47/11/17
العقد الفضولي (45) تصحيح عقد النكاح والأحتياط الأصولي
الموضوع: العقد الفضولي (45) تصحيح عقد النكاح والأحتياط الأصولي
أمّا عقد الفضولي في النكاح فلا كلام فيه، وقد تقدّم البحث عنه.
أمّا هذه الروايات المستفيضة أو المتواترة في الباب، فإنَّ السيّد الخوئي[1] يرى أنَّ طُرقها الخمسة، حتى وإن لم تكن صحيحة، فهي معتبرة. والمعتبرة عنده تشمل الطريق القويّ أو الحسن أو الموثّق، وهي درجات ثلاث دون الصحيح. فالحديث المعتبر بالمعنى الأخص هو إمّا الموثّق أو الحسن أو القويّ، وأدناها اعتباراً هو القويّ. وهذه الرواية بهذا المستوى تُعدّ عند السيّد الخوئي حجّةً تُلزم الفقيه بالعمل بها. والرواية القويّة هي التي يكون في سندها راوٍ من العامّة لم يُوثّق ولم يُطعن عليه، بل ورد فيه مدح لا يرقى إلى درجة التوثيق، ومع ذلك فهي حجّة عنده. وإنَّما نُعيد تكرار هذه الاصطلاحات التي نقلناها قبل أسابيع، لأنَّ الأجواء العلميّة قد يقع فيها الغفلة عن مثل هذه الأبجديّات البحثيّة أو حتى الجحود بها، وفي التذكير نفع وفائدة.
أمّا الرواية الحسنة فهي ما كان رواتها إماميّين اثني عشريّين، ورد فيهم مدح لا يرقى إلى التوثيق. وهذه أيضاً حجّة عند السيّد الخوئي وعموم تلامذته، وهو مبنى المشهور من الأوّلين والآخرين، عدا صاحب المدارك[2] الذي تشدّد في المسألة، فذهب إلى أنَّ الحجّة هو الصحيح فقط، وأمّا الموثّق فليس بحجّة، وهذا يُعدّ إفراطاً منه (رحمه الله). نعم، هناك نفر قليل من الأعلام الكبار حصروا الحجّية في الصحيح، لكنَّه ليس بمبنى المشهور. والمقصود على أيّ حال، أنَّ الرواية الحسنة حجّة عند السيّد الخوئي وكثير من تلامذته، وهو مبنى المشهور وليس مختصّاً بالسيّد الخوئي.
أمّا الموثّق فهو ما كان في سنده راوٍ أو أكثر من العامّة لكنَّهم وُثِّقوا. وهذا يُعتبر أعلى درجةً من الحسن. فيكون ترتيب درجات الاعتبار كالآتي: الصحيح، ثم الموثّق، ثم الحسن، ثم القويّ. وهذه كلّها حجّة عند المشهور، وكذلك عند السيّد الخوئي. فمن الخطأ إذن حصر حجّية الروايات برواة الثقات فقط، بل إنَّ الممدوحين من الفريقين الذين لم يُطعن عليهم، روايتهم حجّة عند المشهور وعند السيّد الخوئي كذلك.
فنرجع إلى المطلب الذي كنّا فيه، وهو الاستدلال بهذه الروايات الواردة في عقد الفضولي. يرى السيّد الخوئي أنَّ الطرق الخمسة لهذه الروايات، وإن لم تكن بالضرورة صحيحة، فهي معتبرة، ويقطع بعدم تواطئ رواتها على الكذب أو النقل الحرفي (Copy-Paste). ومن هنا يرى أنَّ هذه الطرق الخمسة تشكّل سنّة قطعيّة.
تنبيه: إنَّ خمس طرق لرواية واحدة تشكّل سنّة قطعيّة عند السيّد الخوئي، وهذا المبنى ليس خاصّاً به، بل هو مبنى مشهور علماء الدراية[3] من الفريقين، خمسة طرق لا خمسين. فكيف الحال إذا كانت عشرة أو عشرين أو خمسين رواية؟ لأنَّ ضابطة حصول القطع هي الاطمئنان أو القطع بعدم تواطئ الرواة على الكذب، والاطمئنان بامتناع تحقّق الموافقة بينهم على سبيل الصدفة. فالمقصود أنَّ الروايات الواردة في نكاح الفضولي قطعيّة الصدور، فهي مستفيضة أو متواترة، وهذه الطرق الخمسة كافية لإثبات ذلك عند السيّد الخوئي، فكيف بما هو أكثر منها؟
إذن، من حيث التعداد هناك وفرة في هذه الروايات، إلّا أنَّ دلالتها ليست ذات نطاق عام، فمصبّ الحكم فيها هو عقد النكاح خاصّةً، وليست واردة في عنوان عامّ يعمّ كل العقود كالبيع والإجارة والجعالة والوكالة.
الإشكال: لماذا لا يُتعدّى من صحّة عقد الفضولي في النكاح إلى صحّته في سائر العقود؟ إنَّ هناك إشكالاً صناعيّاً فقهيّاً يمنع من هذا التعدّي، وهو إشكال لو لم يجد له الأعلام حلّاً، لصَعُب عليهم القول بالتعدية من باب النكاح إلى الأبواب الأخرى. ومحصّل هذا الإشكال أنَّه قد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية أوردها الشيخ الأنصاري[4] في كتاب المكاسب، [5] وهي معتبرة ظاهراً، أنَّ مقتضى الاحتياط في النكاح أشدّ منه في العقود الأخرى. فالإمام (عليه السلام) في مقام محاججة المخالفين بقواعد مشتركة، يبيّن أنَّ الاحتياط في الفروج أشدّ من الاحتياط في الأموال، وهذا ممّا لا شك فيه، لأنَّه يتعلّق به أمر الولد والأنساب. وعلى ضوء ذلك يقول صلوات الله عليه ما حاصله: إنَّ البناء على الصحّة في النكاح هو مقتضى الاحتياط، بخلاف العقود الأخرى.
وهنا وقع الإبهام عند الأعلام، إذ كيف يقتضي الاحتياط في النكاح البناء على الصحّة، بينما في العقود الأخرى إذا قامت شبهة، فإنَّ الاحتياط يقتضي البناء على عدم الصحّة؟ فوقعوا في حيرة إزاء هذه المقولة. وخلاصة الرواية أنَّ الاحتياط في النكاح يقتضي البناء على الصحّة، بينما مقتضى الاحتياط في غير النكاح هو البناء على الفساد عند الشكّ.
فالإشكال إذن هو: لعلّ الشارع إنَّما صحّح عقد الفضولي في النكاح لأنَّ الاحتياط فيه يقتضي الصحّة، بينما الاحتياط في عقد الفضولي في غير النكاح يقتضي الفساد. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمكن التعدّي من باب النكاح إلى بقيّة الأبواب لانتفاء الأولويّة.
وهذا البحث الصناعيّ بقطع النظر عن عقد الفضولي ورواياته، فيه نكتة مهمّة جدّاً، وهي أنَّ الإمام سلام الله عليه استدلّ بصناعة فقهيّة على أنَّ مقتضى الاحتياط يقتضي الإفتاء بالصحّة في النكاح دون غيره.
والسؤال هنا: هل الإمام يناقشهم في شبهة حكميّة أم موضوعيّة؟ إنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يناقشهم في شبهة حكميّة، والشبهة الحكميّة تعني استنباطاً كليّاً، وليست شبهة موضوعيّة جزئيّة. وهذا الاحتياط المطبّق كصناعة في الشبهة الحكميّة ليس هو الاحتياط الفقهيّ المتعارف، بل يسمّيه الأعلام احتياطاً صناعيّاً أو أصوليّاً، وهو ما لم يُشرح بما فيه الكفاية في علم الأصول. فالاحتياط عندنا على قسمين: احتياط أصوليّ واحتياط فقهيّ. وهذا المبحث على درجة من الأهمّية تفوق مبحث عقد الفضولي نفسه، حيث إنَّ الإمام صلوات الله عليه يطبّق قاعدة في صميم صناعة الاستنباط، وهي ليست الاحتياط الذي نعرفه، بل هو احتياط آخر يسمّى بالاحتياط الأصوليّ.
وقد أشار الأصوليّون إلى شيء من هذا القبيل في بحث الانسداد، [6] لا في كلّ مباحثه، بل في بعض نظريّاته وأقواله. فالاحتياط المذكور في باب الانسداد بعضه فقهيّ، ولكنَّ القسم الأكثر منه يُراد به الاحتياط الأصوليّ. والاحتياط الأصوليّ يولّد حكماً شرعيّاً أصوليّاً، لا حكماً شرعيّاً فقهيّاً فرعيّاً.
وما هو الفرق بين الحكم الأصولي الشرعي والحكم الشرعي الفقهي الفرعي؟ فحجية الخبر ليست حكماً شرعياً فقهياً فرعياً، وإنما هي حكم شرعي أصولي مندرج في علم أصول الفقه، ولا يُراد به ما هو من أصول الاعتقادات، وهي نكتة مهمة في الاصطلاحات ينبغي الوقوف عندها.
إذ يوجد في اصطلاحات العلوم الدينية عند الأعلام ما يُعرف بالحكم الشرعي العقائدي، كوجوب الإيمان بالله، ووجوب الإيمان بأنبياء الله وأوصيائهم، ووجوب الإيمان بالمعاد. وهذا الوجوب ليس وجوباً فقهياً فرعياً، بل هو وجوب عقديٌّ عقائديٌّ شرعيٌّ. وقد يُعبَّر عن هذا الوجوب العقائدي بالوجوب الأصولي، والمقصود به أصول الاعتقاد. وأما الوجوب الشرعي الأصولي بالمعنى الآخر، فهناك فرق بينه وبين الأول. وهذه اصطلاحات للأعلام لا بد من تمييزها لرفع الالتباس، وهي مبثوثة في مصنفاتهم على مدى القرون.
والبحث المتفرع على الرواية التي سنقرؤها لاحقاً، هو في حقيقته أهم من مسألة عقد الفضولي ذاتها، وأهم من الإشكال الصناعي المتقدم، بل وأهم من حل الأعلام له. وهذا المبحث هو اصطلاح “الاحتياط الأصولي” الذي غُيِّب الحديث عنه في القرن الأخير أو القرنين الأخيرين عند علماء الأعلام، وغاب استثماره.
فائدة: حريٌّ بأحد الباحثين من ذوي الهمة والجرأة العلمية أن يكتب في هذا الموضوع رسالة مستقلة، فإنه من المباحث الجوهرية غير المكررة التي تبقى أثراً علمياً نافعاً.
تطبيقات الاحتياط الأصولي عند الأعلام المتقدمين
وممن كان يتمسك بالاحتياط الأصولي بكثرة الشيخ المفيد، [7] حيث كان يستنبط على ضوئه، ويترك لأجله بعض الظنون المعتبرة. وهذا الاحتياط الأصولي الداخل في صميم عملية الاستنباط تكون نتيجته منضبطة لا تتخلف.
وكذلك الشيخ الطوسي[8] في كتبه كـالمبسوط والخلاف والتهذيب والاستبصار. وقد نقل السيد بحر العلوم[9] في ترجمته لكتاب التهذيب للشيخ الطوسي أنه كتاب استدلالي وليس مجرد كتاب حديث، ويقول إنَّ من يراجعه تتقوى ملكته الفقهية لا الروائية فحسب، لما يذكر فيه الشيخ الطوسي من قرائن وشواهد استدلالية وصناعية قد لا توجد حتى في مصادر أخرى كـوسائل الشيعة.
ولهذا السبب نُقل أن السيد بحر العلوم كان يعتمد في تدريس الفقه في النجف الأشرف على كتاب الوافي[10] لا على شرائع الإسلام مثلاً. والحاصل أن كتابي التهذيب والاستبصار ليسا مجرد كتابين روائيين، بل هما كتابان استدلاليان، يكثر فيهما التقييد والتخصيص وذكر الشواهد، على نحو أوسع مما هو موجود في الوسائل.
فالشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار والخلاف والمبسوط يكثر من الاعتماد على هذا المسلك في الاستدلال، خصوصاً عندما يتعقد البحث وتتشعب الاحتمالات، فيعبر بسفينة الاحتياط في الاستنباط –أي الاحتياط الأصولي لا الفقهي– وعلى ضوئه يفتي. وهذا المسلك ليس خاصاً بالشيخ الطوسي، بل تجده عند الشيخ المفيد في المقنعة ورسائله، وعند السيد المرتضى[11] في الانتصار والناصريات، وكذلك عند ابن إدريس[12] في السرائر، والمحقق الحلي[13] في موارد من كتبه.
والحاصل: أن الاحتياط الأصولي، الذي استدل به الإمام الصادق (عليه السلام) كما سيأتي، هو بحث في غاية الأهمية، ولكنه مغفول عنه ومطموس وغير مستثمر في الدراسات المعاصرة.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.