48/03/19
وجوب المسؤولية العسكرية والإعداد من أركان الفروع وثوابت الشرائع/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /وجوب المسؤولية العسكرية والإعداد من أركان الفروع وثوابت الشرائع
جدلية الثابت والمتغير في أدوار الأئمة المعصومين
مرّ بنا في الفقه السياسي لنهضة سيّد الشهداء (عليه السلام) أنّ البناء على مباينة وظيفة كلّ إمامٍ من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لوظيفة الإمام الذي قبله والذي بعده -بحجّة أنّ الله عزّ وجلّ قد أمر كلّ إمامٍ بعهدٍ مختومٍ يفضّه ويعمل بما فيه[1] - وإن كان مفاداً ورد في أدلّةٍ مستفيضة، إلّا أنّ البحث يقع في مفاد هذه القاعدة المعرفية؛ إذ هل يقتضي ذلك نفيَ النقاط المشتركة بين وظائف الأئمة (عليهم السلام)؟ وهل يُعقل عدم وجود قواعد كلّيّة مشتركة تنتظم أدوارهم جميعاً؟ وما المراد بالتباين المطلق هاهنا؟ إنّ غايتنا هي تحرير مفاد هذه القاعدة المعرفية وتفسيرها.
ومثال ذلك: أنّ هذا الادعاء يضاهي دعوى العلمانيين القائلة بأنّ المتغيّر هو الأصل ولا ثبات في البين؛ إذ لو كان كلّ شيءٍ عرضةً للتغيّر فكيف يُتصوَّر ثبات الدين؟! وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به حتى على صعيد الفروع والفقه السياسي؛ إذ هو نظير ما لو قيل: إنّ كلّ حكومةٍ تتعاقب على إدارة البلاد تبتني على دستورٍ خاصٍّ بها، أو إنّ كلّ دورةٍ برلمانيةٍ تنسخ تمام القوانين الصادرة عن الدورات السابقة، أو إنّ كلّ وزارةٍ تنقض التشريعات الوزارية السابقة عليها بالكلّيّة! ومثل هذا غير معقولٍ ولا ينسجم مع منطق علم القانون -سواء أكان إلهيّاً أم وضعيّاً- بل هو غير قابلٍ للتصوّر أصلاً.
والنتيجة: أنّه لا مناص من الالتزام بوجود مساحةٍ للثابت إلى جنب مساحة المتغيّر، وثبات القوانين والأصول التشريعية هو ما يُعبَّر عنه بـ«فقه المقاصد» في الشريعة[2] ، وهو ركنٌ لا يمكن زعزعته؛ وبعبارةٍ أخرى: إنّ الثبات يتفاوت في درجاته، كما أنّ التغيّر يقع في مراتب متعددة.
وهذا بحثٌ بالغ الأهمية؛ فإنّ مذهبنا ليس مذهباً حسينيّاً فحسب، بل هو مذهب مجموع الأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين). وحينئذٍ، فكيف يسوغ لأصحاب هذه المقولة التشبث بضرورة التمسك بإمام الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) وحده بمعزلٍ عن سائر الأئمة؟! فما دام المذهب متقوّماً بمجموع الأئمة (عليهم السلام)، فإنّ الوظيفة المعرفية تقتضي الفحص عن القدر المشترك والثابت بين أدوارهم جميعاً.
تنبيه: لقد نبّهنا مراراً في أبحاثنا السابقة -منذ أكثر من عشرين سنة- على أنّ بعض الفرق التي تنسب نفسها إلى العقيدة المهدوية والفكر المهدوي دون أن تربطه ببقية الأئمة وفكر سائر المعصومين (عليهم السلام)، يؤول مسارها إلى الانحراف لا محالة؛ لأنّ المذهب إنّما يلتئم من مجموع الحجج والمعصومين بلا ريب، ولا يصحّ الاقتصار على مهدوية الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مجرّدةً، ولا سيّما أنّ شعار أنصاره هو: «يَا لَثَارَاتِ الحُسَيْنِ»[3] [4] ، فكيف يُتصوَّر التفكيك بينهما؟! فالذي يذكر الإمام المهدي (عليه السلام) دون أن يلتفت إلى بقية الأئمة والمعصومين لم يفهم حقيقة المهدوية؛ إذ لا يتجلّى المعنى المهدوي إلّا في سياق المنظومة المعصومية بتمام حلقاتها.
ولعلّ أحد الوجوه التفسيرية لقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾[5] ، هو أنّ مرتبة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) — مع كونه المهيمنَ والعظيم — لا تُعرَف كنهَ معرفتها إلا بمعرفة سائر الأنبياء والرّسل، كما تشير إلى ذلك الآيات الكريمة؛ إذ هو: «الْخَاتِمُ لِمَا سَبَقَ، وَالْفَاتِحُ لِمَا اسْتُقْبِلَ، وَالْمُهَيْمِنُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ»[6] . وقد بيّن القرآن الكريم أنّ سيّد الأنبياء شهيدٌ على الخليقة كلّها، حيث قال عزّ من قائل: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾[7] .
والتحقيق هنا: أنّ شهادة الأنبياء على أممهم شهادةٌ ملكوتيةٌ لا حسّية؛ لأنّ الشهادة الحسّية البحتة لا تُجدي في مقام الحساب والموازين يوم القيامة، بل المراد بها الإحاطة الملكوتية بحقائق الأعمال.
والشاهد عليه: قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ﴾[8] ؛ فكلّ أمةٍ تُحاسَب بنبيّها، والنبيّ شهيدٌ على ملكوت أمّته، بينما شهادة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) هي شهادةٌ مهيمنةٌ على سائر المراتب الملكوتية: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾[9] . ولا يُتصوّر تحقّق هذه الشهادة على الأمم السابقة إلا بوجوده النوريّ الشريف لا ببدنه المادّي المتأخّر زماناً.
ومقتضى ذلك: أنّ القرآن الكريم يُثبت للنبيّ (صلى الله عليه وآله) كينونةً نوريّةً سابقةً على ولادة بدنه العنصري، ليتأتّى له أداءُ مقام الشهادة الملكوتية، وهي كينونةٌ مغايرةٌ للنشأة البدنية المحدودة بالزمان والمكان المنفية عنه في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾[10] ، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾[11] .
ويتفرّع على ذلك: أنّ سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) لمّا كان مهيمناً على ملكوت نبوّات الأنبياء بوجوده النوريّ الشاهد، فكيف يشهد على أداء الأنبياء لرسالاتهم إن لم يكن محيطاً بما أوحى الله إليهم؟
والنتيجة: أنّ مقام شهادته (صلى الله عليه وآله) على جميع الأنبياء وأممهم دالٌّ بالبرهان العقليّ المستفاد من ظواهر الكتاب وإرشادات الروايات على كونه «واسطة الفيض»[12] الإلهي بين الحقّ تعالى وبين سائر الرّسل. وعليه، فإنّ سائر الأنبياء بمثابة سورٍ تفصّل القرآن المحمديّ، كما أنّ القرآن مهيمنٌ على التوراة والإنجيل والصحف السابقة؛ وهيمنته تقتضي اشتماله على مضامينها مع الزيادة، فتكون كتب الأنبياء فصولاً شارحةً له، والقرآن حاكمٌ عليها وفوقها، وهذه حقائق تكوينية وتشريعية وليست من قبيل المبالغات الإنشائية.
والحاصل: أنّه وإن كان سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) مغنياً في رتبته عن الجميع، إلا أنّ تأكيد القرآن الكريم على لزوم الإيمان بجميع الرسل ونفي التفريق بينهم راجعٌ إلى أنّ تفاصيل شرائعهم شروحٌ وبياناتٌ لمقام المعلّم الأكبر، فلا يُستوفى فهمُ سيّد الأنبياء إلا بالوقوف على مراتب الأنبياء، كما لا يُعرَف تمام المعرفة إلا من خلال عِدلِه وهم أهل بيته المعصومون (عليهم السلام)، بل التعرّف عليه من جهتهم أتمّ وأعظم. وهنا تتجلّى هندسة المعارف الدينية وأصول التقنين؛ فكما أنّ للدستور ثباتاً ومحورية، فكذلك ثمّة أصولٌ دستوريةٌ وقواعد عليا ثابتة في كلّ علم من علوم الدين، وهذا النظام الهرميّ المتدرّج في طبقات التقنين لا يختصّ بفقه الفروع، بل يسري في سائر العلوم الدينية والمعارف الإلهية.
هندسة المعارف ومنطق فقه المقاصد في العلوم والشرائع
سواءٌ أكان النظرُ في العلوم الرياضيّة، أم الفيزيائيّة، أم الكيميائيّة، أم في علم النفس، أم العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، أم العلوم التجريبيّة، أم العلوم الوحيانيّة؛ فإنّ طبيعة هذه العلوم قاطبةً قائمةٌ على ابتناء قواعد فوقيّة ثابتة تُسمّى بفقه المقاصد؛ إذ يُمثّل ذلك منطقاً عامّاً، وليست أصول القانون مختصّةً بالعلوم القانونيّة الاعتباريّة، بل هي منهجٌ سارٍ في العلوم كافّة، حيث يتوفّر كلُّ علمٍ على أصولٍ وطبقاتٍ من التفريع وصولاً إلى تطبيقاتٍ جزئيّةٍ تفصيليّةٍ نازلةٍ تُعالج المتغيّر والخصوصيّات؛ فكلّما توغّل الباحث في التطبيقات الجزئيّة الخارجيّة غلب طابع التغيّر على التفاصيل.
وهذه المباحث — وإن بدت في بادئ الرأي غامضةً ومُعقّدةً كما قرّرناها في بحوث صناعة الاستنباط الفقهي — تتناول جدليّة المتغيّر والثابت في الشريعة والدين، وهو بحثٌ فلسفيٌّ ودينيٌّ خاض فيه الفكرُ العلمانيُّ وأثير حوله لغطٌ واسع، كمسائل فلسفات الألسنيّة والهرمنيوطيقا[13] ونظريات القراءات الدينيّة المعاصرة، وهو في جوهره بحثٌ بالغ التعقيد والأهميّة.
ومقتضى ذلك: أنّ هذا الميزان جارٍ في المنظومات القانونيّة وسائر العلوم الدينيّة؛ فعلم الكلام — على سبيل المثال — يشتمل على قواعد فوقيّة تتنزّل إلى قواعد متوسّطة، ثمّ إلى قواعد نازلة، ومثله علم الأخلاق وعلم التفسير وعلم الرجال؛ فكلّما ارتقى البحثُ إلى المراتب العليا اشتدّ الثبات، وكلّما هبط إلى التطبيقات اتّسعت دائرة التغيّر؛ لأنّ ضبط المتغيّر وتنظيمه لا يتحقّق إلا بالرجوع إلى الأصول الثابتة. وهذه الجدليّة والتجاذب بين الثابت والمتغيّر قائمةٌ في العلوم جمعاء، سواءٌ أكانت عقليّةً، أم تكوينيّةً، أم تجريبيّةً، أم اعتباريّةً، أم إنسانيّةً، أم اجتماعيّةً، أم طبيعيّة؛ إذ تُوجد قواعد فوقيّة ثابتة تتنزّل، وعند تنزّلها بنسقٍ رياضيٍّ وهندسيٍّ وصناعيٍّ يقع بينها تشابكٌ وتجاذبٌ وتزاحمٌ وترابطٌ وتضامٌّ في شبكةٍ متكاملة، ولا ينحصر ذلك في فقه الفروع والعلوم الدينيّة فحسب.
والحاصل: أنّ الداعي لطرح هذه الأبحاث هو حسمُ الشبهات المثارة حول حركة المعصومين (عليهم السلام)؛ هل هي صراطٌ واحدٌ ومنهجٌ متّصل، أم أنّ هناك انتقالاً من نهجٍ مباينٍ إلى نهجٍ آخر؟ فالمدار يدور حول تشخيص الثابت المشترك بين الأئمّة (عليهم السلام) ومساحات المتغيّر في أدوارهم؛ إذ لا نسخ في أحكامهم ومناهجهم، فيُطرح التساؤل عن مدى الاتّفاق والاختلاف بين نهج الإمام الحسين (عليه السلام) ونهج الإمام الصادق (عليه السلام)، أو بين نهجه (عليه السلام) ونهج الإمام الباقر (عليه السلام)، وما هو المتغيّر وما هو الثابت؟ إذ يمتنع البناء على التباين المطلق وكأنّهم أهل ملّتين لا يتوارثان اصطفائيّاً؛ كما احتجّت الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الفدكيّة: «أَمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ لاَ يَتَوَارَثَانِ؟! أَوَ لَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟!»[14] ؛ فلا يصحّ توهّم أنّ كلّ شيءٍ متغيّرٌ من دون وجود ثوابت مشتركة تعصم من الزوال والإلغاء والنسخ، مع لزوم تعيين مساحة المتغيّر الملازمة لظروف كلّ إمامٍ (عليه السلام).
والقاعدة هنا: أنّ هذا المبحث ليس بالأمر الهيّن، وهو نظيرُ ما نقرّره في قبال دعاوى نسخ الشرائع بين الأنبياء (عليهم السلام)؛ إذ الأصل في المعارف والعقائد انتفاءُ النسخ فيها بين الأنبياء بالمرّة، بل يُصدّق كلُّ نبيٍّ مَن قبله وإن وقع التحريف والانحراف من قِبَل الأتباع؛ فلا نسخ ولا تبديل في أصول العقائد والمعارف وإن تفاوتت مراتبها وطبقاتها، وكذلك الحال في القوانين والتشريعات؛ إذ اتّفقت الشرائع الإلهيّة على أنّ أركان الفروع ثابتةٌ وموحّدةٌ بين جميع الأنبياء.
وجوب الجهاد والمسؤولية العسكرية ركن ثابت في الشرائع
إنَّ أركان الفروع — كأصل وجوب الصلاة — لا يمكن أن يُبعث نبي من الأنبياء بعدم وجوبها، وأمَّا تفاصيل شرائط الصلاة فذلك بحثٌ آخر؛ إذ تلك هي منطقة النسخ، بخلاف أصل وجوب الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فهذه الأركان لا يعتريها النسخ ولا التجميد حتى في عصر الغيبة الكبرى. ومن جملة هذه الأركان وجوب الجهاد؛ إذ إنَّ أصل وجوب الجهاد يُعدُّ من أركان الفروع، ومن هنا يُرَدُّ على النصارى دعواهم المنسوبة إلى نبي الله عيسى (عليه السلام) بأنه لا يرى وجوب الجهاد، فهذه دعوى كاذبة عليه؛ إذ صرَّحت روايات أهل البيت (عليهم السلام) بخلاف ذلك. وإنَّ ما يدَّعونه في تشريعهم من أنَّ النبي عيسى (عليه السلام) لا يؤمن بالقوة العسكرية والمسؤولية العسكرية محضُ افتراء؛ فالجهاد العسكري لا يُعطَّل عند نبيٍّ من الأنبياء، ولا يوجد أنبياء مُجمَّدون عن الجهاد العسكري، بل كل نبيٍّ قد بُعث بأركان الفروع، والتي منها وجوب الجهاد.
ولذلك ورد في الروايات أنَّ نبي الله إبراهيم (عليه السلام) كان مقره الذي ينطلق منه إلى جهاد العمالقة هو مسجد السهلة[15] ، ولفظ «العمالقة» في الاصطلاح القديم يُراد به الدول العظمى، نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾[16] ، وقوله سبحانه: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[17] .
فإن قيل: إنَّ خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) لم يقاتل عسكرياً في العهد المكي طيلة ثلاث عشرة سنة، ولم يُؤمر بالقتال حينئذٍ.
فالجواب: إنَّ القرآن الكريم قد بيَّن شأن العهد المكي في سورة النساء بقوله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾[18] ؛ فالمخاطبون في العهد المكي قيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ منعاً لوقوع فتنةٍ وشغبٍ ناجمين عن فرقعاتٍ وتشنجاتٍ غير محسوبة، فلما كُتِب عليهم القتال في العهد المدني صاروا يفرُّون في معارك النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وهم فئةٌ عُرفت بالفرار لا الكرار.
والحاصل: أنَّ وجوب الجهاد — وهو التعبير الفقهي عن نشاط المسؤولية العسكرية — قد بُعث به جميع الأنبياء؛ لكونه ركناً من أركان الفروع. وتتجلّى أهمية هذه النكتة في أنَّ من يُنكر وجوب الجهاد والمسؤولية العسكرية إنما هو بمنزلة من يُنكر وجوب الصلاة أو الصوم دونما فارق؛ نظراً لكون المسؤولية العسكرية داخلةً في قوام أركان الفروع. وأركان الفروع — كما تقرَّر في كلمات علماء الإمامية وأدلتهم[19] — ليست مجرَّد أحكامٍ فرعيةٍ محضة، بل هي أركانٌ قائمةٌ عليها، وتتصل بأصول الدين اتصالاً وثيقاً؛ ولذا فإنَّ وجوب الجهاد مما يلزم الاعتقاد به معرفياً، وهو الوجوب المعبِّر عن تحمُّل المسؤولية العسكرية والأمنية.
فإن قيل: إنَّ سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في فترة العهد المكّيّ لم يُشرَع في بيئته وجوب الجهاد، فما معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾[20] ؟
والجواب عنه: إنَّ هذا تكتيكٌ وتدبيرٌ في الإدارة والتشريع بحسب تقدير الظرف وحكمته؛ وإذا نظرنا بنظرةٍ استراتيجيّةٍ عسكريّة وأمنيّة في واقع العهد المكّيّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهل يُعقَل ألا تكون لرسول الله تدابير أمنيّة في العهد المكّيّ؟ قطعاً كانت له تدابير، وهل كانت له تدابير عسكريّة؟ قطعاً كانت؛ إذ إنَّ الحرب الساخنة وإن لم تكن واقعةً آنذاك، إلا أنّ الحرب الباردة والناعمة كانت قائمةً على أشدّها، ولا يمكن أن يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاقداً للقوّة العسكريّة في العهد المكّيّ، وإلا لاستُؤصِل المسلمون وأُبيدوا. ولذلك كانت الحرب الباردة العسكريّة حاضرةً، وتُعدّ نصرة أبي طالب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أعظم نصرة، وهي نصرة عسكريّة في إطار الحرب الباردة والناعمة، ولم يكن الأمر مبنيّاً على الإعجاز المحض فحسب، بل جرى وفق مجاري الأسباب والسنن الطبيعيّة.
فقد كانت هناك -بلا شكّ- موازنات قوى عسكريّة وأمنيّة قائمة بين بني هاشم وبين سائر قريش، وتجلّى ذلك التدبير في بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمسلمين في هجرتي الحبشة، إذ لم تكن تلك الهجرة مجرّد نزوحٍ مدنيّ محض، بل كانت نمطاً من الموازنة والضغط والتحالف الأمنيّ والدبلوماسيّ بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وملك الحبشة؛ لإيئاس قريش من إبادة المسلمين، وإشعارهم بأنَّ للمسلمين وجوداً وامتداداً وحلفاء، فكان التدبير الأمنيّ والعسكريّ حاضراً بامتياز. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوعز بالهجرة لغير بني هاشم؛ لأنَّ بني هاشم كانوا محميين بقوّة عسكريّة وبمَنَعة رجالهم الذين هم من أشجع بطون قريش، بل حتّى أبو لهب وردت في حقّه روايات تشير إلى أنّه في مواطن عديدة كانت تحرّكه العصبيّة الهاشميّة دفاعاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد استعان به أبو طالب واستنجد به لحماية رسول الله.[21]
والحاصل: إنَّ الاعتقاد بأنَّ الأمر كان مجرّد تبليغٍ فكريّ دون حمايةٍ أمنيّة هو تصوّرٌ قاصرٌ وخاطئ؛ فقد كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حراسة أمنيّة مشدّدة، يتولاها الحمزة وجعفر الطيّار وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، إذ لا يمكن الاستغناء عن التدبير الأمنيّ والعسكريّ الذي يمثّل وظيفة وزارتي الدفاع والداخليّة. وبناءً على ذلك، لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) -حتّى في العهد المكّيّ- غافلاً عن إدارة الحرب الباردة والناعمة وتثبيت توازن قوى الردع؛ إذ لولا ذلك لما استقرّ حجرٌ على حجر في مواجهة طرفٍ يملك القوّة العسكريّة والأمنيّة والماليّة والإعلاميّة ويشنّ حرباً شاملةً على قدمٍ وساق.
أصالة الإعداد وبناء قوة الردع كواجب أولي دائم
لقد كان الطرف المقابل يمتلك منظومة متكاملة من القوّة العسكرية والأمنية والمالية والإعلامية والفكرية، وكانت الحرب ضارية على أشدّها ضدّ سيّد الرسل (صلّى الله عليه وآله)، حتى ورد في الروايات المعتبرة كـ«كامل الزيارات» وغيره أنّ الله تبارك وتعالى اشترط على نبيّه الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أن تكون مسيرة حياته كلّها محفوفة بالمخاطر الأمنية ومحاولات الاغتيال[22] ؛ إذ كان (صلّى الله عليه وآله) في موضع استهداف مستمرّ منذ أن كان نطفة في أصلاب آبائه المطهّرين، حيث كانت جهات متعدّدة من السحرة والمنجّمين واليهود يتربّصون بظهور مَن يتولّى قيادة الجزيرة العربية. ومن ثَمّ تعرّض والده عبد الله لمحاولات اغتيال متكرّرة، وكذا جدّه عبد المطلب، بل وهاشم وعبد مناف وصولاً إلى آبائه من ولد إسماعيل (عليهم السلام)، فقد كانوا جميعاً عُرضة للملاحقة والاستئصال.
والشاهد على ذلك: ما استفاضت به الروايات من أنّ أحفاد النبي يعقوب (عليه السلام) كانوا يشنّون الحروب تلو الحروب على ولد إسماعيل (عليه السلام) — مع تنزيه النبيّين يعقوب ويوسف (عليهما السلام) عن أفعالهم —، فإنّ من سوّلت له نفسه قتل أخيه يوسف وإلقاءه في الجبّ، أحرى به أن يتربّص بأولاد إسماعيل (عليه السلام)؛ وقد أورد العلامة المجلسي ومصادر أخرى نصوصاً متعدّدة دالّة على وقوع حروب متواصلة ضدّ آباء النبي (صلّى الله عليه وآله) من بني إسماعيل، لعلم أعدائهم بما سيخرج من أنسابهم الزكية من النور الإلهي الموعود[23] .
وتأسيسًا على ذلك: إذا كان من الشروط والعهود الإلهية المقرّرة على سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) لنيل مقام الرسالة واستجابة دعوات الأنبياء أن تكون حياته الشريفة محفوفة بالمخاطر الأمنية واحتمالات الاغتيال المحدقة، فلا يمكن بحال فرض خلوّ العهد المكّي من التدابير والاحتياطات الأمنية والعسكرية لرسول الله (صلّى الله عليه وآله). ومقتضى ذلك أنّ الأصل في وجوب الجهاد لا ينحصر في خوض الحرب الميدانية الساخنة فحسب. ومن المؤسف أنّ كلاً من باب الجهاد وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحاجة إلى إعادة تدوين وتنظيم منهجي — كما ينبّه عليه السيد محسن الحكيم[24] — لدفع ما يقع من خلط والتباس في أبحاثنا الفكرية؛ نظراً لعدم تبويب هذه الأبواب على هيئة مدارج طبقية وقواعد فوقية متسلسلة.
والحاصل: أنّ أوجب الواجبات في باب الجهاد هو التنامي المستمرّ في بناء القوّة العسكرية، بصرف النظر عن الدخول في الاستعمال الفعلي للسلاح أو عدمه.
والخطأ البيّن هنا: هو الزعم بأنّ حيازة السلاح إنّما شُرعت لضرورة ظرفية مؤقّتة، فإذا ارتفعت تلك الظروف تعيّن إلقاء السلاح وتركه؛ بل الواجب الشرعي يحتّم التمسّك بالسلاح والعمل على تطويره وتنميته عبر الأجيال المتعاقبة إلى آخر نسل من أمّتنا، إذ لا يجوز التخلّي عن أدوات القوّة؛ لأنّ بناء القدرة العسكرية ليس تدبيراً طارئاً مشروطاً بالظروف العارضة، بل هو واجب شرعيّ أوّلي في باب الجهاد، قائم ومطلوب بذاته، ولا يرتبط بوجود حرب ساخنة أو مخاطر آنية مباشرة، كما يصرّح به المحكم من التنزيل في قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[25] .
والقاعدة هنا: أنّ استراتيجية الإعداد والتمكين تتطلّب نفساً طويلاً وصبراً مديداً في مراكمة القوّة العسكرية وتطويرها وتحديث منظوماتها باستمرار؛ اقتداءً بما جرى لنبيّ الله يوسف (عليه السلام)، حيث تدرّج مساره من ظلمة الجبّ إلى أوج القدرة والاقتدار، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾[26] ، وذلك بعد عقود متطاولة من الإعداد والتمحيص وبناء أسباب التمكين. فهكذا يكون الإعداد فريضة دينية أصيلة وتكليفاً أولياً ثابتاً لا مساغ للتراجع عنه أو تعطيله في أيّ صقع بدعوى تقيّد السلاح بالظروف الطارئة؛ إذ لا معنى للتعويل على عوارض الزمان في إسقاط تكليف إلهي أوّلي مستمرّ.
إن هذا واجبٌ أولي في الدين، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [27] ؛ والمقصود به البناء العسكري المستمر والتنامي في القوة، ولكن ينبغي أن يكون هذا التنامي العسكري ذكياً؛ فقد تغلب بعض الآليات العسكرية البسيطة الترسانات الاستراتيجية الكبرى التي ينفق عليها البشر مبالغ طائلة ويظنون أنها غير قابلة للهزيمة، كما شاهدنا في السنوات الأخيرة في حرب الخليج؛ فالأساس هو بناء القوة العسكرية بدهاءٍ وذكاء.
والأصل في ذلك: أن أول واجبٍ في باب الجهاد ليس هو خوض الحرب الساخنة، بل استثمار القوة العسكرية كعامل ردعٍ وضغط، والتلويح بها عن قربٍ وعن كثب، لا المبادرة المباشرة لاستخدامها؛ ولذلك نلاحظ في حروب سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسيد الأوصياء وسيد الشهداء (عليهما السلام) أن تحشيد القوى العسكرية لم يكن لغرض الاندفاع المتهور، بل لردع الطرف الآخر وتخويفه وممارسة الضغط عليه؛ فإن استجاب فبِها ونِعمت، وإن لم يستجب فذلك أمرٌ آخر؛ ولهذا يُشترط قبل أي قتالٍ الدعوة إلى الحق؛ فاستخدام القوة العسكرية في واقعة الجمل حينما جيّش أمير المؤمنين (عليه السلام) الجيوش كان ورقة ضغطٍ سياسية وعسكرية، ولم تكن هناك رغبة ابتداءً في إيقاع الحرب الساخنة.
وقد أمر الله تعالى بقتال أهل الجمل، والقتال غير القتل؛ فالقتال يعني ممارسة الضغط بالقوة لردعهم؛ وقد ورد هذا الأمر الإلهي في حديثٍ قدسي نقله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مواطن متعددة في روايات الفريقين، حيث أشار جبرائيل (عليه السلام) إلى تكليف أمير المؤمنين (عليه السلام) بمقاتلة الناكثين والقاسطين والمارقين[28] .
إنَّ باب الجهاد يتطلب إعادة رسمٍ للخارطة وتبويباً جديداً لتوضيح واجباته العليا التي لا تقبل الاستثناء، وفي مقدمتها بناء القوة العسكرية والإعداد لها، وهو تكليفٌ دائم لا يحده زمان ولا يتوقف أبداً؛ وقد اتفق فقهاء الإمامية قاطبة — الثوري منهم وغير الثوري، والسياسي وغير السياسي، ومن يرى إقامة النظام في زمن الغيبة ومن لا يرى — على حرمة بيع السلاح للأعداء[29] ؛ وهذه القاعدة المتفق عليها تُعد من أساسيات باب الجهاد، ومفادها وجوب حفظ القوة العسكرية وتنميتها باستمرار.
ولا يصح القول بأن حيازة السلاح مرتبطة بظروفٍ طارئة فحسب، بل الواجب يقتضي أن تكون الأمة قويةً في كل الأحوال؛ لأن طبيعة الحياة الدنيا قائمة على الصراع وتجاذب الشهوات والقوى الغضبية بين الدول والشعوب، وليست الدنيا كالجنة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾[30] ، بل الحرب الباردة والحرب الناعمة قائمتان دائماً؛ ولذلك فإن الإعداد واجبٌ قرآني وركنٌ من أركان الفروع التي لا يسوغ التنازل عنها بحال.
فإن قيل: هل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العهد المكي بمعزلٍ عن الإعداد العسكري؟
قلنا: قطعاً كان يُعِدّ؛ ومن شواهد ذلك انفتاحه على الأنصار وعقد التحالفات معهم، حيث كانت بيعة الأنصار في العهد المكي بمثابة تحالفٍ عسكري وسياسي متقدم.
المسؤولية العسكرية وفريضة الإعداد لعصر الظهور
إذن، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُبَيِّتُ إعداداً عسكرياً حتى في العهد المكي، غيرَ أنَّ المسؤولية العسكرية لا يلزم أن تُمارَس بأسلوب المواجهة الساخنة دائماً؛ فالرواية الآمرة بالإعداد لظهور صاحب الأمر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ولو بسهمٍ واحد تدل دلالةً واضحة على أنَّ التمهيد للظهور يقع على عاتق الأمة، ومقتضاه وجوب تحصيل القوة العسكرية وإعدادها ولو في أدنى مراتبها المتاحة.
ومثال ذلك: ما سطّره الفقهاء في بيان وظائف المؤمنين في عصر الغيبة من استحباب اتخاذ سلاحٍ يتناسب مع مقتضيات العصر، حيث صرّح أغلبُ مَن صنّف في هذا الباب — كصاحب كتاب “مكيال المكارم” [31] وغيره — باستحباب إعداد السلاح للظهور، وهذا يبتني على القاعدة الفقهية المتفق عليها بين فقهاء الإمامية القاضية بحرمة بيع السلاح للأعداء[32] .
وقد روى النعماني في كتاب “الغيبة” بإسناده عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «لَيُعِدَّنَّ أَحَدُكُمْ لِخُرُوجِ الْقَائِمِ وَلَوْ سَهْماً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ رَجَوْتُ لِأَنْ يُنْسِئَ فِي عُمُرِهِ حَتَّى يُدْرِكَهُ فَيَكُونَ مِنْ أَعْوَانِهِ وَأَنْصَارِهِ»[33] . ومعنى الإنساء في العمر: مدّه وتأخير الأجل ليتسنّى للمكلف النهوض بمسؤوليات أعظم؛ وهي مسؤولية عسكرية حقيقية وليست مجرد إجراء صوري، فالأئمة (عليهم السلام) يرسمون بذلك استراتيجيات عملية واضحة المعالم.
والسند: معتبرٌ، وفيه إسماعيل بن مهران وهو ثقة معتمد[34] .
والنتيجة: أنَّ الرواية واضحة الدلالة على لزوم الإعداد والتمهيد، ويُعَضِّدُ هذا المعنى ما استفاض في نصوص الزيارات الشريفة من قول الزائر: «… وَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ…»[35] ؛ فالمسؤولية الإعدادية فريضةٌ قائمة وثابتة في الشريعة المقدسة لا يسوغ التنكر لها بحال.