47/08/01
/ بحوث الاستثمار والعقد الفضولي /العقد الفضولی
الموضوع: العقد الفضولی/ بحوث الاستثمار والعقد الفضولي /
بحوث الاستثمار والعقد الفضولي
وصلنا إلى هذه النقطة في عقد الفضولي؛ أن الصور التي ذكرها الفقهاء الأعلام في عقد الفضولي ثلاث صور. والبحوث التي عالجوها في هذه الثلاث صور - في أدلة تصحيح العقد الفضولي أو أدلة بطلانه - والتي خاض فيها الأعلام بدقة صناعية، هي بحوث مرتبطة ببحث لا يقل أهمية عن عقد الفضولي، بل يزاد عليه، وهو: عقود الاستثمار، العقود الاستثمارية سواء في المضاربة أو في أبواب أخرى.
المضاربة عقد استثمار
هناك شيء مهم جداً نلتفت إليه، وهو أن بحوث الاستثمار في الحقيقة هي جوهر "المضاربة"؛ فالمضاربة اسم قديم للعقد، وحقيقته هو الاستثمار. والمفروض أنه لو أعطانا الله التوفيق لنكتب مثلاً دورة فقهية أو متوناً فقهية كالمنهاج بصياغة جديدة، فالمفروض أن نكتب في باب المضاربة: "عقد الاستثمار"، وهذه العنونة مهمة جداً في وعي المتشرعة بالقوانين الشرعية، وقد يسميه البعض "عقد التشغيل" وهو صحيح أيضاً، فعقد المضاربة بالدقة هو عقد الاستثمار. وربط هذا العقد بالفضولي سنبينه؛ فمن أهم وأخطر مصاديق عقد الفضولي: تجاوز عامل الاستثمار - أو وكيل الاستثمار - للحدود التي حددها له صاحب رأس المال؛ لأن عامل الاستثمار في الحقيقة هو وكيل، فإذا تجاوز الخطوط المرسومة من صاحب رأس المال صارت عقوده فضولية. فبالتالي ما هو مصير الاستثمارات؟ سواء رأس المال فيها أو أرباحها؟ هذا بحث جداً مهم.
الاستثمار الزراعي
كما أن بحوث الاستثمار لا تختص بعقد المضاربة؛ فالمزارعة استثمار، لكنه استثمار زراعي، والمفروض أن يُسمى كتاب المزارعة بالعنوان العصري: "الاستثمار الزراعي"، وكذلك المساقاة أيضاً استثمار زراعي. فالمزارعة والمساقاة استثمار بين العمل ورأس المال، وتنمية لرأس المال بالعمل - تنمية الزراعة والأشجار - فالحاصل الزراعي يتقسم على الاثنين.
عموم باب الاستثمار لكل شركة الأعيان والأعمال
إذن، عندنا استثمار في التجارة، وعندنا استثمار في الزراعة. وفي باب الإجارة - وهذا قلب لفهرسة الأبواب، واستخراج لباطن الأبواب، وهو جداً مهم، وهنا تكون عملية التجديد التحقيقي في باب المعاملات، وضروري وقوعه لكي يلبي حاجيات البيئات العصرية المختلفة - فالأعلام ذكروا في باب الإجارة أن هذه الصيغة العقدية لباب المضاربة (استثمار في التجارة)، وللمزارعة والمساقاة (استثمار في الزراعة)، لا تختص بهذه الأبواب، بل "الاستثمار مطلقاً" يمكن إيجاده بصيغة: أجير، وصاحب رأس مال، والربح بينهما. وهذا المطلب حقيقةً يجب أن يسجد الإنسان له سجدة شكر؛ لأن حقيقة باب الاستثمار - واللهِ - غير مختص بالتجارة حسب النصوص والأدلة وكلمات العلماء، ولا مختص بالزراعة والمساقاة، إنما ضم العمل - أي عمل - لتنمية أي رأس مال بحسبه، ويكون الربح بينهما، فهذا استثمار. وهذه المسألة موجودة في باب الإجارة، مثال ذلك: خياط يقول لصاحب الحانوت - والدكان رأس مال ومنفعته رأس مال -: "أستأجر منك هذا الدكان، وأنا عامل خياطة، وما يأتي من ربح في الخياطة بيني وبينك"؛ مناصفة، أو أثلاثاً، أو بنسبة سبعين وثلاثين حسب الاتفاق، وهذا مفتى بصحته وصحيح، وهو ليس استثماراً تجارياً ولا زراعياً، بل هو استثمار في الصنائع والحرف. فبالتالي، لماذا تسمى الشراكة استثماراً؟ ولماذا لها ربط بماهية الشركة والشراكة؟ لأنها شركة عمل مع عين، "شركة الأعيان والأعمال"، وهو باب واسع من الاستثمار، وليس محدوداً بالشروط التي ذكروها - حتى بعضهم - في باب الاستثمار التجاري (المضاربة) حيث قالوا لا بد أن يكون المال من الذهب والفضة، وقد يُشكل في النقود الورقية، أو إذا كان سلعة أعيان - كأن يكون عندك مائة مليون برميل نفط - فقالوا هنا لا يكون مضاربة، والحال أنه كله استثمار. المقصود بالدقة؛ يجب أن يعاد صياغة هذه الأبواب وتسميتها "باب الاستثمار"؛ إما في التجارة أو في الزراعة أو الحرف والمهن، وهو منصوص عليه، ولا أتمسك هنا بالعمومات بل بالنصوص الخاصة. إذن لا بد من إعادة تدوين هذه الأبواب، أو إضافة أبواب جديدة تأخذ عروقها وماهيتها من الأبواب القديمة، فكأنما الاستثمار ماهية ضاربة العروق ولها وصال ماهوي بأبواب عديدة. وفي أبواب الاستثمار عموماً قد يتخطى عامل الاستثمار حدود ما وقع عليه الاتفاق، وهنا يصبح العقد فضولياً، وحينئذٍ؛ هل الربح لصاحب رأس المال؟ أو الربح لنفس عامل الاستثمار؟ هذا بحث مهم جداً. فإذن عقد الفضولي - بهذا اللحاظ - من أخطر وأهم مصاديقه عقود الاستثمار، إذا تجاوز المستثمر (عامل الاستثمار) الحدود الموضوعة بينه وبين شريكه صاحب رأس المال. مثال آخر: صاحب سيارة أجرة (تكسي)، تارة يستأجر السائق السيارة بأجرة محددة، وتارة صاحب السيارة يستأجر السائق بأجرة، وتارة لا هذا يستأجر ذاك ولا ذاك يستأجر هذا، بل يقول له: "قُد السيارة واعمل بها كسائق أجرة، والربح بيننا"؛ مناصفة أو أثلاثاً، وهذا استثمار آخر لا إشكال فيه، ودلت عليه نفس الروايات الواردة في الإجارة. وأما دعوى المشهور بأنه لا توجد شركة بين الأعمال والأعيان إلا في المضاربة والمزارعة فكلام مرفوض وفيه غفلة؛ لوجود نصوص خاصة في باب الإجارة أفتيتم بها ونسيتموها. ومن الشواهد على هذا المطلب؛ أن نفس المشهور لتصحيح عقد الفضولي تمسكوا بأبواب فيها استثمار، وعامل الاستثمار إما وكيل وموكل، وإما ولي على الأيتام، أو قيم على الأوقاف، وكلها موارد فيها استثمار، فإذا قام بالاستثمار؛ الربح لمن؟ والخسارة على من؟
تضييق دائرة الاستثمار على عامل الاستثمار ضمانة لرأس المال
من النكات اللطيفة في باب الاستثمار؛ أن بإمكان صاحب رأس المال - طبعاً بعد حصول التوثق من استرجاع رأس المال، لأن رأس المال خطير وأصحابه يوصفون عادة بالحذر والخوف من ضياعه، فالكلام ليس في كيفية التوثق من استرجاع رأس المال كالوثائق وغيرها مما يحتاج لآليات، بل الكلام فيما بعد حصول التوثق - أن يستخدم طريقة وحيلة لطيفة ستأتي في الروايات لحفظ رأس المال ولحفظ الربح (وهذه لم أرها عند الأعلام). ما هي هذه الطريقة؟ هي أن يضيق صاحب رأس المال الشروط على عامل الاستثمار؛ فيقول له مثلاً: "استثمر فقط في هذه المدينة ولا تذهب لمدينة أخرى"، أو "بهذا النمط"، ويشترط عليه عدم الاستثمار في الأماكن ذات المخاطر، أو مع أشخاص محظورين. المهم أنه يستطيع وضع دائرة ضيقة من الاستثمار بعيدة عن المخاطر. فإذا وضع هذه الدائرة، قد يضطر عامل الاستثمار للتوسع، فإذا خرج عن المنطقة المحظورة؛ فإن حصل ربح فهو بينهما، وإن حصلت خسارة فعلى ذمة من؟ على ذمة عامل الاستثمار! وهذه نكتة لطيفة جداً.
فرق الاستثمار عن القرض الربوي
هذا ليس رباً، ولا قرضاً، ولكنه يأخذ مفعولاً شبيهاً بالقرض؛ يحشره، بمعنى أن الخسارة تكون عليه والربح بينهما. وهنا يأتي دور بحث العقد الفضولي لنبين أهميته وخطورته في باب الاستثمار لمن يتقنه. الأعلام بحثوا في المضاربة كيف يأمن أصحاب الأموال على أموالهم؟ ففي الوضع الطبيعي الخسارة (الغرم) على صاحب رأس المال، والربح (الغنم) للعامل، أما بهذه الطريقة فيصبح الغرم على العامل، وبدون اشتراط الضمان؛ لأن اشتراط الضمان يقلب المضاربة إلى قرض ربوي. الفرق بين الاستثمار عن القرض الربوي؛ هو أنك في القرض الربوي تملّك العامل رأس المال لكي تضمن رجوعه وتأخذ عليه زيادة (ربا)، وهذا ليس استثماراً. وطبعاً في الاقتصاد البشري المعاصر والقديم (واليهود لا سيما) يقولون: القرض الربوي قرض استثماري وليس استهلاكياً، ويقسمون القرض إلى قسمين: استهلاكي للضعفاء (وهذا معيب أخذ الربا منهم)، واستثماري لصقور عالم المال (فلمَ لا نأخذ منهم الربا؟). وربما نظّر البعض في الوسط الداخلي لهذا، بأن القرض الربوي الحرام هو الاستهلاكي، وهذا خطأ؛ لأن أول ما حرم النبي في القرض الربوي حرم القرض الاستثماري. فبدل أن تتورط أيها صاحب رأس المال بالقرض الربوي الاستثماري، لا تجعله قرضاً (أي لا تملّك رأس المال لعامل الاستثمار) بل أبقه عليك، ولكن حدده بشرط: أن لا يزاول استثمارات في دوائر خطورة - كالعقارات أو الذهب في أوقات معينة - وأمره بالدخول في دوائر مضمونة الربح (أو مضمونة عدم الخسارة). وبسبب طمع العامل في الربح قد يضطر للدخول في الدوائر المحظورة، فليَدخل! فإذا دخل أصبح ضمان رأس المال عليه، والربح بينهما؛ فيكون الغنم لهما، والغرم على عامل الاستثمار. وهذا ما يريده صاحب رأس المال (غنم له ولا غرم عليه)، وهي طريقة سهلة موجودة في طوائف روايات عديدة في باب الوكالة واليتيم والأوقاف والخيرية، ومفيدة جداً للتجار.
الضمان الصحيح في الاجراء علم أصول القانون وضمانة إجراءه
لكن بشرط أن يتوثق صاحب رأس المال من قدرة العامل على إرجاع المال، ولو برهن بيته أو عقاره. فالثقة في عالم التجارة - بل حتى في الإدارة والسياسة - لا تبنى على عدالة الأشخاص، بل على "المستندات" والنظم. لا يكفي أن يكون القانون معك، بل تريد "ضمانة إجراء القانون". وهذا بحث مهم في أصول القانون: "الضمان الإجرائي الصحيح". فمثلاً، الإشكالات التي تورد على المتعة ليست في أصل التقنين، بل في ضمان الإجراء (حماية المرأة أو الرجل)، وهناك صياغة للقوانين تتكفل الضمانة الصحيحة في الإجراء، مثل هذه الشروط التي ذكرناها، حيث إن شرط عدم تعدي الدائرة المضمونة شرط نافذ وصحيح، وهو مرتبط بضمان الإجراء وليس بأصل التقنين. والمفروض أن الفقهاء يعينون أصحاب البيئات المختلفة في قوانين تسهل لهم ضمان الإجراء.
النبي والآل (ص) واتضاح الأنكحة – وضمانة الإجراء
مثال آخر: كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة كذلك هدف أن "تتضع الأنكحة" (أي لا تكون معقدة). فقد زوّج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت جحش - ابنة عمته الهاشمية، وشرفها أكثر من أبيها - لزيد بن حارثة، وقال: «إنما زوجتها لكي تتضع المناكح». أو قول الإمام السجاد سلام الله عليه: «إنما نحن على الغداء، يا فلان، أتتزوج؟ يُزوّج كذا» بكل سهولة وبدون تعقيد. نعم، اتضاع وسهولة الأنكحة يقلل من الفجور، أما التعقيد الحلال - كما يقول أمير المؤمنين - يفتح أبواب الفجور. ولكن؛ كيف نعطي ضمانة إجرائية إذا جُعلت الأنكحة متضعة وسهلة، بحيث لا يستغلها الرجال أو النساء في الابتزاز؟ هذا هو باب "الضمانة الإجرائية" الذي يجب أن يراعيه الفقهاء، وهو باب من أبواب علم أصول القانون.
عاملان مهمان في باب الاستثمار
إجمالاً هذه بحوث مهمة في كيفية الاستنباط. وبالرجوع للمطلب: في باب الاستثمار، تعتبر طريقة التضييق في الشروط طريقة ذكية جداً لضمان رجوع رأس المال، وكون الغنم لهما والغرم على العامل. إذن، لديكم أيها المستثمرون أصحاب رؤوس الأموال دعامتان للنجاة؛ الأولى: التوثق (كالرهن). والعامل الثاني: الضمانة الإجرائية بتضييق دائرة الاستثمار على العامل كي لا يخوض في البيئات المحظورة، فإن خاضها وربح فالربح بينكما، وإن خسر فالغرم عليه. وهذا ربط بديع جداً لعقد الفضولي بباب الاستثمار، وهو أهم من أي مصاديق أخرى.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.