« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/03/30

بسم الله الرحمن الرحيم

هيكل النظام السياسي وضوابطه في فقه أهل البيت عليهم السلام/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة

 

موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /هيكل النظام السياسي وضوابطه في فقه أهل البيت عليهم السلام

 

ضرورة إعادة رسم خارطة الفقه السياسي

إنَّ هيكلة باب الجهاد أو باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستدعي ضرورةً فقهيّةً دينيّة لإعادة رسم خارطةٍ شاملةٍ كاملةٍ لباب الجهاد وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الأصحُّ من ذلك أنَّنا بحاجةٍ إلى رسم خارطةٍ شاملةٍ كاملةٍ للفقه السياسيّ في مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

وآليّة إعادة رسم هذا التخطيط والخارطة: ليست بالأمر العسير؛ إذ تتطلّب منّا استقراء وجمع كلّ مسألةٍ ترتبط بالشأن العامّ، سواء أكانت في المجال الاجتماعيّ، أم السياسيّ، أم العسكريّ، أم الأمنيّ، أم الإداريّ، أم الاقتصاديّ؛ فكلّ مسألةٍ ترتبط بهذه الشؤون — وإن كانت مبعثرةً أو أُلقي بها في أواخر الأبواب وأقصاها — إذا جُمعت، سواء ما اتّصل منها بالمسؤوليّات العسكريّة، أو المسؤوليّات الأمنيّة، أو هيكل النظام السياسيّ، فإنَّ هذا الجمع سيُشكِّل نتاجاً عظيماً ونظاماً فقهيّاً متكاملاً.

أثر علم الحديث في الاستنباط: عهد مالك الأشتر أنموذجاً

ومن خلال ورشة عملٍ علميّةٍ مستمرّةٍ منذ سنين متطاولة حول عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر[1] — بعد مضيّ ثلاث سنين على أقلّ تقدير بمعدّل يومٍ في كلّ أسبوع، وبما أنَّ المتابعة والمواصلة والتتبّع تُثمر في العمل العلميّ — التفتنا إلى أنَّ عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر الذي أورده الشريف الرضيّ (رحمه الله) إنَّما هو عبارةٌ عن ملخّصٍ مقتضبٍ ومختزل، وليس هو متن عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) بتمامه وكماله.

وهذا يوضح: أنَّ التضلّع في علم الحديث ورواياته يُلقي بظلاله وأثره المصيريّ في عمليّة الاستنباط الفقهيّ؛ ولأجل ذلك نجد أنَّ صاحب البحار (قدّس سرّه) لم يعتمد في إيراد العهد على المتن الذي أورده الشريف الرضيّ، بل اعتمد على ما رواه ابن شعبة الحرّانيّ في كتابه «تحف العقول»[2] ؛ وذلك لأنَّ ما أورده الحرّانيّ يزيد بما يُقارب الثلث على المتن المبثوث المقتطع الذي أورده الشريف الرضيّ (رحمه الله).

وقد صرّح الشريف الرضيّ في صدر كتابه «نهج البلاغة»[3] بأنَّه إنَّما جمع فيه ممّا انتقاه واستظرفه واستحسنه من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله وحكمه؛ فليس دأبه ولا منهجه استيعاب تمام الخطبة أو الكتاب أو الحكمة بلفظها الكامل.

تنبيه: إنَّ علم الحديث الشريف يشهد كساداً وركوداً في الحوزات العلميّة في عصرنا الحاضر، مع أنَّ من أعظم بركات هذا العلم والتحقيق فيه الالتفات إلى أصل المصدر وضبط المتون؛ واليوم توجد دراساتٌ كثيرةٌ مستفيضةٌ قام بها كبار الأعلام، بل عُقدت دراساتٌ في مختلف دول العالم؛ حيث أقامت منظّمة الأمم المتّحدة في أواخر التسعينيّات دراسةً دوليّةً حول عهد الإمام إلى مالك الأشتر مقتصرةً فقط وحصراً على ما ورد في نهج البلاغة، فصارت بنود العهد تُفسَّر وتُوجَّه بناءً على ذلك المتن المقتضب بشكلٍ عجيب، في حين أنَّ الشريف الرضيّ (رحمه الله) لم يكن همّه إيراد المتن كاملاً بجميع فقراته، بل كان ناظراً إلى إيراد جمال التركيب ولباب البيان وبلاغة الفصاحة، بينما المجال الفقهيّ التخصّصيّ لا يعنيه رونق البيان اللفظيّ بقدر ما يعنيه المعنى والدلالة التشريعيّة التامّة.

ومع أنَّ العلامة المجلسيّ (رحمه الله) قد نبَّه على هذا المطلب في موسوعته «بحار الأنوار»[4] ، إلا أنَّه يندر من يتنبّه من الباحثين إلى هذه الإشارة الجليلة القاضية بأنَّ كتاب «تحف العقول» قد أورد المتن كاملاً غير منقوص؛ فعلم الحديث وبحوره الزاخرة تعيش حالةً من التغييب مع أنَّه يُمثِّل أصل مادّة الاستدلال وركيزته الأولى، وما ذلك إلا نتيجةٌ لضيق منهج الاستنباط وانحصاره في المسير العلميّ، حيث تُرِكت جملةٌ وافرةٌ من مسؤوليّات الاستنباط وأبوابه تساهلاً وتفريطاً تحت لافتة التورّع والتدقيق.

إنَّ العلوم الدينية بفروعها المتنوعة تستدعي سعةً في التتبع وتدقيقاً بالغاً؛ وتأسيساً على ما استقرّ لدينا خلال ثلاث سنوات من البحث المتواصل في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر النخعي (رحمه الله) [5] [6] ، فقد تبيّن أنّ المتن الذي أورده ابن شعبة الحراني في كتاب «تحف العقول» يزيد بنحو الثلث على ما أثبته الشريف الرضي في «نهج البلاغة» بصورة مبثوثة في تضاعيف العهد، وهو ما يفرض ضرورة إعادة قراءة هذا العهد وشرحه وفق أصول الصناعة الحديثية؛ لكونه وثيقةً سياسية وإدارية بالغة الأثر، أثارت اهتمام الدوائر الحقوقية العالمية واعتنت بها لجانٌ تخصصية تابعة لمنظمة الأمم المتحدة في أواخر التسعينيات الميلادية.

وقد كشف التتبع الفقهي والحديثي أيضاً أنّ القاضي النعمان في كتاب «دعائم الإسلام» قد أودع متون هذا العهد الشريف في أبواب متفرقة، ولم يُورده بالعنوان المستقل المشهور، بل أدرجه تحت عناوين أُخَر، والنسبة المنطقية بين ما رواه في «دعائم الإسلام» وبين متني «تحف العقول» و«نهج البلاغة» هي العموم والخصوص من وجه[7] ؛ ومقتضى التحقيق أنّ الدراسات المعاصرة التي تناولت نهج البلاغة تكاد تخلو من استقراء مصادر هذا العهد وروافده الموازية، في حين أنّ تتبع طرقه ومصادره ما يزال مفتوحاً، إذ قد ترد فقراته بألفاظ وصياغات متعددة، كما يُلاحظ أنّ صاحب «دعائم الإسلام» ينسب تلك المضامين إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) تارةً، ورُبّما أسند بعض فقراتها إلى الإمام الرضا (عليه السلام) تارةً أُخرى، غير أنّ جوهر المتن ونسيجه يعودان في واقعهما إلى العهد المذكور بعينه.

والحاصل: إنَّ عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) يُؤسس لقواعد فقه النظام السياسي؛ إذ يُميز بدقة تامة بين «موازين القضاء» و«نظام القضاء»، وثمّة فارقٌ منهجي وجوهري بين الأحكام القضائية الموضوعية وبين هيكلة المؤسسة القضائية وإدارتها، وضبط هذا التمايز يُمثل ركيزةً أساسية في تصحيح المسار الاستنباطي في الفقه المقارن.

ومثال ذلك في السنة الشريفة: ما رواه ثقة الإسلام الكليني في كتاب «الكافي»، في فاتحة كتاب الجهاد، من رسالةٍ بعث بها الإمام الباقر (عليه السلام) إلى بعض خلفاء بني أُمية تتصل ببيان وظائف الدولة ومسؤولياتها[8] ؛ فالإمام (عليه السلام) رغم معايشته لمأساة كربلاء ومشارفته لحزن والده الإمام السجاد (عليه السلام) الدائم، لم ينكفئ عن ممارسة دوره الرقابي وتوجيه النقد والمحاسبة للسلطة الحاكمة وتنبيهها على واجباتها السياسية ورعاية شؤون الأمة، إلا أنّ الشيخ الكليني لم ينقل الرسالة بتمامها، بل اقتطع منها المقطع الناظر إلى الوظائف والمسؤوليات العسكرية حَسْب، ومع عِظَم ما نقله في هذا الباب، فإنّ المتن الكامل للرسالة يُمكِن الوقوف عليه بمزيدٍ من الاستقصاء في بطون التراث الحديثي.

قاعدة مسؤولية الغاصب وحفظ النظام العام

والقاعدة المقررة هنا: إنَّ الغصب والاحتلال القائم من قِبل دولةٍ تجاه أُخرى—مع كونه تصرفاً غير مشروع وباطلاً بالذات—لا يُعفي الدولة الغاصبة من الالتزام بالواجبات والمسؤوليات المترتبة على إدارة الإقليم المحتل ولا يُسقطها عنها؛ كما أنّ مطالبة سلطة الاحتلال بالنهوض بتلك التعهدات ورعاية شؤون المجتمع لا يُعدّ إقراراً بمشروعيتها ولا إضفاءً للشرعية على وجودها في الموازين القانونية والعرف الدولي؛ فإنّ يد الغاصب متى ما ثبتت على العين المغصوبة ترتّبت عليها التزامات الحفظ ومؤونة الصيانة، فإن قصّر في أدائها تضاعف جُرمه واستحقّ مزيداً من العقوبة والمسؤولية، وهذه قاعدةٌ عقلائية وقانونية راسخة قبل أن تكون حكماً شرعياً تعبدياً[9] [10] .

وقاعدة الباب: أنّ الغاصب إذا غصب شيئاً، فإنّ غصبه لا يُعفيه ولا يُسقط عنه مسؤولية رعاية الشيء المغصوب، كما أنّ رعايته للشيء المغصوب لا تُشرّع له غصبه بحال؛ فالفاجر -مع فجوره وغصبه ولا شرعيّته- يُحمَّل زيادةً على ذلك مسؤولياته، فإن أتى بها وإلّا ازداد جرمه واستحقاقُه للمحاسبة والعقاب، وهذه قاعدةٌ كثيراً ما خَفِيَت في أبحاث الفقه.

والنكتة المهمّة هنا: -لا سيّما في فقه النظام السياسي- أنّ المسؤوليات القائمة في النظام العام لا يُعفى منها الغاصبُ ولا تسقط عن سلطة الاحتلال؛ وحينئذٍ إذا عمد صاحبُ الحقّ الشرعي إلى إرشاد الغاصب وتوجيهه إلى كيفية رعاية هذا المغصوب، فهل يُعدّ ذلك إذناً من المالك للغاصب أو إمضاءً لغصبه؟

والجواب: كلا، وإنّما يُراعى ذلك حفظاً للعين المغصوبة ونظامها لا حفظاً للغاصب، ونظيرُ ذلك ما استفاضت به الرواياتُ عن الأئمة (عليهم السلام) في ترخيصهم ببعض المعاملات والتصرّفات مع سلطات الجور المتضمّنة للالتزام بالضوابط الشرعية، حيث ورد عنهم (عليهم السلام): «…فَقَالَ لِي خُذْ وَ كُلْ مِنْهُ فَلَكَ الْمَهْنَأُ وَ عَلَيْهِ الْوِزْرُ»[11] ؛ ومقتضى ذلك أنّ هذا الإذن لا يُضفي أيّ مشروعية على تلكم السلطات.

ويتحصّل من ذلك: أنّ مشاركة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في تقويم العِوَج في مفاصل النظام السياسي أو العسكري أو الاقتصادي لدى سلطات السقيفة أو بني أمية أو بني العباس، لا تعطي شرعيةً للطرف الغاصب، ولا تُعفي تلك السلطات من تحمّل المسؤولية، كما لا تُعفي أهلَ البيت (عليهم السلام) من أداء واجبهم الإلهي؛ وإنّما كان منشأ ذلك كلّه حرصَهم (عليهم السلام) على صيانة نظام المسلمين العام الذي أسّسه وبناه رسول الله (صلى الله عليه وآله).

دور الأئمة التاريخي في صيانة بيضة الإسلام

والشاهد التاريخي: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أنقذ الموقف في موارد كثيرة ومواطن مفصلية، وهو أمرٌ مبثوثٌ بكثرةٍ ومستفيضٌ حتّى في مصادر العامّة، ومنها كتاب «الطبقات الكبرى» لابن سعد[12] ؛ وحيث إنّ ابن سعد قد عاصر الإمام الجواد (عليه السلام) وبدايات عهد الإمام الهادي (عليه السلام)، ولعلّه عاصر الإمام الرضا (عليه السلام) أيضاً -فيكون قد عاصر الأئمة الثلاثة (عليهم السلام)-، فقد رصد في تراجم عمر بن الخطاب وعثمان وغيرهما وقائع عديدة تُثبت تدخّل أمير المؤمنين (عليه السلام) لإنقاذ الدين والأمّة في منعطفاتٍ عسكريةٍ وأمنيةٍ خطيرة.

فائدة رجالية: إنّ هذا المبحث وثيق الصلة بعلم الرجال؛ إذ لا ينبغي قصر هذا العلم على التوثيق والتضعيف السطحي المجرّد، بل يقتضي المنهج الرصين أن يُبحث بأسلوبٍ تاريخي موسّع وبسطٍ تحليلي شامل.

وممّا نقله ابن سعد وغيره من شواهد تدلّ على رجوع القوم إليه (عليه السلام) وإنقاذه للأمّة في المضائق، قول عمر بن الخطاب المشهور: «يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن (عليه السلام)»[13] ؛ بل إنّ فتوحات فارس والروم لم تتمّ إلّا بتدبير أمير المؤمنين (عليه السلام) وتخطيطه، وقد فصّلنا ذلك في كتاب «عدالة الصحابة» في فصلٍ مستقلّ[14] ، وبيّنّا أنّ الفتوحات كانت خاضعةً لإشرافه العسكري وتوجيهه المباشر، ولولا تدبيره وحكمته لما كُتب لهم فتحٌ في فارس ولا الروم؛ وما كان تدخّله (عليه السلام) إلّا من أجل الحفاظ على بيضة الإسلام والنظام الذي أرسى أركانه خاتم الرسل (صلى الله عليه وآله).

إنّما كان ذلك كلّه لأجل صيانة النظام الذي بناه سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله)، لا رعايةً لسلطات السقيفة أو بني أمية؛ فإنّ غصب الخلافة من أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يُعفيه من تحمّل مسؤوليات النظام العسكري، لكون ذلك تراثَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا تراثَ أحدٍ سواه؛ فمع غصب حقّه المفروض راعى (عليه السلام) حفظَ هذا التراث العظيم، كما أنّ غصب الخلافة لا يُسقط عن كاهل أمير المؤمنين (عليه السلام) المسؤوليات الاقتصادية والأمنية التي تصبّ في بقاء تركة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحفظ بيضة الإسلام، لا في تعزيز مصلحة السقيفة أو بني أمية، كما أنّ المتصدّي بغير حقٍّ لا يُعفى بدوره من تلكم المسؤوليات.

الشواهد الفقهية على تولي المناصب لحفظ شؤون المسلمين

والشاهد الفقهي على ذلك: ما نلاحظه في مباحث «المكاسب المحرّمة»، حيث أجمع فقهاء الإماميّة على وجوب تصدّي مَن يستطيع إقامة العِوَج ودفع الأوَد والظلم ضمن سلطات الجائرين، بحيث يغدو التصدّي في حقّه واجباً عينيّاً لا مجرّد ندبٍ أو ترخيص[15] [16] ؛ ولهذا حينما أراد علي بن يقطين التخلّي عن موقعه في الوزارة نهاه الإمام الكاظم (عليه السلام) وحرّم عليه التخلّي أو التخاذل أو الانسحاب من مفاصل النظام العباسي[17] .

وممّا يؤكّد هذا المسلك: أنّ قرابة ستة عشر فقيهاً من أجلاّء تلامذة الأئمّة (عليهم السلام) تولّوا مناصب وزاريّة وإداريّة عُليا، من قبيل عبد الله بن سنان ومحمد بن إسماعيل بن بزيع؛ ولم يكونوا مجرّد فقهاء فحسب، بل كان أكثرهم مراجعَ يرجع إليهم الشيعة في معالم دينهم، فجمعوا بين موقع المرجعية الدينية والانخراط في إدارة مفاصل النظام لتصحيح المسار وحفظ مصالح المؤمنين، وهو النهج عينه الذي سار عليه المحقّق الخواجة نصير الدين الطوسي (رحمه الله) [18] .

والمتحصّل من ذلك كلّه: أنّنا إذا لملمنا شتات هذه المسائل المبعثرة في أبواب الفقه، فستتجلّى أمامنا منظومة المسؤوليات في النظام السياسي بصورة بيّنة؛ وهذا المقترح مستفادٌ ممّا سطّره السيّد محسن الحكيم (رحمه الله) في فتواه المنشورة بمجلة «الأضواء»، والتي أوردها الشيخ عبد الهادي الفضلي (رحمه الله) في كتابه «في انتظار الإمام»[19] ، حيث تضمّنت إشارةً صريحةً من السيّد الحكيم والسيّد عبد الهادي الشيرازي وغيرهما من أعلام حوزة النجف الأشرف إلى أنّ الفقه السياسي بحاجةٍ ماسّةٍ إلى إعادة تدوينٍ وتبويب، وجمعٍ لمسائله المتناثرة في مختلف المظانّ الفقهية، لكي تتّضح الرؤية النظرية والعملية للمؤمنين وتتبيّن معالم الواجبات الملقاة على عواتقهم.

ومثال هذا التشتّت الفقهي: ما نجده ماثلاً في المسألة المجمع عليها بين فقهاء الإماميّة، وهي مسألة «حرمة بيع السلاح لأعداء الدين»[20] [21] ؛ إذ حشد الفقهاء في طيّاتها قواعد كليّة في الفقه السياسي تفوق في أثرها وسعتها المسألة الجزئية المبحوثة، مؤكّدين أنّ المستند التشريعي لا ينحصر في الروايات الخاصة الواردة عن الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)، بل يبتني في عمقه على قواعد عامّة محكمة أسّسها القرآن الكريم وروايات أهل البيت (عليهم السلام).

المنهجية البنيوية لتنظيم أبواب الفقه السياسي

والنتيجة: أنّ إعادة تبويب باب الجهاد، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر منظومة الفقه السياسي، تتطلّب صياغةً بنيويةً تلمّ شتات هذه الفروع في صعيدٍ واحد مع التزام التراتبية التشريعية الدقيقة؛ لأنّ البناء القانوني ذو بنية طباقية، تتقدّم فيه القاعدةُ الكلية رتبةً وتهيمن على الفرع المستنبط منها. فإذا أُجريت قواعد «الحاكم والمحكوم» و«الوارد والمورود»[22] [23] ، ورُوعيت مراتب العمومات والخصوصات كما يقرّرها الأصوليون، استقام تنظيم أبواب الفقه السياسي واستحكم ترتيب مسائله على أتمّ وجهٍ وأرصنه.

 


[7] العموم والخصوص من وجه: إحدى النسب الأربع المنطقية بين المفاهيم الكلية، وتتحقق حين يجتمع المفهومان في بعض المصاديق، وينفرد كلٌّ منهما في مصاديق أُخَر؛ أي يتصادقان في مادة، ويفترق كلٌّ منهما عن الآخر في مادة مستقلة. — المحقق.
[10] يُراجع تفصيل أحكام الغصب وضمان العين المغصوبة ونفقاتها ومؤونة حفظها في: السبزواري، عبد الأعلى. جامع الأحكام الشرعية. ص398؛ والمازندراني، علي أكبر السيفي. دليل تحرير الوسيلة (الغصب وتوابعه).، ص173 وما بعدها. — المحقق
[11] من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج3، ص175.. ح3662، باب “جواز أخذ المال ممن عمال للسلطان”
[19] نُشر استفتاء السيد محسن الحكيم في: «مجلة الأضواء»، السنة الأولى، العدد 5–6؛ ونقله الفضلي، عبد الهادي. في انتظار الإمام.. ط2، دار الأضواء، 1403 هـ، ص105
[23] الحكومة والورود من أصول الجمع العرفي وقواعد علاج التعارض؛ فالورود رفعٌ لموضوع الدليل المورود حقيقةً ووجداناً بعناية التعبّد الشرعي، بينما الحكومة تصرفٌ في سعة موضوع الدليل المحكوم أو محموله تضييقاً أو توسعةً بلسان الشرح والتفسير. يُنظر: الروزدري، علي. تقريرات آية الله المجدد الشيرازي.. ج4، ص177 — المحقق
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo