« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/04/14

بسم الله الرحمن الرحيم

مشروعية الجهاد الابتدائي وإقامة النظام في عصر الغيبة الكبرى/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة

 

موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /مشروعية الجهاد الابتدائي وإقامة النظام في عصر الغيبة الكبرى

 

نيابة الفقيه وإقامة النظام عند الأعلام

عندما يذهب السيّد الخوئيّ (رحمه الله) إلى أنّ الجهاد الابتدائيّ [1] غير معطّل في عصر الغيبة الكبرى[2] ، فإنّ مقتضى طريق الأولوية القطعيّ عنده هو عدم تعطيل إقامة النظام الإسلاميّ وتأسيس الحكومة الدينيّة؛ إذ مع كونه لا يلتزم بثبوت الولاية المطلقة للفقيه استناداً إلى الأدلّة الخاصّة، إلا أنّه لا ينفي ثبوت نيابته عن الإمام الثاني عشر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من باب قاعدة الحسبة[3] .

والمشهور مثلاً أنّ الشيخ الأنصاريّ لا يرى ثبوت الولاية للفقيه، غير أنّ التحقيق في كلماته يُظهر أنّه لا ينفي أصل نيابة الفقيه بنحوٍ مطلق، وإنّما ينفي دلالة الأدلّة الخاصّة عليها؛ حيث صرّح في كتبه الفقهيّة — في باب المكاسب وفي غيره — بأنّ إثبات عموم ولايته بالأدلّة الخاصّة «دونه خرط القتاد»[4] ، مقيّداً نفيه بما يرجع إلى مساق تلك الأدلّة بخصوصها، دون ما يثبت بأدلّة الحسبة.

نكتة صناعيّة: نبّه السيّد بحر العلوم (رحمه الله) في أرجوزته الفقهيّة[5] إلى أنّ الأعلام قد ينفون أمراً معيّناً بنحو البتّ والقطع، ويكون مرادهم في حقيقة الحال نفيه بلحاظ الأدلّة الخاصّة لا بلحاظ الأدلّة العامّة. وعليه، فإنّ النسبة الشائعة إلى الشيخ الأنصاريّ والسيّد الخوئيّ بنفي ولاية الفقيه ناشئةٌ من الغفلة عن هذا التمييز المنهجيّ؛ لأنّ نفيهما مقصورٌ على الأدلّة الخاصّة دون العامّة كقاعدة الحسبة.

والحاصل: أنّ النتيجة التي ينتهي إليها الأعلام متفقةٌ في أصل ثبوت النيابة، وأمّا سعة دائرة هذه النيابة أو ضيقها فمبحثٌ آخر.

تنبيه: ينبغي للباحث ألا يشتبه عند مصادفة نفي الأعلام لعنوانٍ ما بنحو البتّ؛ فإنّ النفي في واقعه ليس مطلقاً، بل هو بلحاظ الأدلّة الخاصّة أو بلحاظ السعة في الدائرة، وإلا فلا يكاد يوجد فقيهٌ من فقهاء الإماميّة ينفي أصل نيابة الفقيه عن الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وإنّما التفاوت واقعٌ في تحديد نطاق هذه النيابة سعةً وضيقاً وتوسطاً.

حدود ولاية الفقيه والجهاد الابتدائي بين الخوئي والخميني

ولا يلتزم السيّد الخوئيّ بأنّ إقامة الجهاد الابتدائيّ من صلاحيّات الفقيه على نحو ما يراه المشهور، في حين يرى السيّد الخمينيّ (رحمه الله) ولاية الفقيه من جهة النيابة لا من باب الأصالة؛ إذ لا يذهب أحدٌ من علماء الإماميّة إلى ولاية الفقيه أصالةً، لعدم جواز رفع اليد عن إمامة الإمام الثاني عشر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). وغيبة صاحب الأمر وخفاؤه لا يستلزمان انتفاء إمامته أو سقوطها أو عدم مباشرته لشؤونها؛ فهو إمامٌ بالفعل سواء استتر عن الأنظار أم ظهر، والغيبة إنّما تقابل الظهور ولا تقابل الحضور، لكونه حاضراً فاعلاً في صميم الأحداث البشريّة، وهذا من الأصول الاعتقاديّة المسلّمة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

ومع التزام السيّد الخمينيّ (رحمه الله) بسعة ولاية الفقيه، إلا أنّه لم يُدرج الجهاد الابتدائيّ ضمن صلاحيّاته ونيابته في عصر الغيبة، كما هو مقتضى ما أثبته في كتاب «تحرير الوسيلة» حيث اقتصر على أحكام الدفاع[6] وفتاوى الاستفتاءات المطبوعة.

والنتيجة: أنّ اختلاف الأعلام في مسألة ولاية الفقيه ونيابته يدور مدار سعة الدائرة الفقهيّة وضيقها، مع الاتفاق على أصل النيابة في الجملة.

والحاصل: أنّ ثمّة اختلافاً بين الأعلام في طبيعة الأدلّة التي يُعتمد عليها في إثبات نيابة الفقيه، وتفصيل ذلك موكولٌ إلى محلّه. وتأسّيساً على ذلك، فإنّ للنخب والخبراء والفضلاء دوراً في هذا المضمار، وبيان كيفيّة صياغة هذا الدور وتحديده بحثٌ برأسه، كما أنّ للأمّة دوراً ورعايةً، وتحديد معالم هذا الدور يقع في رتبةٍ أخرى من البحث.

وعليه: فهذا كلّه كلامٌ في كيفيّة إدارة النظام، فمن ذهب من الفقهاء كالسيد الخوئي[7] — وسنأتي على ذكر جملةٍ من الأعلام الآخرين — إلى أنّ وظيفة الجهاد الابتدائي غير ساقطةٍ في زمن الغيبة الكبرى، فإنّهم يلتزمون بطريق الأولويّة القطعيّة بوجوب إقامة النظام وتأسيس الحكومة الدينيّة بحسب الوسع والقدرة، وأمّا كون الأمّة رقيبةً وراعيةً فذلك بحثٌ آخر.

ضوابط فهم عبارات الفقهاء ودفع التنافي البدوي

والقاعدة المنهجيّة هنا: أنّ اختلاف مسالك الاستدلال ممّا نبّه عليه السيد بحر العلوم (رحمه الله)، وهي نكتةٌ صناعيّة بالغة الأهميّة أودعها في منظومته الفقهيّة[8] ؛ إذ قرّر أنّ الأعلام قد ينفون حكماً من الأحكام بنحو البتّ والقطع، غير أنّ مقصودهم في واقع الأمر نفيٌ نسبيّ لا نفيٌ مطلق، ومآله إلى نفي ثبوته بلحاظ الأدلّة الخاصّة مع التحفّظ على ثبوته بالقواعد والأدلّة العامّة.

ومثال ذلك: ما حرّره السيد بحر العلوم في بحث الشهادة الثالثة في فصول الأذان والإقامة؛ حيث أوضح أنّ نفي المشهور لجزئيّتها الواجبة إنّما هو بلحاظ الأدلّة الخاصّة بباب الأذان، وإلا فإنّها بحسب الأدلّة والعمومات القرآنيّة العامّة — كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾[9] — تُعدّ مكمّلةً للشهادتين وجزءاً واجباً في الأذان وفي كلّ تشهّد. فالسيد بحر العلوم يُحذّر من الانخداع بظواهر عبارات المشهور؛ إذ ديدن الفقهاء التعبير بعباراتٍ لا يُراد منها الإطلاق البدويّ، بل التقييد النسبيّ بحسب سياق الباب المطروح.

ومن شواهد ذلك أيضاً: ما اتفق لفقيهٍ متبحّرٍ متضلّعٍ كالسيد محسن الحكيم (رحمه الله)، مع علوّ كعبه ورسوخ عارضته الفقهيّة، حيث بنى على أنّ مقتضى كلمات المشهور نفي تحقّق البنوّة لابن الزنا بالنسبة إلى الزاني والزانية، وترتيب جواز نكاح الزاني لابنته المتولّدة من مائه، وهو غفلةٌ وسهوٌ جرى في عبارته الاستدلاليّة في «المستمسك»[10] ولعلّه في منهاجه. ومردّ هذا الاشتباه إلى عدم الالتفات إلى أنّ مقصود الفقهاء من نفي البنوّة — كما يظهر بالتتبّع في أبوابٍ أُخر — إنّما هو نفي البنوّة الشرعيّة التي تترتّب عليها آثار التوارث ونحوها، لا نفي أصل التولّد والانتساب التكوينيّ. ومن ثمّ، فإنّ عبارات الفقهاء لا تُحمل على إطلاقها المجرّد، بل تُفهم على وجهها النسبيّ لمن أحاط بكلماتهم في سائر الأبواب.

شاهدٌ عيانيّ: وقد جرى هذا المطلب في مباحثةٍ قبل بضع سنوات مع أربعة وثلاثين أستاذاً من كبار الأكاديميّين وحملة الدكتوراه في القانون الجنائي، حيث تمحور إشكالهم حول ما توهّموه من تناقضٍ في كلمات الفقهاء بين موضعٍ وآخر، فبيّنتُ لهم أنّ التنافي بدويّ، وأنّ الكلام محمولٌ على النسبيّة لا الإطلاق. ثمّ تكرّر طرح الإشكال عينه في جلسةٍ تالية مع تسعةٍ منهم؛ إذ منشأ الخلل في فهم الأبحاث الفقهيّة رغبةُ الباحث الأكاديميّ في استيفاء قيود المسألة وحيثيّاتها في موضعٍ واحد، وهو منهجٌ لا يستقيم مع طبيعة الصناعة الفقهيّة وتشعباتها.

المنهج الاستقرائي والتركيبي في استنباط الأحكام

لو كان لدى الباحث موسوعةٌ في الأدوية وعلم العقاقير، فهل يسوغ لمؤلفها أن يودع علاج كل داء في موضعٍ واحد؟ كلا؛ بل شأنه أن يبين خاصية هذه المادة وتلك المفردة، ثم يأتي دور المتخصص المتضلع ليؤلّف ويركّب بين خواص تلك المواد، سواء كان ذلك في الطب القديم والصيدلة التقليدية أم في الصيدلة الحديثة. والفقه على هذا الغرار؛ إذ إنّ قواعده وأحكامه متفرقةٌ ومتشعبة الأبواب، ومثله نصوص الروايات وظواهر الآيات؛ فلا يتأتّى للفقيه أن يستنبط النتيجة النهائية بالاستناد إلى دليلٍ واحد أو آيةٍ منفردة، بل لا بد من الموازنة وضمّ مجموع الأدلة بعضها إلى بعض، حتى تستبين اللوحة بكامل أبعادها وتتضح معالم الصورة الفقهية.

وهذه نكتةٌ منهجية: يغفل عنها كثيرٌ من الباحثين، حيث يقتصر أحدهم على النظر في حديثٍ واحد، في حين أنّ المنهج يقتضي استقراء سائر بيانات المعصومين (عليهم السلام)؛ فالإمام الصادق (عليه السلام) ترحّم على المختار الثقفي مع أنّه أسّس دولة[11] ، وترحّم كذلك على التوابين وأشاد بحركتهم ونشاطهم العسكري في الباب الأخير من «كامل الزيارات»[12] . وإذا كانت الدولة المعاصرة الكبرى لا يمكن استيعاب استراتيجياتها من خلال موقفٍ منفرد أو تصريحٍ عابر أو ملفٍّ واحد — بل إنّ الدول العظمى نفسها يعسر على بعضها فهم مرامي وسياسات بعضها الآخر لتعدد خياراتها وتداخل مشاريعها — فكيف بالمنظومة الإلهية التي هي أعظم شأناً وأوسع تدبيراً من كل قوةٍ أرضية؟! وكيف يصحّ اختزال موقف الإمام الصادق (عليه السلام) في طائفةٍ واحدة من الأخبار؟! بل الواجب جمع أطراف سيرته (عليه السلام) بجميع أبعادها وتفاصيلها الظاهرة والخفية، حتى ينكشف مشروعه العام وتتضح معالم منهجه.

والقاعدة هنا: أنّ هذا الانضباط المنهجي لازمٌ في تلقّي نصوص الوحي وبيانات الأئمة (عليهم السلام) أولاً، وفي استنطاق كلمات الفقهاء ثانياً؛ إذ يلزم الباحثَ ضمُّ شتات الأدلة. وليست الغاية محصورةً في تتبّع الأدلة الظنية، بل إنّ الأدلة القطعية ذاتها تستدعي بصيرةً نافذة ويقظةً تامة، منوطةً بضمّ النظائر وتركيب القرائن لتكتمل الرؤية وتستقيم النظرة الثاقبة.

مسألة عدم سقوط الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة

وإجمالاً: فإنّ القول بنيابة الفقيه أو ثبوت ولايته يلتزم به عامة الفقهاء وإن اختلفت مسالكهم وتعددت أدلتهم؛ وما ورد من نفيهم في بعض المقامات إنّما هو نفيٌ نسبي بلحاظ أدلةٍ خاصة لا نفيٌ كلي مطلق. ويتفرع على ذلك مسألة الجهاد؛ إذ يظهر من العلمين الحلبيين عدم سقوط الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة الكبرى[13] [14] ، خلافاً لما يلوح من عبارات الشيخ الطوسي[15] من القول بالسقوط وإن لم يكن صريحاً في ذلك؛ بينما ذهب الشيخ المفيد والشيخ أبو الصلاح الحلبي[16] — صاحب كتاب «الكافي في الفقه» ومعاصر الشيخ الطوسي والسيد المرتضى — إلى عدم السقوط، ووافقهما الشيخ أبو المجد الحلبي[17] صاحب كتاب «إشارة السبق»، وهو من أعلام القرن السادس ومعاصرٌ لابن زهرة وابن شهرآشوب؛ فهؤلاء الأعلام الثلاثة يصرّحون بعدم سقوط وجوب الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة الكبرى.

وقد وُجد كذلك من غير المعاصرين المحققُ الميرزا محمد باقر الخراساني السبزواري (صاحب كتابَي «الذخيرة» و«الكفاية»)، وهو من أعلام القرن الحادي عشر والثاني عشر الهجريين؛ إذ ذهب إلى عدم سقوط الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة[18] . وكذلك صاحب الجواهر (قدس سره) لا يجزم بالسقوط، بل يميل في «الجواهر» إلى عدم سقوط الجهاد الابتدائي، مناقشاً في تمامية الإجماع المدّعى بعموم ولاية الفقيه في زمن الغيبة المعتضدة بعموم أدلة الجهاد[19] . وكذلك السيد عبد الأعلى السبزواري يجزم بعدم السقوط ويستدل بأدلة متعددة في «مهذب الأحكام»[20] . وممن جزم أيضاً بعدم سقوط الجهاد الابتدائي السيد محمد صادق الروحاني في موسوعته «فقه الصادق»[21] . ومن الذاهبين إلى أن الجهاد الابتدائي غير ساقط في الغيبة الكبرى الميرزا جواد التبريزي (رحمة الله عليه) في كتابه «منهاج الصالحين»[22] ، وهذان العَلَمان الأخيران هما من تلامذة السيد الخوئي (رحمة الله عليه). فهؤلاء خمسة من الفقهاء المعاصرين جزموا بذلك، بل يُضاف إليهم الشيخ المنتظري في كتابه «دراسات في فقه الدولة الإسلامية»؛ حيث جزم بذلك أيضاً كما جزم السيد الخوئي، فيكون المجموع ستة من المعاصرين[23] . وهناك جملة من فقهاء ومجتهدي قم المشرفة ممن كتبوا في الحكومة الإسلامية ذهبوا إلى عدم سقوط الجهاد الابتدائي في الغيبة الكبرى.

فقه الإدارة والصلاحيات العسكرية عند الشيخ المفيد

بيان كلام الشيخ المفيد في «المقنعة»: نبدأ بقراءة كلام الشيخ المفيد (أعلى الله مقامه) في كتاب «المقنعة» في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والجهاد في الدين؛ حيث قرّر أنّ القاضي المؤمن إذا تولى القضاء من قِبَل السلطان الجائر فإنه يقضي بأحكام أهل البيت (عليهم السلام)، ويجري الحدود على وفق أحكامهم، فمن جملة الصلاحيات التي أذن فيها الأئمة (عليهم السلام) للفقيه المؤمن إقامتُها في عصر الغيبة الكبرى: إقامة جهاد الكفار كما يقيم القضاء والحدود[24] ؛ بحيث لا يصب عمل هذا الفقيه في قضائه، أو إجرائه الحدود، أو خوضه جهاد الكفار في صالح السلطان الجائر، وإنما يوظف ذلك كله في مسار مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بما أُوتي من التدبير والحلول الشرعية.

والكلام هنا في السلطة العسكرية: حيث نص الشيخ المفيد على أنّ الحاكم المؤمن يقيم جهاد الكفار تحت سلطان الجائر ونظامه، ولكنْ بنية الإمام الثاني عشر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا بنية السلطان؛ ومقتضى ذلك أنه يوظف هذا الدور المصيري بما يصب في صالح مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وإعلاء كلمة الدين، لا لترسيخ سلطان ذلك الجائر.

توضيح: إنّ هذا المطلب الذي يقرره الفقهاء لا ينحصر في مجرد استحضار نية باطنية فحسب، بل هو في حقيقته وجوهره برمجةٌ عملية وتخطيطٌ محكم لمن يمتلك التضلع والخبرة في فقه الإدارة والتدبير.

المباينة المنهجية وحفظ النظام النبوي الأصيل

وقد تجلّى هذا المعنى في موقف الإمام الرضا (عليه السلام) حينما دسّ إليه المأمونُ العباسيُّ السمّ، فأخذ يتظاهر بالتباكي عليه مدّعيًا أنهما عاشا حقبةً مديدةً تحمّلا فيها معًا أعباءَ الدولة وسارا في مسارٍ واحد، فخاطبه الإمامُ (عليه السلام) بما مضمونه: هيهات، لم أكن معك ولا كنتَ معي منذ البداية، وإنما نسير في مسارين متمايزين؛ فلما استفهم المأمونُ متعجبًا: كيف ونحن معًا في تدبير الدولة وإدارتها؟ بيّن له (عليه السلام) افتراقَ الوجهتين والمسارين.

والنكتة المستفادة هنا: أنّ هذا الموقف يجسّد جوهر ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في حقيقة المزايلة والاعتزال المنهجي، نظير قوله (عليه السلام): «خَالِطُوا النَّاسَ بِأَبْدَانِكُمْ، وَزَايِلُوهُمْ بِقُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»[25] ؛ إذ ليست العزلةُ المطلوبةُ عزلةً ماديةً أو جغرافيةً عن شؤون الأمة، بل هي مباينةٌ منهجيةٌ في المقاصد والغايات.

ومثال ذلك أيضًا: ما كان من أمرِ عليّ بن يقطين[26] ، حين أمره الإمامُ موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) بتسنّم الوزارة في البلاط العباسي إبّان حكم هارون[27] ، وكانت رقعةُ الدولة العباسية آنذاك تضاهي ما يربو على أربعين أو خمسين دولةً في عصرنا الراهن، فاضطلع بأعباء تلك الوزارة الإمبراطورية بحنكةٍ وتدبيرٍ وحسنِ سياسة، بحيث جعل ثمرةَ نفوذه وعمله المحوري تصبّ في صالح نظام سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله) وحفظ أتباعه، وإن تراءى في الظاهر أنه يعمل في جهاز الحاكم الجائر.

والحاصل: أنّ هذا المسلك يبتني على تفكيكٍ دقيقٍ بين مراتب النظام، وهو نظيرُ ما نُقل عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) حين سأله إبراهيمُ بن طلحة بن عبيد الله بعد واقعة الطفّ عمّن غلب، فأجابه (عليه السلام): «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ مَنْ غَلَبَ وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَأَذِّنْ ثُمَّ أَقِمْ»[28] ؛ دلالةً على أنّ المعيار ليس الغلبةَ الظاهريةَ العاجلة، بل بقاءُ أصل الدين وارتفاعُ نداء التوحيد والرسالة.

والنتيجة: أنّ هذه التدابير إنما تصبّ بالذات في حفظ وإعلاء نظام سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) المستمر؛ ذلك بأنّ هذه الحواضر والبلاد تنتمي بالجوهر إلى صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله) بمعزلٍ عن الحكومات الطارئة؛ تمامًا كما تتبدل الحكوماتُ في العصر الحاضر مع بقاء هيكل النظام العامّ، والنظامُ في نفسه متقوّمٌ بطبقاتٍ ومراتبَ متعددة. ومقتضى ذلك أنّ العمل المنصبّ على صيانة المصالح العليا للأمة إنما يخدم في حقيقته النظامَ النبويَّ الأصيل.

وهذا المعنى مما قرّره الأعلامُ في بحوثهم، وهو شبيهٌ بما أثبتته المصادرُ التاريخية من تدبير أمير المؤمنين (عليه السلام) ومشوراته في حركة الفتوحات؛ فمع أنّ خلفاء الجور وظّفوها لمصالح سلطانهم، إلا أنها بلحاظ الملاك الأعظم كانت في واقعها اتساعًا وامتدادًا لدين سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في الآفاق قبل أن تكون توسيعًا لرقعة حكمهم.

 


[1] الجهاد الابتدائيّ: هو قتال غير المسلمين ابتداءً لغرض دعوتهم إلى دين الإسلام وإعلاء كلمة التوحيد، في مقابل الجهاد الدفاعيّ الذي يختصّ بدفع العدوان عن بلاد المسلمين وحوزة الإسلام. — المحقق.
[3] الأمور الحسبيّة: هي كلّ فعل ومصلحة عامّة يُعلم من الشارع المقدّس عدم الرضا بإهمالها وتعطيلها في المجتمع، فيجب التصدّي لها كفايةً، والقدر المتيقّن للقيام بها عند عدم حضور المعصوم هو الفقيه الجامع للشرائط. — المحقق.
[4] الأنصاري، مرتضى. كتاب المكاسب.. تحقيق لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، ط 2، ج3، ص558. («خَرْطُ القَتاد» مَثَلٌ سائر يُضرب لركوب المشاقّ الشديدة واستحالة نيل المطلب ودونه أشدّ الموانع). — المحقق
[11] إختيار معرفة الرجال المعروف بـ رجال الكشي، الشيخ الطوسي، ج1، ص125.. يُنظر ما ورد في شأن المختار وترحّم الأئمة (عليهم السلام) عليه
[13] الكافي في الفقه، الحلبي، أبو الصلاح، ج1، ص246.. يُراجع في تفصيل أبحاث الجهاد الابتدائي وشروطه في عصر الغيبة
[16] هو الشيخ تقي الدين بن نجم الدين الحلبي (ت 447 هـ)، من أعلام الإمامية وفقهائهم ومتكلميهم، تتلمذ على يد الشيخ المفيد والسيد المرتضى، وصنّف كتاب «الكافي في الفقه». — المحقق.
[17] هو الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي المجد الحلبي، من فقهاء الإمامية في القرن السادس الهجري، معاصر لابن زهرة وابن شهرآشوب، وله كتاب «إشارة السبق إلى معرفة الحق». — المحقق.
[26] هو علي بن يقطين بن موسى البغدادي (ت 182 هـ)، من أجلاء أصحاب الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام) وثقاتهما، تولى الوزارة لهارون العباسي بإذن الإمام الكاظم (عليه السلام) ورعايته، وكان ملاذًا للمؤمنين ودرءًا للمظالم. — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo