« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/03/20

بسم الله الرحمن الرحيم

منظومة الإمامة والتراتبية المعرفية ومناقشة الاقتصار على الإمام الفعلي/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة

 

موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /منظومة الإمامة والتراتبية المعرفية ومناقشة الاقتصار على الإمام الفعلي

 

نقد دعوى حصر التكليف ببيان الإمام الفعلي اللاحق

كان الكلام في ما يُدّعى من أنّنا ملزمون ببيانات الأئمّة اللاحقين (عليهم السلام) من أهل البيت، وأمّا الأئمّة السابقون فنقتصر معهم على الاعتقاد بإمامتهم فحسب، إلى غير ذلك من الشبهات التي تُثار في الساحة العلميّة أو الثقافيّة الفقهيّة، بدعوى وجوب الالتزام بالأئمّة اللاحقين دون السابقين، أو القول بحجيّة بيان الإمام الفعليّ في زمان كلّ مكلّف، وقد وردت في ذلك روايات كثيرة.

والقاعدة هنا: أنّ هذا المبحث عقائديّ محض، والمباحث العقائديّة لا يُكتفى فيها بالخبر الظنّيّ ولو كان صحيحاً، وإن كنّا نسلّم بأنّ الروايات في هذا الباب مستفيضة ومتواترة ومبرهنة، إلّا أنّ السؤال الجوهريّ هو: ما هو مفاد هذه الروايات ومدلولها الحقيقيّ؟

فهل مَن عاصر الإمام الصادق، أو الإمام الكاظم، أو الإمام الرضا، أو الإمام الجواد، أو الإمام الهادي، أو الإمام العسكريّ (عليهم السلام)، أو مَن يعيش في زمان صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه الشريف) — ونحن نعيش الآن في ظلّ إمامة الإمام الثاني عشر — هل يا ترى نحن ملزمون ببيان إمام زماننا وحده دون مَن سبقه؟

ومثال ذلك: ما أثاره البعض في شبهة الخمس؛ حيث تمسّكوا بما ورد عن الناحية المقدّسة في الغيبة الصغرى: «وَأَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ أُبِيحَ لِشِيعَتِنَا، وَجُعِلُوا مِنْهُ فِي حِلٍّ إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ أَمْرِنَا لِتَطِيبَ وَلَادَتُهُمْ وَلَا تَخْبُثَ»[1] ، لعدم وقوفهم على حقيقة المراد من إباحة الخمس ومحمله الفقهيّ. واليوم تُطرح النغمة ذاتها في مباحث الفقه السياسيّ بدعوى أنّنا ملزمون بالأئمّة اللاحقين ولسنا ملزمين بالسابقين، وهذا الإطلاق باطلٌ جملةً وتفصيلاً.

شمولية الدين ووحدة منظومة الضروريات العقدية

وقد قدّمنا في مستهلّ هذه السلسلة حول نهضة عاشوراء: أنّ المكلّف لو عمل بما يؤمن به وفرّط في بعضه لكان في زيغٍ من أمره؛ بل لو سلّمنا بالضروريّات كلّها وأقررنا بها والتزمنا العمل بها بنسبة تسعةٍ وتسعين وتسعةٍ في العشَرَة في المئة (99.9%)، وتمرّدنا على واحدٍ في الألف (0.1%) منها وتملّصنا عنه، لكنّا في زيغٍ وضلال؛ وذلك لأنّ الدين كتلةٌ واحدة لا تتجزّأ، والضروريّات تؤلّف منظومةً واحدة مترابطة، فلا يمكن تجزئة العمل بها ولا الاكتفاء بضرورةٍ بمفردها مهما عظمت، بل لا بدّ من اجتماع الضروريّات كلّها والتسليم التامّ بها جميعاً، شأنها في ذلك شأن القرآن الكريم الذي نعى على من فرّق فيه فقال عزّ من قائل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾[2] .

وكذلك الحال في شأن الأنبياء والرسل؛ حيث قال سبحانه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾[3] .

فإن قيل: إذا كان سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) موجوداً، فما الحاجة إلى سائر الأنبياء مع كوننا مكلّفين باتّباع سيّد الرسل المهيمن على من سبقه؟ وما الثمرة في وجوب الإيمان بجميع الرسل والكتب في مختلف المجالات والعلوم الدينيّة وراء القضايا العقائديّة المحضة؟

والجواب: ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [4] ، وهي من أواخر سورة البقرة، وتتلو مباشرةً قوله تعالى: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾[5]

وهنا يُطرح تساؤلٌ معرفيٌّ عميق: ما معنى إيمان الرسول بما أُنزل إليه مع كونه هو صاحب الرسالة ومَهبِط الوحي؟ وهو لعمري معنى عظيم يرتبط أوثق الارتباط بمعرفة طبقات وجوده الشريف (صلّى الله عليه وآله).

وهو معنىً معرفيٌّ عميقٌ لا نخوض في تفاصيله ها هنا لئلا ينشعب البحث، وقد عقب ذلك قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [6] ؛ فينبغي التأمل في حقيقة إيمان الرسول (صلى الله عليه وآله) برسالته ونبوته، فما مفاد ذلك؟

والسؤال: حينما يلهج المؤذن في الأذان أو الإقامة بـ (صلّى الله عليك يا رسول الله وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين)، أو يؤتى بالشهادة في التشهد: (أشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، أو حينما يقول هو (صلى الله عليه وآله): «أشهد أني رسول الله»، فما المراد من إيمان الرسول هنا؟ والجواب: إنَّ هذا الإيمان ينطوي على دلالةٍ بالغة العظمة تشير إجمالاً إلى مراتب وطبقات وجود النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله).

حقيقة المعاد والمقامات التكوينية للمعصومين في النشأة الأخروية

ثمَّ قال عزَّ وجلّ: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [7] ؛ وهنا يُسأل: هل المصير مقصورٌ على الرجوع إلى الجنّة أو مجرّد القيامة؟ والحقيقة: إنَّ لُبّ المعاد وجوهره لا ينحصر في مجرّد وقوع القيامة — وإن كانت القيامة حقًّا لا ريب فيه — بل إنَّ الأمر الأعظم والأجلّ رتبةً هو لقاء الله سبحانه؛ فالرجوع الحقيقي ليس مجرّد عودٍ إلى نشأة القيامة، وكان ينبغي للمتكلمين والفلاسفة والمفسرين والفقهاء (رضوان الله تعالى على المؤمنين منهم) أن يُنبّهوا على أنَّ الحقيقة الكبرى والنبأ العظيم في المعاد هو لقاء الله جلّ وعلا، ولقاء رسوله وخلفائه المعصومين (عليهم السلام)، وما عدا ذلك من الصراط والميزان فليس إلا توابع ومقدّمات.

والشاهد القرآني: أنَّ الآيات تنصّ على لقاء الله تبارك وتعالى لا لقاء الجنّة؛ كقوله عزّ شأنه: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ﴾[8] ، ولم يقل ملاقو الجنّة أو القيامة أو الصراط؛ فالمعاد الأعظم وحقيقته الأصيلة إنّما هو الرجوع إلى الله تبارك وتعالى، وما تلك المواقف إلا مُعِدّات ومُهيّئات.

وتأسيسًا على ذلك: إذا قيل إنَّ المعاد أصلٌ من أصول الدين فمآل ذلك إلى لقاء الله جلّ جلاله؛ فالله سبحانه كما أنَّه المبدأ فهو المعاد بذاته، والتوحيد لا يقتصر على المبدأ والنشأة الأولى بل يستوعب نشأة المعاد، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾[9] ؛ فالاقتصار في التوحيد على المبدأ دون المعاد نقصٌ في حقيقة التوحيد ولا يكون تامًّا حتى يمتدّ إلى المعاد، وهذا المطلب لم يُحرّره المتكلمون ولا الفقهاء كما ينبغي، وإنّما شادت أركانه الآيات الكريمة والبيانات الوحيانية.

وعليه: فلا يصحّ حصر الإيمان بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) في كونه مجرّد واسطةٍ في تبليغ الوحي والأحكام التكليفية فحسب، بل لا بدّ من الإيمان بمقاماته الأخروية التي نطق بها الذكر الحكيم في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[10] ، ومثل قوله سبحانه: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[11] ، وهي مقاماتٌ شهوديةٌ عظيمة تتجلّى في الآخرة.

ملاحظة: إنَّ في الموروث الكلامي والتفسيري والفلسفي والعرفاني قصورًا ملحوظًا في تبيان حقيقة النبوّة؛ فإنَّ ابتعاد أرباب العرفان والتصوّف عن معين معارف أهل البيت (عليهم السلام) أقعدهم عن إدراك هذا المعنى الشريف، حيث غفلوا عن ارتباط حقيقة النبوّة بعالم المعاد والرجوع، وقصروها على نشأة البدء وما يُعبّر عنه بـ«قوس النزول»[12] ؛ في حين أسفرت نصوص الوحي وبيانات أهل البيت (عليهم السلام) عن أنَّ للنبوّة تعريفًا جوهريًّا يتقوّم بالنشأة الأخروية، وهو بحثٌ بِكْرٌ لم يُستوفَ حقه في علم الكلام ولا الفلسفة ولا العرفان، وإنّما مصدره التوقيفيّ هو الوحي المعصوم.

ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ¤ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾[13] ، حيث حمل أكثر المفسرين من الفريقين «النبأ العظيم» على يوم القيامة، بينما تُفصح منظومة الحقائق القرآنية وروايات أهل البيت (عليهم السلام) عن أنَّ النبأ العظيم هو مظهر القضاء والجزاء الإلهي، ولذا جاء تفسيره بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) [14] ، الذي نُعت بأنَّه: «قسيم الجنّة والنار»[15] ؛ والمراد بالقسيم ها هنا هو المتولّي لتدبير أمرهما ومجازاة الخلق فيهما، وتلك هي الولاية التكوينية[16] السارية في عوالم البرزخ والسماوات ويوم القيامة، لكون عالم الجنّة والنار أعظم رتبةً وتكوينًا من سائر عوالم المحشر والقيامة.

بيان ذلك: ما معنى الولاية التكوينيّة[17] في البرزخ والسماوات والقيامة؟ إنّ عالم الجنّة والنار الولايةُ فيهما أعظمُ منها في القيامة، وعالمُ الجنّة والنار تكويناً أعظمُ من عالم القيامة، وعالمُ القيامة أعظمُ من عالم الرجعة والبرزخ، وعالمُ القيامة أعظمُ من السماوات السبع؛ لأنّ السماوات ترتجف وتتشقّق وتنهار يوم يُنفخ في الصُّور، والسماءُ الأولى كقطرة في محيط السماء الثانية كما ورد في بيانات الوحي[18] ، والثانيةُ مع الثالثة كذلك، والثالثةُ مع الرابعة، وهلُمّ جرّاً إلى السابعة. وهذه السماواتُ مع عظمها تكاد تكون بالقياس إلى عالم القيامة لا شيء، فإذا كان عالمُ الجنّة والنار أعظمَ العوالم بالقياس إلى ما دونه، فكذلك ولايةُ أمير المؤمنين (عليه السلام) تبعاً لولاية سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله)؛ فهو قسيمُ النار والجنّة[19] ، كما قيل في الشاهد المنظوم: «عَلِيٌّ حُبُّهُ جُنَّهْ      قَسِيمُ النَّارِ وَالجَنَّهْ      وَصِيُّ المُصْطَفَى حَقّاً      إِمَامُ الإِنْسِ وَالجِنَّهْ»[20]

والنتيجة: إذا كانت ولايتُهم (عليهم السلام) ثابتةً من هناك، أي من ملكوت الملكوت، فكيف بما دونه؟

وإنّ مفاتيح الجنّة ليست مفاتيحَ اعتباريّةً كما يتوهّم البعض، بل هي من مفاتح الغيب ومصدرُ فيضٍ وقدرةٍ تكوينيّة، ولذلك ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ ملكَنا في الجنّة أعظم، وملوكُ الجنّة بنو هاشم، وملكُهم في القيامة أعظمُ من ملكهم في السماوات وفي الرجعة، وملكُهم في السماوات وفي الرجعة أعظمُ من ملكهم في الأرض، وهي بياناتٌ مستفيضةٌ ومتواترةٌ وبرهانيّةٌ عقليّةٌ عن أهل البيت (عليهم السلام).

ولذلك يقول سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) إنّ مكانة سيّد الشهداء يدركها أهلُ السماء أكثر ممّا يدركها أهلُ الأرض[21] ؛ لأنّ القدرة التكوينيّة التي يمنحها الله عزّ وجلّ لسيّد الشهداء هناك أعظمُ ممّا في الأرض. ويُروى عن صاحب الكفاية (رحمه الله) بعد وفاته حين رُئي في البرزخ وسُئل عن حقيقة البرزخ، أنّه قال: «البرزخُ دولةُ الحسين ومملكةُ الحسين»، وعبّر بالفارسيّة قائلاً: «حسين آباد»، فالمتحصَّل أنّ مُلك أهل البيت (عليهم السلام) الذي آتاهم الله إيّاه يتبيّن أنّه أعظمُ كلّما علَوْنا، كما أنّ القرآن مهيمنٌ على سائر الكتب السماويّة، وتلك لطائفُ معرفيّةٌ قرآنيّةٌ يؤصّلها أهل البيت (عليهم السلام).

والحاصل: الرجوعُ إلى هذا المطلب الأساس، وهو أنّ منظومة الضروريّات لا بدّ من التمسّك بها جميعاً، ولا يمكن أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض كما في قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾[22] . وتأسيساً على ذلك، فلا يصحّ القولُ بأنّنا مكلّفون بالإمام الحيّ الفعليّ فحسب، وأمّا الأئمّة السابقون (عليهم السلام) فلا يعنينا منهم شيءٌ إلّا مجرّد الاعتقاد بإمامتهم؛ فهذا باطلٌ؛ إذ لا يجوز الأخذُ بضرورةٍ وتركُ سائر الضروريّات، بل لا بدّ من الإيمان بمنظومة الأئمّة جميعاً والتقيّد بهم ككلّ متكامل.

تنبيه: أمّا كيفيّةُ نظام التقيّد بهم والتوفيقُ بين مراتبهم فمطلبٌ دقيقٌ سيأتي بيانه، ولكن لا يمكن الاقتصارُ على قاعدة الأخذ بكلام الإمام الأحدث اللاحق[23] وتركُ كلام سيّد الأنبياء وسيّد الأوصياء وسيّد النّساء وسيّدَيْ شباب أهل الجنّة (عليهم السلام)، وإلّا لأفضى ذلك إلى حفظ جانبٍ وتضييعِ جوانبَ أخرى من صلب الدّين.

ضرورة رعاية التراتبية ونظام الحجج الإلهية

حفظتَ شيئاً في الدين وضيّعتَ عنك أشياء، وهذا مسلكٌ لا يصحّ بحال، بل لا بدّ من حفظ الدين بكُلّيّته؛ ولذلك كان منهج أمير المؤمنين (عليه السلام) في ردّه على الخوارج مبنيّاً على نقد اجتزائهم بأخذ قاعدةٍ وتركهم لسائر قواعد الدين، إذ لا يستقيم ذلك لكونها: «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ»[24] ؛ بل الواجب هو الأخذ بالمنظومة مجموعاً. فحين رفعوا مقالتهم: «لا حكم إلا لله»، فمن المعلوم أنه لا حكم إلا لله، غير أنّهم أوّلوا المعنى تأويلاً باطلاً زاعمين أنه: «لا إمرة إلا لله»، فهل يُدبّر الله شؤون الخلق دون واسطة؟! كلا، فإنّ النظام السياسي ضرورةٌ لا محيص عنها، ولا يمكن للمجتمع الإنساني المدني أن يستغني عن تدبيرٍ ونظامٍ سياسي؛ إذ «إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[25] ، وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ذلك ضرورة قيام سلطاتٍ ومسؤولياتٍ تنهض بإدارة شؤون الدفاع والاقتصاد والقضاء وسائر مرافق الدولة، وتلك ضرورةٌ تكوينيةٌ فضلاً عن كونها تشريعية، ولا فرق في ذلك بين عصر الغيبة الصغرى وعصر الغيبة الكبرى.

والحاصل: أنه لا يتأتّى لأحدٍ أن يكون مهدويّاً إلا إذا كان حسينيّاً، وإذا استجمع الحقيقة الحسينية أصبح مهدويّاً ورضويّاً ونقويّاً وعسكريّاً وجواديّاً وسجّاديّاً وموالياً لجميع الأئمة (عليهم السلام)؛ فإنّ الأئمة (عليهم السلام) نورٌ واحدٌ يسري وينبض بينهم جميعاً، ومِن ثَمّ فليس من الحق القول بأنّ مذهبنا ليس حسينيّاً، بل هو مذهبٌ حَسَنيٌّ وحسينيٌّ وجامعٌ لسائر أئمة الهدى (عليهم السلام).

وعلى أي تقدير: فكيف تنتظم منظومة الأئمة (عليهم السلام)؟

ومثال ذلك: منظومة الأنبياء (عليهم السلام)؛ فلو أنّ الإنسان آمن بجميع الأنبياء واستثنى نبيّاً واحداً كالنبي زكريا أو نوح أو إبراهيم أو آدم (عليهم السلام) لبطل إيمانه من أساسه، ولا يصحّ القول بأنّ الإيمان بسيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) يُغني عنهم؛ فإنّ كونه (صلى الله عليه وآله) أعظمَهم ومهيمناً عليهم رتبةً شيء، وكون الإيمان بجميعهم واجباً شيءٌ آخر. ومثل ذلك جارٍ في عترة المصطفى؛ فرسول الله (صلى الله عليه وآله) أعظم من سائر أهل بيته، ومع ذلك لا بدّ من الإيمان بهم جميعاً، وأمير المؤمنين (عليه السلام) أعظم مرتبةً من الأئمة من ولده، ومع ذلك لا بدّ من الإيمان بالحسن والحسين (عليهما السلام) وهلمّ جرّاً في سائر السلسلة المعصومة.

والسر في ذلك: أنّ هذه الشبهة نجدها قائمةً حتى عند بعض المفسرين من الخاصّة أو العامّة، حيث يتمسكون بأنّ القرآن فيه تبيانٌ لكل شيء استناداً لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾[26] ، زاعمين أننا متى وجدنا فيه كلّ شيء استغنينا به عن العترة، ولا حاجة حينئذٍ لحديث الثقلين: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ… وَأَهْلَ بَيْتِي عِتْرَتِي»[27] .

والجواب عنه: أنّ هذا الزعم باطل؛ فالقرآن وإن كان تبياناً ونوراً وهدىً وله الأوصاف الجليلة بأسرها، إلا أنّ الاقتصار عليه دون العترة يفضي إلى مقالة: «حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ»[28] ؛ ذلك بأنّ مجموع قواعد الدين والمعرفة إذا لم تجتمع مع بعضها أفضت إلى التِّيه والتَّهوّك[29] ، والتَّهوّك شبيهٌ بالتيه لتقارب المادة لغةً ومآلاً.

والنتيجة: الرجوع إلى أصل هذا المطلب؛ وهو أنه لا يكفي مجرّد الإيمان بمجموع القطعيات والمتواترات جمعاً عشوائيّاً، بل لا بدّ مع ذلك من معرفة النَّظم والترتيب القائم بينها، وإلا وقع الإنسان في التِّيه كما بيّن سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله).

وبيّن سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) أنّه إنْ لم يُرعَ نظام الحجج، ومقتضى ما ورد في الزيارة المأثورة من معرفة «مَرَاتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللَّهُ فِيهَا»[30] ، ومفاد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾[31] ، وقوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾[32] ؛ فإنّ عدم مراعاة هذا النظام التراتبيّ يؤول بالضرورة إلى التهوّك والوقوع في التيه؛ إذ لا يكفي مجرّد الإيمان بالمجموع على نحوٍ عشوائيّ وجمعٍ سطحيّ، بل لا بدّ من إدراك النظم والترتيب القائم بين تلك المقامات والحقائق.

ومثال ذلك: ما هو مقرّر في علم القانون؛ حيث يمتنع جعل القانون الدستوريّ والقانون الأساسيّ في عِرْض واحد مع القوانين البرلمانيّة أو اللوائح والقرارات الوزاريّة؛ لما يستتبعه ذلك من الفوضى والخلل التشريعيّ، بل يتعيّن الالتزام بالتراتبيّة والترتيب الهرميّ بينها؛ لئلا يُخلط الحابل بالنابل[33] ، ولا يُقدَّم ما حقّه التأخير أو يُؤخَّر ما سبيله التقديم. وهذا النظم كما يجري في الحقل القانونيّ، فإنه يسري على وتيرة واحدة في علم العقائد وسائر المعارف الدينيّة، بل وفي العلوم التجريبيّة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات؛ فإنّه متى ما غاب النظم والترتيب حَلّت الفوضى وبطلت النتائج المستخلصة منها.

وقد تواترت البيانات عن سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة الهداة (عليهم السلام) في أنّ من مقتضيات الإيمان وركائزه ألا ينكر المرء فضل ذي الفضل. والفضل الوارد في لسان الوحي القرآنيّ والبيان الروائيّ يحسبه كثير من الناس مجرّد مدائح شعرية أو ثناء عاطفيّ ومبالغات إنشائيّة — كما ذهب إليه أرباب المذاهب الأخرى —، في حين أنّ هذه الفضائل في واقعها وحقيقتها مقامات اصطفائيّة ودرجات تكوينيّة، عبّر عنها لسان الوحي بلفظ «الفضل» صيانةً لهذه الحقائق عن الطمس والاندراس؛ إذ لو صُرّح بكنهها وحقيقتها لعمد المناوؤن إلى تضييعها وإحراقها، على غرار ما جرى من منع تدوين الحديث وإحراق مدوّنات السنّة المطهّرة في بواكير رحيل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكما صُنع بالمصاحف آنذاك.

وتأسيساً على ذلك: فإنّ الإيمان بمجموع الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) فريضةٌ لا محيص عنها، وأمّا ما استُند إليه من قاعدة أنّ المكلّف ملزم بإمام زمانه الفعليّ، فلا ينبغي أن يُحمل على التخلّي عن هدي بقية الأئمّة السابقين والانسلاخ عن منظومتهم المعرفيّة، بل الواجب تحكيم المراتب ومراعاة موقعيّة كلّ إمام؛ وحيث إنّ هذه القاعدة ليست مسألة عقائديّة محضة ولا فقهيّة صرفة، بل هي من القواعد البرزخيّة المشتركة بين العلمين — وقد أسلفنا الإشارة إلى نظائر هذه القواعد العقائديّة الفقهيّة في بحوث الفقه السياسيّ وما شاكلها — وهي قواعد على قدرٍ عظيم من الأهميّة والخطورة، وتترتّب عليها آثار واسعة وتداعيات مفصليّة في مباحث الاعتقاد والفقه ومنهاج السلوك العمليّ للمؤمن.

والحاصل: أنّه لا بدّ من الجمع المتوازن بين رعاية منظومة الأئمّة (عليهم السلام) كافّة ومراعاة مراتبهم المقرّرة إلهيّاً، وبين الفهم الدقيق لقاعدة الإلزام ببيان الإمام الفعليّ الأحدث، بما يُحقّق التوافق والتلاؤم بين هذه القواعد والمسلّمات القطعيّة الضروريّة.

تنبيه: درج العلماء في مختلف الحقول المعرفيّة — سواء في العلوم الشرعيّة أم التجريبيّة — على تقرير القواعد المنفردة وإقامة البراهين على صحّتها، بيد أنّ المقام الأدقّ والوظيفة الأصعب تكمن في منهجيّة الجمع والتوفيق والملاءمة بين تلك القواعد؛ إذ لا يفي مجرّد إثبات القاعدة على حدة، بل المحكّ في ضبط منظومة الملاءمة بينها؛ نظراً إلى أنّ الأفهام القاصرة والأنظار الجزئيّة قد يتراءى لها بدواً وقوع التنافي والتعارض بين المسائل، والفقيه الحاذق أو المحقّق المتمكّن الذي ينهض بمهمّة علاج هذا التدافع ويجمع بين القواعد تنظيراً وتطبيقاً هو الذي يتبوّأ الرتبة العلميّة الأسمى والمنزلة التحقيقيّة الأرفع.

تنظيراً وملاءمةً، فضلاً عن التنفيذ والتطبيق؛ لأن التنافي ليس واقعاً في مقام التنفيذ فحسب، بل قد يقع في مقام الإجراء والتطبيق أيضاً، وهذا كلّه يتطلب كفاءاتٍ علميةً متعددة.

وخلاصة القول: إننا بالنسبة للإمام الفعلي اللاحق ملزمون في مقام التنفيذ لا في مقام التنظير، وحتى في هذا التنفيذ وتطبيق هذه القاعدة القائلة بأننا ملزمون بإمام زماننا، فإن المعصوم معصومٌ في تنظيره وفي تنفيذه معاً، فالمشكلة إذن ليست في الإمام بل فينا نحن.

فقد أكون في محضر الإمام الصادق (عليه السلام) وأسمع الجواب منه مباشرةً، فالأزمة ليست كامنةً في الإمام الصادق (عليه السلام)، وإنما الأزمة في المتلقّي؛ إذ ليس كل ما أفهمه من الإمام الصادق (عليه السلام) هو عين الوحي، ولا كل ما يلتقطه سمعي يُمثّل الوحي بدقّة؛ فقد يشتبه السمع، وتفوتني كلمةٌ أو جملة، وقد يشرد الذهن، فهل تنعكس الحقائق حينئذٍ كاملةً في الذهن؟! هذا فضلاً عن مسألة التقية وظروفها، حتى لو افترضنا انتفاء التقيّة تماماً.

ومثال ذلك: ما جرى مع زرارة حين كان يحضر عند الإمام الصادق (عليه السلام) أربعين سنةً في بحوثٍ كثيرة، منها باب الحج، فقال للإمام الصادق (عليه السلام): «جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَسْأَلُكَ فِي الْحَجِّ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَاماً فَتُفْتِينِي؟! فَقَالَ: يَا زُرَارَةُ، بَيْتٌ يُحَجُّ قَبْلَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ تُرِيدُ أَنْ تَفْنَى مَسَائِلُهُ فِي أَرْبَعِينَ عَاماً!» [34] . فلماذا لم يقم الإمام الصادق (عليه السلام) في السنة الأولى أو في السنوات العشر الأولى بإنزال وتبيان سائر المسائل لزرارة؟! والجواب: أن زرارة لا يتحمل ذلك دفعةً واحدة، لا أن الإمام الصادق (عليه السلام) يعجز عن بيانه؛ فالإمام وعاءٌ وحياني عظيم، ولكن زرارة لا يمتلك الظرفية والقابلية التامة لاستيعاب ذلك جملةً واحدة، وهكذا هي طبائع البشر في تلقي المعارف.

والحاصل: أن سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) أعظم شأناً، ولكن البشر لا تطيق تلقي جميع العلوم منه مباشرةً، والصحابة لم يكن بمقدورهم أخذ كل العلوم من سيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، حتى إنه يظهر من بيانات أهل البيت (عليهم السلام) أن ما يحمله سيد الرسل لا يتحمله من بين الأئمة إلا سيد الأوصياء (عليه السلام)، ثم سيدة النساء، ثم الحسن والحسين (عليهم السلام). ومثل ذلك كمثل الانتقال في الطاقة الكهربائية ذات الضغط العالي التي تفتقر إلى محولاتٍ ومستوياتٍ متدرجة للتخفيف والتوزيع؛ فبعض ملفات الوحي تنزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مباشرةً من غير وسائط، فلا جبرائيل يقدر على حملها، ولا إسرافيل، ولا اللوح، ولا القلم، وإنما يتجلى الله له بلا واسطة ملك.

وهذا المعنى لا ينحصر في المعراج فحسب، كما يذكر الإمام الباقر (عليه السلام) عن قول جبرائيل: «لَوْ دَنَوْتُ أُنْمُلَةً لَاحْتَرَقْتُ»[35] ، بل يجري حتى في بعض أنماط الوحي التي تتنزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الأرض مما لا يقوى عليه جبرائيل ولا يطيقه؛ فإذا كان جبرائيل لا يتحمله فكيف بغيره؟! فرسول الله (صلى الله عليه وآله) بروحه العظيمة يستوعب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، والشاهد فيه:

«وَتَزْعُمُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ ****** وَفِيكَ انْطَوَى العَالَمُ الأَكْبَرُ»[36]

والنتيجة: أن القصور ليس في رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنما القصور واقعٌ في المتلقين؛ كما أن القصور ليس في القرآن الكريم، بل في قصور قدرة علماء الأمة عن استخراج جميع ما انطوى عليه بمفردهم ودون وساطة المعلم الإلهي.

إنَّ علماء الأمّة لا يستقلّون باستخراج جميع ما انطوى عليه القرآن الكريم من حقائق ومعارف، بل لا بدّ لهم من وسيطٍ ومحوِّلٍ تنزّليّ يقرّب تلك العلوم، وهم الأئمّة المعصومون (عليهم السلام) بما هم المعلّم الإلهيّ؛ فالمشكلةُ والقصور ليسا في القرآن المجيد، ولا في سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله)، ولا في حجج الله من الأئمّة الطاهرين، وإنّما نشأت حاجتُنا إلى تعدّد الأئمّة وتتابعهم من قصور الطبيعة البشريّة عن تحمّل الفيض الإلهيّ دفعةً واحدة.

ومثال ذلك: ما جرى لكميل بن زياد النخعيّ حين حسب أنّه أحاط بسرّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له (عليه السلام): «بلى! و لكن يرشح عليك ما يطفح منّى»[37] ؛ إذ الطفح إنّما هو الرذاذ واليسير الفائض عن الإناء، فالمسألة تدور مدار القابليّة والاستعداد وسعة الظرفيّة، حيث لم يكن يطيق حملَ أسرار علوم أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا الإمام الحسن ثمّ الإمام الحسين (عليهما السلام)، في حين لا يبلغ تلك الطاقة حواريّو أمير المؤمنين كمالك الأشتر، وعمّار بن ياسر، وأويس القرنيّ. ونظير ذلك جارٍ في حقّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ إذ لم يكن يتحمّل كلّ علومه سلمانُ، ولا أبو ذرّ، ولا المقداد، ولا عمّار، وإنّما نهض بحملها وتلقّيها أميرُ المؤمنين (عليه السلام)، فجاء تسلسل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على نحو التدرّج لتوسيط الانتفاع وتنـزيل الحقائق للبشر بحسب طاقاتهم المحدودة.

والحاصل: أنّ منشأ الأزمة وقصور الاستيعاب ليسا في القرآن الكريم، ولا في فيض سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله)، بل في المتلقّي فحسب؛ وحتّى مع فرض حصول التشرّف بلقاء الحجّة (عجّل الله فرجه الشريف)، فإنّ هذا اللقاء لا يجاوز حال من عاصروا الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، فإنّ أولئك المعاصرين لم ينقلبوا ببركة الحضور إلى مخازن عصمةٍ ومستودعاتٍ تامّة للوحي، وإن كان التراث الذي نقلوه حجّةً علينا ومعتمداً في استنباطنا.

تنبيه: يتّضح بهذا البيان اندفاعُ اللبس وارتفاع التوهّم في فهم الخبر النبويّ المتواتر الوارد في شأن تبليغ سورة براءة: «لَا يُؤَدِّي عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ»[38] ، والجمعُ الدقيق بينه وبين قوله (صلّى الله عليه وآله) في خطبة مسجد الخيف بحجّة الوداع: «نَضَّرَ اللهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا»[39] ؛ فإنّ الحثّ على نشر الحديث النبويّ وإشاعته بين المسلمين مقامٌ عامّ، ومقام التبليغ المخصوص المقترن بالولاية التشريعيّة وإلزام المعاهدين مقامٌ خاصّ لا يقوم به إلا النبيّ أو الوصيّ المتّصل به اتصالاً وجودياً، فلا تدافع بين المقامين ولا تناقض.

والنتيجة: أنّ هذه النكتة بعينها هي السرّ الكامن وراء لزوم الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام)؛ فرغم أنّ سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله) مهيمنٌ على الأنبياء جميعاً، إلا أنّ كمال التعرّف على أبعاد شخصيّته الشريفة لا يتمّ إلا بمعرفة مجموع الأنبياء، كما لا سبيل إلى درك مقامات خاتم الأنبياء إلا بالوقوف على مراتب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مجتمعين؛ فأعظم تلميذين ملكوتيّين لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) هما أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام)، وأعظم تلميذين لهما وللرسول هما الإمامان الحسن والحسين (عليهما السلام)، وصولاً إلى خاتم الأوصياء الإمام الثاني عشر صاحب العصر والزّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

خاتمة: ثبوت المراتب الاصطفائية ودرء الوقوع في التيه

إذن، لا بُدَّ من الالتفات إلى طبقات الأئمة (عليهم السلام)؛ إذ لا يمكن بحالٍ زعزعةُ هيمنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا هيمنة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا هيمنة أصحاب الكساء (عليهم السلام)؛ فإنَّه وإن صحَّ أنَّ الأئمة نورٌ واحد، إلّا أنَّهم ليسوا في رتبةٍ واحدة، وقد ورد في الزيارة المأثورة: «…وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقَامِكُمْ، وَأَزَالَتْكُمْ عَنْ مَرَاتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيهَا…»[40] ، فلا يستقيم فهمُ المنظومة العقائدية من دون مراعاة هذه المراتب، وإلّا وقع المكلَّف في التيه؛ ومثال ذلك ما ورد في الروايات حين يسأل السائلُ المعصومَ (عليه السلام): أَنَزُورُ الحسين (عليه السلام) أفضل أم نزور الإمامين الكاظم والجواد (عليهما السلام)؟ فيردُّ البيانُ الوحيانيُّ العظيم موضّحاً ومبيّناً تقديمَ الحسين (عليه السلام) وسبقَ رتبته، مع ثبوت الفضل العظيم والخاص لزيارتهما (عليهما السلام) [41] .

والحاصل: أنَّ هذا البحث ذو أبعادٍ متسعة، وسيتواصل التحقيق في هذه السلسلة لبيان كيفية الجمع بين هذه القضايا دَرْءاً للوقوع في التيه؛ إذ إنَّ اتباع الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) محكومٌ بنظامٍ تراتبيٍّ دقيقٍ ومركَّب، فلا نقع في التفريق كما وقعت اليهود والنصارى، بل يتعيَّن الإيمان بالمنظومة المعصومة كاملةً، وتنزيل كلِّ معصومٍ في مرتبته ومقامه المقرَّرَين من قِبَل الله تعالى.

 


[12] قوس النزول: اصطلاحٌ فلسفيّ وعرفانيّ يُراد به مراتب تنزّل الوجود وفيضه من المبدأ الأول (سبحانه وتعالى) عبر العوالم العالية المجرّدة هبوطاً إلى عالم المادّة والشهادة، ويقابله «قوس الصعود» الدالّ على رجوع الموجودات وتكاملها نحو المبدأ الأعلى. — المحقق.
[16] الولاية التكوينية: هي قدرةٌ وسلطنةٌ حقيقيةٌ يمنحها الله تعالى لأوليائه المعصومين على الكون والخلق، تخوّلهم التصرّف في الظواهر الكونية بإذن الله ومشيئته. — المحقق.
[17] الولاية التكوينيّة: هي هيمنة النفوس القدسيّة على عالم الإمكان وسلطنتها على الكائنات بإذن الله تعالى في التصرّف وإفاضة الفيض، قبالاً للولاية التشريعيّة المختصّة بجعل الأحكام وتشريع التكاليف. — المحقق.
[23] وهي القاعدة المبحوثة في باب التعادل والترجيح عند تعارض الأخبار، حيث ورد الترجيح بالأحدث تاريخاً (خُذُوا بِأَحْدَثِهِمَا)، وتفصيلُها في مباحث التعارض من أصول الفقه. — المحقق.
[29] لسان العرب، ابن منظور، ج10، ص508.. التَّهوُّك لغةً: التحيّر والسقوط في هوّة الردى والوقوع في الأمر بغير رَوِيّة
[30] ابن طاووس، علي بن موسى. مصباح الزائر.. تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط1، ص292
[33] لسان العرب، ابن منظور، ج11، ص138.. الحابل: الصائد بالحبالة، والنابل: صاحب السهام؛ ويُضرب مثلاً لاختلاط الأمور واضطراب المراتب
[40] ابن طاووس، علي بن موسى. مصباح الزائر.. ص269
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo