47/11/03
العقد الفضولي (35) الأدلة العامة وتصحيح عقد الفضولي
الموضوع: العقد الفضولي (35) الأدلة العامة وتصحيح عقد الفضولي
وصل بنا البحث إلى محطة مفصلية، وهي: هل تدل الأدلة العامة على صحة العقد الفضولي أم لا؟ وذلك بقطع النظر عن الأدلة الخاصة الواردة في أبواب معينة كالعقد الفضولي في البيع، أو النكاح، أو الإجارة، أو المضاربة.
تنبيه: إن كثيراً من الباحثين، ولا سيما بعض الإخباريين سواء أكانوا من محققيهم أم من متوسطيهم، يقعون في وهم مفاده أنَّه إذا لم يوجد دليل خاص فلا دليل أصلاً، وكأن عمومات القرآن الكريم أو الروايات النبوية الشريفة لا يمكن التمسك بها إلا بوجود مخصص أو مقيد. وهي دعوى غريبة وغير صحيحة؛ إذ لا فرق في مقام الاستدلال بين الدليل العام والخاص، فكلاهما حجة ما لم يقم على خلافه برهان.
فالكلام يقع إذن في مدى دلالة الأدلة العامة على تصحيح العقد الفضولي. ومقصودهم من الأدلة العامة هنا، سواء أكانت عمومات قريبة من الباب كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾[1] ، أم عمومات بعيدة كقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[2] ، وقوله: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾[3] . فهل يمكن التمسك بهذه العمومات لإثبات صحة الفضولي؟
مقدمة: توسعة مفهوم العقد الفضولي
وقبل الخوض في تفاصيل هذا البحث، نُذكّر على نحو الإجمال بالدوائر المتعددة التي مرت بنا سابقاً في توسعة مفهوم العقد الفضولي، وهي: - العقد اللفظي. - معاطاة العقد الفضولي. - العقد الفضولي الملحوق بالإجازة القولية. - العقد الفضولي الملحوق بالإجازة الفعلية. - العقد الفضولي الملحوق بالرضا القلبي المعلوم. - العقود البرزخية.
فائدة: هناك توسعة أخرى في غاية الأهمية، ذكرها الشيخ الأنصاري[4] في بداية أبحاثه، وهي لا تختص بباب البيع، بل تجري في أبواب المعاملات عموماً كباب الوكالة والمضاربة، وقد وردت عليها نصوص في طوائف عديدة. ومحصل هذه التوسعة: أنَّه لو خالف الوكيل أو العامل إذن المالك وتصرف على نحو أوسع مما أُذن له فيه، كأن يأمره المالك بالتجارة في بلد معين فيتجر في غيره، فإن كان هذا التصرف المخالف قد أفضى إلى تحقيق ربح، فإنَّ الشارع يمضيه ويكون العقد صحيحاً والربح لمالك المال. وهذا ليس من صغريات الفضولي ابتداءً، ولكنه مآلاً ليس فضولياً في نظر الشارع.
وكذلك مر بنا في سياق هذه التوسعة ما لو اتجر الولي بمال الصبي أو اليتيم على نحو أوسع من حدود ولايته، فإن ربح كان الربح لليتيم، وإن خسر كان الضمان على الولي. ومثله ما لو استثمر متولٍّ أموال الوقف أو بيت المال العام من دون صلاحية، لا بقصد السرقة بل من باب الحرص، وعاد ذلك بأرباح، فإنَّ هذا الإحسان المعاملي يُمضيه الشارع.
توسعة أخرى: وهي المتعلقة بالبدائل الشرعية للمعاملات الربوية. فمن المعلوم أن عالم التجارة لا يعتمد على الثقة المجردة، بل على المستمسكات والضمانات، وإلا عرّض المرء نفسه للخسران والاحتيال.
والإشكال هنا: كيف يمكن لصاحب رأس المال أن يضمن رأس ماله ويشارك في الربح إن تحقق، من دون الوقوع في محذور القرض الربوي المحرّم الذي يقوم على ضمان رأس المال مع اشتراط فائدة؟
والجواب: أنَّ هناك طرقاً وبدائل شرعية، تُعرف بـ “الحيل الشرعية”، تحقق هذه النتيجة. ومن أتقن هذه الطرق المنصوص عليها في الروايات ما يلي: أن يعطي صاحب المال رأس المال للعامل على سبيل المضاربة، ولكن مع تقييد الإذن وشروطه: 1. أخذ الرهن: يأخذ صاحب المال رهناً موثقاً (كعقارات أو صكوك) لضمان أصل رأس المال. 2. تقييد الإذن بالاستثمار: لا يأذن له في التجارة إلا في المجالات التي تكون نسبة الربح فيها مضمونة بدرجة عالية جداً (كتسعين بالمئة مثلاً) بحسب معايير السوق وخبرة أهله. 3. ترتب الضمان عند المخالفة: إذا خالف العامل هذا الإذن المقيّد وأقدم على استثمار فيه مخاطرة، فإنه يكون ضامناً لرأس المال في حال الخسارة.
والضمان هنا ليس من باب القرض، بل من باب “مخالفة الإذن”؛ إذ إنَّ العامل وكيل، وقد تصرف بما لم يؤذن له فيه فيكون ضامناً.
والنتيجة: بهذه الطريقة المركبة، نصل إلى تحقيق مقاصد شبيهة بالقرض الربوي من حيث النتائج العملية، ولكن في إطار شرعي سليم: - فضمان رأس المال قد تحقق من خلال الرهن ومن خلال تقييد الإذن. - والربح إن وقع، فإنه يكون لصاحب رأس المال أو بنسبة متفق عليها.
وهذه المضاربة المقيّدة هي البديل الناجح عن القرض الربوي، وهي طريقة مرنة ومتكيفة مع متغيرات الأسواق. وقد تعرض الشيخ الأنصاري (رحمه الله) لهذه المباحث في بدايات عقد الفضولي، وهي في حقيقتها قد تكون أهم وأكثر ثمرة من مبحث الفضولي نفسه، لأنها تقدم حلولاً عملية لما هو محل ابتلاء المكلفين في الأسواق. ولو دُوِّن الفقه بمثل هذه الصيغة الابتلائية لكان أنفع للمكلفين من التدوين التقليدي. وهذا ما ينبغي وضعه في الحسبان، فالبحث في القواعد والعمومات يجب أن يصب في النهاية في تنقيح المسائل الابتلائية التي تخلص المكلفين من الربا والمعاملات المحرمة.
ومما يؤكد على أهمية هذا الجانب التوثيقي في المعاملات، هو الأمر القرآني الصريح بذلك في أطول آية في القرآن، وهي آية الدَّين، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ﴾[5] . والدَّين هنا لا يختص بالقرض، بل يشمل كل ما ينشأ في الذمة من المعاوضات.
رأي الشيخ الأنصاري: شمول العمومات للرضا اللاحق
نرجع الآن إلى العمومات، حيث وصلنا إلى أن الشيخ الأنصاري (رحمه الله) يرى أننا لو كنا وهذه الأدلة العامة كـ﴿تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ﴾ و﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ و﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، لكانت دالة على صحة العقود المقترنة بالإذن أو الإجازة اللاحقة. فليس في هذه الأدلة ما يشترط أن يكون الرضا مقارناً للعقد، بل هي مطلقة تشمل الرضا اللاحق.
وهذا مبحث مهم يرتبط بمسألة “الشرط المتأخر” في علم الأصول، مقابل الشرط المقارن والمتقدم. فهل الرضا شرط مقارن للعقد أم يمكن أن يكون شرطاً متأخراً تلحق آثاره العقد السابق عليه؟ يرى الشيخ أن أدلة شرطية الرضا، كأدلة رفع الإكراه، أعم من كون الرضا مقارناً أو لاحقاً. هذا هو استظهار الشيخ من العمومات.
وفي قبال الشيخ، ذهب جمع من الأعلام كالسيد اليزدي[6] والآخوند الخراساني[7] والميرزا علي الإيرواني وغيرهم، إلى تفصيل في المسألة. وقبل أن نتعرض لتفصيلهم وشواهدهم، لا بد من التنبيه إلى أن نفس هذا البحث في شمول العمومات من عدمه، قد جرى بينهم في بحث المعاطاة، وهل تشملها أدلة مثل ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ و﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أم لا.
والبحث هنا يجب أن يكون أوسع، ليشمل جميع دوائر الإجازة التي ذكرناها: اللفظية، والفعلية (المعاطاتية)، والإجازة بلسان الحال، والرضا القلبي المعلوم. فهل تشمل العمومات كل هذه الدوائر أم تختص ببعضها؟
نعود إلى كلام الأعلام، حيث إنهم لم يرتضوا إطلاق كلام الشيخ، بل ذهبوا إلى تفصيل مفاده: أنَّ في العقد الفضولي المحض، لا تشمل العمومات العقد ولا تدل على صحته.
والمراد بالعقد الفضولي المحض: هو العقد الذي يُقدم عليه الفضولي من دون أن تكون له أي ولاية أو صلاحية أو علاقة تربطه بالمالك تخوّله إيجاد العقد. أما العقد الفضولي غير المحض، فهو الذي يوجد فيه نحو من الاستناد إلى المالك.
والنكتة الجوهرية التي خالفوا فيها الشيخ هي أن الشيخ الأنصاري (رحمه الله) قد ركز جل اهتمامه على عنصر “الرضا” بشتى أنواعه (لفظي، عملي، قلبي…). بينما يرى هؤلاء الأعلام أن هناك عنصراً ثالثاً أغفله الشيخ، وهو عنصر “الاستناد” أو “الإسناد” أو “النسبة” أو “الصدور”. هذا العنصر الثالث، وهو نسبة العقد وصدوره إلى المالك، مفقود في العقد الفضولي المحض، ولكنه موجود بنحو ما في العقد الفضولي غير المحض.
وعلى أي حال، نرجع الآن إلى العمومات، والمقصود بها هنا هذه الأمور التي لا ينبغي أن ننساها، فهي مهمة، ولعل فائدتها وثمرتها أهم من بحث الفضولي، بل إن مبحث الفضولي يقع كالمقدمة لها.
ففي قوله تعالى: ﴿…إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ…﴾ [البقرة: 282]، ليس المراد بالدَّيْن خصوص القرض، بل الدَّيْن يتولد من أي معاوضة من المعاوضات، وهذه نكتة مهمة مذكورة في الآية.
وقد وصلنا في البحث إلى أن الشيخ الأنصاري[8] (رحمه الله) يرى أننا لو خلّينا وهذه الأدلة العامة كقوله تعالى: ﴿…إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ…﴾ [النساء: 29]، وقوله: ﴿…وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ…﴾ [البقرة: 275]، وقوله: ﴿…أَوْفُوا بِالْعُقُودِ…﴾ [المائدة: 1]، لكانت دالة على صحة العقود المقرونة بالإذن أو الإجازة اللاحقة. وليس في الأدلة العامة ما يدل على لزوم مقارنة الرضا للعقد، بل هي تشمل حتى الرضا اللاحق.
الشرط المتقدم والمقارن والمتأخر في الفقه
وهذا مبحث مهم يذكره الأصوليون في مباحث الشرط، حيث يقسّمونه إلى الشرط المتقدم والشرط المقارن والشرط المتأخر.[9] فإذا بنينا على أن الوضوء شرط للصلاة، فهو شرط متقدم عليها؛ إذ يجب أن يسبقها، لقوله تعالى: ﴿…إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا…﴾ [المائدة: 6]. وأما إذا كان المراد من قوله (صلى الله عليه وآله): «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ»[10] هو الطهور الحاصل المسبب عن فعل الوضوء، فيكون شرطاً مقارناً. وبغض النظر عن كونه شرطاً نفسياً أم غيرياً، فإن الكلام يدور حول كونه شرطاً متقدماً أو مقارناً أو متأخراً. ومثال الشرط المتأخر ما لو صلى شخص جاهلاً قبل دخول الوقت، لكنه أدرك جزءاً من الصلاة، ولو التشهد الأخير، بعد دخول الوقت، فإن صلاته تصح لإدراكه الوقت، فيكون الوقت شرطاً متأخراً للصحة في هذه الحالة.
ويرى الشيخ الأنصاري أن آية ﴿…لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ…﴾ [النساء: 29]، وكذلك أدلة رفع الإكراه كحديث الرفع، [11] إنما تدل على شرطية الرضا بنحو أعم من كونه مقارناً أو لاحقاً.
وفي قبال الشيخ، يذهب السيد اليزدي[12] والآخوند الخراساني[13] والميرزا علي الإيرواني[14] وغيرهم من الأعلام إلى تفصيل في المسألة.
تنبيه: إن هذا البحث في شمول العمومات لعقد الفضولي يجرى نظيره في بحث المعاطاة، فيُبحث هناك هل أن قوله تعالى: ﴿…وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ…﴾ أو ﴿…أَوْفُوا بِالْعُقُودِ…﴾ أو ﴿…تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ…﴾ يشمل بيع المعاطاة أم لا، بغض النظر عن وجود دليل خاص، وهلم جرا.
وهنا أيضاً يجب أن نبحث في مدى شمول العمومات لدوائر عقد الفضولي المختلفة: - الدائرة الثانية: الإجازة اللفظية. - الدائرة الثالثة: الإجازة المعاطاتية. - الدائرة الرابعة: الإجازة بلسان الحال أو بظاهره. - الدائرة الخامسة: الرضا القلبي المعلوم.
فهل تشمل آية ﴿…تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ…﴾ جميع هذه الدوائر؟ قد يقال إنها تشمل الإجازة اللفظية، ولكن ماذا عن بقية الدوائر؟ فبحثنا إذن لا يقتصر على الدائرة الثانية، بل يمتد ليشمل الدوائر الثالثة والرابعة والخامسة، وهذا مجرد تنبيه لإثارة البحث وتحديد مجاله.
ونتعرض الآن لكلام جماعة الأعلام الذين لم يرتضوا كلام الشيخ على إطلاقه، وإنما فصّلوا وقيدوا، فذهبوا إلى أن العمومات لا تشمل العقد الفضولي المحض، ولا تدل على صحته.
وتفسير كلامهم ودليله يتوقف على بيان المراد من العقد الفضولي المحض، وهو العقد الذي يُقدم عليه الفضولي وليس له أي ولاية ولا أي صلاحية في إيجاد العقد. أما العقد الفضولي غير المحض، فهو الذي يوجد فيه نحو استناد إلى المالك.
والنكتة الجوهرية التي خالف فيها هؤلاء الأعلامُ الشيخَ هي أن الشيخ الأنصاري (رحمه الله) ركز فقط على عنصر الرضا، سواء كان رضا لفظياً، أم عملياً، أم بظاهر الحال، أم رضا قلبياً معلوماً. والحقيقة أن هناك عنصراً ثالثاً غير العقد وغير الرضا، وهو عنصر “الاستناد”، أو الإسناد، أو النسبة، أو الصدور، وكلها تسميات لمعنى واحد. هذا العنصر الثالث مفقود في العقد الفضولي المحض، ولكنه موجود في العقد الفضولي غير المحض.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.