48/04/01
الواجبات النظامية وقواعد الفقه السياسي في ضوء سيرة المعصومين/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الواجبات النظامية وقواعد الفقه السياسي في ضوء سيرة المعصومين
أصالة الواجبات النظامية في الفقه الإسلامي
قد تبيّن ممّا تقدّم أنَّه في مقام تدوين الوظائف العامّة للمجتمع — أو ما يعبِّر عنه الفقهاء في مباحث المكاسب المحرّمة بـ«الواجبات النظاميّة»[1] ، وهي الواجبات التي يلزم الإتيان بها لحفظ أصل النّظام المجتمعيّ وتشييده وإقامته — قد تعرّض الأعلام، في بدايات المكاسب المحرّمة ومسائلها المتفرّعة عنها، استناداً إلى رواية «تحف العقول»[2] التي تشتمل على تأصيلٍ واسعٍ لهذا المبحث في مواطن عديدة، إلى أنّ جملةً من الوظائف كالصّناعة والزّراعة والتّجارة، وإن كانت باللّحاظ الأوّليّ والذّاتيّ من قبيل المباحات أو المستحبّات، إلّا أنّها باللّحاظ الهيكليّ والمجموعيّ لنظام المجتمع تعدّ واجبةً وجوباً كفائيّاً؛ صيانةً لدار الإسلام وبناءً لأصل الحياة الاجتماعيّة.
والقاعدة هنا: أنَّ قوام حياة الإنسان متوقّفٌ على حفظ الإنسان ضمن المجتمع، وحفظ المجتمع منوطٌ بأداء الواجبات النظاميّة؛ والتي يندرج تحتها:
• النّظام السياسيّ.
• النّظام العسكريّ.
• النّظام الأمنيّ.
• النّظام الإداريّ.
• النّظام الصحيّ.
• النّظام التعليميّ. وهذه الواجبات بأسرها لا تسقط ولا تعطَّل بحالٍ من الأحوال، حتّى في عصر الغيبة الكبرى.
مناقشة روايات النهي عن التحرك قبل القائم
فإن قيل: إنَّ ظاهر ما ورد في بعض الرّوايات الشّريفة يمنع من التحرّك، كقوله (عليه السّلام): «مَا خَرَجَ وَلَا يَخْرُجُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ إِلَى قِيَامِ قَائِمِنَا أَحَدٌ لِيَدْفَعَ ظُلْمًا أَوْ يَنْعَشَ حَقًّا إِلَّا اصْطَلَمَتْهُ الْبَلِيَّةُ، وَكَانَ قِيَامُهُ زِيَادَةً فِي مَكْرُوهِنَا وَشِيعَتِنَا»[3] ، فهل تدلّ هذه الرّواية ونظائرها المستفيضة على سقوط مسؤوليّة حفظ النّظام العامّ عن كاهل المؤمنين وقعودهم عن المسؤوليّات؟
والجواب: كلاّ قطعاً؛ إذ ليس المراد من هذه الأخبار تجميد الوظائف الحسبية والواجبات النظاميّة، وإنّما سيقت للدّلالة على أنّ التحرّكات العسكريّة أو الثّوريّة إن عَرِيَت عن الدّراسة والتّخطيط المحكمين، ومضت على وتيرة الاسترسال والانسياق وراء الشّعارات والانخداع بالانتهازيّين، كانت وبالاً ونكالاً، وأفضت إلى زيادة المكروه على أهل البيت (عليهم السّلام) لكونها لم تنصبّ في الصّالح العامّ؛ وإلّا فلو كان المنع مطلقاً، لَمَا صدر المدح والتّسديد من الإمام الصّادق (عليه السّلام) لحركة المختار وحركة التّوّابين.
دلالة حركة التوابين على المبادرة في الأمور الحسبية
والشّاهد على ذلك: أنّ الإمام الصّادق (عليه السّلام) في الرّواية الأخيرة من كتاب «كامل الزّيارات»[4] يمتدح التّوّابين ويثني على خروجهم، ويعدّ حركتهم العسكريّة حركةً محمودةً مرضيّةً عنده (عليه السّلام)؛ على الرّغم من أنّ حركة التّوّابين تُعدّ بادرةً نوعيّةً ورائدةً في تاريخ التشيّع والفقه السياسيّ الإسلاميّ، بوصفها أوّل حراكٍ عسكريّ ينهض به المؤمنون من دون تصدٍّ علنيّ مباشر وإشرافٍ ميدانيّ من الإمام المعصوم (عليه السّلام).
وتفصيل ذلك: أنّ الإمام جعفر بن محمّد الصّادق (عليهما السّلام) يبيّن أنّ النّواة الأولى لحركة التّوّابين انعقدت وتأسّست في العاشر من المحرّم، وتألّفت في مبتدئها من عناصر في جيش ابن سعد ممّن لم يشاركوا مباشرةً في القتال ولكنّهم كثّروا السّواد، فكانت انطلاقة حركة التّوّابين — زماناً ومكاناً وبيئةً — من قلب معسكر الأعداء يوم عاشوراء. وهذه أبعادٌ ثلاثة، أمّا البعد الرّابع فهو المؤسِّس والمُنظِّر لها؛ حيث يذكر الإمام الصّادق (عليه السّلام) أنّ المؤسّس والموقظ لضمائرهم فيها هو جبرائيل (عليه السّلام). ومقتضى ذلك التساؤل: كيف يبارك الإمام الصّادق (عليه السّلام) حركة التّوّابين ويمتدح مسارها مع خلوّها من التصدّي العسكريّ المباشر والمعلن من الإمام المعصوم (عليه السّلام)؟
كان الإمامُ السجاد (عليه السلام) حينئذٍ أسيراً في قبضة بني أمية، فمَن ذا الذي كان يتيسّر له الاتصالُ به في تلك الظروف العصيبة؟! وحتّى بعد انقضاء واقعة الأربعين، ظلَّ (عليه السلام) واقعاً تحت وطأة التضييق الأمنيّ والإرهاب الأمويّ الشديد؛ وقد أطبقت الرواياتُ على أنَّ الإمام السجاد (عليه السلام) كان محتجباً في مطلع إمامته إلى أن رُفِعَ عنه التضييق والحصار[5] ، فكان التواصلُ المباشرُ معه ممتنعاً من رأس؛ ورغم تلك القيود كلّها، يرى الإمامُ الصادق (عليه السلام) أنَّ نهضة التوابين ما كانت لتفتقر إلى التعلّل بمسألة الإذن الخاص، نظراً إلى أنَّ الأمور الحِسْبيّة الواضحة قد أذن الشارعُ المقدَّسُ بإقامتها كفائياً[6] ، ويكون التعذّرُ والتعلّلُ بعدم ورود الإذن خذلاناً صريحاً للوظيفة الشرعية وتضييعاً للمسؤولية.
بيانُ المشهد التأسيسي لحركة التوابين: وقد بسط الإمامُ الصادق (عليه السلام) القولَ في شأن حركة التوابين، مبيّناً أنَّ المنظِّر والمؤسّس الروحيّ لباعثها الأوّل إنّما هو جبرائيل (عليه السلام) [7] ؛ إذ تمثّل بصورة رجلٍ في قلب المعسكر ورفع صوته صارخاً فيهم بصياحٍ شديد: «مَاذَا صَنَعْتُمْ؟!»، حتّى بلغ صوته أرجاء المعسكر كلّه، فقال القوم: جُنَّ هذا الرجل! وسألوه مستنكرين: ما يدعوك إلى هذا الصراخ؟! فقال: «وَكَيْفَ لَا أَصْرُخُ وَأَنَا أَرَى رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَنْظُرُ مَرَّةً إِلَى السَّمَاءِ وَمَرَّةً إِلَى الْأَرْضِ؟!»؛ فلما بثَّ جبرائيل (عليه السلام) هذه الحقيقة متمثلاً بصورة رجلٍ في عسكر ابن زياد وجيش عمر بن سعد، سرت في نفوسهم يقظةُ الفكر وصحوةُ الضمير، فانقلب الجمعُ يتساءلون في ذهول: ماذا جنينا على أنفسنا؟! أقتلنا ابنَ فاطمة طاعةً لابن سُميّة؟! فتفجّر في أعماقهم ندمٌ عارمٌ وتوبةٌ متأججةٌ استحالت إلى بركانٍ روحيّ ثائر.
وتأسيساً على ذلك: يُجلّي الإمامُ الصادق (عليه السلام) أصالة المبادئ الفكرية ونقاءها لدى التوابين، واصفاً إيّاها بالحركة الممدوحة ذات العاقبة المحمودة؛ وإن كانوا قد أُبيدوا عن بكرة أبيهم لافتقارهم إلى التدبير والتخطيط السياسي الذي امتاز به المختارُ الثقفيّ؛ غير أنَّ الواقع التاريخيّ يُثبت أنَّه لولا بادرة التوابين لما قُدِّر لثورة المختار أن تنجح، لأنَّ التوابين هم الذين عبّدوا المسار أمام المختار، وأرْسَوا دعائم المنهج القائل بأنَّ حراك أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لا يُشترط فيه التصدي المباشر والمعلن من الإمام المعصوم في الموارد القطعية التي لا يرضى الشارعُ الحكيم بتعطيلها أو إهمالها، بل الوظيفةُ الشرعيةُ تقتضي نهوضَ المؤمنين بمسؤولياتهم، وألا يتدرّعوا بالذرائع متعلّلين بأنَّ الإمام أو المرجع والفقيه لم يصدر عنه أمرٌ أو إذن؛ إذ هل يُعقل في منطق الواقع أن يتسنّى للإمام أو المرجع النائب عنه أن يُصدر الأوامر والنواهي في شتّى الظروف مع تربّص الأعداء وتحديق المخاطر؟!
شاهدٌ تطبيقيّ: وقد وجّهتُ الخطابَ لأحد الرموز حين اعتذر عن النهوض بواجبه متعلّلاً بأنَّ المرجعية لم تُصدر أمراً: «عجيبٌ شأنكم! إنَّ المفروض بكم أن تبادروا إلى العمل والتحرك لتكونوا سبباً في بسط يد المرجعية تلقائياً بتعبيد السبل أمامها؛ فهل تترقّبون أن تباشر المرجعيةُ تصريفَ الجزئيات كلّها بنفسها؟!»؛ فإنَّ هذا التعليل ساقطٌ لا وجه له، لأنَّ المبادرة الواعية من قِبل الأمة هي التي تبسط يد القيادة المرجعية وتمكّنها، وإلا أفضى الأمرُ إلى أن يُلقي كلُّ طرفٍ باللائمة على الآخر، فتبقى الساحاتُ العامةُ معطّلةً والواجباتُ مجمّدة، وهو عينُ الخذلان الواقع تحت لافتة انتظار الإذن، مع كون هذا العمل من صميم الواجبات النظامية الحتمية لحفظ المجتمع؛ فكيف يسوغ التعلّلُ بعدم صدور الإذن المرجعي أو الأمر الصريح؟!
والحاصل: إنَّ الفقهاء والمراجع محاصرون في كثيرٍ من الأزمنة والأمكنة بإرهاب العدو وتربّصه على حدِّ ما جرى على الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وليس المرجعُ الدينيّ بأوسع يداً من المعصوم المفروض الطاعة الذي أحاط به تضييقُ الطغاة، فهل يصحُّ حينئذٍ أن يُشترط التصدّي المباشرُ والمعلنُ في كلّ ظرفٍ وحال؟! كلا، بل هو تكليفٌ نظاميّ لا مناص من النهوض به وإقامته على كلّ حال.
والأدلّة واضحةٌ على ضرورة إقامة النظام، كمثل كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[8] ، فإذا لم يستطع الإمام (عليه السلام) لسببٍ أو لآخر أن يتصدّى، ولم يتسنَّ للفقيه والمرجع أن يتصدّى مباشرةً؛ فيجب أن نلتفت إلى أنّ مواقف الأئمة (عليهم السلام) أو كلماتهم أو إحجامهم ليست بالضرورة ناتجةً عن مَحْضِ إرادتهم واختيارهم الأوّليّ، وإنّما هي لمراعاة الظروف القاهرة ووجود إرهاب العدوّ وتربّصه، وهكذا الحال في المراجع سيّان بلا أدنى فرق، فما معنى أن نتعلّل بشمّاعة الخذلان والاعتذار بأنّ المرجع لا يتصدّى مع وجود أمورٍ كثيرةٍ بالغة الضرورة؟! وهذه نكتةٌ جوهريّةٌ في الفقه السياسيّ يجب التنبّه لها.
وأمّا السبب في ضرورة حفظ هذا النظام فهو تكالب الأعداء على الأمّة، وعلى مقدّرات البلاد وثرواتها وسياسيّيها ومؤسّساتها، فليس كلّ ما لم يتصدَّ إليه الإمام المعصوم أو الفقيه النائب عنه يُحكم بأنّه خارجٌ عن دائرة وظيفتنا، بل هو صميم وظيفتنا ومسؤوليّتنا الشرعيّة، سواءٌ في الجانب العسكريّ، أو الأمنيّ، أو غير ذلك من الميادين؛ وهذا مبحثٌ دقيقٌ في وظيفة الأمّة تجاه المسؤوليّات العامّة وقواعد حفظ النظام.
قاعدة مراتب الأولياء وحفظ النظام السياسي
وقد ذكر الفقهاء هذا المطلب في كتاب البيع عند تنقيح بحث الأولياء، حيث بحثه الشيخ الأنصاريّ ومن قبله صاحب الجواهر ومن سبقهما، واستوفاه بعدهم شرّاح المكاسب كالمرحوم السيّد اليزديّ، والآخوند الخراسانيّ، والميرزا النائينيّ، والمحقّق الإصفهانيّ (الكُمبانيّ)، حتّى إنّ هؤلاء الأعلام وصولاً إلى السيّد الخوئيّ وغيره من المتأخّرين تعرّضوا في هذا الموضع للولاية التكوينيّة للأئمّة (عليهم السلام) والتزموا بها.
وبناءً عليه: يثبت الوجوب الكفائيّ حتّى على الفاسق من المؤمنين — الذي يعلم من نفسه الفسق — إذا قطع بأنّه في هذه الظروف الاستثنائيّة لا قُدرة لأحدٍ على الاقتحام لإنقاذ النظام السياسيّ لصالح راية الإيمان إلّا هو؛ لعجز الباقين وعدم تمكّنهم، فيتعيّن عليه ذلك شرعاً ويُثاب على فعله؛ تأسيساً على قاعدة أنّ ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه[9] ؛ وتاريخنا عبر عشرة قرونٍ حافلٌ بنماذج وأمثلةٍ كثيرةٍ لشخصيّاتٍ تصدّت وقامت بالتي هي أحسن في هذه الشؤون، سواءٌ على الصعيد السياسيّ، أو العسكريّ، أو الإداريّ، أو الأمنيّ، أو التعليميّ.
وهذه السلسلة يعبّر عنها الفقهاء في أبواب الفقه بـ«مراتب الأولياء»[10] ، وهي عين الفقه ومحض أصوله، ولذا يتحتّم علينا الالتفات إلى هذا الأصل في الفقه السياسيّ حين نبرّر قعودنا وخذلاننا للمسؤوليّات العامّة بدعوى أنّ الإمام غير متصدٍّ أو غائب، أو بأنّ الفقهاء لم يتصدّوا ولم يُصدروا أمراً مباشراً مع كونهم الأحرى بالتصدّي؛ فإنّ هذه المسؤوليّات متشعّبة، والفقهاء لو صرّحوا بجميع أدوارهم لتعرّضوا للإبادة في ظلّ مخالب العدوّ الناشبة في كافّة مفاصل الأمّة، فلا يصحّ بحالٍ التعلّل بهذا العذر؛ ولو أردنا كشف التاريخ الخفيّ لأدوار مراجع الشيعة وفقهاء المذهب لوجدنا رصيداً ضخماً جدّاً ممّا مارسوه في طيّ الكتمان والتدبير السياسيّ غير المعلن، وهكذا كان دأب الأئمّة (عليهم السلام) من قبلهم.
إنّ التعلّل بظواهر تلك الروايات دون قراءتها قراءةً استيعابيّةً شاملةً تحيط بجوهرها ومقاصدها يُعدّ قراءةً منحرفةً مجتزأةً تجافي الموازين الفقهيّة؛ فالإمام الصادق (عليه السلام) كان يُسيّر الرسل والدعاة إلى بلاد المغرب العربيّ في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى، وإن كان بعضهم قد انتهز الفرصة وحرّف المسيرة لاحقاً في واقعةٍ تاريخيّةٍ مبسوطة، ومع ذلك فإنّ هذا الحراك يُشكّل جانباً من الأدوار السياسيّة الخفيّة للإمام الصادق (عليه السلام) التي لم يقف عليها علماء الفريقين في عصرها، في حين جاءت المصادر والمدوّنات التاريخيّة القديمة في تلك الأصقاع ترصد تلك الأدوار وتُثبتها، وما خَفِيَ من تدبيرهم (عليهم السلام) كان أعظم وأوسع أثراً.
استيعاب الأدوار السياسية الخفية للأئمة المعصومين
وهذه قاعدةٌ مَرّت بنا في مصادر التشريع، لا سيَّما في الفقه السياسي، ومفادُها: أنّه من غير الصحيح أن نحصر أدوار الأئمة (عليهم السلام) في الأدوار المعلَنة فقط؛ لأنّ معظم أدوارهم الخفيّة أعظم وأكثر أضعافاً مضاعفةً من أدوارهم المعلَنة، ويجب تفهُّم هذا الأصل؛ إذ لا يمكن أن يُحتجَّ بخلافه. ولا سيَّما في عهد الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث كانت الجماهير المسلمة كافّةً تهتف بالرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله)، فما كان من العبّاسيّين إلا أن ركبوا تلك الموجة وانتهزوا الفرصة، فقادوا الجماهير نحو مآربهم الخاصّة ليتجبّروا ويتفرعنوا على الأمّة، وكان الإمام الصادق (عليه السلام) بهذا اللحاظ يوجِّه أصحابه محذِّراً: ألا تتبعوا كلّ ناعق، وكلّ رايةٍ تُرفع تستغلّكم وتسيء الاستفادة منكم.
بينما نجد في المقابل أنّ الإمام الكاظم (عليه السلام) — وهو ابن الإمام الصادق (عليه السلام) ونورٌ واحدٌ من بعده — يبارك في روايةٍ مسندةٍ في «أصول الكافي» لصاحب فخّ في ثورته[11] ، ويعطيه توصياتٍ عسكريّة، ويرشد صاحب ثورة فخّ المعروفة بأنّها الشّكل المصغّر لكربلاء، وهو من نسل الإمام الحسن (عليه السلام)؛ وذلك لوجود ارتباطٍ وثيقٍ وتنسيقٍ بينهما، بخلاف بني الحسن في زمان الإمام الصادق (عليه السلام) الذين كانوا يرفعون راياتٍ تدعو لإمامة أنفسهم، فكانت تلك رايات ضلالٍ وليست رايات هدى؛ ولذلك عندما يذكر الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ: «كُلَّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»[12] ، فهو يشير بوضوحٍ إلى أنّ بني الحسن كان توجّههم الفكريّ حينذاك منحرفاً عن خطّ الإمامة الحقّة وليس مستقيماً.
وقد كان للإمام الصادق (عليه السلام) حضورٌ قويٌّ ونافذٌ داخل أروقة النظام؛ فهل ترك (عليه السلام) النظام العبّاسيّ وشأنه أم قام باختراقه والتغلغل فيه، كما يظهر جليّاً في شأن صَفْوان الجمّال[13] ؟
فكيف يقال بعد ذلك: إنّ الأئمّة (عليهم السلام) عزفوا عن مسؤوليّة النظام السياسيّ؟!
بل الواقع: أنّهم تغلغلوا في مفاصله وكانت لديهم استراتيجيّةٌ واضحةٌ للسيطرة على مواقعه الحسّاسة، فكيف يُعقل أن يدعوا المؤمنين للتخلّي والانزواء والجمود؟!
والحاصل: أنّه إذا لم تُقرأ أبواب الفقه بمجموعها وترابط أدلّتها فستكون القراءة مجتزأةً ومنحرفة؛ ودع عنك منطق الفطرة والعقل وحجّيّة الدليل العقليّ، حيث يزعم البعض عدم إنكار حجّيّة العقل نظريّاً بينما ينكرونها عملاً وسلوكاً؛ فإنّ قراءة الأبواب الفقهيّة بأدلّتها التفصيليّة كفيلةٌ وحدها بأن توضّح خارطة الطريق التي رسمها الأئمّة (عليهم السلام).
نقد القصور في التبويب الفقهي المعاصر للمسؤوليات العامة
ونرجع إلى أصل المطلب: وهو أنّ التدوين في باب النظام السياسيّ وفق هذه المدوّنات التقليديّة والتبويب الفقهيّ الحاليّ — كما نبّه عليه السيّد محسن الحكيم والميرزا عبد الهادي الشيرازيّ وغيرهما من أعلام مدرسة النجف الأشرف قبل ثمانين سنة تقريباً[14] — لا يفي بمسؤوليّات النظام السياسيّ ويسبّب تفريطاً بالغاً فيها، مع أنّ هذه المسؤوليّات أعظم شأناً وأكثر إلزاميّةً للمكلّفين من المسؤوليّات الفرديّة المحضة.
وهنا تنبيهٌ مهمّ: وهو أنّ هناك غفلةً كبيرةً في الرؤية الفقهيّة المعاصرة تجاه الوظائف السياسيّة العامّة، حيث يُتوهَّم أنّها أقلّ إلزاميّةً للمكلّف من وظائفه الفرديّة، مع الاعتقاد الواهم بأنّ عمدة ما يُسأل عنه العبد في قبره إنّما يقتصر على الأبعاد والواجبات الفرديّة.
وردُّ هذا التوهّم: أنّه مخالفٌ للمستفيض والمتواتر من الروايات الشريفة، إذ إنّ عمدة ما يُسأل عنه الإنسان في قبره إنّما يرتبط بالأبعاد الكليّة العامّة والمواقف المصيريّة: «مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ وَمَنْ إِمَامُكَ؟»[15] ، وسؤال الإمامة يعني بالدقّة بحث الولاية، وإقامة النظام، والانتماء السياسيّ والعقديّ، وتحديد الموقف العامّ، وليس مجرّد البعد الفرديّ المنعزل. بيد أنّ التبويب الفقهيّ الحاليّ — كما نبّه السيّد الحكيم — قد رسم رؤيةً مقلوبةً توهم المكلّف بأنّه مسؤولٌ عن تكاليفه الفرديّة بصورةٍ أشدّ وأوكد من مسؤوليّته عن التكاليف والواجبات الاجتماعيّة العامّة.
وكأنّنا نتصوّر أنّنا لو عشنا في كربلاء أيّام الإمام الحسين (عليه السلام)، لكنّا مسؤولين تجاه أهالينا بأزيد من مسؤوليّتنا عن نصرة الإمام المعصوم (عليه السلام)! ومقتضى هذا المنطق التّبريريّ: ما شأننا وما علينا؟! ولْتدَع القوى العظمى تتسلّط كيفما اتّفق، وهم يتحمّلون عبء هذا الدّين، فما بال هذا العبء يقع على عواتقنا؟! وهو عينُ منطق النّكول المذكور في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[16] ، فكأنّ لسان حال هؤلاء: اذهب أنت وربّك يا مهديّ وأخرِج الحكّام والطّواغيت!
والحاصل: إنّ مفهوم الظّهور بات مستقرّاً بهذه الصّورة حتّى في بعض الرّؤى العلميّة للأسف، ومآله أنّ التّمهيد للظّهور ليس داخلاً في عهدة مسؤوليّاتنا، فليتأخّر عصر الظّهور والنجاة إلى آلاف السّنين وما علينا من ذلك شيء! وكلّ هذه التّصوّرات إنّما هي ثمرةُ قراءةٍ خاطئةٍ أفرزها التّبويب والتّدوين الفقهيّ الموروث في مسائل النّظام السّياسيّ.