47/07/08
التمسك بالعموم الثانوي وتوجيه الروايات الواردة - حقيقة الدليل الخاص في منظومة التشريع/التمسك بالعام في الشبهة المصداقية/باب الالفاظ، مبحث العام والخاص
الموضوع: باب الالفاظ، مبحث العام والخاص /التمسك بالعام في الشبهة المصداقية/التمسك بالعموم الثانوي وتوجيه الروايات الواردة - حقيقة الدليل الخاص في منظومة التشريع
حقيقة التخصيص عند القدماء
كان الكلام في النصوص الواردة في نذر الصوم في السفر ونذر الإحرام قبل الميقات، باعتبار أن هذين الموردين من النذر -بدون النذر- غير مشروعين، فكيف بتوسط عنوان ثانوي وهو النذر المأخوذ فيه المشروعية والمأخوذ فيه الراجحية یکون مشروعا؟
هل هذا تخصيص في شرطية الرجحان في متعلق النذر؟ أو أنه تخصيص في مشروعية الصوم أيضاً (بعد في السفر)؟ أو تخصيص أيضاً في مشروعية عدم مشروعية الإحرام قبل الميقات؟ فالأعلام على كلٍّ مختلفون في التفسير.
لاحظ، إن الأعلام ليسوا كالرواة -وأكرم وأنعم بالرواة- لكن دورهم رواة. ان الفقهائ لا يكتفون بورود النص وطريق ولکن لا یکتفون به بل یلمون بالمتن كيف يتلاءم مع القواعد؟ هل هو مجرد تخصيص؟ ففهم النص وتأصيله مهم؛ يعني إرجاعها إلى الأصول والقواعد في الباب؛ أي الأصول الفوقية كأصول باب الصوم، أصول باب الإحرام في الحج، والقواعد.
خمسة من النصوص المعتبرة تشكل سنة قطعية
في مورد يذكر السيد الخوئي (رحمه الله عليه) أنه إذا خمس نصوص معتبرة -وإن لم تكن صحيحة- تشكل سنة قطعية. فالمقصود في نفس كل باب فيه قواعد، فيه أصول، ولابد أن يفسر الخاص ويترجم قواعدياً.
حقيقة الادلة الخاصة تنزلات لعمومات اخرى
وهذا يؤكد نظرية التخصيص عند القدماء: أن العام في منطقة الخاص غير معدوم من جانب، ومن جانب آخر هو عبارة عن عمومات أخرى اجتمعت في التقنين مع العامل المخصص وغلبته، فيصير تزاحم ملاكات في التشريع وليس تزاحماً خارجياً. على أية حال، ذكر الأعلام (كالسيد اليزدي والنائيني والسيد الخوئي) عدة وجوه، إن الفقيه دائماً يحرص على أن النصوص الخاصة غير خارجة عن العمومات والقواعد. وإن كان هذا الخاص يخصص العموم (أي ينافيه)، لكن يحاولون إدراجه في عمومات وقواعد أخرى. وهذا يدل على أن حقيقة الأدلة الخاصة هي تنزلات لعمومات أخرى تتزاحم مع عموم معين فتخصصه.
لا الخاص ليس هو الجيل الأول في التقنين والتشريع، هذه قاعدة في علم الأصول والقانون: محال أن يكون الخاص تشريعاً لا يمت بصلة للقوانين الدستورية. لابد أن يكون له أُس. ربما يعجز الفقهاء عن تفسيره وشيئاً فشيئاً، أو جيل بعد جيل، يقدرون على تفسيره، لكن لابد أن لا يكون بنحو التناقض. بلا شك الخاص ينافي العام فيخصصه، لكن لا يمكن أن ينافي كل العمومات ومع ذلك يقبل به، بل لابد أن يتلاءم مع بعضها فيكون ممثلاً لها في تقديمها على هذا العام. أما أن يكون الخاص شيئاً مبتدعاً من الجيل الأول في التقنين (أي دستورياً) فلا؛ لابد أن يكون جيلاً ثانياً أو ثالثاً يمت بصلة إلى الأصول.
ما الملجئ لهم لهذا الحرص؟ لو كانت صحة الطريق هي كل شيء لما احتاجوا لذلك، لكنها جزء الشيء. لابد من التفقه لفهم مفاد الروايات. (ليتفقهوا) فبالتالي ليس لدينا "تعبد خاص" كما قد يتخيل، هذه نظرة ظاهرية سطحية. الحكم الظاهري أو الخاص لابد أن يرجع إلى تشريعات أخرى، وحكمه حكم بقية الأحكام: «إذا ورد عليكم الخبر فاعرضوه على الكتاب والسنة».[1]
شرطية اصل حجية الخبر عدم مخالفته مع الكتاب والسنة
وهذا العرض على الكتاب والسنة ليس فقط في مقام التعارض، بل هو من شرائط أصل حجية الخبر. نعم، كيفية كون الكتاب والسنة مرجحاً تختلف عن كونه شرطاً في أصل الحجية. شرط "أن لا يخالف الكتاب والسنة القطعية" في أصل الحجية يعني عدم التناقض، كما أن عدم موافقة العامة له معنى في أصل الحجية غير معناه كمرجح في باب التعارض. وإن كان بعض الأعلام قد يغفل في التطبيق، لكنهما شأنان مختلفان. والمشهور يفككون بين المقامين.
مقام اصل الحجية للخبر ومقام الترجيح عند التعارض
في مقام أصل الحجية، الخبر الواحد يجب أن لا يتناقض مع الكتاب والسنة، وأن لا يكون هناك قرينة على صدوره على التقية؛ وهذا لا ربط له بالتعارض. أما في مقام الترجيح، فيصير له معنى آخر؛ فعدم مخالفة الكتاب في الترجيح تشمل حتى العموم والخصوص المطلق. العموم والخصوص المطلق ليس تناقضاً، فلا يسقط حجية الخبر في مقام الأصل (لأن السنة تفسر الدلالة الظنية للكتاب)، لكنه في مقام الترجيح يكون عاملاً للمرجوحية. أما في أصل الحجية فالمخالفة تعني التناقض المباين (مثل "صم ولا تصم")، أو ما يخالف السنة القطعية (كروايات أن خروج الدم ينقض الوضوء)، فهذا ليس بحجة أصلاً. مع أن العلامة الطباطبايي رحمة الله عليه في بعض كلماته خلط بين الامرين.
مقامات التقية في الخبر
وكذلك التقية: تارة يكون في الخبر نفسه قرائن على التقية تخل بحجيته بغض النظر عن المعارض، وتارة لا تكون فيه قرائن قوية تخل بأصل الحجية (لانه ليس كل موافقة العامة تقية) ولكن عند التعارض تصلح التقية (أو موافقة العامة) قرينة للترجيح. وهذا دليل على ما ذهب اليه المشهور من أن بعض القرائن في نفسها ليست قرائن بل تصبح فعالة عند التعارض. هذا يعني أن الجمع مهما امكن اولى من الطرح.
حجية الخبر الواحد موافقته لمنظومة التشريعإ
ذاً، لماذا يحرص الفقهاء على معرفة موافقة الخاص للكتاب والسنة في أصل الحجية؟ للتدليل على أن معنى الحجية هو "الوفاق الشبكي المنظومي الثبوتي"؛ فلا يصدر تقنين شاذ عن منظومة التشريع. الرواة شأنهم الإيصال التكويني غير الايصال الاعتباري، أما الحجية فتعني أن الخبر "علمي" أي موافق لمنظومة التشريع أي الكتاب والسنة. هذا هو ركن الأركان، لا كما يتصور السيد الخوئي رحمه الله في مبنى التعبد المحض.
الاختلاف بين حجية الكتاب والسنة ثبوتا واثباتا
حجية المصحف في مذهب اهل البيت وحيانية لا حسية
ولا نخلط بين الايصال التكويني والايصال الاعتباري. وهذا المبحث يرتبط بحجية الكتاب والسنة ثبوتاً (لا إثباتاً وظاهراً) ولا تذكر هذه الامور في الاصول صراحة بل في عساعسه.
الاصوليون يبنون على ان حجية الكتاب والسنة ثبوتا تختلف عن حجيتهما اثباتاً. مثلا الظواهر الظنية للقرآن والسنة من المباحث الاثباتية. أما المفاد القطعي المبده في الكتاب والسنة حجيته ثبوتية. فمقامان يركز عليهما اصوليون وكتاب القوانين. علماء الإمامية ومذهبهم قائم على أن حجية القرآن الثبوتية والوحيانية ليست مستمدة من الصحابة ولا من المسلمين (وإن كان لهم دور في النقل) ولو تواتر، بل حجيته وحيانية. قد سمعتم أن إجماع الأمة من دون المعصوم ليس بحجة، ما المراد من الحجية؟ اذا كان الحجية بمعنى التواتر فهو موجود فما معنى كلام المذهب الامامية؟ هذا يعني انه ليس بحجة وحيانية وإن كان يفيد التواتر الحسي القطعي.
عظمة اليقين العقلي على اليقين الحسي وعظمة اليقين الوحياني عليهما
لأن اليقين في علم المنطق درجات، واليقين الحسي هو أنزل أنواع اليقين متفقا عند المدارس العقلية، بينما اليقين العقلي يرى ما لا يراه الحس او يراه خلافه واليقين الوحياني فوق اليقين العقلي لان الوحي يرى ما لا يراه العقل البشري وان كان لغة الوحي بلغة العقل. فالقرآن حجيته وحيانية وليست حسية. علماء الامامية لا ينفون وجود التواتر لكنه ليس مدار الحجية.
الامام المهدي (عج) حافظ لوحيانية المصحف لدى المسلمين
لذلك، نظرة أئمة أهل البيت وعلماء الإمامية لهذا المصحف الموجود أعظم من تقديس بقية المذاهب للمسلمين. لأن غيرهم يرى قدسيته بالتواتر (اليقين الحسي)، بينما يرى أهل البيت أن يقينه وحياني بوجود "الثقلين" وبوجود امير المؤمنين وفاطمة الزهرا سلام الله عليهما وآلهما وبوجود صاحب العصر والزمان الآن. فلولا وجود العترة لكان هذا المصحف تراثاً بشرياً عرضة للآفات، لكن وجود الإمام هو اللطف الذي يحفظه وحيانياً. حتى علماء الامامية لا يتأتى منهم الحفاظ الوحياني على هذا المصحف فضلا عن غيرهم. لولا وجود صاحب العصر والزمان الان فلا نؤمن بعدم وجود الاشتباهات الحسية في هذا المصحف الان لقاعدة اللطف. هذه نظرة اهل البيت عليهم السلام والعلماء التابعين لهم ان القرآن وحياني وهذا المصحف الموجود ولو لم يكن كالمصحف الموجود عند امير المؤمنين عليه السلام لأنه علي ولا يقاس به احد واين هو اين المصحف الموجود عند عثمان او ابي بكر او عمر. لكن هذا المصحف نتيقن انه مصحف وحياني ببراهينه ووجود صاحب العصر والزمان الذي هو السبب المتصل بين الارض والسماء.فلابد من عترة سيد الانبياء لحفظ القرآن.
دور تواتر القرآن من الصحابة والتابعين ايصال تكويني واعتباره وحياني
وهذا فارق جوهري: التواتر دوره إيصال تكويني الى الأجيال (قناة أرضية)، أما الاعتبار والحجية فبالوحيانية التي يضمنها المعصوم. هذا تفسير مهم حتى في الحوارات المذهبية.
وهذا يفسر مبنى القدماء (كالمفيد وابن إدريس والسيد المرتضى) في أن اعتبار المتن وحجيته هو الذي يجب أن ينتسب لمنظومة التشريع (لا يخالف الكتاب والسنة)، وأن طريق الرواة ليس إلا إيصالاً تكوينياً.