48/04/21
مشهور علماء الإمامية ودوره في حفظ هوية المذهب وتراثه/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /مشهور علماء الإمامية ودوره في حفظ هوية المذهب وتراثه
مرّ بنا استعراضٌ لكلمات جملةٍ من الأعلام في مسألة الجهاد الابتدائيّ، وبيانُ أنَّ الجهاد الابتدائيّ يُعدّ نشاطاً من أنشطة القوّة العسكريّة، ونشاطُ القوّة العسكريّة —كما يُبيّنه أمير المؤمنين (عليه السلام)— هو نشاطٌ من أنشطة النظام السياسيّ في قوله: «وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[1] ؛ فهو ضرورةٌ تكوينيّةٌ ونظامٌ سياسيٌّ بالتالي.
والدليل على هذه الضرورة: وسببها التكوينيّ هو ما رتّبه (عليه السلام) في تمام كلامه؛ إذ «يُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ»، لأنَّ هذا النظام هو الضامنُ لحفظ مجتمع الناس ضمن قوانين وأُطُرٍ ونُظُمٍ في مقابل الهرج والفوضى، وتتحقّق به الحماية الداخليّة المعبَّر عنها بقوله: «وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ»، وهذا لا يقتصر على الشأن الأمنيّ الداخليّ فحسب، بل ينتظم السلطة القضائيّة برمتها؛ فضرورة النظام إذن ضرورةٌ مسلَّمة. ثمّ يُردف (عليه السلام) مبيِّناً دفع الخطر الخارجيّ بقوله: «وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ»، فلكلّ مجتمعٍ أعداءٌ يُتربّص به منهم، وهذا أصلٌ مسلَّمٌ عند الفقهاء؛ فالضرورات التكوينيّة إذن تُساوق الضرورات الشرعيّة وتنتجها.
الدلالة الاجتهادية للمناهج التبويبية والفهرسة
وإذا تصفّحنا فهرس كتاب «الوافي» للمحدّث الفيض الكاشاني (رحمه الله) [2] ؛ فإنَّ الفهرست والتبويب في كلّ مصنَّفٍ وفي أيّ علمٍ يُمثّلان الصناعة العلميّة الدقيقة لذلك الفنّ؛ وقد كنتُ في مقام التتبّع المقارن لمطلبٍ أستجلي به مدى التوافق بين الفيض الكاشاني والحرّ العاملي في هذه الصناعة التبويبيّة، فألفيتُ أنَّ الشيخ الحرّ العاملي —إنصافاً— صاحبُ نبوغٍ فائقٍ في هذا المضمار وسنعرض له في مباحث الأصول عن قُرب، والشاهدُ هنا أنَّ الفيض الكاشاني يمتلك نبوغاً من طرازٍ آخر؛ إذ جعل في «الوافي» أبواب الفقه السياسيّ برمّتها مندرجةً تحت «كتاب الحِسْبة»[3] ، كأبواب الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقضاء، والحدود، والشهادات، والديات، والقصاص؛ فجعل هذه الأبواب جميعاً مندرجةً في سلك الأمور الحِسْبيّة.
وكذلك ينبغي النظرُ والتتبّع في تبويب كتاب «المبسوط» وكتاب «الخلاف» لشيخ الطائفة الطوسي (قدّس سرّه) [4] ؛ لاستكشاف هل جعل كتاب الحِسْبة مَقْسماً وجعل سائر أبواب الفقه السياسيّ أقساماً تابعةً له ومنضويةً تحته أم لا؟ ومثلُ هذا المطلب يتّضح جليّاً من خلال استقراء الفهارس والتحقيق في المناهج التبويبيّة للأعلام.
والحاصل: أنَّ البحث في تبويب الكتب ليس بحثاً شكليّاً أو استطراداً تزيينيّاً، بل هو بحثٌ صناعيٌّ في صميم المادّة العلميّة؛ فالتبويب الصناعيّ ينطوي على فتاوى صريحةٍ ومضمرةٍ للمصنّف، سواءٌ كان ذلك في الفقه والمسائل الفرعيّة أو في علم العقائد والأصول؛ إذ إنَّ عنوان الباب الذي يعقده المؤلّف —على غرار صنيع ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله) في تراجم أبواب «الكافي» العقائديّة والفقهيّة[5] — يُمثّل فتوى علميّةً ورأياً تحقيقيّاً للمصنّف.
التمييز بين الفتوى العملية والفتوى العلمية
والفتوى على سنخين:
• فتوى عمليّةٌ تتعلّق بمقام الامتثال والتقليد.
• فتوى علميّةٌ تُعبّر عن رأيٍ واختيارٍ اجتهاديٍّ يُستثمر في المباحث التخصّصيّة والتحقيق العلميّ، وإن لم تكن صالحةً للتقليد العمليّ لموت صاحبها؛ ومن هنا تبرز الثمرة الجليلة للاطّلاع على فتاوى المتقدّمين وأعلام الطائفة الماضين.
ومن الخطأ البيّن: تغييب آراء عشرة قرون من علماء الإمامية عن العوام وعموم المثقّفين في أيّ مسألةٍ وأيّ باب،
ووجه كونه خسارةً كبرى: أنّ اطّلاعهم على نتاج هؤلاء الأعلام يوثّق صلة المؤمنين بحملة الشريعة؛ إذ إنّ انشداد المؤمنين لا ينبغي أن ينحصر بالعلماء الأحياء -مع كامل التقدير والإجلال لمقامهم ولمن هو الأعلم منهم-، غير أنّ هذا الانحصار مداره باب العمل والتقليد الفقهيّ فحسب. وأمّا في غير باب العمل، فيسوغ -بل يلزم- الاطّلاع على آراء مختلف طبقات العلماء؛ لكونها تثري الجانب المعرفيّ لدى عموم الناس، والمعرفة والثقافة الدينية تصبّان في ترسيخ العقيدة بمعناها الواسع والشامل.
تنبيه: يقع الغلط في توجيه المبلّغين والمرشدين والخطباء (حفظهم الله) حين يقصرون نشر المعارف على فتاوى المرجع المقلَّد وحدها؛ فإنّ ذلك وإن كان مطلوباً في مقام العمل والامتثال، إلا أنّه في مقام التثقيف والتوعية الدينية يغدو من الضروريّ جدّاً أن يقف الناس على نتاج علماء المذهب عبر القرون المتطاولة؛ ولا يلزم من ذلك استيعاب التفاصيل والجزئيات الدقيقة، بل يكفي -على أقلّ تقدير- استعلام رأي مشهور الفقهاء والتثبّت منه.
والقاعدة هنا: أنّ المشهور لا ينحصر في طبقة المعاصرين؛ إذ إنّ اختزال الشهرة في المعاصرين مساوقٌ لمصادرة جهود الطائفة وعلمائها طيلة أحد عشر أو اثني عشر قرناً، واختصار هذا التراث العريض في قرنٍ واحد ينطوي على خطرٍ عظيم وتداعياتٍ جسيمة.
والحاصل: أنّ للفتوى العلمية وزناً علميّاً بالغاً كما يقرّر الأعلام في مباحث الاجتهاد والتقليد، ولأجل ذلك عكف الفقهاء على حفظ مصنّفات المتقدّمين؛ بل إنّ المرجع نفسه لا تتقرّر أعلميّته ما لم يكن محيطاً بالآراء العلمية المتراكمة عبر القرون في شتّى العلوم والمسائل، وإلا لم ينطبق عليه عنوان المجتهد المطلق الجامع للشرائط. فالإحاطة بالآراء العلمية مصداقٌ جليّ لما رُوي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «أَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ، وَأَعْقَلُ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ عُقُولَ النَّاسِ إِلَى عَقْلِهِ»[6] [7] ، وعليه فإنّ الاطّلاع على كلمات العلماء ضرورةٌ لازمة، والانشداد إليهم يقتضي منطقيّاً الارتباط الوثيق بجميع طبقات الفقهاء، متقدّميهم ومتأخّريهم، أحيائهم وأمواتهم، على اختلاف مشاربهم ومدارسهم الفكرية في التراث الإماميّ.
بل حتّى في مقام العمل والامتثال الفقهيّ، تقرّر القواعد أنّ وظيفة المكلّف تدور مدار أحد طرقٍ ثلاثة: إمّا الاجتهاد، أو التقليد، أو الاحتياط[8] ؛ والاحتياط طريقٌ شرعيّ عمليّ يسوغ للمكلّف سلوكه، ولا يتسنّى له العمل به إلا بعد الإحاطة بآراء المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين، سواء أكان احتياطاً تامّاً أم جزئيّاً. فالمذهب في كلّ حقلٍ علميّ تمثّله المسيرة التاريخية المتّصلة لجمهور علماء الإمامية عبر العصور، كما جاء في مقبولة عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق (عليه السلام): «…يُنْظَرُ إِلَى مَا كَانَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا فِي ذَلِكَ الَّذِي حَكَمَا بِهِ، الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِكَ، فَيُؤْخَذُ بِهِ مِنْ حُكْمِنَا، وَيُتْرَكُ الشَّاذُّ الَّذِي لَيْسَ بِمَشْهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِيهِ…»[9] ؛ وعليه فإنّ تجسيد هذا التمثيل المذهبيّ الشامل في شتّى العلوم يُعدّ من أسمى وظائف الحوزات العلمية ورسالتها.
دفع توهم التشويش وضرورة الانفتاح المعرفي في غير الفقه
إشكال: قد يتوهّم البعض أنّ بثّ هذه الآراء التراثية ونشرها بين الناس يوجب تشويشاً على عامّة المكلّفين وإرباكاً لأذهانهم.
والجواب: أن لا محذور في ذلك ولا تشويش؛ إذ المطلوب توسيع الأفق المعرفيّ للنخب والمثقّفين وعموم المؤمنين، وغاية ما يقتضيه التحفّظ هو بيان حدود الوظيفة العملية للمكلّف وتمييز موقعه إن كان مقلّداً لمرجعٍ معيّن أو آخذاً بمسلك الاحتياط. فهذا التفريق إنّما يُلحظ في دائرة العمل والفتوى الفقهية المحضة؛ وأمّا في فضاءات الثقافة والمعرفة، ولا سيّما في علم الكلام وسائر المعارف الدينية، فما هو المنهج الحريّ بالاتّباع؟
ففي علم الكلام لا تقليد فيه إطلاقاً، بل المفروض بالمؤمن أن يطّلع على آراء العلماء بما يساهم في بناء قناعته المعرفية؛ إذ يجب على كلّ مكلّف أن يستنبط في أصول الدين بالنظر والاستدلال ولا يسوغ له التقليد بحال[10] . وكذلك الحال في علم التفسير؛ إذ لا يُعدّ عملاً فقهياً محصاً، ومثله علم الرجال الذي يُراد منه تكوين صورة عقائدية عن التراث، فهذا لا يدخل في دائرة التقليد العملي أيضاً. ومثل ذلك في علمَي السيرة والتاريخ؛ حيث يروم المثقفون، والنخب الأكاديمية، والسياسيون تكوين رؤية واضحة ومستبصرة عن واقعة كربلاء؛ هل كانت خسارة أم نصراً وقيادة خالدة للإمام الحسين (عليه السلام) للأجيال؟ وهو بحث مطروحٌ يُدّعى فيه أحياناً أن قضية كربلاء واقعة استثنائية لا يُقتدى بها ولا تُحتذى، وهذا اتجاه حاضر، مع أنّ البحث فيه عقائدي وليس فقهياً فحسب.
والسؤال هنا: كيف يحدد هذا النخبوي رؤيته العقائدية إن لم يطّلع على كلمات الأعلام في فقه عاشوراء؟ وكيف نُغيّب عنه كلمات الفقهاء ونحصره في مصدر آخر؟ إنّ هذا مسلكٌ خطير في مجال المعرفة. وكذلك الأمر في الفقه السياسي، حين يُشاع أن رأي علماء الإمامية قاطبةً هو التجميد في عصر الغيبة الكبرى، وأنه لا مسؤوليات سياسية ولا عسكرية في هذا العصر؛ فتغييب هذا الكم التراثي الزاخر لعلماء الإمامية يُعدّ خطأً فادحاً.
والحاصل: أن الاطلاع على كلمات العلماء عبارة عن صيانة وحفظ للمذهب، وهو آلية أصيلة من آليات حفظ الدين وحفظ الثقافة الدينية، وتأتي تلو ذلك مرحلة نشر هذه الآراء والأقوال لعلماء العالم، وهو أمر ذو بالٍ لا يمكن التغاضي عنه ولا المزايدة عليه؛ فالمذهب من الناحية العلمية تمثله جهود اثني عشر قرناً من فقهاء المذهب ومتكلميه، وليس هناك قيّم على المذهب بعد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) إلا مجموع طبقات العلماء، وهذا أصلٌ راسخ في مسيرة الدين والمذهب يجب الالتفات إليه علمياً وثقافياً.
والشاهد على ذلك: ما نجده في المدونات القضائية للقضاء الجعفري في مسائل الأحوال الشخصية في غالب بلدان أتباع أهل البيت (عليهم السلام) — كالأوقاف والإرث وغيرهما — حيث يُنصّ أولاً على أن يُقضى بالمشهور[11] ، فإن لم يكن هناك مشهور تصل النوبة حينئذٍ إلى رأي الأعلم الحي؛ وهذه المدونات القانونية معمول بها في القضاء الجعفري في غالب البلدان، سواء كانت ذات أكثرية كالجمهورية الإسلامية أم في غيرها، فيُقدَّم حكم المشهور أولاً ثم يُصار إلى الأعلم؛ وما ذلك إلا لأن للمشهور قداسة خاصة في إعطاء هوية وطابع تاريخي لمسيرة الإمامية، وله أثر بالغ لا سيما على صعيد الشأن العام ومسيرة دار الإيمان ومجتمع المؤمنين، لا على صعيد الشأن الفردي في باب التقليد فحسب؛ فالمشهور له ثقل كبير جداً ينبغي ألا يُغيّب، لا سيما في الساحة الحوزوية فضلاً عن عموم أوساط الناس.
نقد دعاوى الإجماع وتتبع الشهرة بين المتقدمين والمتأخرين
تنبيه: هناك نقطة قررناها مراراً، وهي أنه قد يُدّعى في مسألةٍ مثل الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة الكبرى[12] — حيث كان مرتكزاً في الأذهان إلى عهد قريب مما يلهج به كثير من المعاصرين — أن كلّ علماء الإمامية يذهبون إلى عدم سقوطه في الغيبة الكبرى؛ في حين نجد أن الشيخ المفيد يذهب إلى عدم السقوط مع بسط يد الإمام العادل[13] ، وكذلك الحلبيان (أبو الصلاح الحلبي وابن زهرة) يذهبان إلى عدم السقوط بشرط الداعي العادل[14] [15] ، بينما كلام الشيخ الطوسي في النهاية والمبسوط يحتمل السقوط وعدم السقوط، كما أن المعاصرين لا ينحصرون في مسلك السيد الخوئي، بل نجد من يوافقه أو يخالفه كالسيد عبد الأعلى السبزواري، والسيد محمد صادق الروحاني، والميرزا جواد التبريزي، والسيد محمود الشاهرودي، والشيخ المنتظري؛ وهؤلاء معاصرون وأولئك متقدمون.
والنتيجة: فأين هو الإجماع والتسالم المدّعى في مثل هذه المسائل؟ إنها دعوى تفتقر إلى الدقة والتحقيق.
فليُلاحظ إذن أنّ قضية الاطلاع على مدوّنات طبقات العلماء في الفقه، أو في التفسير، أو في علم الكلام، أو في التاريخ والسيرة، تُعدّ أمراً بالغ الأهمية؛ إذ لا يمكن بحالٍ اختزال المذهب وتلخيصه في نتاج قرنٍ واحدٍ من قرون علماء الإمامية، سواء أكان ذلك القرنُ هو القرنَ الأخير أم قرناً متوسّطاً. ومردّ ذلك إلى وقوع بعض الغفلات العلمية، كما اتّفق للعلَمين المجلسي الأول والمجلسي الثاني (أعظم بهما وأكرم)؛ حيث وقعت عندهما غفلةٌ تمثّلت في اعتبارهما أنّ مشهور المتأخرين في علم الرجال هو مشهور علماء الإمامية في الرجال على وجه الإطلاق، وهذه غفلةٌ واضحة.
ومثال ذلك: ما ذكره العلامة المجلسي في «مرآة العقول»، حيث أورد نتائج رجالية وقرّر أنّها ليست على رأي المشهور[16] ، وهو نمطٌ من الالتباس غير المتعمَّد.
والسبب في ذلك: يرجع إلى التساؤل المنهجي: أيّ مشهورٍ يُقصد بهذا الإطلاق؟ فإنْ كان المراد به مشهور القدماء، فليس هو مبنى السيد جمال الدين أحمد بن طاووس[17] [18] القائم على أنّ أقوال الرجاليين وحيٌ منزَّل وإخباراتٌ حسيّة لا يُرفع اليد عنها مطلقاً؛ وإلا فكيف يسوغ القول بعدم رفع اليد عنها مع وفور مخالفات الشيخ الطوسي للنجاشي؟ فإنْ كانت تلك التوثيقات إخباراتٍ حسيّةً فبِها، وإنْ كانت اجتهاداتٍ واستنباطاتٍ فباب الاجتهاد مفتوح. والمهم أنّ هذا النمط من الالتباس والإيهام — وإنْ كان غيرَ متعمَّد — ذو خطورةٍ بالغة في المباحث العلمية؛ لأنّ المسار العلمي ومعالم المذهب قد تنعطف يميناً أو شمالاً في العلوم الدينية من جرّائه.
والحاصل: أنّ القضية لا تحتمل المزايدة ولا المجاملة، فالحقّ أحقّ أن يُتّبَع؛ حتى وإنْ استعرضنا دعاوى الإجماع المنقولة عن صاحب الجواهر، أو كاشف اللثام، أو صاحب الرياض، أو صاحب مفتاح الكرامة؛ إذ لا ينبغي الركون والاعتماد المطلق في حكاية الأقوال على الأكابر مهما علت رتبتهم وجلّت منزلتهم، لكون الإنسان غيرَ معصومٍ ويبقى عُرضةً للسهو والاشتباه، وهو ما يُحتّم التثبّت والتحقيق الدائم.
ومن شواهد ذلك: أنّ الوحيد البهبهاني وتلميذه صاحب الرياض — وهو ابن أخته — قرّرا أنّ المشهور بإطلاقٍ هو التخيير والإتمام في خصوص الأماكن الأربعة[19] دون بقية مشاهد المعصومين (عليهم السلام). حتى صرّح الوحيد البهبهاني في كتابه «مصابيح الظلام»[20] : بأنّه لولا هذا المشهور لكان مقتضى الاعتماد على صحيحة علي بن مهزيار[21] حريّاً بالقول بالإتمام في سائر مراقد المعصومين (عليهم السلام) لا في خصوص الأماكن الأربعة؛ بيد أنّهم أحجموا عن الفتوى بالتعميم تحرّزاً من مخالفة ما ارتأوه مشهوراً، وتابع صاحبُ الرياض خاله في هذا المسلك بناءً على هذا الفهم، مع وجود رواياتٍ أُخَر غفل عنها المحققان.
والواقع: أنّه عند الرجوع إلى كلمات القدماء يتبيّن جليّاً أنّ عامّة الأقدمين ذهبوا إلى التعميم في سائر مراقد المعصومين (عليهم السلام)؛ فقَصْرُ نسبة القول بالتعميم على السيد المرتضى، وابن الجنيد، وابن أبي عقيل يفتقر إلى الدقّة، بل إنّ جمهور المتقدّمين — كابن قولويه، والشيخ المفيد في كتابيه «المزار» و«المقنعة»، والشلمغاني وغيرهم[22] [23] [24] [25] — قائلون جميعاً بالتمام في سائر المراقد المطهّرة، وهو ما يوضح بجلاء أنّ شهرة المتقدّمين كانت على خلاف ما نسجه وتصوّره المتأخرون.
والنتيجة: هي أنّ استقراء الوسط العلمي وعموم المؤمنين لآراء طبقات العلماء عبر مختلف حقول العلوم الدينية ضرورةٌ ملحّة، مع لزوم التحري البالغ والتثبت الدقيق في نسبة تلك الآراء والمباني إلى أربابها.
كم مِن نسبةٍ خطأٍ قد تقع في نقل الآراء؛ فظاهر كلمات بعض المتأخرين — كالشهيد الثاني[26] وغيره — أنّ نفي الجزئيّة للشهادة الثالثة في الأذان يُعدّ ضرورةً عند علماء الإماميّة، في حين أنّ هذه الدعوى لا واقع لها ووقعت اشتباهاً، ممّا أورث إيهاماً لمن تأخّر عنهم بأنّ نفي الجزئيّة من الضروريّات، مع أنّ المسألة اجتهاديّةٌ محضة، بل قد ذهب جمعٌ من الفقهاء إلى القول بالوجوب فضلاً عن الجزئيّة والاستحباب.
وعلى أيّ حال، فإنّ الاطّلاع على أقوال علماء الإماميّة واستقراءها في الوسط العلميّ لأجل الإفتاء والاجتهاد أمرٌ في غاية الضرورة مع لزوم التثبّت والتحقيق، فضلاً عن مسيس الحاجة إليه في البناء المعرفيّ والثقافيّ لعموم المؤمنين؛ إذ الغاية ليست مجرّد التلقّي للعمل الفقهيّ الصرف، بل تكوين رؤيةٍ دينيّةٍ وبصيرةٍ عقائديّة.
ومقتضى ذلك: وجوب النظر في كلمات الأعلام من المتقدّمين والمتأخّرين — الأحياء منهم والأموات — ولو بالاستعانة بالغير، دون الاقتصار على فتاوى المعاصرين أو حصر التلقّي بفتوى الأعلم فحسب؛ تحصيلاً لحفظ هويّة المذهب وتراثه.
حفظ التراث وصيانة الهوية المذهبية في مصنفات الأعلام
والشاهد على ذلك: ما نبّه عليه النجاشي[27] والشيخ الطوسي[28] (رحمهما الله) في صدري كتابيهما؛ إذ قرّرا أنّ الدافع لتدوين علم الرجال والفهارس لم ينحصر في الجرح والتعديل والفرز السنديّ المجرّد، بل الغاية العظمى والهدف الأسمى منهما هو حفظ تراث الطائفة وهويّتها المذهبيّة. والحاصل: أنّ غرض النجاشي من تصنيف رجاله هو غرضٌ عقائديّ قبل أن يكون فقهيّاً أو رجاليّاً، ليكون علم الرجال خادماً لحفظ أصول المذهب وتدوين معالمه ببرهانٍ وميزان.
ومثال ذلك أيضاً: الشيخ آغا بزرك الطهراني[29] (رحمه الله) الذي بذل عمره الشريف في هذا السبيل، ولو أنّه انصرف إلى الفقه والأصول والتصدّي للمرجعيّة لما قلّ شأنه عن غيره من الأعاظم — إن لم يَفُقهم — لما يلوح في آثاره من الفضل والعبقريّة، بيد أنّه آثر تكريس جهوده لحفظ تراث المذهب بمفهومه الشامل غير المقتصر على الحديث المجرّد.
ونظير ذلك: صنيع السيّد محسن الأمين[30] (رحمه الله) الذي جعل جُلّ اهتمامه — بدلاً من التفرّغ المحض للتدريس والمرجعيّة — في تصنيف موسوعته «أعيان الشيعة»[31] ، حيث افتتح مجلداتها الأولى باستعراض تاريخ الدول الشيعيّة كالإثني عشريّة وغيرها، ناصباً جهده في حفظ الهويّة التاريخيّة والعقائديّة للمذهب.
والخلاصة: أنّه يلزم الالتفات التامّ إلى طبقات رجالات المذهب؛ فإن رُفع شعار ربط المؤمنين بالمرجعيّة والعلماء، فينبغي أن يتّسع ليشمل مجموع طبقات العلماء عبر العصور — من الماضين والمعاصرين — لا خصوص الأحياء؛ لأنّ الهويّة المذهبيّة الجامعة إنّما يمثّلها هذا الامتداد التراكميّ الشامل، وهو أمرٌ معرفيّ وعقائديّ بالغ الخطورة ترتهن به أصالة المذهب، ويجب الوعي به بلا مزايدةٍ ولا تفريط.