48/04/02
تفكيك الحيثيات في الفقه السياسي ومشروعية الجهاد في ظل الحكم الجائر/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /تفكيك الحيثيات في الفقه السياسي ومشروعية الجهاد في ظل الحكم الجائر
قاعدة تفكيك الحيثيات في الفقه السياسي
مرَّ بنا في هذا البحث أنَّ كون الحُكم بيد الغاصب والجائر لا يخلع عليه شرعيّةً بحال، كما أنَّ وقوع الحكم بيد الغاصب لا يعفي المغصوبَ حقُّه -كالأئمة (عليهم السلام) أو نوابهم أو أتباعهم- من المسؤولية ولا يُسقطها عن كواهلهم؛ فقد اتفقت النصوص الشرعية وفتاوى الأعلام على أنَّ مجرد كون النظام جائراً أو كافراً -كنظام الحكم في مصر إبّان عهد النبي يوسف (عليه السلام)- لا يُسقط بحالٍ واجبَ النهوض بالإصلاح والقيام بالمسؤولية. ومن ثمَّ فإنَّ مشاركة النبي يوسف (عليه السلام) في حكم الحاكم الكافر بمصر آنذاك أو في عموم المنطقة لا تضفي أيّ شرعيةٍ على ذلك النظام، كما أنَّ الامتناع عن التدخل وإصلاح الشؤون بذريعة اجتناب إعطاء الشرعية للنظام يُعدّ خطأً فادحاً لا يُسوّغ التهرب من أداء الواجب.
والأصل في ذلك: أنَّ هذا المطلب يبتني على تفكيك الملفات -وفق التعبير المعاصر- أو تفكيك الحيثيات والجهات بحسب التعبير الصناعي الفقهي والأصولي؛ إذ لو غفل الفقيه أو المكلف عن التفكيك بين هذه الحيثيات لانسدّ أمامه طريق استيعاب مدلول الأدلة. فكون الجائر جائراً لا يمنحه شرعيةً بحال، بل أكثر من ذلك: قد تفضي مشاركة النبي يوسف (على نبينا وآله وعليه السلام) إلى إعطاء نوعٍ من التأييد القهري للنظام الكافر، كما أنَّ تصدّي علي بن يقطين[1] لموقع الوزارة في السلطة العباسية كان يضفي عليها رونقاً ولمعاناً، إلا أنَّ الوظائف الشرعية الخطيرة التي كان يضطلع بها تزن تلك التبعة وتربو عليها ملاكاً وأهمية؛ فهذه المفسدة المرجوحة أو الحرمة التبعية تُعارَض بواجباتٍ ومصالح أشدَّ لزوماً وأعظمَ رتبة، إذ تُحقَن بها الدماء المعصومة، وتُصان الفروج والأعراض، وتُقضى بها حقوق المؤمنين.
والشاهد الفقهي: ما ورد في صحيحة يونس بن عبد الرحمن في باب الجهاد والرباط[2] ، والتي أفتى بمضمونها الفقهاء قاطبةً؛ حيث سأل يونسُ الإمامَ (عليه السلام) عن هجوم الكفار على ثغرٍ من ثغور المسلمين -أي نقطةٍ حدودية-: هل يجب الدفاع؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) بالنهي مراراً. ولمّا كان يونس فقيهاً بصيراً متضلعاً يدرك أنَّ نهي الإمام ليس حكماً مطلقاً على عواهنه، بل هو ناظرٌ إلى قيدٍ خاص، عدل إلى تصوير شقٍّ آخر وبسط صورةٍ ثانية للمسألة -على غرار المسلك التحقيقي في أسئلة زرارة وعمر بن حنظلة وأضرابهما من فقهاء الرواة-؛ فلو كان الراوي من طبقة الرواة المتوسطين لاقتصر على ظاهر النهي وأخذ بإطلاقه، بيد أنَّ يونس تنبَّه إلى أنَّ إطلاق كلام الإمام محفوفٌ بالتخصيص وتفكيك الحيثيات، فسأل الإمامَ: أرأيت إن كان هجوم الكفار ينتهي إلى استيلائهم على البلاد وتلك الحوزة؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) عندئذٍ بوجوب الدفاع والقتال، لا بذلاً للمهج في تثبيت ملك بني العباس وسلطانهم، بل ذوداً عن بيضة الإسلام وحفظاً لذكر رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) من الاندراس والاضمحلال.
والحاصل: أنَّ يونس لو كان ناقلاً عادياً لاكتفى بما سمعه أولاً من تكرار الإمام للنهي، لكنَّ ملكته الفقهية ودربته على تفريع الشقوق حملتاه على الالتفات إلى ملفين متباينين يجب التفكيك الدقيق بينهما:
• الملف الأول: أن يكون الهجوم صراعاً حدودياً ونزاعاً سلطوياً لا يهدد كيان الدين وأصل المجتمع الإسلامي، وحكمه المنع من القتال تحت راية الجائر.
• الملف الثاني: أن يمسّ العدوان أصل الإسلام ووجوده؛ وحينئذٍ وإن كان سلطان بني العباس سيستثمر تلك الوقفة الدفاعية لتدعيم سلطته قهراً وتبَعاً، إلا أنَّ هذه الثمرة التبعية وتلك الإعانة الاضطرارية لبني العباس لا تُسقطان بحالٍ أصالةَ وجوب الدفاع عن حريم الإسلام والذبّ عن بيضته ومصيره.
وقد يُشكل على ما تقدَّم: بأنَّ الدفاع الواقع عن منطقةٍ معيَّنة إنّما يرجع في ظاهره إلى جماعةٍ من أتباع مذهبٍ مخصوص من المذاهب الإسلامية؛ فهل الدفاع هاهنا دفاعٌ عنهم أم عن راية الإسلام؟ فإن قيل: إنَّ نصرة راية الإسلام ستصبُّ قهراً في صالح أتباع ذلك المذهب، فالمقارنة المنضبطة إنّما تقع بين أصل راية الإسلام وبين الجانب المقابل، ومع وجود راياتٍ أُخرى قد يصبُّ الدفاع في مصلحتها تبعاً، إلا أنَّ مدار البحث وحاقَّ المسألة يتقوَّم بوجوب حفظ أصل راية الإسلام وكيانها؛ فالكلام ناظرٌ إلى هذه الحيثيَّة بالذات لا إلى التمذهب بمذهبٍ معيَّن، وأمّا انتفاع مذهبٍ مخصوص فهو بحثٌ آخر لا يخلُّ بأصل التكليف؛ لأنَّ المحور هو أصل راية الإسلام.
ضوابط الحرب والمسؤولية بين الفقه والقانون الدولي
وهذه المباحث تندرج في صميم الفقه السياسيّ، أو الفقه العسكريّ، أو الفقه الإداريّ؛ وهي موضوعاتٌ إن لم يضبطها المكلَّف ضبطاً صناعيّاً دقيقاً استعصى عليه فهمها. ومن هنا جاء تحذير الأئمَّة (عليهم السلام) من الخوض العشوائيّ في المسائل السياسيَّة، وليس المراد من تحذيرهم رفع اليد عن المسؤوليَّة السياسيَّة أو إسقاط التكليف، وإنّما أرادوا التثبّت والتفكيك الدقيق بين الحيثيَّات والملفات؛ كما جاء في البيان الشريف للإمام الهادي (عليه السلام) في زيارة يوم الغدير: «وَلا أَحْجَمْتَ عَنْ مُجَاهَدَةِ عَاصِيكَ نَاكِلاً»[3] ، ومقتضاه أنَّ الإحجام يتطلَّب إذناً وشرعيَّةً كما يتطلَّب الإقدام إذناً وشرعيَّة، ولا يوجد في الميزان الشرعيّ إحجامٌ مطلق؛ إذ إنَّ كلَّ حركةٍ وسكونٍ محكومان بضوابط الشريعة وموازينها الدقيقة. وتأسيساً على ذلك، فإنَّ كون النظام جائراً أو كافراً لا يُسقط في الأصل وجوب القيام بالمسؤوليَّة الشرعيَّة، كما أنَّ أداء هذه المسؤوليَّة لا يقتضي إضفاء الشرعيَّة على الجائر؛ فالجائر تتوجَّه إليه وظائف واقعيَّة، والتعامل معها لا يعني تصحيح سلطانه، وإن أخطأ في فهم ذلك من أخطأ أو توهَّم من توهَّم.
ونظير ذلك في القانون الدوليّ المعاصر: ما يتقرَّر في شأن «الحرب العدوانيَّة» التي يشنّها معتدٍ على غيره؛ حيث يُلزم الطرف المعتدي -فضلاً عن تجريم أصل عدوانه- بألا يرتكب في أثنائها «جرائم حرب»؛ فالجهتان متغايرتان ولا تُسقط إحداهما الأخرى، فإذا امتثل لضوابط الحرب وتحاشى الجرائم لم يُعفَ من مسؤوليَّة العدوان الأصليّ، كما أنَّ صدور العدوان منه ابتداءً لا يسوّغ له ارتكاب جرائم إضافيَّة.
وكذلك الحال بالنسبة للمعتدى عليه: فإنَّ كونه في موقع الدفاع عن النفس لا يبيح له انتهاك القوانين أو ارتكاب جرائم الحرب؛ فمع كونه مجنياً عليه -على حدِّ ما قرَّره أمير المؤمنين (عليه السلام) في مواجهة معاوية وجيش الشام- فإنَّ هذه الحرب الدفاعيَّة لا تبيح ارتكاب المحظورات، بل إنَّ الجهاد المشروع والدفاع المحقَّ لهما حدودٌ وضوابط وقوانين لا يجوز تعدّيها.
والحاصل: أنَّ هذه النكات الفقهيَّة الدقيقة ينبغي الالتفات إليها سواءٌ في الحرب العدوانيَّة أم في مسألة مواجهة المحتلّ وقوى الاستعمار؛ فترتّب الوظائف والمسؤوليَّات لا يُعدُّ شرعنةً للكيان الغاصب، وعدم شرعيَّته لا يعفيه من تحمّل التزاماته، ولا الانخراط في أداء هذه الوظائف يفيد إقراراً بسلطانه. ومن ثمَّ فلا وجه للتراجع والانكفاء بذريعة التورّع والتنزّه عن التلوّث بالواقع السياسيّ؛ فإنَّ ترك التكليف في موطنه يُعدُّ تضييعاً للمسؤوليَّات الكبرى، وليس ذلك من الورع والتقوى في شيء.
ومنه يتبيَّن منطق أتباع نبي الله موسى (عليه السلام) المحكي في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[4] ؛ إذ يتوهَّم البعض أنّ هذا الموقف ناشئٌ عن الورع والتقوى، والحال أنّه في حقيقته تركٌ للمسؤولية الشرعية، وخورٌ عن مواجهة القوى العظمى بدعوى الخشية من الهلاك.
والشاهد على ذلك: ما رواه ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله) في الباب الأول من أبواب فضل الجهاد؛ إذ إنَّ جلَّ الروايات الواردة في كتاب «الكافي» في هذا الباب مرويّةٌ عن الأئمة الصادق والباقر والكاظم والرضا (عليهم السلام)، ولا تنحصر في المرويِّ عن أمير المؤمنين أو الإمام الحسين (عليهما السلام). فالإمام الصادق (عليه السلام) في حوزته العلمية العامرة بالمدينة المنورة -التي تخرَّج منها جيلٌ من الفقهاء والقضاة المعاصرين له ولآبائه وأبنائه (عليهم السلام)- كان يحثُّ على الجهاد في ذلك العصر، انطلاقاً من تفكيك الحيثيات والملفات، وتحديد الوظائف والمسؤوليات الشرعية.
سند الرواية ومفادها: جاءت الرواية في «الكافي» بإسناد الكليني، عن محمد بن يحيى العطار القمي، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب -وهو من أصحاب الإجماع[5] -، عن بعض أصحابه -والمراد ببعض أصحابه هنا مشايخه الكبار، وبناءً على قاعدة الإجماع في تصحيح ما يصحّ عنهم فإنَّ شيوخ إجازته وروايته موثَّقون[6] -، «قَالَ: كَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي رِسَالَةٍ إِلَى بَعْضِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ»[7] ، حيث أورد الكليني منها مقطع الجهاد.
دلالة الموقف: يبيِّن الإمام الباقر (عليه السلام) في هذه الرسالة وظائفَ تلزم السلطةَ الأموية، وهي وظائف عسكرية تشمل الجهاد الابتدائي[8] ؛ حيث يُدين (عليه السلام) السلطةَ لتقصيرها في إقامته. وتوجيه هذا الموقف في ضوء الروايات التي تشترط الإمام العادل: أنّ غصب السلطة لا يُسقط وظائف إدارة الدولة عن الغاصب، ولا يُعفيه من أدائها، كما أنّ أداء تلك الوظائف لا يمنحه شرعيةً لتصدّيه الغاصب؛ ونظير ذلك تقويم أمير المؤمنين (عليه السلام) للاعوجاج في قضاء الخلفاء، حيث شارك في التقويم حفظاً للدين، دون أن يُشرعن تصدّي الحاكم أو يُسقط مسؤوليته. وتلك سيرةٌ قطعية لأمير المؤمنين (عليه السلام) تفرّق بدقّة بين مشروعية الفعل ومشروعية الفاعل في ساحات القضاء، والجهاد، والسياسة، والمعرفة.
وحيث إنَّ القائمين على الأمر آنذاك كانوا يعجزون عن تقديم الأجوبة عن الشبهات أمام الملل والنِّحَل الأخرى، فإنَّ هذا العجز لا يعفي أمير المؤمنين (عليه السلام) من التصدّي لتقديم الجواب ودفع الشبهة، حتى وإن سرق الطرف الآخر تلك الأجوبة ونسبوها إلى أنفسهم كما وقع بالفعل؛ إذ ليس منطلق ذلك الدفاعَ عن أشخاصهم، بل أداءً للوظيفة الشرعية في حفظ دين ابن عمّه المصطفى (صلى الله عليه وآله)، ومقتضى التحقيق العلمي يفرض التفكيك الدقيق بين هذه الحيثيات والجهات.
والقاعدة هنا: أنَّ الفقهاء يفرّقون بين كون التصدّي في ذاته جائراً أو غاصباً وغير مشروع، وبين مشروعية الفعل الذي يقوم به المتصدّي في نفسه؛ فشخص الحاكم وتصدّيه حيثية، وفعل الحكومة في حدّ ذاته حيثية أخرى، وهذا التفكيك إذا لم يلتفت إليه الباحث ويتقنه اختلطت عليه المسالك الفقهية.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في الرسالة التي كتبها الإمام الباقر (عليه السلام) إلى بعض خلفاء بني أمية، وهو الإمام الذي شهد واقعة عاشوراء الأليمة وما تلاها من أحداث، ومسلكه (عليه السلام) في هذا الباب هو عين مسلك والده الإمام زين العابدين والسجاد (عليه السلام) كما هو ظاهر في دعاء أهل الثغور[9] ، وهذا المسلك المتين هو الذي يرجّح القول بعدم سقوط فريضة الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة الكبرى[10] ، خلافاً لما استظهره الأكثر من علماء الإمامية ووفاقاً لرأي السيّد الخوئي[11] والميرزا باقر الزنجاني؛ وتتعدّد الوجوه الاستدلالية الدالة على هذا المختار، والتي يقع في مقدّمتها هذه الرسالة وموقف الإمام السجاد (عليه السلام).
وقد تعرّض الإمام الباقر (عليه السلام) في هذه الرسالة إلى أركان الدين التي ضُيّعت، مبيّناً أنَّ هذا الفعل واجبٌ في نفسه ولازمٌ بغضّ النظر عن غصب المتصدّي لمقام الولاية؛ فصاحب الحقّ المغصوب يجب عليه الحثّ على إقامة هذا الفعل من باب الأمور الحسبيّة[12] ، والغاصب لا يسقط عنه وجوب إقامة هذا الركن والقيام به رغم كونه غاصباً، حيث يقول (عليه السلام): «وَمِنْ ذَلِكَ مَا ضُيِّعَ الْجِهَادُ الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الأَعْمَالِ، وَفَضَّلَ عَامِلَهُ عَلَى الْعُمَّالِ تَفْضِيلًا فِي الدَّرَجَاتِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ»[13] .
والبيان في ذلك: أنَّ هذا التعليل الصادر من الإمام الباقر (عليه السلام) لبيان سبب التفضيل غير قابل للتخصيص؛ لكونه تعليلاً تكوينياً لا تشريعياً، فالجهاد هو الركن الذي ظهر به الدين في الخارج، وأصل بناء الإسلام وتكوينه قام واستقام بالجهاد، وكذلك صيانة الدين والدفاع المستمر عنه لا يتحقّق بغيره.
ثمّ يبيّن (عليه السلام) أنَّ الجهاد طريقٌ أصيل للتكامل الإنساني؛ فإنَّ المكلف لا يبلغ درجات الكمال بمجرّد الصلاة والصيام والزكاة والتسبيح والتقديس فحسب، بل الجهاد بابٌ عظيم وواسع من أبواب التكامل ونيل الرضوان، وفيه اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾[14] بيعاً مفلحاً منجحاً.
والنكتة الأساسية: تكمن في قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حِفْظَ الْحُدُودِ»[15] ؛ فإنَّ أصل مشروعية الجهاد الذاتية لا تغني عن لزوم كون الممارسة الخارجية مشروعة ومنضبطة بالضوابط الشرعية، وهو عين ما قرّرناه من ضرورة التفكيك بين الجهات.
والحاصل: أنَّ هذا التفكيك يظهر جليّاً في دراسة ملف الفتوحات الإسلامية، إذ يشتمل تحليله على ثلاثة ملفات متمايزة:
• أصل إدارة الفتح والمواجهة العسكرية وحفظ بيضة الإسلام.
• التصدّي السياسي للحكم وغصب الخلافة.
• مراعاة الحدود والضوابط والقوانين الشرعية في الحرب، وما يقابل ذلك من بناء الدولة البديلة.
والخلط بين هذه الحيثيات والملفات هو السبب الرئيس في إيجاد الصعوبة والتحرّج العلمي في مقاربة هذا البحث الفقهي الشريف.
وسنخوض -بتوفيق الله تبارك وتعالى وببركات أهل البيت (عليهم السلام)- في بيان الميزان الفقهي للتفكيك بين هذه الملفات والحيثيات؛ إذ الأمر كما بيَّنه الأئمة (عليهم السلام) يرجع إلى تفكيك الحيثيات في الفعل الواحد؛ فإنَّ أصل إدارة الشيء في نفس الشيء، وحينئذٍ يكون التصدي السياسي شأناً مستقلاً، ومراعاة الحدود والقوانين في الحرب ملفّاً ثانياً، والدولة البديلة التي تُبنى عقيب الفتح ملفّاً ثالثاً، فهي جهاتٌ وملفاتٌ متعددة لا يصح الخلط بينها.
ومثال ذلك: ما كان من دور أمير المؤمنين (عليه السلام) في أصل إدارة الفتوحات؛ كفتح فارس وفتح الروم، حيث ثبتت إدارته وإرشاداته وتدبيره (عليه السلام) ببركات علمه من مصادر أهل الخلاف أنفسهم[16] .
موقف الإمام الباقر (عليه السلام): وفي هذا السياق، نجد الإمام الباقر (عليه السلام) يطالب الدولة الأموية بالنهوض بأمر الجهاد ولكن بشرط حفظ الحدود والقوانين الإلهية؛ فقد اشترط الله عليهم حفظ الحدود، ومع كون بني أمية قد وسَّعوا رقعة الدولة الإسلامية جغرافياً، فإنَّ الإمام الباقر (عليه السلام) يخاطبهم بأنهم مقصِّرون في توسعة دار الإسلام وفق موازينها الشرعية وحفظ حدودها؛ ومقتضى ذلك أنَّ أصل هذا الفعل وركن الجهاد لا يُعطَّل في نفسه، وإن كان الإمام الشرعي قد زُوِيَ حقُّه وغُصِب مقامه، فكونه من أركان الدين يُوجب إقامته حسبيّاً وعدم تعطيله.
حفظ الحدود وقوانين الحرب: إنَّ اشتراط حفظ الحدود في قوله (عليه السلام): «اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حِفْظَ الْحُدُودِ»[17] ، يُبرز قاعدةً محوريةً مفادها أنَّ مشروعية أصل الجهاد لا تُعفي المجاهدين من لزوم رعاية قوانين الحرب وضوابط الشريعة، وفي طليعة تلك الحدود والقوانين: الدعوة إلى طاعة الله (عز وجل) والانعتاق من طاعة العباد، وتلك هي الغاية الكبرى وفلسفة الجهاد في الإسلام؛ إذ مآله إلى تحرير البشرية من ربقة العبودية والاستبداد والدكتاتورية السياسية إلى فضاء الحرية بعبادة الله وحده لا شريك له.
والشاهد القرآني على ذلك: ما نطق به الذكر الحكيم في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾[18] ، فلم يقصر الغاية على نصرة المسلمين أو المؤمنين فحسب، بل شملت إغاثة عموم المستضعفين وتحريرهم. وهو عين المنطق المبثوث في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾[19] ؛ ومفاده رفع الاستبداد والطغيان البشري، بحيث يستوي الجميع في مقام العبودية لله تعالى.
والحاصل: أنَّ أعظم فلسفةٍ في الجهاد وأسمى قانونٍ فيه بعد حفظ أصل الدين والدفاع عن حياضه، هو ما بيَّنه (عليه السلام) في رسالته، حيث يتلخص التحرر من الجبابرة في ثلاثة أبعاد متكاملة:
• أول ذلك: الدعاء إلى طاعة الله (عز وجل) من طاعة العباد؛ أي تكريس حكم الله وتشريعه دون أحكام العباد وأهوائهم.
• وإلى عبادة الله من عبادة العباد.
• وإلى ولاية الله من ولاية العباد.
الاستبداد والربوبية في المنطق القرآني: إنَّ الاستبداد السياسي في المفهوم القرآني يُعدّ عيناً لادعاء الربوبية؛ خلافاً للتصور السائد من حصر الألوهية والربوبية في ادعاء خلق السماوات والأرض؛ فإنَّ دلالة الربوبية في القرآن الكريم وموارد نصوص أهل البيت (عليهم السلام) تنطبق انطباقاً جليّاً على الاستبداد السياسي، كأن يدّعي الحاكم لنفسه حق الولاية المطلقة والتقنين والتشريع بمعزلٍ عن أمر الله وحكمه، فالتشريع الوضعي المستبد والاستبداد بالحكم السياسي نوعٌ من ادعاء الربوبية، ومقابله أنَّ الخضوع والانصياع لهذا الاستبداد يُعدّ تأليهاً وعبادةً لذلك المستبد؛ إذ لا فرق جوهرياً في منطق المعصومين (عليهم السلام) والقرآن المجيد بين الانحناء لصنمٍ ووثن، وبين تطويع الفكر والانقياد القلبي لطاغيةٍ ومستبدٍّ سياسي، فكلاهما شركٌ وتأليهٌ لغير الله تبارك وتعالى.
وهذه هي الربوبية المذكورة في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾[20] [سورة التوبة: 31]؛ إذ لم يدَّعِ أولئك أنهم خلقوا السماوات والأرض، غير أن الوهم قد يسبق إلى حصر مفهوم الألوهية والشرك في ادّعاء الخالقية، فيُظنّ أن إطاعة الطاغوت سياسياً وتطويع الفكر والنفس والغير له ليس من الشرك في شيء. في حين أن القاعدة في منطق القرآن الكريم جاريةٌ على استخدام لغة العقيدة لبيان الشرك السياسي والكفر السياسي، والتعبير بالكفر العقائدي عن الكفر السياسي والتشريعي، وعن الشرك القانوني.
ويوضح ذلك: ما جاء في تعبير الإمام الباقر (عليه السلام) في رسالته إذ يقول: «…وَأَوَّلُ ذَلِكَ الدُّعَاءُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ طَاعَةِ الْعِبَادِ، وَإِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وَإِلَى وَلَايَةِ اللَّهِ مِنْ وَلَايَةِ الْعِبَادِ…»[21] ؛ فإن العبادة قد يُتوهَّم انحصارها في الطقوس العبادية كالصلاة ونحوها، إلا أن الإمام (عليه السلام) كرر عنوان الطاعة والعبادة والولاية ليُبيّن أن الولاية السياسية المنحرفة والانقياد لسلطان الجائر هو بذاته عبادةٌ لغير الله ومآلٌ إلى الشرك بعينه.
والحاصل: أن الإمام الباقر (عليه السلام) يقرر أن الجهاد الابتدائي[22] لا يسقط بوصفه وظيفةً وتكليفاً حتى في زمان سلطان بني أمية وجورهم، فلا يسقط عن بني أمية الجائرين الغاصبين، ولا عن الإمام (عليه السلام) والأمة، فهذا ركنٌ من أركان الدين يجب أن يُشاد، وليس في تشييده أي تسويغٍ أو شرعنةٍ لحكم بني أمية، بل لا بد من إقامة هذا الواجب كما هو مشهودٌ في سيرة جده أمير المؤمنين المرتضى (عليه السلام).