« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/05/08

بسم الله الرحمن الرحيم

قاعدة التفكيك بين شرعية الفعل وشرعية الفاعل وتطبيقاتها في الفقه السياسي/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة

 

موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /قاعدة التفكيك بين شرعية الفعل وشرعية الفاعل وتطبيقاتها في الفقه السياسي

 

التفكيك الصناعي بين شرعية الفعل وشرعية الفاعل

في سيرة ونهج أهل البيت (عليهم السلام)، بل حتّى في سيرة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) في مرحلة ما قبل البعثة إبّان جاهليّة قريش — وإن كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يعش جاهليّةً قطّ، بل كانت النبوّة والاصطفاء ملازمين له منذ ولادته الشريفة — نجد في تلكم السيرة المباركة تفكيكاً جليّاً بين شرعيّة الفعل وشرعيّة الفاعل؛ إذ قد لا يمتلك الفاعلُ الشرعيّةَ لكونه غاصباً أو جائراً، بيد أنّ شرعيّة الفعل في حدّ ذاته أمرٌ آخر، فلا ينبغي الخلط بين الحيثيّتين. وهذا بعينه نظير ما يقرّره الفقهاء في أبواب المعاملات عند التمييز الدقيق بين شرائط صحّة البيع في نفسه وشرائط المتعاقدين؛ فمسألة متى تثبت للمتبايعين الصلاحيّة ومتى تنتفي، جهةٌ منفصلة تماماً، وسواءٌ أكان المورد بيعاً أم أيّ عقدٍ آخر، فإنّ شرائط العقد في حدّ نفسه شيء، وشرائط المتعاقدين شيءٌ آخر.

فلو رُمْنا مثلاً التمسّك بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾[1] لإثبات أنّ بيع الصبيّ إذا بلغ عشر سنين جائزٌ وصحيح، فهل يصحّ ذلك التمسّك؟

والجواب: لا يصحّ ذلك؛ لأنّ مفاد الآية الكريمة ناظرٌ إلى إمضاء المعاملة في حدّ ذاتها، وليس بصدد بيان من يتصدّى لإيقاع البيع وأهليّته، إذ المتصدّي له أدلّةٌ أُخرى ناظرةٌ إليه كقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾[2] . والمتحصّل أنّ شرائط المعاملة في نفسها تُمثّل جهةً برأسها، وشرائط المتعاملين جهةً ثانية، وشرائط العوضين جهةً ثالثة.

وتأسيساً على هذا الضابط:

فإنّه لا يصحّ: التمسّك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ لنفي الشرائط المشكوكة في صحّة البيع نفسه؛ لكون الدليل ناظراً إلى شأن المتعاقد وأهليّته لا إلى أحكام المعاملة.

كما لا يصحّ: الاستدلال بالأدلّة الواردة في شرائط العوضين — كقاعدة الحِلِّ المأخوذة من قوله (عليه السلام): «كُلُّ شَيْءٍ هُوَ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ»[3] — لإثبات شرائط نفس البيع.

والحاصل: أنّ هذا التفكيك الصناعيّ الدقيق بين حيثيّات الفعل جارٍ في المعاملات الفرديّة والاجتماعيّة على حدٍّ سواء؛

إذ إنَّ نظام الحكم هو ضربٌ من الالتزام القائم بين الأطراف، وهو ما يُعبَّر عنه تارةً بالميثاق أو العقد الاجتماعي[4] ، وسواءٌ أكان منشأ الشرعية هو هذا العقد أم كان لها منشأٌ آخر، فإنَّ الحكومة في ذاتها—عبر آلياتها كصناديق الانتخابات أو التصويت على الدستور—تُعَدُّ عقداً اجتماعياً.

تنبيه: إنَّ مبحث التفكيك بين الجهات والحيثيات: الفعل، والفاعل، وبيئة الفعل، وموضوع الفعل، في مجالات الفقه السياسي والعسكري والقضائي، يبلغ ذروة الأهمية من الناحية العقائدية فضلاً عن جنبتها في الفقه السياسي؛ إذ لو لم يفكك الباحث بين هذه الأدلة والجهات لضاع عنه الميزان العلمي السوي القويم.

انحصار السلطات بالمعصوم وأدلة التفكيك في شؤون القضاء والحكم

والقاعدة هنا: أنَّ القضاء مَسْنَدٌ وسلطةٌ حصرها الله تعالى بالأنبياء والأوصياء حصراً، ومقتضى ذلك أنَّ السلطة القضائية ونظام الحكم تنعقد شرعيتهما أصالةً وابتداءً للأنبياء والأوصياء وليست لعموم الناس، فالنظام الاجتماعي من لدن عهد آدم إلى قيام يوم القيامة لا يخرج عن نطاق هذه الصلاحيات؛ وحيث إنَّ السلطة القضائية مجعولةٌ بأيدي الأنبياء والأوصياء، فإنَّ الأنبياء ما بُعثوا إلا لإقامة الحكم السياسي وتشييد النظام السياسي؛ لكون هذا المجلس «لَا يَجْلِسُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ أَوْ شَقِيٌّ»[5] ، فتكون السلطة—أصالةً وابتداءً—منحصرةً فيهم.

وهذا الأمر واضحٌ بيّنٌ في الدليل؛ إذ إنّ المستفاد منه أنّ مشروع الأنبياء (عليهم السلام) من مبتداه إلى منتهاه إنّما هو إقامة النظام السياسيّ، وحيث إنّ السلطة القضائيّة بيدهم، فإنّ مقتضى ذلك أن تكون السلطتان التنفيذيّة والتشريعيّة بأيديهم أيضاً؛ نظراً إلى أنّ السلطة القضائيّة متوقّفة في قوامها على السلطة التشريعيّة وعائدةٌ إليها، فلا يستقيم القول بأنّ شعبةً واحدةً من شُعَب السلطة مفوّضةٌ إليهم بينما تخرج سائر الشُّعَب عن دائرة صلاحيّاتهم.

فإن قيل: لو رامَ باحثٌ أن يستدلّ بهذه الروايات المستفيضة، بل القريبة من التواتر، الدالّة على أنّ شرعيّة السلطة القضائيّة محصورةٌ بالوحي في الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، ليستنتج من ذلك أنّ القضاء يسوغ إجراؤه بكلّ الموازين استناداً إلى ثبوت الإذن للفقهاء في التصدّي؛ فهل ينهض هذا الاستدلال لإثبات ذلك المدّعى؟

قلنا: كلا؛ والوجه في ذلك أنّ الدليل الوارد في قوله (عليه السلام): «…وَلكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَائِنَا فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ…»[6] ناظرٌ فحسب إلى بيان صلاحيّات القاضي وشروط المتصدّي للقضاء؛ وأمّا كيفيّة ممارسة فعل القضاء وفصل الخصومة، فتلك مسألةٌ أُخرى تتبع أدلّةً مباينةً وجهةً مغايرة، ولا يسوغ بحالٍ الخلطُ بين هاتين الجهتين.

ومثال ذلك: قوله (صلى الله عليه وآله): «إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالأَيْمَانِ»[7] ؛ فإنّ هذا الدليل المستفيض المتواتر لا يتعرّض إطلاقاً لبيان من يمتلك أهليّة القضاء وصلاحيّة الحُكْم، بل إنّ صلاحيّة القاضي والمتصدّي تُستقى من لسانٍ آخر ودليلٍ مباين.

وهذا ما يصطلح عليه بـ«التفكيك في التقنين»، أو التفكيك بين الملفّات والحيثيّات في مجالات الفقه السياسيّ والقضائيّ والعسكريّ؛ وقد استفاض النقل عن أعلام المدرسة السامَرّائيّة ومجدّدها[8] ، ومن تلاهم من المحقّقين كالمحقّق الفشاركيّ[9] ، بأنّ جوهر صناعة الفقاهة والاجتهاد إنّما يقوم على ركيزة التمييز والتفكيك بين الحيثيّات والملفّات والجهات، ومجانبة الخلط والدمج الفوضويّ بينها.

وهذه نكتةٌ مهمّة جدّاً: ينبغي إمعان النظر فيها والالتفات إليها؛ فالنصّ النبويّ: «إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالأَيْمَانِ» ليس ناظراً إلى شرائط القاضي ومواصفات الحاكم البتّة، كما أنّه ليس مسوقاً لبيان ما إذا كان مورد القضاء بالبيّنة واليمين مختصّاً بالنزاعات والخصومات الفرديّة، أم شاملاً للنزاعات السياسيّة الكبرى ومسائل الشأن العامّ؛ إذ كيف يُتصوّر في موازين العقل والشرع فضّ النزاعات السياسيّة والعسكريّة والملفّات الدوليّة بمجرّد البيّنة واليمين؟! بل قد يُستفاد من سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) في إدارته لتلك النزاعات المعقّدة والخطوب العظام أنّ الاستناد إلى البيّنة واليمين وحدهما قاصرٌ ولا يفي بالغرض، بل لا مناص فيها من الركون إلى التحريّات وتتبّع القرائن الموصلة إلى العلم واليقين؛ وعليه، فإنّ هذا الدليل خالٍ عن التعرّض أو البيان لمورد القضاء، ويجب رعاية خصوصيّة اللسان في كلّ دليل؛ بحيث تفترق حيثيّة الشرعيّة في شخص المتصدّي عن الحيثيّة القائمة في موضوع القضاء ومتعلّقه.

التمييز الجوهري بين «حكومة الفقه» و«حكومة الفقيه»

توضيح ذلك ببيان موردٍ تطبيقيّ: قد يناقش بعضهم في أصل تصدّي الفقيه أو الفقهاء لتأسيس الحكومة وإقامة أركان الدولة في عصر الغيبة الكبرى؛ ولا يخفى أنّ مَصَبّ هذا النقاش إنّما هو النَّظَر في أهليّة الفقهاء وصلاحيّتهم لإنشاء نظامٍ دينيّ في زمن الغيبة؛ فهل يصحّ جعل هذا البحث الدقيق عينَ مسألة «حكومة الفِقْه» ومطابقاً لها؟!

والحاصل: أنّه لا بدّ من التفكيك الصارم بين هذين المطلبين؛ فهناك عنوان «حكومة الفِقْه»، وهناك في قباله عنوان «حكومة الفَقِيه»؛ والمقصود من الفقيه هنا هو الحاكم المتصدّي من الفقهاء، بينما يراد بحكومة الفقه حاكميّة حُكْم الله تبارك وتعالى وهيمنة شريعته؛ فهل يُقام النظام الاجتماعيّ والسياسيّ على مقتضى حُكْم الله، أم تُعطّل أحكام الشريعة الإلهيّة في زمن الغيبة الكبرى ويُجرّد الاجتماع البشريّ من حاكميّتها؟! فحتى لو فُرض قيام خلافٍ أو نقاشٍ في خصوص صلاحيّة الفقهاء وتصدّيهم لمقاليد الحُكْم، فما هو الموقف تجاه حكومة الفقه في حدّ ذاتها؟ وهل هما حقيقةٌ واحدةٌ أم أمران متغايران يجب التفكيك بينهما؟ إنّ حكومة الفقه تعني حتميّة سيادة أحكام الله تعالى، وليس الله جلّ وعلا بمعزولٍ عن الحُكْم والتشريع في عصر الغيبة الكبرى، وحاكميّة القوانين والتشريعات الإلهيّة تفترق في جوهرها وحقيقتها عن حاكميّة الحاكم المتصدّي وشرائط ثبوت الولاية له.

إنّ حكومة الفقه تعود بالنتيجة إلى أحكام الله تعالى وحاكميتها، فهل يُعقل ألّا يكون الله سبحانه حاكماً في عصر الغيبة الكبرى[10] ، أم أنّ حاكمية الله تتقلّص وتتراجع؟ كلا، إذ لا بدّ من التفكيك الدقيق بين الحيثيات والجهات؛ فإنّ الحكم في نفسه وقوانينه وحاكمية تلك القوانين تُباين في جوهرها حاكمية الحاكم المتصدّي والشرائط المعتبرة فيه. فإذا كان للمرء تحفّظ أو توجّس تجاه الفقهاء أو خصوص المتصدّي منهم، فما بال هذا التوجّس ينسحب على حكم الله وتشريعه وحكم القرآن الكريم؟!

وتفصيل ذلك: أنّك تارة تدّعي العجز وعدم القدرة على إنفاذ الحكم في قبال البيئة البشرية المتغلّبة في الواقع المعاصر، وهذا بحث موضوعيّ وخارجيّ له مجاله الخاص، ولكنّ العجز العملي شيء، والقول في مقام التنظير والتقنين بأنّ أحكام الله تُعطّل في زمن الغيبة الكبرى شيء آخر تماماً. ومن هنا يتجلّى الفرق الجوهري بين «حكومة الفقه الشرعي» — أي حكومة الدين وقوانينه — وبين «حكومة الحاكم الديني» بوصفه متصدّياً وشخصاً.

ومثال ذلك: ما نجده في واقع المذاهب الإسلامية؛ فإنّها وإن تباينت واختلفت في جملة من المسائل، غير أنّ السؤال يظلّ قائماً: هل ثَمّة أحكام مشتركة وضروريات مسلّمة بين سائر المذاهب أم لا؟

والجواب: نعم، توجد مشتركات قطعية. وحينئذٍ، هل يسوغ للمذاهب الإسلامية أن يُداين بعضها بعضاً، وأن تتبادل المحاسبة والمراقبة استناداً إلى تلك المشتركات؟ لا شكّ في ذلك؛ إذ ليس محلّ الكلام في مواطن الخلاف والنزاع المذهبي الخاص، بل في المشتركات القطعية، ككون الكعبة المعظّمة قبلةً، والقرآن الكريم كتاباً مقدّساً، ومرقد النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) موضعاً محترماً مقدّساً، كما ظهر جلياً حين أقدم الوهابيون على محاولة الاعتداء على قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وهدمه في انحراف ومروق سافر عن الدين سنة 1926م (قبل ما يربو على مئة عام).

والقاعدة هنا: أنّ دائرة الاختلاف الفرعي بين المذاهب شيء، ودائرة الوفاق والضروريات المسلّمة شيء آخر؛ وشاهد ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[11] . فإذا تقرّر أنّ هذا حكم قرآنيّ قطعيّ، فهل يجوز تجاوزه أو التلاعب به؟ لا وجه لذلك البتّة؛ إذ يملك كلّ مسلم — من أيّ مذهب كان — أن يُدين غيره ويحاسبه بمقتضى هذا الميزان القرآني، نظراً لكون الأحكام القرآنية المشتركة لا تقبل التبديل ولا التلاعب، فافتراق المذاهب في فروعها أمر، والضرورات الإجماعية المسلّمة أمر آخر.

والشاهد فيه: ما جرى في الحوارية التاريخية التي دارت في دار الخلافة العباسية حين استدعى هارون العباسي الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، حيث بُهت هارون واندهش من دقة أجوبته وعمقها، وهي مناظرة رفيعة أودعها ابن شعبة الحراني في كتابه «تحف العقول»[12] ؛ ومضمونها يسمو فوق مدارك عامة البشر، إذ سأل هارون العباسي الإمام الكاظم (عليه السلام) أن يلخّص له ضوابط الاختلاف والوفاق وموازينهما، فكان من جملة ما قرّره الإمام (عليه السلام) هو هذا المعنى بعينه، ومفاده أنّ مواطن الخلاف شأن منفصل، بيد أنّ المشتركات والضروريات تمثّل ميزاناً حاكماً لا يسوغ لأحد التملّص منه أو الالتفاف عليه. وهذا التقرير هو عين التفكيك بين الحيثيات والملفات؛ إذ إنّ تخطئة بعضنا لبعض في مسائل النزاع والاجتهاد شيء، وأمّا المساحات الضرورية القطعية فلا يتطرّق إليها التلاعب أو التنصّل بحال، لثبوتها واستقرارها، ومن ثمّ كان التفكيك بين هذه الجهات أمراً في غاية الإلزام والضرورة.

والنتيجة: إذا كان ثَمّة إيراد أو نقاش في شأن تصدّي الفقيه أو الفقهاء أو المؤسسة الحوزوية للحكم، فما هو الموقف تجاه تصدّي القرآن الكريم وحاكميته؟ ألا يُعترف بمرجعية القرآن، أم أنّ القصد هو الإعراض عن تحكيم شريعته؟! فمن الذي يُراد تحكيمه إذن؟! ولا ريب اليوم في جواز الاستفادة من المعارف والعلوم المعاصرة والأخذ بمكتسباتها، فالأبواب مشرعة نحوها، بيد أنّ ذلك لا يعني بحال من الأحوال تجميد القرآن الكريم، أو تعطيل الدين، أو رفع اليد عن الأحكام الضرورية المشتركة بين عموم المسلمين؛ فما مغزى هذا التفريط، وما غايته سوى الانسلاخ — والعياذ بالله — عن هذا الدين القويم؟! وتلك كلّها ملفّات وحيثيات يجب التمييز بينها والحذر من الخلط الفوضوي في معالجتها.

الملازمة المنفية بين ضرورة حفظ النظام وشرعية الحاكم المتصدي

تفكّك بيانات أهل البيت (عليهم السلام) بدقةٍ بين ضرورة الفعل - فضلاً عن شرعيته الذاتية - وبين شرعية المتصدّي؛ فالفعل القائم على رعاية الصالح العام وإدارة الشأن السياسي أو العسكري أو القضائي يتّصف بالضرورة في حدّ ذاته، لا بمجرّد الشرعية فحسب. وأمّا كون المتصدّي مأذوناً له شرعاً أو غاصباً للمنصب، فذاك بحثٌ آخر ومقامٌ منفصل، سواءٌ أكان مأذوناً له من قِبَل الله ورسوله وأوليائه من أهل البيت (عليهم السلام) أم لم يكن؛ إذ إنّ الفعل بذاته لا يسوغ تعطيله بحال. وحتّى الغاصب في منطق العقلاء وعرفهم لا يسوغ له غصبُه للتصدّي أن يُهمل ضرورات إدارة المجتمع وحفظ النظام، فضلاً عن المؤمنين؛ فهل يتوهّم أحدٌ أنّ إدارة النظام الاجتماعي ومرافقه تُعطَّل في عصر الغيبة الكبرى؟! وكيف تُعطَّل وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[13] ؟!

والشاهد فيه: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يفكّك صريحاً بين ضرورة الفعل وإقامة النظام في نفسه، وبين هوية المتصدّي وشرعيته الذاتية.

والقاعدة هنا: أنّ شرعية الفعل لا تكسب المتصدّي شرعيةً بحال؛ نظراً إلى أنّ أدلة التصدّي وموازينه وضوابطه تباين موازين شرعية الفعل ذاته، فلكلٍّ منهما ضوابطه التي لا ينبغي الخلط بينها أو الغفلة عنها؛ ومقتضى ذلك أنّ ضرورة الفعل في نفسه لا تُضفي على الفاعل شرعيةً ذاتية، كما أنّ شرعية الفاعل في مقام الإذن لا تستلزم عصمة أفعاله ومطابقتها للشرع على الدوام؛ فقد يكون المتصدّي مأذوناً، كالفقيه المأذون في زمن الغيبة من قِبَل الإمام المعصوم (عليه السلام)، أو كمالك الأشتر (رحمه الله) حين ولّاه أمير المؤمنين (عليه السلام) على مصر وما حولها؛ فلو اتفق أن اشتبه مالكٌ غفلةً أو سهواً، أو اشتبه بعض العاملين تحت إمرته وإدارته، فهل يُقال حينئذٍ إنّ أفعالهم تكتسب الشرعية لمجرّد كون أصل تصدّيهم مشروعاً ومأذوناً من قِبَل أمير المؤمنين (عليه السلام)؟! كَلَّا، بل إنّ لشرعية الأفعال ميزاناً مستقلاً ونظاماً خاصّاً يرجع إلى انطباق الأحكام الإلهية، وهي الضوابط التي فصّلها أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر وأوصاه فيها بملازمة الحذر وغاية اليقظة[14] .

ومثال ذلك أيضاً: ما يقرّره الفقهاء في ولاية الأب على ولده الصغير؛ فالأب وإن كان وليّاً شرعيّاً مفوَّضاً ومأذوناً من قِبَل الشارع الأقدس في التصرف، إلّا أنّ فعله وتصرفاته - سواءٌ في المعاملات المالية كبيع أموال الطفل وإدارتها، أم في شؤون تربيته ورعايته - لا تتصف بالشرعية والنفوذ إلّا إذا طابقت موازين وضوابط مستقلة كالغبطة والمصلحة وعدم المفسدة؛ فالنظام الحاكم لشرعية الفعل جهة، ونظام شرعية المتصدّي جهةٌ أخرى تماماً.

والحاصل: أنّ هذا البحث ذو أثرٍ بالغٍ في المسائل العقائدية والسياسية؛ فحينما يتقرّر وجوب حفظ نظام الإسلام وتسيير مصالح المسلمين في ظلّ سلطان الجور وحكومات الغصب، فمآل القول أنّ ذلك لا يعني قطّ إكساب الحاكم الجائر أيّ شرعيةٍ لكون الحكم ضروريّاً في نفسه، لأنّ لزوم الحكم وإدارة النظام شيء، وتصدّي الغاصب الجائر شيءٌ آخر مباينٌ له.

التطبيقات الفقهية: مشروعية تولي ولاية الجائر وحماية الثغور

وتأسيساً على هذا التفكيك، تتضح مناشئ فتاوى الأعلام وطبقات الفقهاء في مبحث النفوذ والتغلغل واختراق سلطات الجور، وفي مسألة تولّي ولاية الجائر[15] ، سواءٌ في مسند القضاء أم في دوائر السلطة التنفيذية؛ حيث قرّر الفقهاء - استناداً إلى النصوص المستفيضة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) - أنّ الانخراط في جهاز الحكم ليس جائزاً أو مشروعاً في بعض الموارد فحسب، بل قد تفرضه الضرورة الشرعية الملزمة لحفظ النفوس ورعاية شؤون المسلمين إذا كان ذلك بإذن الإمام المعصوم (عليه السلام) وترخيصه. وقد تصدّى جماعةٌ من حواريّي أمير المؤمنين (عليه السلام) وأعيان أصحابه لإدارة ولاياتٍ وأقاليم واسعة في ظلّ الحكومات القائمة بإذنٍ منه وموافقته، ولم يكن عملهم ذلك إضفاءً للشرعية على أصل نظام السقيفة ونحوه، وإنّما كان منطلقاً من ضرورة التصدّي للشأن العام ودفع الفساد عن الأمة؛ إذ إنّ وقوع الشخص المأذون في موقع الوزارة والإمارة شيء، وكون مجموع النظام السياسي الحاكم حائزاً للشرعية شيءٌ آخر يجب عدم الخلط بينهما.

تأسيساً على ذلك، يفتي فقهاءُ الإمامية بأنَّ المواردَ التي يتمكَّن فيها المكلَّف — وليس الفقيهَ فحسب، بل حتّى المؤمن الخبير بإدارة شؤون البلاد ومصالح العباد — من درء الضرر عن المسلمين والمؤمنين وتقليل دائرة الفساد، فإنَّ تصدّيه ودخوله لا يقتصران على مجرَّد المشروعية، بل يرتقي الحكم إلى الوجوب؛ نظراً إلى أنَّ وجوبَ الفعل وضرورته الذاتية لا يستلزمان بحالٍ من الأحوال إضفاءَ الشرعية على الحكومة أو المتصدّي.

ويتفرّع على ذلك، أنَّه متى ما فُكِّك بدقّةٍ بين النظام الذي أرسى أركانَه سيّدُ الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) والنظام الذي تمخّضت عنه بيعةُ السقيفة، يظهر الفرقُ الجوهري بين مفهوم «النظام» في نفسه ومفهوم «الحكومة»؛ وهو المبحثُ الدقيق المبحوثُ عنه في رتبة «طبقات النظام».

والحاصل: أنَّ تفكيكَ الحيثيات والمقامات يمثّل ركيزةً بالغةَ الخطورة في الفقه السياسي؛ وإلّا لاختلطت الأدلةُ الشرعية وتداخلت المسائل. وشاهدُ ذلك: أنَّه من جهةٍ ترد النصوصُ الشريفة عن الأئمة (عليهم السلام) مؤكِّدةً على حماية الثغور، كما في دعاء أهل الثغور: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ»[16] ، ومن جهةٍ ثانية يرد النهيُ المشدّد والمستفيض عن سلطان الجور والتحذير من الدخول في منظومته ومعونة أعوانه.

فإن قيل: هل يقع بين المساقين تعارضٌ أو تناقض؟

والجواب: كلا؛ فهذا ملفٌّ وذاك ملفٌّ آخر مباينٌ له؛ إذ قد يُتوهَّم أنَّ ملفَّ سلطان الجور وحرمةَ معونته والقتال تحت لوائه يستوعب سائرَ الأبواب، وهو حكمٌ صحيحٌ مسلَّم في موضعه، غيرَ أنَّ أصلَ ضرورة الدفاع وحفظَ بيضة المسلمين[17] ملفٌّ موضوعيٌّ مستقلٌّ لا صلةَ له بشرعية الحاكم القائم.

والنتيجة: لزومُ إعمال التفكيك التام بين هذين الأمرين، ليس في مرحلة التنظير الفقهي المجرّد فحسب، بل في وضع البرامج والأجندة العملية أيضاً؛ إذ إنَّ هذا البحث — مع ما يكتنفه من دقةٍ وغموضٍ في ساحتي التأصيل النظري والتطبيق الخارجي — أمرٌ في غاية الخطورة ويفتقر إلى مزيدٍ من البصيرة والتحقيق.

 


[4] العقد الاجتماعي: نظرية في الفلسفة السياسية تفترض قيام توافق أو تعاقد ضمني بين أفراد المجتمع لتأسيس السلطة وتحديد الحقوق والالتزامات المتبادلة بين الحاكم والمحكوم. — المحقق.
[8] يُراد به الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي (ت 1312هـ)، مؤسس مدرسة سامراء العلمية، والتي عُرفت بالتدقيق التحليلي وتفكيك الحيثيات. — المحقق.
[9] هو السيد محمد بن إسماعيل الحسيني الفشاركي الإصفهاني (ت 1316هـ)، من كبار فقهاء وأصوليي مدرسة سامراء، اشتُهر بالدقة الفائقة في فكّ الجهات وردّ الفروع إلى الأصول. — المحقق.
[10] الغيبة الكبرى: هي المرحلة الثانية من غيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، بدأت بوفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري سنة 329هـ وانقطاع السفارة والنيابة الخاصة، وتستمر إلى أوان ظهوره الشريف، والمرجع فيها النيابة العامة للفقهاء العدول. — المحقق.
[12] تحف العقول، ابن شعبة الحراني، ج1، ص404 –408.
[15] يُراجع في تفصيل حكم الدخول في سلطة الجائر ومسوّغات ذلك من الضرورة وجلب المصالح ودفع المفاسد: كتب الفقه الاستدلالي، باب المكاسب المحرّمة، مسألة تولّي ولاية الجائر. — المحقق.
[17] بيضةُ المسلمين: جماعتُهم وحوزةُ دار الإسلام وكيانها، بحيث إذا استُبيحت هلكوا جميعاً وزالَ أصلُ وجودهم. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo