات التي صار بدا لله أن يطيل عمره رحمة الله عليه أنه كان يذكر الحاضرين منهم السيد الروحاني أنه هو ترى في وعيه الكامل لأن هذه المسألة المعقدة قاعد يشرحها.

فلذلك الحين إذا تمسكنا -قد يُشكل هنا- أن إذا تمسكنا بالعموم لبعض أطراف العلم، ما يثبت أن ذاك هو الأصل؟ وليكن لا يثبت، بس المهم هذا "انحلال حكمي". سيأتي الانحلال الحكمي بجريان أمارة لفظية أو موضوعية في بعض أطراف العلم الإجمالي ليس من الضروري أن يكون لها دلالة التزامية، المهم شيء يسمى انحلال حكمي.

ماذا الفرق بين الانحلال الحكمي والانحلال الحقيقي؟ بحث مهم. انحلال العلم الإجمالي -نحن كما مر بنا أمس قبل أمس شيئاً فشيئاً صرنا على مشارف بحث الحجج- ما هو الفرق؟ من باب فهرسة فقط ليس إلا، البحث يأتي. الفرق بين انحلال العلم الإجمالي الحقيقي، وبين انحلال العلم الإجمالي الحكمي وبين انحلال العلم الاجمالي التعبدي أن انحلال إجمالي حقيقي: أصلاً يتبخر العلم الإجمالي، يعني نفسه مثلاً أنت كنت تعلم بأنه مثلاً قطرة سقطت بس شك أن هي قطرة طاهرة أو قطرة دم، بعدين تفحص أكثر تشوف أوه هاي نفس الزاوية نفس الكذا هي قطرة دم وليست قطرة مرددة، العلم الإجمالي هنا تكويناً يتبدد يتبخر. وتارة هذا الانحلال الحقيقي، تارة لا "انحلال حكمي" أو "تعبدي"؛ أمارة تجي تقول ترى القطرة هي هذه وجداناً، بعد العلم الإجمالي موجود، هذه أمارة ظنية هي الانحلال التعبدي. وتارة لا "انحلال حكمي" يعني بالأصل العملي يجري في طرف ما يجري في طرف آخر...

المهم نلتفت: في موارد عدم الانحلال الحقيقي، كانحلال حكمي أو تعبدي، في تلك الموارد العلم ما دام تكويناً موجوداً أثره قد يكون موجوداً. ففرق بين موارد الانحلال الحقيقي والحكمي والتعبدي.

 

الآن بسم الله الرحمن الرحيم، هاي مسألة جديدة، مسألة حساسة وهي فاتحة لمباحث الحجج، هذه المسألة ما هي؟ ما الدليل على لزوم الفحص قبل أن نعمل بالعموم أو بالإطلاق أو بالظهور أياً ما كان؟ ما الدليل على لزوم الفحص عن المعارض؟ أو معارض مستقر أو معارض غير مستقر -يعني عن مخصص مثلاً أو المقيد- ما الدليل؟ شبيه هذا: خبر واحد حجة بس ما الدليل على عدم صحة العمل به قبل الفحص؟ كما أنه في الأصل العملي هكذا: لا يجوز التمسك بالأصل العملي قبل الفحص عن دليل اجتهادي، كذلك لا يسوغ التمسك بالدليل الاجتهادي قبل الفحص عن دليل اجتهادي منافٍ له.

أدلة الفحص ما هي؟ هذا بحث حساس خطير، وكم هو مقدار الفحص؟ هنا فرق الراوي عن الفقيه؛ الراوي فرق بينه وبين الفقيه، لماذا؟ لأن الفحص يعني ماذا؟ الفحص يعني هذا الدليل ليس مستقلاً إنما لابد يعرض على "منظومة التشريع". منظومة التشريع هي العمود، لا هذا الدليل بمفرده... هي نظرية القدماء، خبر الواحد ليس بحجة -الشيخ المفيد يسفّه من يقول بخبر واحد، حتى ابن قبة، السيد المرتضى، ابن إدريس، ابن براج، ابن زهرة، الحلبيون، القدماء كلهم- هو مقصودهم أن شلون هذا الدليل مفرده؟ عندنا منظومة تشريع. أنت تجيب لي بس حتى في التاريخ المقتل أنت تريد بس مقتل واحد تحاكمه؟ ما يصير، حاكِمه ضمن منظومة تراث التاريخ. وهذا الذي سبحان الله ناموس الدين هذا، ومع ذلك أصحاب حجية الخبر الواحد للأسف يغفلون عنه في مراحل الاستنباط، وهذه المشكلة الأزمة إن شاء الله نبيّن شلون القضية هذه يسمونها "العمود الفقري لعلم الأصول" وللعلوم الدينية.

logo