« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/07/09

بسم الله الرحمن الرحيم

التمسك بالعموم الثانوي - حقيقة النذر للصوم في السفر والاحرام قبل الميقات - المسألة اللاحقة: التمسك بالعموم لتعيين التخصيص دون التخصص/ التمسك بالعام في الشبهة المصداقية /باب الالفاظ، مبحث العام والخاص

الموضوع: باب الالفاظ، مبحث العام والخاص / التمسك بالعام في الشبهة المصداقية /التمسك بالعموم الثانوي - حقيقة النذر للصوم في السفر والاحرام قبل الميقات - المسألة اللاحقة: التمسك بالعموم لتعيين التخصيص دون التخصص

 

تفسير الدليل الخاص بما لا يخالف القواعد

مَرَّ بنا أنه رغم أن النص الوارد في "نذر الصوم في السفر" معمول به وصحيح السند وما شابه ذلك، إلا أن السيد الخوئي (رحمة الله عليه) وجد في نفسه اضطراراً إلى المشي طبقاً لما ذهب إليه المشهور. اضطر إلى ماذا؟ اضطر إلى محاولة تفسير المتن بما لا يخالف القواعد؛ لأن الدين منظومة خاصة. وهذا ينبهنا - كما مَرَّ بنا - إلى أن الكلام في "الكبرى" أهم من "الصغرى"، وينبه على أن جانب الإثبات (وهو الدليل الخاص) مُقَدَّم على العام.

فمجرد أن السند صحيح لا يكفي؛ بل عمدة المطلب أن يكون المفاد موزوناً ومتسقاً مع قواعد منظومة التشريع. إن لم يتم ذلك، فلا فائدة في البقية، وهذا هو الركن في المسألة. وهذا هو مبنى القدماء؛ فالقدماء يقولون بأن العمدة كل العمدة على المتن، والمتن يجب أن يكون "متناً علمياً". وماذا نعني بمتن علمي؟ أي خبر علمي أو متن متفق مع منظومة التشريع.

ووظيفة علم الأصول هي المساعدة في كيفية التوفيق؛ فهو يبحث عن كيفية التوفيق بين الأدلة، وكل علم الأصول بأبوابه وزواياه المختلفة هو لأجل هذا. القواعد الفقهية هي صناعة فقهية لأجل هذا البحث: كيف نلتفت إلى الوفاق أو الخلاف بين الدليل الخاص الذي يأتي، وبين هذه المنظومة من التشريع؟ فالعمدة إذاً هو هذا الأساس ليس إلا.

انشاء النذر موجب لتولد مصلحة في متعلقه

على أية حال، فمن ضمن أجوبة المشهور أو كثير من الأعلام لتصحيح نذر الصوم في السفر، أنهم وجهوا الأمر هكذا: أن في مرتبة "إنشاء النذر" - أي قبل حكم النذر - تتولد مصلحة تسمى "مصلحة بالفعل" أو "مصلحة ملازمة". لماذا قالوا "عند إنشاء النذر"؟ لأن المفروض - لاحظ أنهم لا يريدون مخالفة القواعد - أن الحكم في النذر مشروط بالراجحية والمشروعية، فيكيّفون الجمع بين الأدلة بهذه الطريقة: أن بإنشاء النذر (وهذا ما ذكره جملة من الأعلام وكثير منهم عينه) يصبح مُتَعَلَّق النذر أو ما يلازمه ذا رجحان.

 

النسخ تجميد للمنسوخ لا محو لمشروعيته

ولكن هناك جواب آخر ذكره آخرون من الأعلام وهو "أمتن" (أقوى)، ولو أن الجواب الأول لا بأس به في الجملة، لكن هذا أمتن. وحاصله: أن أصل التحريم أو المنع من الإحرام قبل الميقات كان مشروعاً في الشرائع السابقة، ولكنه نُسِخ من قِبَل سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم). ومَرَّ بنا أن النسخ ليس محواً للمنسوخ، فبالتالي في الحقيقة عندما نسخ سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) الإحرام قبل الميقات، كان هذا النسخ تجميداً وليس عدم مشروعية ومحواً للتشريع من الرأس.

عندنا في الروايات أن النبي موسى (على نبينا وآله وعليه السلام) أحرَم من "عضبات سيناء" أو نحوها، ماشياً وأمامه الإبل إلى بيت الله الحرام في مكة. وقبر النبي موسى يقع تقريباً بين مزدلفة وعرفات. هل اليهود يدرون بمكانه أم لا؟ الله أعلم، ربما لا يدرون، ولا يدري بذلك إلا أهل البيت (عليهم السلام)... إي نعم هم لا يدرون، ولكن بحسب أهل البيت (صلوات الله عليهم) فإن قبره هناك بين مزدلفة. فبالتالي كل الأنبياء حجوا بيت الله الحرام رغماً للمحرفين. والشاهد أنه على هذا التقدير، كان الأنبياء يحرمون من أماكن بعيدة لبيت الله الحرام، لكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نسخ ذلك. حينئذٍ، يأتي النذر وكأنه يتعاضد مع هذا "التشريع المجمد"، فيجدد تفعيله بالانضمام إليه.

وسيأتي إن شاء الله بيان إحدى ثمرات كون النسخ بمعنى "التجميد في التشريع" لا بمعنى المحو (كما هو رأي المتأخرين)؛ فعند القدماء معنى التجميد هذا له أثر في مثل هذه الموارد وغيرها. وهو أنه مع ارتفاع الدليل الناسخ - لسبب أو لآخر - يصير تفعيلٌ للمنسوخ، ويعود المعنى دون أن يزاحم. هو شبيه بالتزاحم - وليس التزاحم الاصطلاحي - بل تزاحم في التشريع وفي المقتضيات. فهذا التوجيه أمتن، كما هو الحال في "الصوم في السفر"؛ فقد كان مشروعاً في الشرائع السابقة، ونُسِخ من قبل سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالتالي صار هذا النص مجمداً، فإذا أتى النذر يتفعل الحكم بهذا المعنى. وبهذا التفسير تصبح هذه الموارد جارية على القاعدة.

الفقه الدستوري والقيود الدستورية وطبقات القانون

طبعاً الشرح يطول، وقد نبهنا على هذا المطلب، وبعبارة أخرى أو أخيرة في هذا البحث: إن "طبقات أصول القانون" انضباطها عند الفقهاء صعب؛ بل هي تقريباً - بخلاف المعصوم المحيط بها وبضوابطها - غامضة. غالباً الفقهاء يتعرفون على الطبقات النازلة، أما الطبقات العليا فصعبة المنال إلا ما وضحها المعصوم للفقيه والمجتهد والمحقق، وإلا تكون غامضة. ومن ثَمَّ، هذه المسألة من ضمن الموارد التي كشف عنها الأئمة (عليهم السلام) بأن النذر يُفَعِّل هذين الحكمين المنسوخين.

هذا تمام الكلام في هذه المسألة، وهي: "هل يتمسك بالعموم الثانوي لإحراز مصداق العموم الأولي أو لا؟". واتضح أنه لا يمكن، وهذا المورد (النذر) ليس من هذا الباب.

وتعقيباً على الوجه الأول: هل يمكن التعميم لغير الصوم؟ لا، لا أعمم. والسبب كما ذكرت الآن، أن معالجة قواعد وطبقات أصول القانون بشكل "دستوري" أو "برلماني" - إن صح التعبير - هي بيد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيد الأئمة. الفقهاء إذا وضح لهم منها شيء من كل جوانبه فبها، وإلا فهم مضطرون للتعامل مع "الفقه التعليقي" (كأن يقولوا: النذر يولد مصلحة). ولكن هل يُجزم بأن ذلك كذلك في كل الموارد؟ أو أن هناك حكماً منسوخاً مثلاً؟ هذا له وجه واحتمال.

والمقصود أنه كلما نُقِّحَت قواعد علم الأصول "الثبوتية" (لا الإثباتية) - وأعني بالأصول الثبوتية: أصول القانون، مبادئ الأحكام، أصول التشريع، فقه المقاصد، وما يسمى بأسماء متعددة - كلما وضحت هذه القواعد بأبعاد متعددة، جزم الفقيه والمجتهد أو استوضح البناء على هذه البحوث.

ولذلك مَرَّ بنا مراراً أن تخصص "الفقه القانوني الدستوري" هو أصعب التخصصات، ثم يأتي "الفقه البرلماني"، ثم يأتي "الفقه الوزاري" مثلاً. وليس هذا في الفقه السياسي فقط، بل هذه الطبقات موجودة في أنواع أخرى من الفقه وحتى في الكلام، ثم يأتي "الفقه البلدي".

وهناك اصطلاح قانوني أكاديمي موجود حالياً يعبرون عنه بـ "ما فوق الدستور" أو "القيود الدستورية"؛ يعني أن الدستور نفسه يتقيد بقيود فوقية. هذا اصطلاح موجود عند الأكاديميين في البحوث المتطورة، وهو اصطلاح صحيح. فحتى الدستور وراءه "ديباجة الدستور" التي ينطلق منها، وحتى قبل الديباجة هناك ما قبلها وهلم جراً. فطبيعة القانون هي "منظومة شبكية" وطبقات. حتى الدستور فصوله طبقات وليست في عرض واحد، وكذلك قوانين البرلمان طبقات. قد لا يلتفت النائب أو القانوني الذي ليس لديه خبرة معمقة إلى هذا، لأن القوانين البرلمانية نفسها ليست في عرض واحد. وربما فقيه دستوري لا يعرف هذا المطلب - وهذا قصور عنده - وإلا فنفس الدستور طبقات. القوانين الوزارية هكذا، وقوانين البلدية هكذا. فعلى كلٍ، هذه موارد عديدة، وطبيعة علم القانون هي طبيعة رياضية.

وهذه القوانين والطبقات والمعادلات ليست مختصة بالعلوم القانونية الاعتبارية، بل تجري في العلوم التكوينية؛ لأن هذا في الحقيقة منطق "أصول قانون"، وبالدقة هو منطق رياضي يجري في العلوم التكوينية والاعتبارية والروحية والنفسانية.

وخلاصة هذا المطلب: أن في طبقات القانون الفوقية والوسطى، تكون الضوابط والقواعد صعبة، وتُكتشف شيئاً فشيئاً. وعندما تُكتشف، فإننا نكتشف بعض أسرار ممارسات التشريع عند الأئمة (عليهم السلام) - إن صح التعبير أو لم يصح - شيئاً ما؛ لأننا لا نحيط بما أحاطوا به، ولكن بحسب الضوابط نفهم بهذا المعنى.

التمسك بالعموم لتعيين التخصيص دون التخصص

المسألة اللاحقة المذكورة في بحث العام والخاص، وهي من المسائل الأخيرة:

إذا علمنا بخروج "زيد" من العموم (مثلاً: أكرم العلماء، وعلمنا أن زيداً خارج)، ولكن شككنا: هل خروج زيد هو "تخصيص" (أي هو عالم ومع ذلك خرج)، أم أن خروجه "تخصص" (أي لأنه جاهل أصلاً)؟ خروجه معلوم وزيد لا يشمله العموم قطعاً، لكن هل لأنه داخل في الموضوع وخرج (تخصيص)، أم أن خروجه من باب التخصص؟

فحينئذٍ، هل يصح التمسك بالعموم لبيان أن خروج زيد تخصيص وليس تخصصاً؟ هل يصح أم لا؟

طبعاً الأعلام يقولون: لا يصح. لماذا؟

لأنه أولاً: التمسك بالعموم إنما هو لأجل إدراج الفرد في العام ليترتب عليه الحكم؛ أما مع العلم بعدم ترتب الحكم، فهل هناك سيرة عقلائية للتمسك بالعام في مثل هذه الموارد؟ لا توجد.

منهج الحشوية وتعدد القراءات

وبعبارة أخرى، ونكتة لطيفة في الكبرويات - حتى في هذا المثال الصغروي يجب أن نتعرض لها - وهي: نظام "بنية الظهور". كما يقول السيد محمد الروحاني (رحمة الله عليه): بنية الظهور ومنظومة الظهور من أسهل مباحث الأصول ومن أصعبها. عجيب! سهل وصعب، ظاهر وباطن. لِمَ؟ لأن الظهور وبنيته هي النافذة التي ينفذ منها الاستنباط لاستخراج الحكم، فباب الدلالة مبحث حساس وخطر جداً.

وبالتالي، ففي منظومة الظهور اختلافات بنيوية متعددة وعجيبة بين الأعلام. مثلاً ما يقال عن "قراءات النص الديني" و"تعددية القراءات" - وكل هذه الاصطلاحات الحديثة كالهرمونطيقيا والألسنيات - كلها موجودة في علم الأصول عندنا. التسميات جديدة، وإلا فالمباحث موجودة حقيقة.

أصلاً لاحظوا طعن أهل السنة (جماعة السقيفة) على أهل البيت أو مذهبهم، بأن فيه "غنوصاً" وتأويلات باطنية؛ لأنهم لم يكونوا يفهمون "تعدد القراءات". وشيئاً فشيئاً تطوروا في علم البلاغة وعلوم اللغة وتطور العقل البشري، ففهمنا التعددية في القراءات. وطبعاً هذا يجب أن يكون بانضباط لا بهلوسة؛ فهي صحيحة وليست كما يتوهمون.

حتى "الحشوية" من الإمامية كانوا ولا زالوا يتخوفون من تعدد القراءات، وهذا التخوف ليس في محله (طبعاً إذا كان التعدد بانضباط وموازين، أما إذا كان هلوسة وبلا دليل فالحذر في محله). فما دام بانضباط ولا يخالف الضروريات، فما المانع؟

كما أن علماء النحو لديهم دورات وموسوعات تفسيرية مختصة فقط بـ "وجوه الإعراب"، فكل آية لها أعاريب مختلفة. وقد بدأت من النحاة في القرن الأول والثاني، مثل "الفراء" (وهو شيعي من نحاة الشيعة) الذي عنده كتاب في وجوه إعراب القرآن، وكذلك "الكسائي"، و"الخليل بن أحمد" (من الشيعة). المهم أن وجوه الإعراب وتعدد القراءات كلها صحيحة على الموازين. خذ مثلاً البسملة، الباء في "بسم الله" فيها وجوه إعراب، الله أعلم قد تصل إلى عشرين وجهاً أو أقل أو أكثر، وكلها تجري وتصح على الموازين. وبحسب منهجية أهل البيت (عليهم السلام) هذه كلها صحيحة، بمعنى أن الكلام قابل للتصريف والوجوه المختلفة، لكن بحسب الموازين لا الهلوسة.

قلت لكم: هذا البحث (بنية الظهور) بحث صعب ومهم. سيصعب على الحشوية أو السطحية والقشرية من الأصوليين ومن الإخباريين، أما المحققون من الفريقين (الأصوليين والإخباريين) فعندهم باع كبير في هذا الجانب وهو صحيح.

 

الأصول اللفظية عند العقلاء والدلالة اللفظية

نكتة يذكرها الأعلام في بنية الظهور: رغم أن الظهور من أقوى الأمارات الظنية، إلا أنه يحتاج إلى "جانب سِيْرَوي عَمَلاني" (بحسب الاصطلاحات العصرية)، أي يحتاج إلى توظيف نوعي في بناء العقلاء، فجانب العمل مأخوذ فيه.

كيف يُجمع بينهما؟

في بنية الظهور وعناصرها، الأصول اللفظية شبيهة بالأصول العملية؛ فرغم أنها أمارات نوعية وكاشفة، إلا أن فيها جانباً توظيفياً عملياً. ولذا ليس كل أمارة في الألفاظ تكون متبعة، إلا أن يكون في البين "بناء جارٍ" وسيرة جارية في التعاطي معها عند العقلاء. بدون هذا البناء، لا تكون من عناصر الظهور؛ فليس كل قرينة "من هب ودب" تُعد من عناصر الظهور.

سأوضح هذا أكثر في بحث السيرة والظهور: لابد من "بناء عملي". هناك أمارات كثيرة، لكن إذا لم يتخذها العقلاء بناءً نوعياً، لا تكون حجة ولا مندرجة في سيرتهم.

وهكذا الحال هنا: الأعلام يقولون إن "أصالة العموم" (وهي أصل لفظي) عند الشك، لا يُرى كبناء عند العقلاء أن يُبنى عليها لغير إحراز الفرد أو لغير إحراز ترتب الحكم. أما إذا علمنا أن الحكم غير مترتب قطعاً، فهل تجري أصالة العموم لإثبات أن الخروج تخصيص لا تخصص؟ الجواب: لا، ليس هناك بناء عقلائي جارٍ على هذا الجانب. فصحيح أن الدلالة اللفظية حجة مهما بلغت، لكن بشرط أن تكون محلاً للبناء النوعي للعقلاء، وإلا فلا [9، 10].

المدار النوعي في حجية الموثوق والثقة

سأجلب مثالاً آخر للتوضيح، أوضح للضابط في المسألة:

أجيب توضيحاً الآن: جرى نقاش - لعله في قم - في مجلس نجفي غاص بأهله والقميون موجودون فيه، مع أحد الأساتذة من النجف. فسألني: ما هي مبانيك في الرجال؟ أو في حجية الخبر؟ قلت له: أنا أبني على كل المباني، أجمع المباني كلها. قال: كيف؟ قلت له: هكذا أبني. قال: وضح، ما الدليل على هذا؟

قلت له: أنت عَرِّف لي ما هو الفرق بين معنى "الخبر الموثوق" و"خبر الثقة"؟

قال: ها! هذه من بديهيات علم الأصول.

قلت له: هي بديهية، لكن أريد تعريفها، هاتها.

قال: إن "خبر الثقة" جانب نوعي، أما "الخبر الموثوق" فهو وثوق شخصي ظني.

قلت له: أيصح هكذا تعريفه؟! أي عالم يقول بأن الخبر الموثوق به هو وثوق شخصي وليس نوعياً، ومع ذلك يدعي قيام السيرة عليه؟! هذا لا معنى له. (التفتوا كيف؟ فتراجع بعدها).

فخبر الثقة إذا فسرناه بأنه وثوق شخصي، فالعقلاء ليس لديهم بناء على "الشخصنة"؛ لابد أن ينضبط الأمر نوعياً. إذاً ما الفرق الماهوي العقلي بين مبنى خبر الثقة ومبنى الخبر الموثوق به؟ (يلا أنتم حلوها، هذا سر من أسرار الأصول ماهوياً، تعال فسره أنت).

ما أريد قوله في مباحث الحجج (وسأبينه إن شاء الله): إن من بنى على الوثوق، لا يحمي حاله إلا إذا بنى على مبنى عظيم جداً (وهو النوعية)، وإلا فهو لا يفهم معنى الوثوق.

الشعائر ليس كل آلية محللة تمارس من دون تطبيق عرفي

فالمقصود من ذكر هذه النكتة هو: أن العقلاء في سيرهم لابد أن يكون لديهم "بناء نوعي"، وإلا فمجرد وجود أمارات لا يكفي ما لم تُتخذ بناءً. وهذا شبيه بما يُنقَّح في "الشعائر"؛ فالشعائر ليست كل آلية محللة تمارس لبيان المعاني الدينية، بل لابد أن تصير شعاراً. وصحيح أنه ليس لدينا شعائر توقيفية (خلافاً لما يُتوهم)، فهي عقلائية ومتشرعية ويمكن أن تتوسع، لكن الشرع حدد لها شرائط وقيوداً. نعم، بعض الشعائر توقيفية كالأذان والإجهار به، أو سوق الهدي، ولكن كقاعدة كبروية: الشعائر ليست توقيفية، وهذا بحث صناعي معقد (كيف تكون القاعدة غير توقيفية وبعض مصاديقها توقيفي؟ نتركه لمكان آخر).

والشاهد: هاهنا أيضاً في القرائن التكوينية، ما لم يكتشفها العقلاء ويصححوها ويقننوها ويبنوا عليها "نوعاً"، لا تكون ضمن السيرة، وإن كانت تكوينية وتستحق الاعتناء، لكنهم غافلون عنها أو لم يقننوها.

التمسك بالعام لخروج فرد بالتخصيص لا التخصص

المهم: في السيرة لابد من بناء نوعي. ومن ثم، فالأعلام في هذه المسألة (مسألة التمسك بالعام لإثبات التخصيص دون التخصص) يقولون: لا يمكن التمسك.

طبعاً، لو ثبت أنه تخصيص وليس تخصصاً، لترتبت عليه ثمرة (وهي ترتب آثار الموضوع للعام في أحكام أخرى). لكن لا يمكن التمسك؛ لِمَ؟ لأن العقلاء لا يتمسكون بالعام فيما علموا بخروج الفرد (أي علموا بعدم ترتب الحكم عليه) لإحراز عنوان الخروج، فليست أصالة العموم "آمرة" هنا، وليس هناك بناء عقلائي.

هذا هو أصل الكبرى في هذه المسألة، إلا أن لهذه المسألة صغرى معقدة ومثالاً سنستعرضه غداً إن شاء الله، وهو مثال "ماء الاستنجاء" (أجلكم الله)، فهو بحث صناعي لطيف.

logo