« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه

47/08/02

بسم الله الرحمن الرحيم

/ الارتباط بين الفضولي والاستثمار/العقد الفضولي

 

الموضوع: العقد الفضولي / الارتباط بين الفضولي والاستثمار/

الارتباط بين الفضولي والاستثمار

كما مر بنا، هناك ارتباط بين عقد الفضولي وعقود الاستثمار. وبطبيعة الحال، ليس كل عقود الاستثمار عقوداً فضولية، ولا كل أنواع وأقسام العقد الفضولي هي عقود استثمار؛ فبين عقود الاستثمار وعقد الفضولي عموم وخصوص من وجه.

السؤال هو: لماذا تُثار عقود الاستثمار في بحث عقد الفضولي؟ إن إثارتها تتم موضوعياً - ثم حكماً ومحمولاً - باعتبار أن عامل الاستثمار (المستثمر) - والمستثمر يطلق على العامل وعلى صاحب رأس المال كليهما - في جملة من الموارد يخرج عن الحدود التي اتفق واشترط فيها مع صاحب رأس المال، سواء كان ذلك ضمن استثمار مضاربة تجارية، أو ضمن استثمارات أخرى كبعض أنواع الإجارة أو الوكالة. فلأنه يخرج عن حدود ما اتُفق واشترط عليه، يندرج في الفضولي، وتترتب عليه أحكام الفضولي.

العقد الفضولي والاستثماري بحث موضوعي كلي

الكلام يقع في هذا المطلب، لا سيما وأن عقود الاستثمار مهمة وقد تترامى ويتكاثر ريعها، فما هو مصيرها؟ من ثَمَّ سنقدم نحن هذا البحث - وهو موارد اشتراك عقود الاستثمار مع عقد الفضولي - كبحث موضوعي قبل أن نصل إلى البحث المحمولي، وهو بحث حكم عقد الفضولي بقول مطلق.

الكلام في هذه المساحة من العقد الفضولي موضوعاً في عقود الاستثمار: كيف يمكن تخريجها؟ هل تُخرّج كعقد فضولي؟ أو أن تصحيحها غير مرهون بتصحيح عقد الفضولي؟ إنه بحث موضوعي كلي في "الشبهة الحكمية". والشبهة الحكمية - كما مر بنا مراراً - لا تقتصر على بحث الحكم الكلي والمحمول فقط، بل ترتبط بالموضوع الكلي أيضاً؛ ففي الشبهة الحكمية أنواع وأقسام عديدة.

وكما أن الشبهة الموضوعية ليس معناها أن البحث ليس في الحكم، فقد يكون البحث في الحكم الجزئي أو الموضوع الجزئي فتكون الشبهة موضوعية. الفاصل بين الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية هو أن "الموضوعية" ترتبط بالجزئي وبالخارج (حكماً أو موضوعاً)، بينما "الشبهة الحكمية" ترتبط بالتنظير الكلي سواء في بُعد الموضوع أو بُعد المحمول.

تصحيح العقد الاستثماري مع تجاوز الشروط

إذن، عقود الاستثمار هذه، وهي محل ابتلاء كما سنتعرض لأبوابها إن شاء الله، إذا تخطى عامل الاستثمار شروط وحدود الاستثمار؛ هل تكون تلك العقود فضولية فتصحح بتصحيح عقد الفضولي؟ أم يكون تصحيحها من باب آخر؟ ومن أدرجها موضوعاً في الفضولي؟ وحتى لو أدرجناها في الفضولي، فإن ذلك لا ينافي إدراجها في غير الفضولي موضوعاً، ويكون التصحيح من ذلك الباب الآخر.

لقد ذكر الأعلام أبواب عقد الاستثمار فيما إذا تجاوز عامل الاستثمار الشروط، ووردت روايات في تصحيح هذا الاستثمار، سواء ربح أو خسر - سبحان الله - أو لم يخسر ولم يربح. هذه الطوائف من الروايات في عقود الاستثمار تصحح العقد، ولكن من أي باب؟

استدل الأعلام بهذه التصحيحات على أنها "مؤيدة" أو "مؤشرة" على تصحيح العقد الفضولي. لاحظوا التعبير: "مؤيدة أو مؤشرة"، ولماذا لم يقولوا "أدلة وشواهد"؟ قالوا ذلك لأنه يمكن أن يكون تصحيح هذه العقود الاستثمارية - وإن اندرجت في الفضولي - ليس من باب الفضولي، بل من باب آخر أو أبواب أخرى. وسنتعرض لكلمات الأعلام حيث يصحح البعض عقد الفضولي لا من بابه، بل من أبواب أخرى، وهي "فذلكة صناعية" لطيفة. وهذا ينبهنا بقوة إلى أن تصحيح عقد الفضولي إذا بُني عليه فيصحح كل أفراده وأصنافه، ولكن إن لم يتم ذلك - كما عند القلة - فهناك أبواب أخرى يمكن تصحيح بعض أصناف العقد الفضولي بها.

خلاصة الأمر أن بحث عقد الفضولي بحث في الشبهة الحكمية لا يقتصر على بُعد المحمول، بل يتحرى فيه بُعد الموضوع الكلي أيضاً؛ حيث يمكن أن يندرج في موضوعات أخرى يصحح من قِبلها. سنقدم الحديث عن عقود الاستثمار لأنها في نفسها مهمة وابتلائية وخطيرة، وأهميتها لا تقل عن عقد الفضولي بل تزيد عليه، ومن جانب آخر لأن الأعلام استدلوا بها كتأييد واستئناس وإشارة (مؤشر) لصحة عقد الفضولي من دون أن يبتوا بأن تصحيحها من بابه؛ لأنها محتملة الوجوه.

المضاربة و الاستثمار وكيفية ضمان راس المال

لنبدأ ببعض الأبواب الواردة في عقد الاستثمار، وهي صورتها صورة الفضولي، وذلك من باب تنقيح الموضوع الكلي في الشبهة الحكمية. ففي "كتاب المضاربة" في "الوسائل"، الباب الأول، الرواية الأولى صحيحة السند (صحيحة محمد بن مسلم) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: "سألتُه عن الرجل يعطي المال مضاربةً، ويُنهى أن يخرج به، فخرج".

هنا المالك حدد للعامل ونهاه عن الذهاب لبقاع محظورة جغرافياً أو معاملاتيًا (كأن يتعامل مع سلع يتذبذب سعرها)، لكن العامل خرج، فصارت المعاملة فضولية ظاهراً. فما هو الجواب؟ قال (عليه السلام): "يضمن المال، والربح بينهما".

كيف يُجمع بين ضمان المال - وكأنه قرض - وبين أن الربح بينهما؟ وهل هذا إمضاء للعقد من باب الفضولي (أي أن المالك أمضى)؟ أم أنه مُمضى تلقائياً وقهرياً؟ إذا كان مُمضى تلقائياً فهذا ليس من باب الفضولي.

صحة الاستثمار مع مخالفة العامل تعبدا أ و بعقد الفضولي

السيد اليزدي - وستأتي روايات عديدة - وجماعة من الأعلام كصاحب الرياض، قالوا إن هذه الروايات في النظرة الأولى "خلاف القواعد". فإما أن نقبلها من باب التعبد الخاص في مورد المضاربة ليس إلا، وبالتالي ليست هي في صدد تصحيح عقد الفضولي؛ لأنه لو كان تصحيحاً للفضولي لتوقف على إجازة المالك، وهنا لم يقل (عليه السلام) "بإجازة المالك"، بل العقد ماضٍ تلقائياً والربح بينهما، وإذا حصلت خسارة فعلى العامل.

الفرق بين شرط الفعل والنتيجة في التصرف في راس مال

كيف نوجه هذا؟ الأعلام ذكروا عدة احتمالات. حتى بعض الاعلام طرح طرحاً لطيفاً وتساءل: هل هذا النهي "تكليفي" أم "وضعي"؟ فالشروط بين المتعاقدين قد يكون مؤداها حكماً تكليفياً فقط، وقد يكون وضعياً.

تارة ينهاه وضعاً، أي "أنت غير مأذون"، فيصبح فساداً وضعياً وحرمة وضعية. وتارة أخرى المالك لا يريد أن ينهاه وضعاً - أي لا يضيق الإذن الوضعي - ولكنه يشترط عليه "شرط فعل" وليس "شرط نتيجة".

كتصور وإثارة للمطلب:

قاعدة في الفرق بين الاذن التكليفي والنهي الوضعي في المعاملات

الإذن إذنان؛ إذن تكليفي، وإذن وضعي.

    1. الإذن التكليفي: يتعلق بالتصرفات غير الوضعية (التكوينية الخارجية) مثل شرب الماء، أو الجلوس، أو التصرفات المجردة التي ليس فيها نقل ولا انتقال. سحب هذا الإذن يعني نهياً تكليفياً.

    2. الإذن الوضعي: يتعلق بالمعاملات (البيع، الهبة، الإجارة). وسحب هذا الإذن يعني نهياً وضعياً (بطلان المعاملة).

في مسألتنا، المالك حينما قال: "لا تخرج بمالي"، هو لم يسحب إذنه في أصل "الاستثمار" والمعاملات (إذن وضعي)، بل سحب إذنه في "أخذ المال ونقله" إلى تلك البلاد (تصرف تكويني). فالنهي هنا تكليفي.

وهل يترتب الضمان على النهي التكليفي؟ السيد اليزدي يقول: نعم، الضمان يترتب على النهي التكليفي. وهذه نكتة صناعية لطيفة جداً؛ فالضمان ليس محصوراً ترتبه على النهي الوضعي، لقاعدة "على اليد ما أخذت حتى تؤدي". فإذا لم يأذن لك تكليفاً فالضمان موجود، وإن كان قد أذن لك وضعاً في البيع والشراء هناك، لكنه لم يأذن لتسلطك على ماله بنقله لتلك البلاد المحظورة.

شرط المالك في التصرفات المجردة التكليفية أو الوضعية

إذن، هناك تفكيك بين الفعلين: الفعل التكويني (النقل) لم يأذن به، والفعل الاعتباري (المعاملات) أذن فيه. المالك يقول: لا تطيب نفسي وأتأذى بنقل مالي لتلك البلدان، لكن عموم المضاربة والاستثمار لم أسحب إذني فيه.

هذه "فذلكة" لطيفة في باب العقود تبين كيف يتصور الضمان من دون قرض، ومن دون شرط ضمان، ومن دون عقد ضمان. وقد ذكر الأعلام حيلة لطيفة في بحث "العارية"، حيث يقول المالك للمستعير: "آذن لك في التصرفات التي ليس فيها مخاطرة بالعين، أما التصرفات المؤدية للتلف فلا آذن لك فيها حتى لو يكن منك تفريط". هذا ليس شرط ضمان، بل هو نوع من تحوير الموضوع وتحكم وتفصيل في الإذن التكليفي.

وبالتالي، أي تصرف يقع خارج هذا الإذن تكون اليد فيه "يداً ضمانية" بسبب اليد (لا بسبب الشرط ولا بسبب القرض). بهذه الحيلة الصناعية اللطيفة نصل في باب الاستثمارات إلى "ضمان المال" من دون قلبه إلى "قرض"، بل يبقى استثماراً، وذلك عبر تضييق وتوسعة الإذن التكليفي. هذا هو الشغل الشاغل للمستثمرين؛ أن يحافظوا على ملكهم بضمان اليد عبر التحكم بالإذن.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo