« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه

47/10/18

بسم الله الرحمن الرحيم

نظام الولايات (85) العقود والرضا القلبي أو الانشائي (العقد الفضولي 26)

الموضوع: نظام الولايات (85) العقود والرضا القلبي أو الانشائي (العقد الفضولي 26)

 

كنا في هذا البحث نستعرض كلام الأعلام ومبنى الشيخ الأنصاري[1] والسيد اليزدي[2] في فهرسة أصل بحث عقد الفضولي، فالفهرسة الإجمالية دوماً أخطر من الفهرسة التفصيلية.

والفهرسة الإجمالية ليست ديكوراً أو زخرفة صورية، بل هي تنسيق استنتاجي صناعي ماهوي معنوي حقيقي، وهذا هو ما يجب الالتفات إليه.

إنَّ الشيخ الأنصاري عندما يريد أن يبحث في ماهية العقد الفضولي، يميّز بين عقد فضولي محض، وعقد فضولي غير محض. وسنعاود استعراض تتمة دلائله على مبناه القائل بأنَّ الرضا القلبي يجزي عن الرضا الإنشائي، فلا يحتاج إلى إنشاء. وقد تقدّم أن هذا المبنى للشيخ قد استُعرِض في مبحث العقود الإذنية.

العقود الإذنية وموقف السيد اليزدي

فالعقود الإذنية مفادها الإذن، وإن لم تكن إذناً محضاً في معظمها، وهي ليست عقوداً معاوضية ولا تمليكية. وقد عارض السيد اليزدي هذا المبنى في العقود الإذنية، وهو مبنى دقيق وحساس. وقد عارضه في عقود مثل الوصية والجعالة، مع أنَّ الجعالة تمليكية ومعاوضة، وهذا فرع أو مورد يجب الانتباه إليه، وليس قسماً. فالجعالة معاوضة، والتمليك أعم من المعاوضة، والمعاوضة أخص من التمليك، فالعقود التمليكية تحت هيمنتها العقود المعاوضية.

ومع أنَّ الجعالة تمليكية، فإنَّ السيد اليزدي يلتزم فيها بأنها لا تحتاج إلى إنشاء القبول، فالجعالة لا تحتاج إلى القبول الإنشائي. فإذن، ليس الأمر مقتصراً على العقود الإذنية، بل يشمل مثل الجعالة أيضاً.

والوصية قسمان ماهويان يشتركان في جامع، وهما: - الوصية العهدية: ومفادها الترخيص أو التولية، أي التولية في ملكية التصرف. - الوصية التمليكية: وهي كالهدية أو نظيرها.

ومعنى الوصية التمليكية هو التمليك، وليست إذناً محضاً. وحتى الوصية العهدية هي تولية، فما هي التولية؟ هل هي إذن؟ نعم، هي زيادة على الإذن، فهي تولية وإذن، وفيها ولاية. فهي ملفقة من الولاية، كالخليفة والوكيل والنائب، وتتدرج في مراتب ماهوية.

وعلى أي حال، فإلى جانب العقود الإذنية التي فيها التولية، هناك أيضاً الحوالة والكفالة والضمان، وهذه كلها لا يعتبرها السيد اليزدي عقوداً محضة. ولأجل تدقيق الفرق بين العالمين، لا بد من المقارنة بين ما يذهب إليه الشيخ الأنصاري وما يذهب إليه السيد اليزدي، ليتضح مقال كل منهما.

إنَّ تنقيح هذا البحث مهم، إذ يلقي بظلاله على مباحث عقود كثيرة، فهو بحث نخاعي في العقود. وقد مرّ بنا أن هذا المبحث أخطر من بحث عقد الفضولي نفسه، فببركة عقد الفضولي نتنبه لمبحث آخر أهم منه. فأهمية هذا المبحث ليست في ذاته، بل في كونه ينبه إلى مباحث أخرى أخطر منه يعتمد عليها، وكثيراً ما يكون البحث هكذا.

إذن، ليس الأمر مقتصراً على العقود الإذنية عند اليزدي. ولندقق أكثر: ما هو الفرق الدقيق بين مبنى الشيخ ومبنى السيد اليزدي؟ إنها دقة نخاعية وأساسية.

مبنى الشيخ الأنصاري: لزوم الإيجاب والقبول

الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) يرى، حسب هذا المبنى، أنَّ كل عقد لا بد فيه من إيجاب وقبول، كل العقود، ولا يتنازل عن هذا الشيء، فيرى لزوم الإيجاب والقبول الإنشائي. ففي باب الوكالة، تُبحث الوكالة كعقد، وفيها إذن، وهي تؤدي مؤدى العقد في جل الأحكام لا كلها. لكن المشهور يرون أن عقد الوكالة يجب أن يكون إيجاباً وقبولاً. فالعقد ماهية قائمة بإنشاء الإيجاب وإنشاء القبول، والشيخ يبني على هذا الأصل ولا يتنازل عنه.

وقد لاحظ السيد اليزدي أنَّ الشيخ الأنصاري يستند إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]. فالشيخ يرى أنَّ التجارة هي الإيجاب والقبول، وأما “التراضي” فهو شيء ثالث غيرهما، وهو الرضا الإنشائي. والمشهور لا يرون مانعاً من اندكاك إنشاء الرضا في آلية إنشاء القبول، لكنهم ماهوياً يعتبرون الإيجاب شيئاً، والقبول شيئاً، والرضا الإنشائي شيئاً ثالثاً، فهو ثالث في الماهية وإن لم يكن ثالثاً منفصلاً في الوجود أو الآلية. هذا هو كلام المشهور.

فالشيخ الأنصاري فيما بناه هنا، بماذا يغاير المشهور؟ إنَّ إنشاء الإيجاب عنده لازم، وإنشاء القبول عنده لازم، ولكن إنشاء الإذن والرضا ليس عنده بلازم علمياً، بل الرضا القلبي كافٍ. هذا هو مبنى الشيخ الأنصاري.

وأما السيد اليزدي فبماذا يختلف عن الشيخ؟ لقد وافق الشيخ في الجملة وليس بالجملة؛ وافقه في الجملة لأنه قسّم العقد إلى عقد فضولي محض، وعقد فضولي غير محض، وعقود محضة، وعقود تمليكية وإذنية، وهي التقسيمات التي مرت بنا.

مبنى السيد اليزدي: ماهية القبول والرضا

فما الفارق هنا بالدقة الماهوية بين مبنى اليزدي ومبنى الشيخ الأنصاري؟ ولهما في الحقيقة مبنى صاحب الجواهر.[3]

إنَّ مبنى السيد اليزدي يقول: إنشاء القبول ليس شيئاً غير إنشاء الرضا، فهما ليسا ماهيتين متغايرتين، وليستا مجرد آليتين. بينما المشهور يقولون بوجود: إنشاء الإيجاب، وإنشاء القبول، وإنشاء الرضا. غاية الأمر أنهم يقولون: لا يلزم أن ينفصل إنشاء الرضا عن إنشاء القبول، لكنه تركيب ثلاثي. وهي مسألة حساسة ودقيقة.

وعليه، فإنَّ ماهية العقد عند اليزدي تختلف عن ماهية العقد عند المشهور وعند الشيخ الأنصاري، بينما الشيخ الأنصاري والمشهور متفقان في هذه الجهة.

الماهية اللغوية والروحية للعقد

لِمَ سُمي العقد عقداً؟ لأنه يَعقِد، أي يربط. فعقد النكاح رابط، وهو يسمى رابطة روحية محكمة، بل هو كطلسم روحي بين الزوجين. وقد أنشأ الله بذلك رابطاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. ففي القرآن الكريم، يُعتبر عقد الزواج تكويناً في عالم الأرواح، وهذا هو معنى الطلسم، الذي يعني التأثير في الأرواح أو حتى في المادة. وهذه النظرة موجودة حتى عند المسيحية، حيث يُعتبر عقد الزواج عقداً ناموسياً. ولفظ “الزوج” يُطلق على الذكر والأنثى، فكل منهما أنس وسكينة للآخر: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.

فهذا طلسم روحي، لكنه في الشرع ليس طلسماً محرماً، بل هو طلسم محلل. فالعقد والنكاح رابطة روحية وماهوية، لكنها روابط حلال لا حرام، وليست كالسحر والطلسمات المحرمة. فالله يجعل فيه توازناً روحياً بين الاثنين، وألفة وسكينة. لذلك، فإنَّ غايات النكاح لا تُقصر على منفعة البضع، بل له ماهيات متعددة حسب القرآن الكريم، وهي غايات شاملة للشيخين العجوزين والقاصرين أيضاً، تتفاوت مراتبها. وهذا بحث في باب النكاح لا مجال للتوسع فيه هنا، لكنها بحوث ممتعة فقهية وكلامية وأخلاقية وروحية.

فما هي ماهية العقد إذن؟ إنها الرابط.

والمعروف المشهور: أنَّ ماهية الترابط في العقد هي بين الإيجاب والقبول، ويسمونه عقداً لفظياً؛ فالإيجاب لفظي والقبول لفظي.

أما بعض الأعلام: فقد ذهبوا إلى أنَّ قوام العقد هو بالعقد الماهوي المعنوي، لا اللفظي. وإنما نبحث في هذا المبحث لنرى أي المباني هو الأصح: هل هو مبنى المشهور، أم مبنى الشيخ، أم مبنى السيد اليزدي.

وعلى هذا المبنى، الذي ذهب إليه جماعة من الأعلام كبعض محشّي المكاسب، [4] فإنَّ عقدية العقد ماهوية وليست لفظية. وهذه الماهية التي فيها معاوضة أو ربط بين شيئين، وفيها ازدواجية، كربط تمليك العين بالمال، ينشئها الإيجاب بمفرده.

**

دور القبول في منظومة العقد

إذن، فما هو دور القبول؟** دوره هو إنشاء الرضا.

وعليه، فالذي ينشئ العقد هو الموجب. والموجب ليس بالضرورة هو البائع، فقد يكون هو المشتري. وقد مرّ بنا هذا البحث في مسألة: هل الإيجاب خاص بالبائع أم يشمل المشتري؟ وما معنى الإيجاب؟ وهو بحث طويل لا مجال للتوسع فيه هنا. ولكن هذا المبحث مرتبط الآن ببحثنا، وهو مبحث نخاعي جداً وأهم من عقد الفضولي نفسه، إذ لا بد من تفكيك المبحث جزءاً فجزءاً لفهم منظومة عمل هذه الآراء.

فإذن، على ضوء رأي هذه الجماعة، يكون العقد بالدقة عقداً ماهوياً بين ماهيتين: تمليك المبيع وتمليك الثمن، أي تبديل مال بمال. وهذه الماهية ينشئها ويوجدها الإيجاب.

فإنما دوره إنشاء الرضا، فإذا ضُمَّ إلى ذلك مبنى الشيخ[5] من أنَّ الرضا الإنشائي ليس بلازم، وأنَّ الرضا القلبي كافٍ، فلا تبقى حاجة للقبول. وقد قبل السيد اليزدي[6] هذا المطلب في الجملة في المواطن التي ذهب فيها إلى عدم لزوم القبول. وحيث إنَّ المبحث يتسم بالدقة والعمق، فلا بد من تفكيك أجزائه قطعةً قطعةً كأجزاء الساعة، ليتضح وجه الاستنباط الصناعي فيه.

ويتفرع على ما سبق التساؤل عن حقيقة العقد: هل هو أمر ماهوي معنوي، أم هو أمر لفظي؟ وما هو دور إنشاء القبول في هذه المنظومة؟ فإذا قلنا إنَّ دور إنشاء القبول هو إنشاء الرضا، وضممنا إلى ذلك مبنى كفاية الرضا القلبي عن الرضا الإنشائي، فمقتضى ذلك أنَّ الإيجاب وحده كافٍ لوقوع العقد، وتنتفي الحاجة إلى القبول، وتتحقق عقدية العقد بالإيجاب وحده؛ لاعتبار تحقق الرضا القلبي الذي هو المناط.

**

خلاصة الفارق الجوهري بين المبنيين

والفارق الجوهري بين مبنى الشيخ الأنصاري ومبنى السيد اليزدي** يكمن في مسألة لزوم إنشاء القبول. فالشيخ الأنصاري: يرى أنَّ إنشاء القبول أمر لا بد منه في تحقق العقد، سواء صدر من المالك أم من الفضولي أم من غيرهما. أما السيد اليزدي: فيذهب إلى أنَّ الرضا القلبي إذا وُجد، فإنَّه يغني عن إنشاء القبول، فلا تبقى حاجة إليه أصلاً في تلك الموارد التي يكتفي فيها بالرضا الباطني.

ولمزيد تنقيح لهذا المطلب الدقيق، لا بد من مواصلة البحث فيه، فإنَّ هذا المبحث يتسم بأهمية بالغة؛ لكونه مبحثاً شبكياً يلقي بظلاله على أبواب العقود كافة.


تنبيه: تم إعداد هذا التقرير بتوسط الذكاء الصناعي، فأي ابهام يجده الباحث فعليه مراجعة المحاضرة الفيديوية أوالصوتية مباشرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط فيديو المحاضرة:

https://youtu.be/0ehD9m9yIH4?si=KPL4lL_cgkowtOh_

 

تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] هو الشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري (ت 1281هـ)، من أعاظم فقهاء الإمامية في القرن الثالث عشر الهجري، ويُعدّ مرجعاً أساسياً في علمي الفقه والأصول.
[2] هو السيد محمد كاظم بن عبد العظيم الطباطبائي اليزدي (ت 1337هـ)، صاحب كتاب العروة الوثقى.، ومن أبرز مراجع الشيعة في عصره
[3] هو الشيخ محمد حسن بن باقر النجفي (ت 1266هـ)، صاحب الموسوعة الفقهية الكبرى جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام.
[4] يُقصد بهم الفقهاء الذين كتبوا شروحاً وحواشي على كتاب المكاسب. للشيخ الأنصاري، ومن أبرزهم الميرزا النائيني والآخوند الخراساني والسيد اليزدي نفسه
[5] هو الشيخ مرتضى الأنصاري (ت ١٢٨١هـ)، من أبرز فقهاء الإمامية في القرن الثالث عشر الهجري، وصاحب كتاب المكاسب.
[6] هو السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت ١٣٣٧هـ)، صاحب كتاب العروة الوثقى.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo