« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/04/04

بسم الله الرحمن الرحيم

هندسة باب الجهاد ونظرية طبقات العموم والجهاد الناعم/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة

 

موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /هندسة باب الجهاد ونظرية طبقات العموم والجهاد الناعم

 

ضرورة إعادة هيكلة وتبويب باب الجهاد

يتصل هذا المبحث بشرح «دعاء أهل الثغور»[1] وبأحكام الجهاد كما قررها السيد الخوئي (قدّس سرّه)؛ إذ كنا نوازي بين شرح فقرات هذا الدعاء الشريف والوقوف عند محطاتٍ من آراء السيد الخوئي في مباحث الجهاد. وقد تبيّن لنا في ما مضى أنَّ تبويبَ باب الجهاد يفتقر إلى إعادة تدوينٍ وهيكلة، ومثله في ذلك باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما صرّح بذلك السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه) في فتواه المنشورة في «مجلة الأضواء» النجفية، والمثبتة كذلك في كتاب الدكتور عبد الهادي الفضلي[2] ؛ حيث كان المستفتي هو الدكتور الفضلي نفسَه.

والوجه في ذلك: أنَّ إعادة التدوين والتبويب ليست مجرّدَ مسألةٍ صوريةٍ أو صياغةٍ فنيةٍ شكلية، بل هي التي تمنح الفقيهَ والباحثَ بصيرةً تامةً في فهم ذلك الباب الفقهي وإدراك مقاصده؛ نظراً إلى أنَّ طبيعة القواعد الفقهية والأصولية في أيِّ بابٍ ليست جاريةً في عِرْضٍ واحد، بل تحكمها رابطةٌ طولية، وحكمُ العلاقة بين القواعد الطولية وقوانينها يغاير تماماً ما عليه الحال في القواعد العرضية.

فكرة طبقات العموم: وتتجلى هذه الرابطة في فكرة «طبقات العموم»، والمراد بها ترتّب العمومات؛ حيث يوجد عمومٌ من الدرجة الأولى، يعقبه عمومٌ من الدرجة الثانية، ثم عمومٌ من الدرجة الثالثة، فالرابعة، فالخامسة؛ فقد نجد في المسألة الفقهية الواحدة أو الباب الواحد أربعَ درجاتٍ من العموم، أو ستاً، أو سبعاً. وهذا الترتيب تضبطه عند الأصوليين ضابطةٌ واضحة[3] ؛ ومفادها أنَّ العمومَ الأوسعَ نطاقاً يُجعل في المرتبة والدرجة الأولى، والعمومَ الأضيقَ منه يحلّ في الدرجة الثانية، وما هو أضيقُ منهما يكون في الدرجة الثالثة، ثم الرابعة والخامسة وهلمّ جرّاً. وتُراعى هذه الضابطة في ترتيب درجات العموم لدى الأصوليين لمحاكاتها فكرةَ «طبقات القانون»؛ إذ إنَّ العمومَ الأوسعَ يكون مهيمناً وحاكماً دائماً على العموم الأضيق منه.

وتأسيساً على ذلك: تغدو إعادةُ تبويب باب الجهاد، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل وحتى باب القضاء، ضرورةً علمية ومسؤولية دينية ملحّة تستدعي تضافرَ الجهود البحثية؛ بغيةَ الوقوف على قمة الواجبات وأولوياتها في كتاب الجهاد، ولتحرير ما إذا كان الجهاد الابتدائي واقعاً في عِرْضِ الجهاد الدفاعي، أم أنَّ ثَمّةَ مرتبةً فوقهما معاً وهي فريضة «إعداد القوة» وبناء القوة الشاملة المتكاملة في سائر المجالات والميادين.

والنتيجة: حينما تتضح معالمُ هذه المنظومة بصورتها الكاملة، يظهر بجلاءٍ أنَّ ما ذهب إليه مشهورُ الفقهاء من سقوط الجهاد عن النساء[4] [5] فيه مسامحةٌ في التعبير؛ إذ إنَّ مقصودهم المنصبّ عليه هو خصوصُ الجهاد بالقوة العسكرية والمواجهة المسلحة، أمّا الجهادُ بأساليب «القوة الناعمة» فليس بساقطٍ عن كواهلهن بحال. ومثلُ هذا المبحث وغيره من المسائل المستحدثة يتبيّن بياناً شافياً عبر إعادة التبويب؛ ففي واقعة كربلاء نجد أنَّ الله تبارك وتعالى قد أمر بمشروعين وتكليفين متكاملين: تكليفٍ لسيد الشهداء (عليه السلام) وأصحابه وذويه وهو المواجهة العسكرية وبذل المهج، وتكليفٍ آخر خُصّت به النساء، وهو خوض غمار الحرب الناعمة والمواجهة الإعلامية في وجه التضليل الأموي. ولذا حين اعترضت شخصياتٌ كثيرة على اصطحاب الإمام الحسين (عليه السلام) للعيال والنساء، كان الجوابُ النبوي الصادر عنه (عليه السلام): «إنَّ اللهَ قد شاءَ أنْ يراهُنَّ سَبايا»[6] ؛ كاشفاً عن وجود مسؤوليةٍ كبرى وتكليفٍ إلهي خاصّ أُنيط بهن.

ومثال ذلك أيضاً: الدورُ الذي اضطلعت به السيدة مريم (عليها السلام)؛ حيث نهضت بالدور عينه، فلم تكن مكلّفةً بمواجهةٍ مسلحة ضد علماء السوء وأرباب الانحراف، وإنما خاضت حرباً ناعمة قائمة على الحجة والبيان بأمرٍ من الله (عزّ وجلّ)، ولم يكن رزقُها بعيسى (عليه السلام) مقتصراً على مجرد الإنجاب والولادة، بل كان تدبيراً إلهياً لإحقاق الحق وإبطال الباطل.

والسؤال المطروح هنا: لماذا تلد مريم (عليها السلام) نبيَّ الله عيسى (عليه السلام) بهذه الكيفية الإعجازية التي أثارت حولها الشبهات؟ والجواب: إنَّ ذلك كان تدبيراً واستدراجاً إلهياً لعلماء السوء، لكي يرى الناسُ حقيقتَهم، وأنهم إذا كانوا في مسألة العِرْض لا يتورعون عن رمي المحصنات والافتراء، فكيف يُؤتمنون بعد ذلك على دين الله وشريعته؟! فقالوا لها كما حكى القرآن الكريم: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾[7] ، وقالوا أيضاً: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾[8] . في حين أنها (عليها السلام) قالت من شدة وطأة الموقف وعِظَم البلاء: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾[9] ؛ إذ هو امتحانٌ إلهيٌّ عسيرٌ زجّ اللهُ تعالى فيه مريمَ (عليها السلام) حين ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾[10] ، فأُمرت بالسكوت: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾[11] ، ثم ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾[12] ، ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ¤ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾[13] . وهذا أعظمُ شأناً وأبلغُ دلالةً من قضية يوسف (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾[14] . فهل يُعدُّ هذا الموقف إلا جهاداً رسالياً عظيماً؟ غير أنه ليس جهاداً بالقوة الساخنة والسلاح، بل بالقوة الناعمة.

وقد يستشكل البعض: لماذا تتصدى السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنفسها عند الباب في مواجهة القوم؟ ولماذا لم يتصدَّ غيرُها، كفضة أو أسماء أو الحسنين (عليهما السلام) على صِغَر سنهما؟

والجواب: إنَّ تصدي الزهراء (عليها السلام) كان مسؤوليةً شرعيةً وتكليفاً إلهياً استهدف تعريةَ الطرف الآخر وإسقاطَ مشروعيته، وتبيينَ تجاوزه للحرمات الإلهية، وما كان لهذه التعرية التاريخية أن تتحقق إلا عبر بنت النبي وعِرْضه (صلى الله عليه وآله)؛ فهو نوع استدراجٍ من الله (عز وجل) للطرف المقابل لكي يُسفِر عن حقيقة نواياه. ولولا ذلك لأرادوا جرَّ الساحة إلى اشتباكٍ مسلح، حتى إذا وقع النزاعُ قالوا: إنَّ بني هاشم قومٌ يتنافسون على السلطة، بل لقالوا إنَّ نبيهم حين دعا إلى الرسالة كان يطلب الملك والرئاسة.

والحاصل: إنَّ أصل المخطط لم يكن منحصراً في غصب الخلافة من أمير المؤمنين (عليه السلام) والولاية من فاطمة (عليها السلام)، بل كان الأمرُ أعظمَ من ذلك وأخطر؛ إذ استهدف التشكيكَ في أصل نبوة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وارتدادَ الأمة عنها. وتأسيساً على هذا الخطر الأكبر، كان الواجب الشرعي على أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يُحجم عسكرياً؛ إذ لو نهضت الأمة بمسؤوليتها لكان الموقفُ مغايراً، أما أن يتصدى منفرداً بما يملكه من قدرةٍ وبأس، لظهر الأمرُ وكأن بني هاشم حريصون على السلطة الدنيوية ومتكالبون عليها، فيتزلزل الإيمانُ بنبوة النبي الهاشمي (صلى الله عليه وآله). ومن هنا كان الإحجامُ متعيناً عليه، وتعيّن الدورُ في المقابل على فاطمة (عليها السلام) لتفضح الطرفَ الآخر وتُظهر أنَّ مقصده ليس صيانة الدين ولا نصرة الإسلام، وإنما غاياتٌ أُخَر.

ومقتضى ذلك: أنَّ الزهراء (عليها السلام) قد تصدت عند الباب في مراتٍ متعددة لتكرر الهجوم على دارها، كما خرجت إلى المسجد وألقت الخطبَ؛ ولم تقتصر على خطبةٍ واحدة بحسب ما تظافرت به المصادر التاريخية والحديثية، بل كانت أربع خطب أو أكثر:

    • خطبتُها الكبرى في المسجد النبوي الشريف (وهي الخطبة الفدكية الشهيرة).

    • خطبتُها في بيتها لنساء المهاجرين والأنصار عند عيادتهن لها.

    • خطبٌ واحتجاجاتٌ أخرى في مواطن متفرقة.

والنتيجة: إنَّ خوضها (عليها السلام) لهذه المواجهة السياسية والعقائدية الشاملة كان متعيناً عليها؛ فلم يخطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بهم آنذاك، بل خطبت هي، وهذا يمثل أسمى مراتب الجهاد لحفظ مصير الأمة وصيانة استقامتها، وهو دورٌ لم يكن لينهض به العباسُ بن عبد المطلب ولا عقيلٌ ولا غيرهما لاعتباراتٍ موضوعية، إذ لا ينهض بهذا التكليف ولا يقطع العذر على الأمة إلا بضعةُ النبوة وسليلةُ الرسالة.

فهي (عليها السلام) تمتلك من الشرعيّة عند المسلمين ما يقطع العذر على الجميع.

فإن قيل: لِمَ تصدّت فاطمة (عليها السلام)؟

والجواب: إنَّ باب الجهاد لا يسقط فيه عن النساء «الجهاد الناعم»، وهو جهاد الحرب الباردة، والحرب النفسيّة، والحرب الإعلاميّة، بل ربَّما تتفوّق المرأة في الاضطلاع به على الرّجل؛ وحين النظر في تبويب باب الجهاد نلتفت إلى قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[15] ، وهو يقابل الضعف، والوهن، والتثبيط، والإحباط، واليأس، والتنازع والشقاق المفضي إلى ذهاب الرّيح.

والدقيق هنا: أنَّ مفهوم «الإعداد» مفهومٌ دقيقٌ؛ إذ لم يقتصر الأمر الإلهيّ على مجرّد امتلاك القوّة، بل أمر بالإعداد، ومفاد الإعداد هو العمل بنَفَسٍ مستدامٍ وبعيد المدى؛ فلا يقتصر المكلَّف على ما هو متاحٌ في الحاضر الرّاهن، بل يجب عليه إعداد العدّة تأسيساً على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾[16] ، وهو يقتضي تحصيل المقدّمات ولو كانت بعيدة الغاية، بحيث يُصار إلى التخطيط لخمس سنواتٍ، وعشر سنواتٍ، وعشرين سنةً قادمة، لا الاقتصار على اللحظة الراهنة فحسب؛ سواء أكان ذلك في المجالات الأمنيّة، أم العسكريّة، أم التكنولوجيّة، أم الإداريّة، أم النخبويّة، أم النفطيّة، أم الاقتصاديّة والمصرفيّة.

تنبيه: إنَّ إحدى كبرى الأزمات تكمن في تسليم الجانب الاقتصاديّ والمصرفيّ لغير المخلصين؛ فيفتّون في العضد وينقادون للمنظومة الغربيّة؛ فالمساحة التي بيد المتديّنين — والمقصود بالمتديّن هو من يعمل لآخرته لا طالب الدنيا؛ إذ قد يتزيّى المرء بزيّ التديّن وهو يعبد الدنيا فيكون علمانيّاً في واقع أمره — لا تتجاوز حدود عشرين بالمائة، في حين تُدار مساحاتٌ واسعةٌ منذ خمسين سنةً تصل إلى ثمانين بالمائة في الفنون والجامعات والاقتصاد والصحّة من قِبَل آخرين يفتّون في العضد. وقد نبّه بعض المنظّرين الاقتصاديّين إلى وجود أيدٍ خفيّة تدير دفّة الاقتصاد من وراء الستار، ومع ذلك فإنَّ المساعي المبذولة لكسر الهيمنة والاستعباد القائم على الدولار قد بعثت أملاً عبر تكتّلاتٍ دوليّة كمنظّمة «شنغهاي» ومجموعة «بريكس»؛ والحاصل أنَّ الإعداد يستلزم نَفَساً طويلاً، وهو في الرتبة أولى الواجبات في باب الجهاد، لا مجرّد الحرب الميدانيّة المباشرة.

والنتيجة: إنَّ استقراء الروايات يعطي هندسةً صناعيّةً وتبويباً مغايراً لباب الجهاد؛ ومقتضى ما نبّه عليه السيّد محسن الحكيم وغيره من الأعلام، وما أثبته الدكتور عبد الهادي الفضلي في كتابه «في انتظار الإمام»[17] — الذي استوعب فتاوى مركزيّة لعلماء النجف وقم كالسيّد محسن الحكيم، والسيّد حسين البروجردي، والميرزا عبد الهادي الشيرازي، والسيّد مهدي الشيرازي — هو أنَّ تدوين باب الفقه السياسيّ والجهاد في مصنّفاتنا الفقهيّة طوال عشرة قرونٍ كان تدويناً قاصراً عن النهوض بالمسؤوليّة وغير وافٍ بمقتضياتها، ممّا انعكس سلباً على الرؤية الدينيّة وعلى عموم المؤمنين.

وتأسيساً على ذلك، تغدو إعادة النظر هذه ضرورةً ملحّةً؛ فإذا تساءل سائلٌ اليوم عن دور فاطمة (عليها السلام): هل يمثّل وظيفةً شرعيّةً يُقتدى بها؟

فالجواب: إنَّه يُقتدى بها قطعاً، ولكن يقع البحث في تحرير وجه الاقتداء وكيفيّته.

تخرجُ وتواجه، حتى إنَّها في خطبتها الفدكية استنهضت الأنصار مرتين عسكريّاً للمواجهة، فانظروا إلى المخزون الشرعي الذي لديها وهي آمرةٌ ناهيةٌ تقود، خلافاً للتصوّر الحاضر من أنَّ المرأة معزولةٌ تماماً، وأنَّ جهاد المرأة منحصرٌ في حسن التبعّل فقط، فهذا صحيحٌ وهو مساحةٌ من مساحات المرأة؛ لقوله (عليه السلام): «جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ»[18] ، ولكنه ليس كلّ مجالاتها.

والمسألة الأخرى: هي قضية ما ورد في الخبر من قوله (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا»[19] ، حيث إنَّ أحد أسباب تأخير الظهور يرجع إلى مسؤوليتنا نحن قبل أن تكون مسؤولية السماء؛ فالسماء ليست بمنأى عن المسؤولية، وصاحب الأمر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في كبد أحداث هذه المسؤولية، ولكن لا بدّ من تحقيق قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[20] ، ومع أنَّه (عليه السلام) يخوض في الإعداد وتربيتنا عليه، إلّا أنَّ ساعة الصفر لا تأتي إلّا بنهوضنا بمسؤوليتنا.

والحاصل: أنَّ الظهور ليس حدثاً جبريّاً ولا تنجيماً ولا تنبّؤاً، بل الظهور في الحقيقة مسؤوليةٌ وتكليف، ومِن ثَمَّ فإنَّ الإعداد له يجب أن يُدرج في باب الجهاد؛ إذ إنَّ إحدى غايات باب الجهاد الكبرى هي الإعداد للظهور، وهذا المعنى لا يُذكر في باب الجهاد ولا في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشكل المطلوب، وهذا قصورٌ واضح؛ فلماذا يُقرأ الظهور كأنَّه حدثٌ تكوينيّ وقضاءٌ وقدرٌ إلهيّ بحت، وليس مسؤوليةً ملقاةً على عاتقنا، مع أنَّ الخواجة نصير الدين الطوسي يقول في تجريد الاعتقاد: «وَوُجُودُهُ لُطْفٌ، وَتَصَرُّفُهُ لُطْفٌ آخَرُ، و غيبته منّا.» [21] ؟ فإذن، إعادة تبويب باب الجهاد أمرٌ في غاية الأهمية والحساسية، وكذلك باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباب القضاء، وأبوابٌ عديدةٌ أخرى مرتبطةٌ بالفقه السياسي، وهذه هي النقطة الأولى التي يجب الالتفات إليها وترتيبها.

أمَّا النقطة الأخرى: فهي مسألة الجهاد الابتدائي الذي يُصرّ السيد الخوئي (رحمه الله) على أنَّه واجبٌ في زمن الغيبة الكبرى وليس بساقط[22] ، وكنت أظنّ عبر التتبّع تسالم علماء الإمامية على خلاف ذلك، وأنَّ ولاية الجهاد الابتدائي خاصةٌ بالإمام المعصوم (عليه السلام)، كما يرى السيد الخميني (رحمه الله) في كتاب «تحرير الوسيلة» وغيره من الكتب[23] ، بينما يرى السيد الخوئي أنَّه وإن كانت ولايته بالأصل للمعصوم، إلّا أنَّه مع حيلولة الظالمين دون تصدّي الإمام المعصوم لا يسقط التكليف عن البقية، وهذا أيضاً ما قرّره الميرزا محمد باقر الخراساني السبزواري [24] صاحب كتابي «الكفاية» و«الذخيرة».

وعليه: فإنَّ السيد الخوئي (رحمه الله) يُشكّك في دعوى الإجماع والتسالم، وعند الرجوع إلى كتب المتقدمين نجد أنَّ الحقّ معه؛ إذ لا يوجد تسالمٌ على سقوط الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة الكبرى، وسنتعرّض إلى كلام الشيخ المفيد، وكلام أبي الصلاح الحلبي في «الكافي في الفقه»[25] ، وكلام بقية الأعلام المتقدمين، كالشيخ الطوسي في كتاب «الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد»[26] وكتاب «مصباح المتهجد» وغيرهما؛ حيث لا يظهر منهم القول بتعطيل الجهاد الابتدائي حتى مع عدم تمكّن الإمام من التصدّي نتيجةً لمنع الظالمين، فعدم تصدّيه لا يُسقط أصل الوظيفة، وسنبيّن تداعيات عدم سقوط هذه الوظيفة في الغيبة الكبرى، فضلاً عن المسؤوليات الكبرى الأخرى التي لا تسقط ولا تُعطّل تبعاً لذلك.

 


[2] نُشر الاستفتاء في مجلة «الأضواء» النجفية، ونقله الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي في كتابه: في انتظار الإمام.، ط1، دار الأضواء، 1985م. — المحقق
[3] المقصود بطبقات العموم أو درجاته في علم الأصول: ترتّب الأدلة العامة ترتباً رتبياً بحسب سعة دائرة الشمول والحاكمية؛ بحيث يكون العموم الأوسع مهيمناً على ما دونه من العمومات الأضيق دائرة. — المحقق.
[17] الفضلي، عبد الهادي. في انتظار الإمام.. النجف الأشرف: مطبعة النعمان، 1968م
[24] هو المحقق المولى محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري (ت 1090هـ)، من كبار فقهاء العصر الصفوي وأعلام الإمامية، صاحب «كفاية الأحكام» و«ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد». — المحقق.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo