« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/03/27

بسم الله الرحمن الرحيم

هيكل النظام السياسي والعسكري والاجتماعي وسنن بناء القوة في الإسلام/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة

 

موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /هيكل النظام السياسي والعسكري والاجتماعي وسنن بناء القوة في الإسلام

 

قصور الفقه الفردي في استيعاب الشؤون العامة والسياسية

مرَّ بنا أنَّ السيّد محسن الحكيم[1] ، والميرزا عبد الهادي الشيرازي[2] ، وجمعاً من علماء النجف الأشرف قبل سبعين أو ثمانين سنة أشاروا إلى أنَّ المدوَّن في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طيلة عشرة قرون لا يشتمل على المعروف والمنكر الاجتماعيّ والسياسيّ والعسكريّ والعامّ، وإنّما يقتصر على المنكر والمعروف الفرديّين؛ فلا يمكن جعل ما دوَّنه الفقهاء من ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاعدةً للشؤون العامّة الاجتماعيّة، أو السياسيّة، أو العسكريّة، أو الأمنيّة، أو الطابع العامّ الدينيّ للمجتمع.

والحاصل: أنَّ هذه الشرائط التي ذُكرت في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قِبل الفقهاء ليس موردها ولا موضوعها النظام العامّ الاجتماعيّ، بل تقنينها خاصٌّ وناصٌّ في المنكر ذي البُعد الفرديّ، وإذا كان الأمر كذلك فماذا عن البُعد العامّ الاجتماعيّ والسياسيّ والدينيّ؟ والجواب: أنَّ الأعلام يرون أنَّ لها أدلّةً أخرى وضوابط أخرى لم تُدوَّن ولم تُنقَّح من قِبلهم في هذا الباب.

أولوية بناء القوة العسكرية الرادعة كسنّة تكوينية

والحال لا يقتصر على باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحسب، بل يمتدّ بالدقّة حتّى إلى باب الجهاد؛ فهل ثمّة مسؤوليّةٌ أعظم من فتوى الجهاد لتحرير بلد العتبات المقدّسة من بطش تنظيم داعش؟

والجواب: نعم، ثمّة مسؤوليّةٌ عسكريّة في باب الجهاد أعظم من تحرير أرض العتبات، وهي: البناء المستمرّ المستدام للقوّة العسكريّة الرادعة لكلّ معتدٍ، وهذا آكد وأعظم من فتوى الجهاد؛ نظراً إلى أنَّ الوقاية خيرٌ من العلاج.

وهناك ذمٌّ عقليٌّ شديد من أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن سائر الأئمّة (عليهم السلام) في أن يستضعف الإنسان نفسه دهراً، حتّى إذا وقع المحذور وغُزيت البلاد واحتُلَّ الوطن رام حينئذٍ أن يفتي بالجهاد أو يقوم به؛ فاللازم عقلاً قبل وقوع المحذور هو الاستعداد التامّ لممانعة وقوعه، لا الاستكانة والجمود إلى حين وقوع المحذور ثمّ تحصيل الهبّة بعد ذلك، لما يستتبعه هذا التقاعس من تكلفةٍ باهظة في التضحيات.

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا»[3] [4] ؛ فهل هذا التعبير من أمير المؤمنين (عليه السلام) تعبيرٌ تكوينيٌّ أم تعبيرٌ تشريعيّ؟ وهل هذا الأمر قابلٌ للتخصيص بزمانٍ دون زمان؟

والتحقيق: أنَّ الأمر العظيم في باب النظام السياسيّ والفقه السياسيّ والمسؤوليّات السياسيّة والعسكريّة والأمنيّة هو أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) في كتابه الكريم، والأئمّةَ (عليهم السلام)، وسيّدَ الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) يبيّنون هذه المسؤوليّات بلغةٍ تكوينيّة لا بلغةٍ تشريعيّة فحسب؛ ومقتضى ذلك أنّها سننٌ حتميّة غير قابلة للتخصيص، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[5] ، فهذا بيانٌ تكوينيّ، وكذلك كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيان العلّة التكوينيّة للذلّ المترتّب على ترك الاستعداد وبناء القوّة.

وكذلك نجد هذا المعنى متجلياً في بيانات أهل البيت (عليهم السلام) كبيانات الإمام الباقر (عليه السلام)؛ إذ يحاول البعض تجميد الاقتداء بنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإذا تنكّر أحدٌ للاقتداء بالإمام الحسين (عليه السلام) فماذا يصنع حيال أئمّة الهدى اللاحقين كالإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم (عليهم السلام)؟

والشاهد: أنَّ الشيخ الكليني[6] أورد في كتاب الجهاد من «الكافي» عن الباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) رواياتٍ مستفيضةً تؤكّد هذا المضمون، ومنها قولهم (عليهم السلام): «الْجِهَادَ عِزٌّ، مَا تَرَكَهُ قَوْمٌ إِلَّا دِيثُوا بِالصَّغَارِ وَذَلُّوا»[7] [8] ، مبيّنين أنَّ ترك هذه الفريضة يستوجب الذلّة والصَّغار بحكم السنن التكوينيّة الجارية.

والحاصل: إنَّ كلام الأئمة الباقر والصادق والرضا (عليهم السلام) في هذا الباب هو بيانٌ تكوينيٌّ لا مجردُ إنشاءٍ تشريعيّ، وإن كانت تُستفاد منه وظائفُ وأحكامٌ تشريعية؛ فإنَّ أصلَ مفاده إخبارٌ عن واقعٍ تكوينيّ، والبيانُ التكوينيُّ آبٍ عن التخصيص بطبعه، شأنه شأنُ القضايا الطبيعية ككونِ النارِ محرقةً أو الماءِ مبرِّداً، فتلك سننٌ تكوينيةٌ جاريةٌ لا تقبل التخصيصَ ولا التقييد.

وقد استفاضت الروايات المأثورة عن الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم والإمام الرضا (عليهم السلام) في تقرير هذه السنّة، كقولهم (عليهم السلام): «الْجِهَادُ عِزٌّ، مَا تَرَكَهُ قَوْمٌ إِلَّا دِيثُوا بِالصَّغَارِ وَذَلُّوا»، وكما جاء في رسالة الإمام الباقر (عليه السلام) التي يعاتب فيها بني أمية على تضييع هذا الباب، مؤكِّداً (عليه السلام): «الْجِهَادُ بِهِ شِيدَ الدِّينُ، وَبِهِ يُدَافَعُ عَنِ الدِّينِ»، وهو إخبارٌ تكوينيٌّ صريحٌ بأنَّ تشييد أركان الدين وحفظَ بيضته منوطانِ تكويناً بإعداد القوة وممارسة الجهاد.

ويتفرع على ذلك: أنَّ قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا»[9] ، إنما هو فرعٌ مبتنٍ على وظيفة الغزو والردِّ المترتبةِ أصلاً على وجود المنظومة العسكرية الرادعة واقتدارها؛ فالأصلُ المائزُ في هذا المضمار هو بناءُ القوة الذاتية وتشييدُ منظومةٍ دفاعيةٍ في نموٍّ مطّردٍ وتنامٍ مستدام.

ضرورة إقامة النظام السياسي بين الإمامة الملكوتية والدولة الظاهرة

تنبيه: إنَّ هذه الضرورة التي قررها أمير المؤمنين (عليه السلام) هي ضرورةٌ تكوينيةٌ لإقامة الاجتماع البشري وحفظ نظامه وليست محضَ تقنينٍ تشريعيّ؛ وقد تواترت هذه المقولةُ واستفاضت في المصادر كالنهج وكتاب «الغارات»[10] ، ونبّه الشيخ المفيد (رحمه الله) على شهرتها واستفاضتها[11] ؛ وذلك حين رفعت الخوارجُ شعارَ التحكيم: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، فقال (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[12] ؛ دحضاً لضلالتهم التي استهدفت نفيَ الإمرة والنظام السياسي وإلغاءَ القيادة البشرية بالكلية.

والمتحصل: أنَّ كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) هاهنا ليس ناظراً إلى الدولة الإلهية الخفية أو المقامات الملكوتية للخلافة، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[13] ، أو قوله عزّ شأنه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾[14] ؛ فإنَّ الثابتَ تأريخياً أنَّ خليل الرحمن إبراهيم (عليه السلام) لم يؤثَر عنه تأسيسُ دولةٍ معلنةٍ ذاتِ سلطانٍ تنفيذيّ ظاهر، ومع ذلك قرر الله تبارك وتعالى له مقامَ الإمامة، وهو دالٌّ على أنَّ الإمامة الملكوتية والخلافة المعنوية لا تنحصران في إدارة السلطة الرسمية القائمة.

والشاهد فيه: قوله تعالى في شأن آل إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾[15] ، وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[16] ، وقوله تعالى في الموضع الرابع: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾[17] ؛ فذلك كلُّه ناظرٌ إلى المُلْك الملكوتي والهيمنة الباطنية والدولة الخفية، إذ لم يتسنَّ لآل إبراهيم (عليهم السلام) بسطُ اليد على إدارة دولةٍ معلنةٍ إلا ما كان من نبي الله يوسف (عليه السلام) في تولّيه موقعاً قيادياً في تدبير خزائن الأرض وشؤونها العامة.

وهذا هو مُلْك الإمامة الملكوتية والدولة الخفية؛ ففي أربعة مواضع يُقرِّر اللهُ تعالى لآل إبراهيم إمامةً ومُلكاً، وأيُّ إمامةٍ وأيُّ مُلْكٍ؟ إنَّها إمامةٌ لا تقتصر على الرئاسة السياسية، ولم تكن لهم رئاسةٌ معلنة، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [18] ؛ فالمراد به إذن المُلْك الملكوتي والدولة الخفية، وأمّا الدولة المعلنة فلم يتسنَّ لآل إبراهيم (عليهم السلام) استلامُ زمامها.

وهنا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[19] دحضاً لمقولة الخوارج، وحذراً من انفلات الأمور ووقوع الفوضى؛ وقد قال الشيخ لطف الله الصافي (رحمه الله) في كتابه «منتخب الأثر»: «وأي عاقل يقول في زمن الغيبة الكبرى تترك الأمور لأشرار الأمة؟ وأي عاقل يقول بجواز ذلك؟»[20] ، وهو يستدلّ بطائفةٍ من الروايات بيانُها عقليٌّ غير قابلٍ للتخصيص.

تنبيه: إنَّ الشيخ الصافي (رحمه الله) يُعدّ من أبرز العلماء المعاصرين بحثاً في الفقه السياسي وفي بُعد الإمامة المرتبط به، وهو من صميم النهج الحوزوي التقليدي؛ إذ هو تلميذ السيد الكلبايكاني وصهره، وتلميذ السيد البروجردي، وعضو لجنة الاستفتاء لكلا العلمين، فلا يُزايد عليه أحدٌ في التزامه بالمسلك التقليدي، ومع ذلك يقول (رضوان الله تعالى عليه): «أي عاقل يقول في الغيبة الكبرى تترك زمام أمور النظام السياسي بيد شرار الأمة؟»؛ فإدارة النظام السياسي في عصر الغيبة إذن مسؤوليةٌ عامة.

والحاصل: أنَّ هذا هو مفاد كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين ردَّ على مقولة الخوارج المنحرفة التي تنكر ضرورة القيادة والنظام السياسي؛ مبيّناً أنَّ وجود الأمير ضرورةٌ تكوينية لنظام المعاش، فإن كان بارّاً سينعم في ظله الأبرار والمؤمنون، وإن كان فاجراً فسيستمتع في إمرته الفاسق والكافر إلى حين.

وحين يُقرِّر أمير المؤمنين (عليه السلام) ضرورة وجود الأمير والنظام، فهو لا يشير إلى مقام لزوم الحجة تكويناً كما في قوله (عليه السلام): «لَوْ بَقِيَتِ الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ»[21] ؛ لأنَّ تلك الضرورة التكوينية المعصومة لا يقوم بها إلا الإمام المعصوم (عليه السلام)، بينما الأمير في كلامه (عليه السلام) قد يكون بارّاً وقد يكون فاجراً، ومن ثَمَّ فإنَّ كلامه (عليه السلام) ناظرٌ بالدقة إلى خصوص الدولة المعلنة الرسمية والظاهرة.

والنتيجة: أنَّ الدولة الخفية وحدها لا تكفي في إدارة شؤون الناس الظاهرة، والفرق بيّنٌ وجليّ بين قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [22] وحديث لزوم الحجة -إذ المراد بهما المعصوم حتماً- وبين كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»؛ حيث يشير (عليه السلام) في هذا الموضع إلى طبقة الدولة الظاهرة ونظامها الاجتماعي والسياسي المعلن.

الوظائف الحيوية للدولة الظاهرة وحتمية حفظ النظام

في العلوم السياسية والاجتماعية والإنسانية والقانونية، نجد أن المجتمع بوصفه نسيجاً مبنيٌّ بالدقة على عدّة دول وسلطات وأنظمة وحكومات، وهذه نتائج كشفت عنها العلوم التخصصية المتعددة. وإحدى طبقات الدول والحكومات التي تدير نسيج التركيب المجتمعي للبشر -تأسيساً على أن الإنسان مدنيٌّ بالطبع ويفتقر إلى كيان اجتماعي يعيش في كنفه ولا يسعه العيش كبقية الحيوانات- هي طبقة الإدارة المعلَنة الظاهرة؛ إذ تدعو الضرورة إلى قيام نظام وحكومة تضطلع بإدارة هذه الطبقة المعلَنة.

وإنَّ مفاد الحديث الشريف: «لَوْ بَقِيَتِ الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ»[23] ناظرٌ إلى دور ملكوتي في الخفاء، وهو أمرٌ واقعيٌّ حقيقي. ومقتضى قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [24] شمول الجعل الإلهي لصلاحية الحكم للإمام المعصوم (عليه السلام) في سائر الطبقات، بيد أن هذه الطبقة المعلَنة جعلها الله تعالى موضع ابتلاء وامتحان للبشر في إفساح المجال لخليفة الله أو عدم إفساحه له. وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه إن لم يفسحوا له المجال، فلا مناص للناس من نظام يدير هذه الطبقة المعلَنة، ولا يسوغ ترك الأمور سائبة ومنفلتة، معلِّلاً ذلك بضرورات تكوينية في مواضع شتى حين قال: «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[25] .

والعلة في ذلك: هي أن قيام بُعد مالي في النظام الاجتماعي الحاكم يُعدّ ضرورة لا مناص منها، سواء سُمّي ذلك بالخزانة الوطنية أو ببيت المال، وهذه إحدى الوظائف الجوهرية التي قررها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي ضرورة تقتضي قيام النظام الرسمي، جائراً كان أو عادلاً؛ إذ تترتب على وجود الحاكم الجائر أدنى المصالح الاجتماعية؛ حيث:

    • «يُجْبَى بِهِ الْفَيْءُ» وتُنظَّم الثروات والمصالح المالية.

    • «يُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ»، وهو الجهاد الدفاعي وما يُعبَّر عنه بوزارة الدفاع؛ إذ لو انتفت القوة العسكرية لنُهبت الثروات واستُبيحت الحرمات، وأصاب المجتمعَ الصَّغار والذل والعبودية.

    • «تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ»، وهو الأمن الداخلي المناط بوزارة الداخلية. فقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا البيان إلى ضرورة قيام أجهزة للمالية والاقتصاد، والدفاع، والداخلية، فضلاً عن سائر الوظائف الحيوية لإدارة المجتمع.

والحاصل: أن وظائف الدولة الرسمية الظاهرة أمرٌ لا محيص عنه وضرورة تكوينية آبية عن التخصيص بزمان دون زمان، وليست مجرد تشريع يخصَّص حتى في عصر الغيبة الكبرى. وحين يؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) على هذه الضرورة التكوينية، فإن مقتضاه أنه إن كان الحاكم برّاً استمتع الصالحون في ظله وعملوا، وإن كان فاجراً استمتع الفاسقون؛ فإذا شاركتم وأقمتم النظام استمتعتم بالأمن، وإن تركتم الأمور على عواهنها ذقتم مرارة ذلك الانفلات.

توجيه روايات التحذير من الخروج وسيرة الأئمة في التمكين

وتأسيساً على ذلك: فإن هذا البيان بيان تكويني ضروري آبٍ عن التخصيص؛ حتى لو تمسك متمسك بروايات التحذير من قبيل قوله (عليه السلام): «مَا خَرَجَ وَلَا يَخْرُجُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ إِلَى قِيَامِ قَائِمِنَا أَحَدٌ لِيَدْفَعَ ظُلْمًا أَوْ يَنْعِشَ حَقًّا إِلَّا اصْطَلَمَتْهُ الْبَلِيَّةُ»[26] ، فإنها تُفسَّر وتُؤوَّل بأن الحركات العسكرية أو الثورية غير المحسومة، أو التي لا تتخذ جانب الكتمان وتنامي القوة بحكمة، تسبب مزيداً من بطش الجبابرة والطغاة. وهذا المعنى تامٌّ وصحيح، لا أن تُترك شؤون الأمة سدىً وهملاً ويبقى المؤمنون هجينين مستضعفين؛ بل الواجب يقتضي بناء القوة بنحوٍ لا يستيقظ معه الطغاة، لأن استيقاظهم يؤدي إلى بطشهم بالمؤمنين؛ فليس مفاد الروايات تضييع مصالح الأمة، وما كانت سيرة الإمام الصادق (عليه السلام) قائمة على تهجين شيعته وأصحابه أبداً.

فإن قيل: ما الوجه في فرض الإقامة الجبريّة واستدعاء الإمام الصادق (عليه السلام) سنين متطاولة من المدينة المنوّرة إلى العراق، مع كونه (عليه السلام) قائماً على أكبر حوزة وجامعة إسلاميّة يَفِدُ إليها العدوّ والصديق؟

والجواب: إنّ الدولة العبّاسيّة كانت ترى أنّ اشتغال الإمام الصادق (عليه السلام) بهذه الجامعة العلميّة الكبرى لا يبعث على الأمن من بنائه السياسيّ والأمنيّ والعسكريّ؛ والعلّة في ذلك بيّنة، إذ كانوا يعلمون أنّ حركته (عليه السلام) تحت السطح لم تكن ساكنةً ولا جامدةً، وإلّا فلو كان خاملاً فما الذي يُرعبهم منه؟!

والشاهد على ذلك: ما اتّسم به عمل الإمام الصادق (عليه السلام) من الكتمان والسرّيّة؛ إذ تذكر التواريخ القديمة الأصيلة للأمازيغ — وهم السكّان الأصليّون للمغرب والجزائر وتونس وليبيا — أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) كانت له رُسلٌ شيّعوا تلك الأصقاع قبل قيام دولة الأدارسة[27] ، وكانت تلك التحرّكات ذات أبعادٍ عسكريّة وأمنيّة واقتصاديّة، ومن ثَمَّ فإنّ قراءة روايات التحذير من الخروج[28] بقراءةٍ مبتورةٍ عن مجمل سيرة الإمام الصادق (عليه السلام) تُعدّ قراءةً منحرفةً.

والحاصل: إنّ للأئمّة (عليهم السلام) أدواراً خفيّةً كثيرة، ولسنا الآن بصدد استقصاء هذا البحث؛ إذ هو ملفّ طويلٌ جدّاً، فلنرجع إلى أصل المطلب في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام).

 


[1] هو السيّد محسن بن مهدي الطباطبائي الحكيم (1306 - 1390 هـ)، المرجع الأعلى للطائفة الإمامية في عصره، صاحب «مستمسك العروة الوثقى». — المحقق.
[2] هو السيّد عبد الهادي بن إسماعيل الحسيني الشيرازي (1305 - 1382 هـ)، من كبار فقهاء ومراجع النجف الأشرف. — المحقق.
[6] هو محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي (ت 329 هـ)، الملقّب بثقة الإسلام، صاحب كتاب «الكافي» أحد الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة الإماميّة. — المحقق.
[8] نهج البلاغه، صبحي صالح، ج1، ص69، خطبه 27.. وفي معناه نهج البلاغة: الخطبة 27
[20] يُنظر: الصافي الگلپايگاني، لطف الله. منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر.. — المحقق
[21] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. ج1، ص179، باب “أن الأرض لا تخلو من حجة”، ح10
[27] عمدة الطّالب في أنساب آل أبي طالب، ابن عنبة، ج1، ص159.. دولةٌ علويّة أسّسها إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنّى في المغرب الأقصى سنة 172هـ. يُنظر
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo