48/04/18
فقه الإعداد العسكري وبناء القوة الرادعة في المنظور الإسلامي/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /فقه الإعداد العسكري وبناء القوة الرادعة في المنظور الإسلامي
مسؤولية التمكين ومشروعية الجهاد الابتدائي
استعراضاً لما تقدم من مباحث، فقد تبيَّن لنا مسلك السيد عبد الأعلى السبزواري حيث ذهب إلى عدم سقوط الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة الكبرى[1] ، كما اتضح ما أفاده الشيخ المنتظري من إمكان إدراج الدفاع وأقسامه المتعددة تحت عناوين أخرى تُسهم في زيادة البيان والإيضاح. وتأسيساً على ما قرَّره السيد عبد الأعلى السبزواري في «مهذب الأحكام» — وهو ما يلتقي مع مبنى الخواجة نصير الدين الطوسي من أن غيبة الإمام وعدم تمكينه من التصرف إنما هو منا[2] — فإن الظهور وتحقيق التمكين يُعد مسؤولية ملقاة على عاتق الأمة؛ إذ وردت في القرآن الكريم آيات محكمة تدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[3] ، والمراد بالتحكيم هنا التمكين وبسط اليد، وهو ما لا يتنافى بوجهٍ مع قوله عزّ وجلّ: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[4] ؛ انطلاقاً من القاعدة الكلامية المقررة: «لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ وَلَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ»[5] .
تقسيم الجهاد وحقيقة الحرب الاستباقية
تقسيم الجهاد والدفاع: ومقتضى التحقيق أنه يمكن تقسيم الجهاد إلى قسمين:
• الدفاع بالمعنى والمصطلح المتعارف (عن النفس ودار الإسلام).
• الدفاع عن الشعوب الأخرى المستضعفة من غير المسلمين؛ وهو ما يُطلق عليه مصطلح «الجهاد الابتدائي»، غير أنه في جوهره وحقيقته دفاع محض لبسط العدل الإلهي وحماية المظلومين ورفع الاستضعاف عنهم، فكلا القسمين دفاع في واقعه، وإن سُمّي في لغة الوحي غزواً.
ويتفرع على هذا الأصل مفهوم الحرب الاستباقية؛ إذ قد تنطلق من صميم حق الدفاع المشروع عن النفس، بحيث لا ينتظر المسلمون مباغتة العدو لهم وهجومه على عقر دارهم، بل يبادرون بالهجوم متى ما استعد العدو وأعدَّ لشنِّ عدوانه بصورة جازمة، وهو المعنى الذي أكَّده أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا»[6] ، وقوله: «اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ»[7] .
تنبيه: لا منافاة بين قوله (عليه السلام): «اغْزُوهُمْ» وبين ما ورد عنه وعن أهل البيت (عليهم السلام) في مواضع أخرى: «إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَهُمْ بِقِتَالٍ»[8] ؛ فإن الغزو المأمور به في الحرب الاستباقية يرمي إلى توظيف القوة العسكرية الضاغطة وإحكام الطوق على العدو لإلزامه بالارتداع وإفشال مخططه العدواني.
والحاصل: أن القتال يغاير القتل كما تقدم بيانه، كما أن هناك فرقاً دقيقاً بين الجهاد والقتال؛ فالجهاد والقتال يتجسدان في استخدام القوة العسكرية لأجل الضغط والردع، في حين يُمثل الإعداد مرتبة تأسيسية قائمة بذاتها تسبق القتال والجهاد وتغايرهما. فهنالك أربعة عناوين متمايزة: 1. الإعداد. 2. الجهاد. 3. القتال. 4. القتل. وإن خلط هذه العناوين ببعضها يُعد مسلكاً خاطئاً يورث اضطراباً بيّناً في المفاهيم الفقهية.
الدلالة القرآنية لمفهوم الإعداد واستدامة بناء القوة
حقيقة الإعداد ودلالته القرآنية: أما الإعداد فيراد به بناء القوة العسكرية بناءً مستمراً ومستداماً، وهي حكمة بالغة وفلسفة أصيلة يُرسخها القرآن الكريم في مسألة تشييد القوة؛ فإن قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[9] يدل على مسار طويل الأمد وتراكم مستمر لا على حركة محدودة، فضلاً عن مجيء الأمر بصيغة الجمع: ﴿وَأَعِدُّوا﴾، المشعرة بكون هذه الفريضة مسؤولية كفائية عامة تقع على عاتق الأمة بمجموعها، مضافاً إلى قوله: ﴿مَّا اسْتَطَعْتُم﴾؛ حيث تفيد (ما) هنا الإبهام والإطلاق الاستيعابي، بما يعني عدم التوقف عند سقف محدد في بناء الاستطاعة وتهيئتها، وقوله: ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾ حيث تفيد (مِن) بيان الجنس والنوع، أي كل ما يصدق عليه أنه قوة بحسب متطلبات العصر. فتظافرت بذلك ألفاظ الآية الكريمة لتدل دلالة واضحة على الاستمرار، والاستدامة، والتنوع، والتكامل بلا حد يقف عنده الواجب.
وعلة ذلك وملاكه أن استتباب الأمن بجميع أبعاده لا يُكتب للدين وحوزته — كما جاء في مضامين كلام الإمام الباقر (عليه السلام) وأمير المؤمنين (عليه السلام) — إلا من خلال هذا الإعداد[10] ؛ حيث قوام حفظ الدين وعزته منوطٌ بوجود القوة العسكرية الرادعة. بيد أن هذا الحفظ وردع المعتدين لا يتحققان بمجرد الإعداد الأولي الساكن، بل لا بد فيه من استدامة التنامي والترقي المستمر؛ لوجود التسابق العسكري الدائم بين الحق والباطل، والردع لا ينعقد إلا بامتلاك القوة المتطورة القادرة على كسر شوكة العدو.
والنتيجة: عند تناول مسألة «نزع السلاح»، لا يجوز الاقتصار على مجرد المطالبة بعدم نزعه أو الاكتفاء بالمحافظة على الترسانة القائمة؛ بل الواجب شرعاً واستراتيجياً هو المضي في تنمية السلاح وتطويره باستمرار؛ ذلك أن الجمود على ما هو موجود يفقد فاعليته وأثره الرادع بمرور الزمن وتطور سلاح العدو، وحينئذٍ تسقط قيمة السلاح غير المتطور في معادلة الصراع ما لم يقترن بنمو مستدام يرتقي بالقدرات الدفاعية إلى مستوى التحديات.
والحاصل: إنَّ تنمية السلاح وتطويره هما الكفيلان بكتابة الأمن وترسيخ الردع، ومجرّد عدم نزع السلاح ليس بكافٍ؛ كما أنّ الاقتصار على الحشد بمفرده لا يفي بالغرض، بل يتعيّن تأسيس أجهزة ومؤسسات موازية تابعة للدولة تحت عنوان «جيش التعبئة»، بحيث ينخرط فيها سائر فئات الشعب؛ إذ لا يلزم من هذا البناء أن يكون كَلّاً وعالاً على الميزانية العامة، فإنَّ شرائح واسعة من الطاقات الشبابية لا ترتجي رواتب أو مخصصات رسمية، بل تروم تعلّم الفنون والمهارات القتالية تحسّباً لأي طارئ ومباغتة، فبدلاً من استنزاف الجهد في الجدل حول شرعية تشكيل بعينه، ينبغي التوجّه نحو إنشاء جهاز تعبئة وطني مفتوح للأمّة قاطبة، استجابةً للمنطق القرآني الذي لا يقف عند حدّ حفظ الموجود، بل يوجب تنامي القوة وتصاعدها.
ودلالة الآية الكريمة: متحققة في التعبير القرآني بصيغة الجمع في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[11] ، حيث خوطب بها عموم المكلفين لا الآحاد، بخلاف التكاليف الكفائية ذات الاستثناء كقوله سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾[12] ؛ لكون حفظ الدين وحوزته أمراً مصيرياً عاماً. كما أنّ «ما» في قوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُم﴾ تفيد الإبهام والإطلاق لغةً، ومقتضاها عدم الوقوف عند حدٍّ مقدّر.
الفرق بين الإعداد وتوليد الاستطاعة
والفرق بين الإعداد والاستطاعة: أنّ الإعداد علّةٌ لتوليد الاستطاعة وبنائها. ونظير ذلك ما قرّره الفقهاء في باب الحج عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[13] ، حيث اشترطوا الاستطاعة الفعلية المالية والبدنية والأمنية لوجوب الحج[14] ، وجعلت الروايات الشريفة الحجّ نوعاً من الجهاد لاشتراط تلك الاستطاعات فيه، كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ»[15] [16] .
تحقيق المسألة: قد بحث الأعلام في باب الحج اشتراط الاستطاعة الفعلية أو الاستطاعة بالقوة والإمكان[17] [18] ؛ ومفاد الاستطاعة بالقوة أنّ المكلّف وإن كان فاقداً للقدرة الفعلية في الظرف الراهن، إلا أنّ لديه القابلية لتهيئة مقدماتها وإيجادها على المدى البعيد، وهذه نكتة دقيقة في المباحث العقلية. وعليه، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ أمرٌ بإيجاد القدرة وتوليدها، فلا مساغ في الميادين السياسية والعسكرية والأمنية الحافظة لبيضة الدين للركون إلى ادعاء العجز وقصر النظر على الواقع الفعلي القائم.
فلسفة التقية وحدودها في مواجهة العجز
فائدة في فقه التقية: ينعكس هذا التأصيل العقلي والقرآني على فلسفة التقية؛ إذ إنَّ التقية ترخيصٌ طارئ وآنيّ لا حكمٌ دائم ومستمر، وليست مسلكاً للاستكانة والاستضعاف والبلادة، بل هي—بمعانيها السبعة المقرّرة—دواءٌ موضعي لمرحلة الاضطرار. فليس تشريع التقية لتأبيد العجز وإبقائه أو تسويغ الانكفاء المستدام عن تكاليف الدين، بل جُعلت ترخيصاً مؤقتاً يُتوصّل به إلى رفع موجبات العجز واكتساب أسباب المنعة والاقتدار.
رأي السيدين الخوانساري والروحاني: وتأسيساً على ذلك، كان لفقيه الطائفة السيد أحمد الخوانساري (رحمه الله) [19] ، وكذلك لأستاذنا السيد محمد الروحاني (رحمه الله) [20] ، رؤيةٌ دقيقة في شأن البلدان ذات الأغلبية المؤمنة كالعراق وإيران؛ حيث ذهبا إلى عدم جريان كثير من صور التقية والانكفاء فيها باعتبارها دار إيمان؛ إذ يُعدّ التنازل فيها نوعاً من التقهقر غير المسوّغ. وإن كان إيقاد الفتن وإثارة التوترات أمراً مذموماً، إلا أنّ الانكفاء عن إظهار معالم الإيمان وشعائره تحت ذريعة التقية أو توقّي الفتنة خطأٌ محضٌ أيضاً. ومن هنا سُجِّلت مؤاخذاتٌ فقهية من قِبل السيد الخوانساري وجماعة من المراجع على مسار التقريب الذي تبنّاه بعض الأعلام؛ فالمداراة وحسن المعاشرة والتعايش السلمي وتجنّب الفتن كلّها مقاصد مطلوبة، شريطة ألّا تفضي إلى الانكفاء عن معالم الدين والتهاون في حفظ ثوابت الإيمان.
وقد أسلفنا التمثيلَ بمواقف الشيخ المفيد، والشيخ الصدوق، والشريف المرتضى، والشيخ الطوسي، فحتى الشيخ الطوسي لم ينكفئ عن مواقفه آنذاك تجاه إظهار معالم الإيمان، ولا نبتغي الخوض في تفاصيل ذلك؛ تحاشياً للخروج عن الجادة الأصلية للبحث.
والسؤال هنا: ما هو الفارق بين مدلول قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[21] وبين وظيفة التقية؟
والجواب: إنّ الآية الكريمة تحثّ على إزالة موضوع التقية من أساسه؛ فإن قيل: ألسنا نعيش حالةً من العجز تقتضي التقية؟
فالردّ: إنّ التكليف يقتضي الإعداد لرفع هذا العجز، على حدّ قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾[22] ؛ فلو كان هناك إرادة حقيقية للخروج لبادروا إلى إعداد العدّة، ولكن لمّا تخلّف الإعداد ظهر العجز وتخلّفوا عن أداء الواجب.
والحاصل: إنّ الشعار الصحيح ليس مجرد الوقوف عند عدم نزع السلاح؛ إذ إنّ الاقتصار عليه لا يفي بالغرض، بل الأهمّ من ذلك هو البناء الطامح الراسخ للقوة العسكرية، وتعملق المنظومة التسليحية لتوظَّف في غاياتٍ إنسانية عادلة؛ إذ عُرف أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بقمة الإنسانية ونفي العصبية، فراية أهل البيت (عليهم السلام) إنّما هي صمام أمان البشرية وركيزة سلمها لا غير.
والشاهد القرآني: ما يستفاد من الآيات الكريمة من حصر السلم والأمان الإنسانيين في ظلال مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وتلك هي الرؤية القرآنية الأصيلة؛ حيث لن يستتب للبشرية سلمٌ دولي ولا أمنٌ شامل إلا بالانضواء تحت هديهم (عليهم السلام)، وهو بحث قرآني واسع ومهم موكول إلى موضعه[23] .
والقاعدة هنا: أنّ إرساء السلم مفهومٌ، وإعداد القوة مفهومٌ آخر؛ فالإعداد يُعدّ بمثابة حربٍ باردة لا تنافي الهدنة ووقف إطلاق النار، بل يتعيّن استدامة الإعداد؛ ومقتضى ذلك أنّ التقية لا تعني الخمول والجمود وإماتة الهمم، وإنّما هي ساتر يستعان به على الاستقواء في طاعة الله تعالى، لا لغرض التجبر والاستعلاء والطغيان، فالأمر بالإعداد في قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ ليس بداعي البغي والعدوان، بل لتحقيق غاية سامية وهي الردع، والتعبير بـ(تُرْهِبُونَ) يُراد به الردع بالاصطلاح المعاصر؛ فبناء القوة في شتى الميادين ليس مؤدّاه الوقوع في محذور قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾[24] .
والنتيجة: إنّ الواجب ليس الاقتصار على الامتناع عن نزع السلاح، وإنّما الموقف الحقّ يتمثل في البناء المستدام لتطوير السلاح ونموّه لتحقيق أهداف إنسانية وعدالة عامة تشمل البشرية جمعاء تحت لواء مدرسة الثقلين، فالوظيفة الأولى والمقدمة في أبواب الجهاد لا تنحصر في الجهاد الدفاعي أو الابتدائي، وإنّما هي إيجاد القوة المستدامة وتنميتها وحفظها.
ومما يؤيد ذلك: ما تبيّنه الشروح الحديثة لعهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر[25] ، حيث يشدّد أمير المؤمنين (عليه السلام) على ضرورة الانضباط النفسي والأخلاقي لقادة جهاز الدولة الإسلامية بالتحلي بالتواضع والزهد؛ لبسط القسط ومنع التجبر، فعهده (عليه السلام) للأشتر معجزة في الإدارة والحكم، يقرّر فيه لزوم تجسيد القادة لمعاني العبودية والخضوع واستشعار الرقابة الإلهية، صيانةً لهم من الانزلاق إلى مدارك الطغيان والاستكبار؛ ولهذا يفسّر أمير المؤمنين (عليه السلام) في نصّ مروي معنى الطاغوت الوارد في الحديث المستفيض عن النبي (صلى الله عليه وآله): «اتَّخَذُوا مَالَ اللهِ دُوَلًا، وَعِبَادَ اللهِ خَوَلًا، وَكِتَابَ اللهِ دَغَلًا»[26] ، وتلك المعايير تمثّل ضوابط النظام الحاكم العادل، والمقصود الجوهري من قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ هو إرساء الردع الحاسم في وجه أعداء الله.
إذا أصبح الإنسان نفسه متجبّراً فهو عدوّ الله، أمّا إذا كان عبداً متواضعاً لقسط دين الله فإنّه ينشر العدل، وقوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[27] جعل في الدرجة الأولى العداوة مع الله، وفي الدرجة الثانية العداوة معنا؛ لكي لا ننطلق من ذاتيّات وأنانيّات النفس.
والحاصل: إنّ المسؤوليّة الأولى الكبرى في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، وفي باب الفقه السياسيّ، هي بناء القوّة وبناء النظام؛ إذ «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[28] ، فالأمير البرّ يحقّق الأهداف التي يذكرها القرآن الكريم، بخلاف ما إذا كان العكس، وهذا من أعظم الواجبات.
حرمة بيع السلاح للأعداء ووجوب تطوير المنظومة العسكرية
والمسألة الفقهيّة هنا: أنّ الفتوى المتّفق عليها بين علماء الإماميّة من الأوّلين والآخرين وفق النصوص والقواعد هي حرمة بيع السلاح للأعداء[29] ، وحرمة بيع السلاح للأعداء ليست مجرّد قضيّة جهاد ابتدائيّ أو دفاعيّ، بل هي قضيّة بناء القوّة العسكريّة المتنامية والمتعملقة؛ فليس الشعار فقط عدم نزع السلاح، إذ إنّ الاقتصار على عدم نزع السلاح يُعدّ انهزاماً فضلاً عن نزع السلاح نفسه، بل يجب المضيّ خطوةً إلى الأمام بالدعوة إلى بناء القوّة المستمرّ المستدام بأهداف إنسانيّة ونبيلة وعادلة، فهذا هو الشعار الصحيح، وهذه هي المسؤوليّة الأولى في باب الجهاد.