48/03/25
هيكل النظام السياسي والمسؤوليات العامة في الفقه الإسلامي/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /هيكل النظام السياسي والمسؤوليات العامة في الفقه الإسلامي
هيكل النظام السياسي والمسؤوليات العامة في الفقه الإسلامي
مدخل إلى فقه النظام السياسي والمسؤوليات العامة
إنّ هذا المبحث في أحكام الجهاد الذي شرعنا فيه — انطلاقاً من إدراج السيد الخوئي (رحمه الله) له في كتاب «منهاج الصالحين»[1] — يشتمل على محطاتٍ أساسية في الفقه الإسلامي تهدف إلى التمهيد لبناء النظام الفقهي السياسي. وفي واقع الأمر، يرتبط هذا المطلب بنظام الفقه السياسي، أو ما يُعبَّر عنه بـ«فقه النظام السياسي» في المذهب الجعفري؛ وهو مبحثٌ ذو سعةٍ بالغة، ابتدأنا مدارسته في العام الماضي تحت عنوان «المسؤوليات العامة»، حيث استغرقت المباحث فيه ما يربو على مائة وخمسين درساً، وتَلَتْها سلسلةٌ ثانية تناولت أبعاد الدولة والنظام المهدوي في ست عشرة حلقة خلال شهر شعبان المعظم، ثم تواصل البحث في أشهر رمضان وشوال وذي القعدة وذي الحجة عبر شرح «دعاء أهل الثغور» للإمام زين العابدين (عليه السلام) [2] ، ثم أتبعناها بسلسلةٍ رابعة في أشهر محرم وصفر وربيع الأول إبّان العطلة الصيفية بعنوان «الفقه السياسي للنهضة الحسينية». وتنتظم هذه السلاسل الأربع جميعاً في سياقٍ معرفيٍّ واحد، بل تنضمّ إليها مجموعةٌ خامسة طُرحت في مناسباتٍ شتى ضمن بحوث النجف الأشرف والبحوث الصيفية في قم المقدسة تحت عنوان «البحث الأمني».
والحاصل: أنّ الجهاد يُعدّ باباً رئيساً من أبواب النظام السياسي، ومظهراً للمسؤوليات والأنشطة العسكرية للدولة. وقد وردت في كتاب «الكافي» روايةٌ مسندة رواها ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله) [3] تُضاهي عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر (رحمه الله) [4] ، يُبيّن فيها الإمام (عليه السلام) وظائف الدولة الأساسية، وهي رسالةٌ كتبها الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) يعاتب فيها بعض خلفاء بني أمية ويطالبهم بأداء هذه المسؤوليات وإقامتها.
والنكتة المهمة هنا: هي أنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) — ابتداءً من أمير المؤمنين، مروراً بالإمام الحسين، وانتهاءً بسائر الأئمة المعصومين (عليهم السلام) — لم يفتؤوا يمارسون دور الرعاية والإشراف والتوجيه حتى حيال السلطات الجائرة؛ سعياً لتقويم الاعوجاج ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، سواء أكان ذلك في دائرة السلطة القضائية، أم السلطة التنفيذية، أم السلطة التشريعية، أم في المجال الاقتصادي والمالي، كما هو مشهورٌ ومُثْبَتٌ تاريخياً من إنقاذ الإمام الباقر (عليه السلام) للأمة الإسلامية في معضلة سَكِّ العملة النقدية وإرساء استقلالها المالي[5] [6] ، أو في التخطيط العمراني المتصل بالجانبين المعيشي والأمني.
مشروعية التصدي للمسؤوليات في الأنظمة غير الإسلامية
ونظير ذلك: ما كان من موقف نبي الله يوسف (على نبينا وآله وعليه السلام) في تعامله مع النظام الحاكم في مصر؛ إذ كان نظاماً وثنياً كافراً، ومع ذلك لم يمتنع (عليه السلام) من تحمّل المسؤولية والمشاركة في إدارة شؤون البلاد. ومن المضامين الجليلة التي قررتها سورة يوسف في إبلاغ هذا التشريع الإلهي: أنّ النظام الاجتماعي والسياسي حتى وإن كان قائماً على الكفر والوثنية، فإنّه يسوغ للمسلمين الدخول فيه والتصدي للمسؤوليات.
فإن قيل: هل يسوغ لأبناء الأمة الإسلامية والمؤمنين المقيمين في بلاد المهجر الانخراط في تلك الأنظمة، مع كونها غير إسلامية والبلاد ليست دار إسلام؟
فالجواب: نعم، يجوز ذلك قطعاً، بل يتعين ويجب وجوباً كفائياً إذا تمكنوا من خلال ذلك من إقامة الإصلاح، وإغاثة المستضعفين، ورفع الحيف عن المظلومين والمضطهدين في تلك المجتمعات؛ استناداً إلى المنطق القرآني العام.
والشاهد فيه: أنّ القرآن الكريم يتناول المستضعفين بلسان العطف والترحم ولو كانوا غير مسلمين، حيث يقول عزّ وجلّ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾[7] ؛ والمقصود بالقرية هنا — في المفهوم القرآني والاجتماعي — هو النظام الاجتماعي والسياسي الجائر.
والنتيجة: إنّ المستفاد من مشروع النظام السياسي في منظور القرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام) ثبوتُ مسؤولية إصلاح النظام السياسي والاجتماعي على عاتق الإنسان حتى وإن كان نظاماً غير إسلامي، فأحرى أن تتأكد هذه المسؤولية وتترسخ في الأنظمة القائمة في دار الإسلام ودار الإيمان. فما هي يا ترى حدود هذه المسؤولية وضوابط الدخول والمشاركة فيها؟
فتعبيرُ النبيِّ يوسف (على نبيِّنا وآله وعليه السلام): ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾[8] ، يُراد به ما يُعبَّر عنه في العصر الحاضر بوظيفة وزير الاقتصاد والماليَّة والميزانيَّة والتخطيط، وقد أنقذ (عليه السلام) الموقفَ الاقتصاديَّ والاجتماعيَّ للدولة، وإن كانت غايتُه وراء تولِّي هذه المسؤوليَّة غايةً عظمى؛ وهي هدايةُ الناس إلى التوحيد والصلاح، فضلًا عن كون إقامة العدل وبسط الأمان في الأرض غايةً مقصودةً لذاتها.
مسؤولية رفع الاستضعاف وفقه الحيلة والتدبير
وقد استُدعيتُ في عامَيْ 2005 و2006 للميلاد للتبليغ في بعض البلدان الغربيَّة، وممَّا يتَّصل بهذا المبحث قوله تعالى في سورة النساء حكايةً عن المستضعفين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[9] ؛ إذ تبرزُ هنا المسؤوليَّةُ السياسيَّة في التغيير ورفع الظلم، ومقتضاها أنّ المستضعَف إذا كان بمقدوره رفعُ الاستضعاف عن نفسه فلم يفعل فإنّه لا يُعذر أمام الله تعالى، ولأجل ذلك لم تقبل الملائكةُ اعتذارَهم؛ فالضعفُ لا يجعله الشارعُ مبرِّرًا للقعود والاستسلام للاستضعاف السياسيِّ والاجتماعيِّ والعسكريِّ والعقائديِّ.
والبيان في ذلك: أنّ قوله سبحانه: ﴿ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ يقتضي البحثَ والتحقيقَ في حقيقة ظلم الإنسان لنفسه في المنطق القرآنيِّ، سواء أكان ذلك في الاستضعاف العقائديِّ أم السياسيِّ أم العسكريِّ؛ فالقرآنُ الكريم لا يعتبر الضعفَ عذرًا مسقِطًا للتكليف إلّا إذا سُدَّت بوجهه جميعُ السبل وانعدمت منه الحيلةُ بالمرّة، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾[10] .
والنكتة في استعمال لفظ الحيلة: أنّ التعبير بها يشير إلى معانٍ دقيقةٍ ترتبط بإدارة الوظائف السياسيَّة والاجتماعيَّة؛ مفادُها أنّ النشاط السياسيَّ والأمنيَّ والاجتماعيَّ يفتقر في كثيرٍ من مراحله إلى التدبير والدهاء والخفاء والمناورة والمراوغة، وهذه قاعدةٌ عامة من القواعد الآبية عن التخصيص.
قاعدة الصياغة بلسان التكوين وأثرها في الامتناع عن التخصيص
قاعدة أصوليَّة وتفسيريَّة: وهي نكتةٌ لطيفةٌ جرى بيانُها في ذيل الأبحاث الصيفيَّة؛ وحاصلُها أنّ جملةً من التشريعات الإلهيَّة في القرآن الكريم — عند كافَّة الفقهاء — لا يصوغها الباري جلّ وعلا بلسان الإنشاء والتشريع والقانون الوضعيِّ، بل يصوغها بصيغة الظاهرة التكوينيَّة وسُنَنِه الجارية في الكون، كقوله تعالى: ﴿…فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾[11] ، ومثله قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[12] ؛ فهذا إخبارٌ تكوينيٌّ، وكذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[13] ؛ فهو إخبارٌ بظاهرةٍ تكوينيَّةٍ ذات مفادٍ تشريعيٍّ مُلزم، والتعبيرُ إذا صيغ بلسان التكوين كان آبِيًا عن التخصيص.
والحاصل: أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ إخبارٌ تكوينيٌّ ينبئ عن حكمٍ تشريعيٍّ باتٍّ، وهو لسانٌ آبٍ عن التخصيص والتقييد، فلا يصحُّ دعوى تخصيصه بعصر الغيبة الكبرى أو بغيره من الأعصار، بل هو حكمٌ غيرُ قابلٍ للتخصيص مطلقًا.
وظائف الدولة الحيوية وضرورة الإمرة في كلام أمير المؤمنين
وكذلك كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة، حيث وردت عنه كلمة خالدة ترنّ في سمع التاريخ والبشرية، وقوله فيها تكوينيٌّ وليس مجرّد تشريع، إذ بيّن (عليه السلام) أنَّ هناك ضرورةً تكوينية لا مناص منها حين قال: «كَلِمة حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ، نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ»[14] ؛ فذكر (عليه السلام) عِدّة وظائف للدولة:
• فأمن السبل وظيفة وزارة الداخلية.
• وجمع الفيء وظيفة وزارتي المالية والاقتصاد.
• ودفع العدو وقتاله وظيفة وزارة الدفاع.
والحاصل: أنّه (عليه السلام) بيّن أنّ هذه المسؤولية ضرورة غير قابلة للتخصيص، لا في زمن الغيبة ولا في غيره؛ فهذا التعبير آبٍ عن التخصيص والنسخ والرفع في أيّ ظرف من الظروف، ومن يتحايل على هذا المطلب فإنما يريد التخاذل عن أداء المسؤولية.
فإذا وازنتَ بين هذا التعبير الدالّ على ضرورة تحمّل المسؤولية، وبين روايات أخرى تفيد ظاهراً المنع والقعود، فأيّهما يُقدَّم؟
والجواب: أنّ السيّد الخوئي (رحمه الله) حمل تلك الروايات على تأويلٍ يقتضي الحذر من الحركات الانتهازية والوصولية وطلّاب الرئاسة، لئلّا يغترّ بهم الإنسان ويزجّ بنفسه ليكون ضحيّةً لسياساتٍ معيّنة، وهكذا وجّه السيّد الخوئي هذا المبحث في كتاب منهاج الصالحين[15] .
وكذلك الشأن في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[16] ، فهذا بيانٌ تكوينيّ وإن كان مفاده تشريعياً، وهو آبٍ عن التخصيص؛ فإذا وردت روايات توهم الاكتفاء بما دون ذلك في التشهّد فإنها تُحمل على التقيّة أو نحوها، كما لم يعمل بها الأعلام وأوجبوا الصلاة على النبيّ وآله (عليهم السلام).
والقاعدة هنا: أنّ الأدلّة إذا صيغت بلسان التكوين فإنها تكون آبيةً عن التخصيص مطلقاً.
وحدة السيرة السياسية للمعصومين وغايات الأمر بالمعروف
ومن المسؤوليات العظيمة التي بيّنها الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم والإمام الرضا (عليهم السلام)، ما يدحض دعوى من يزعم أنّ سيرة الأئمة المتأخرين من أهل البيت تخالف سيرة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ إذ كيف تخالف سيرتُهم سيرةَ جدّهم الحسين وهم الذين جعلوا ذكره وزيارته رمزيةً مركزية في كلّ مواقفهم؟! فالإمام السجّاد (عليه السلام) قضى عمره الشريف في ترسيخ ذكر الحسين (عليه السلام)، فلو كانت سيرته تخالف سيرة الحسين، فكيف يغرس هذا المفهوم في عقل الأمة ووجدانها؟!
وكذلك الإمام الصادق (عليه السلام) لا يفتأ يحثّ على الحسين وزيارته، والإمام الهادي (عليه السلام) كان من أشدّ الحاثّين على زيارة الإمام الحسين وإقامة شعائره، على الرغم ممّا جرى من هدم القبر الشريف في زمانه مرّتين أو ثلاثاً؛ ممّا يدلّ على أنّ هذه القضية هي روح حركة الأئمة (عليهم السلام) بأسرهم، فكيف يصحّ الادّعاء بعد ذلك بأنّ سيرة بقيّة الأئمة تخالف سيرة الإمام الحسين (عليه السلام)؟!
تساؤل: لماذا جعل أهلُ البيت (عليهم السلام) الإمامَ الحسين (عليه السلام) رمزاً، ودحضوا تلك الدعاوى القائلة بأنّ نهضتَه (عليه السلام) كانت استثناءً لا يُقتدى به؟
والجواب: أنّه بالرجوع إلى كلمات الأئمة: الباقر، والصادق، والكاظم، والرضا (عليهم السلام) — ولا سيّما في كتاب «الكافي» في مستهلّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[17] — نجد هذه الروايات واردةً عنهم بكثرة، مع وجود نظائرها عن أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام)، بيدَ أنّ هناك تأكيداً واسعاً عند الأئمة المتأخّرين (عليهم السلام).
وتشير الروايات إلى هذا المضمون؛ كقولهم (عليهم السلام): «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ»[18] ، أو «لَيُوَلَّيَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ»، وما ينتج عن تركهما من الذلّ والمسكنة، وهذا البيان تكوينيٌّ ينبئ عن حكمٍ تشريعيّ؛ فهل يكون قابلاً للتخصيص في عصر الغيبة الكبرى؟ كلا، ليس قابلاً للتخصيص أبداً.
والحاصل: أنّ عمدةَ الغاية وقِمّتَها من تشريع باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي تحقيق الحاكميّة السياسيّة، وأن تكون الولاية والإمرة بيد أهل الصلاح بنحوٍ نسبيٍّ أو مطلق؛ وبناءً على ذلك، فإنّ هذا الباب لا يُغلق بضرورة مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، بل تظلّ المسؤوليّةُ السياسيّة فريضةً وواجباً يقع على عاتق الجميع.