48/03/18
منظومة طبقات التشريع والوحي وأثرها في الفقه السياسي/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /منظومة طبقات التشريع والوحي وأثرها في الفقه السياسي
نظام طبقات التشريع والولاية التقنينية الطولية
كنا في هذا المطلب بصدد التنظير في الفقه السياسي لنهضة سيد الشهداء (عليه السلام)، وفي هذا المضمار نرى أنّ لسنن أهل البيت (عليهم السلام) وتشريعاتهم نظام طبقات؛ فهناك تشريعات ثابتة في القرآن الكريم، ثمّ تتلوها تشريعات نبوية شارحة ومتنزّلة لتشريعات فرائض الله وللتشريعات القرآنية، ثمّ تأتي نوبة تشريعات أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ إذ تقرّر أنّه عندما يُقال إنّ للنبي (صلى الله عليه وآله) تشريعات، فإنّ ذلك لا يعني البتّة عدم تبعيته لجميع تشريعات الله تعالى.
وقد أجمع المسلمون على أنّ الركعتين الأخيرتين من الفرائض اليومية الرباعية — وهما الركعتان الثالثة والرابعة — هما من تشريعات سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسننه، وليستا من فرائض الله تعالى ابتداءً[1] ؛ ومع ذلك فإنّ التقرب بهذا الامتثال وهذه الطواعية والخضوع إنّما هو لله أصالةً وأساساً ونهايةً وغاية، ولرسول الله (صلى الله عليه وآله) تبعاً، وهو خضوع ليس بربوبي ولا إلهي، وإنّما هو خضوع للرسول كخضوع الملائكة لآدم (عليه السلام)، خضوعاً مآله ومنتهاه إلى الله سبحانه.
وهكذا الحال في سائر أجزاء الصلاة وجميع العبادات؛ إذ توجد أوامر إلهية في القرآن الكريم، وتوجد أوامر نبوية سنّها النبي (صلى الله عليه وآله)، فنحن في طواعية وخضوع لله تعالى، وفي طواعية وخضوع وانقياد لرسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ نؤدي هذه العبادات تقرباً إلى الله وتقرباً إلى رسوله، فالطاعة والعبادة لله أصالةً ونهايةً وغاية الغايات، والطريق المؤدي إليه إنّما هو بالخضوع والطواعية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بإجماع المسلمين وضرورة الدين. بل إنّ في الصلاة أيضاً قسماً من التشريعات هو من أوامر الأئمة (عليهم السلام)، والانقياد للأئمة ليس في الصلاة فحسب، بل هو جارٍ في سائر العبادات.
فإن قيل: هل صلاحية التشريع للنبي (صلى الله عليه وآله) واقعة في عَرْض تشريعات الله تعالى؟
والجواب: كلا؛ فإنّ الحكم لله وحده وهو غير قابل للتخصيص، والقرآن نفسه يصرّح بذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[2] ، وفي قوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[3] ؛ فحكم الرسول (صلى الله عليه وآله) في طول حكم الله وتبعٌ له.
ومثال ذلك: أنّ تشريعات البرلمان ضرورية لتفعيل الدستور، وبدونها تصبح القوانين الدستورية جامدة؛ فصلاحية النبي (صلى الله عليه وآله) في التشريع ليست في عَرْض صلاحية الله تعالى، وليست هناك أي ندّية، بل إنّ تشريعات النبي (صلى الله عليه وآله) إحياءٌ لتشريعات الله وإقامةٌ لها. وطبيعة طبقات علم القانون تقتضي دائماً أنّ الطبقة النازلة تفعّل حيوية وتطبيق وتنفيذ الطبقة العالية، فتشريعات النبي (صلى الله عليه وآله) ضرورة لإقامة أحكام الله وتفعيلها، ولولاها لبقيت خطوطاً عامة مجمدة.
وهكذا الحال بعينه في تشريعات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالقياس إلى تشريعات الله وتشريعات رسوله؛ فليست هي في عَرْض تشريعات الله ولا في عَرْض تشريعات سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)؛ إذ ليس لهم نبوة في عَرْض نبوته، وإنّما أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تابعون لنبوة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) ولا نبي بعده[4] ، وتأسيساً على ذلك فإنّ تشريعات أهل البيت (عليهم السلام) — من باب التمثيل والتقريب — شبيهة بالتشريعات الوزارية التي تُفعّل حيوية القوانين والتشريعات البرلمانية.
ولولا التشريعات الوزارية لأصبحت القوانين والتشريعات البرلمانية حبراً على ورق؛ فالتشريعات الوزارية واقعةٌ في طول التشريعات البرلمانية لا في عَرْضها، كما أنها ليست في عَرْض التشريعات الدستورية، وهكذا الشأن في اللوائح البلدية؛ فإنها إقامةٌ وتفعيلٌ وحيويةٌ للأحكام الدستورية والبرلمانية، غايتها تنفيذ تشريعات الله تعالى وتشريعات رسوله (صلى الله عليه وآله).
ولأجل ذلك نجد الإمام الرضا (عليه السلام) يقرّر هذا المعنى في جوابه للمأمون بقوله: «نحن في كل ذلك مطيعون تابعون لله وللرسول»[5] ؛ فإنّ أول المخاطَبين بوجوب الامتثال في قوله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾[6] هو سيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، ويليه في الخطاب أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسن والحسين والأئمة المعصومون (عليهم السلام)، ثم سائر الأمة بعدهم؛ فإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مأموراً بطاعة الله تعالى ومخاطَباً بها، فإنّ تشريعاته وسننه لا تُمثّل نكوصاً عن أحكام الله، بل هي تفعيلٌ وإحياءٌ لها.
ومثال ذلك في التشريع التدريجي: أنّ الله تعالى حرّم الخمر بعينها في القرآن الكريم، فحرّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك كلّ مسكر[7] ؛ ولم يكن تحريمُه هذا في عَرْض تحريم الله سبحانه بل في طوله، وهو ضربٌ من التحصين التقنيني وحفظ الغرض من حرمة الخمر، ثم جاء أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) فحرّموا «الفقّاع»[8] ، وهو ماء الشعير المغلي سواء حصل غليانه بفعل النار أم بحرارة الشمس فتخمّر؛ إذ هو خمرٌ استصغرها الناس[9] يُنقَع فيه الشعير حتى تطفو فوقه فقاعاتٌ شبيهةٌ بالزبد، وتلك علامة الحرمة القطعية التي تغني عن الاختبار؛ فتحريم الأئمة (عليهم السلام) للفقاع هو في حقيقته تفعيلٌ وبسطٌ لقاعدة تحريم كلّ مسكر التي سنّها النبي (صلى الله عليه وآله)، بينما النبيذ وسطٌ بين الفقاع والخمر، ونسبة الكحول فيه تتراوح بين 15% و35%، في حين تبلغ في الخمر من 35% إلى 50%.
والحاصل من هذا المطلب: هو البرهنة على أنّ صلاحية التشريع والولاية التقنينية للرسول وللأئمة (عليهم السلام) ضرورةٌ تشريعية لتفعيل الأحكام الإلهية، وليست مجرّد أمرٍ جائز أو ممكنٍ عقلاً؛ مع التأكيد على أنها ليست صلاحيةً واقعةً في عَرْض تشريعات الله تعالى، كما أنّ سنن الأئمة ليست في عَرْض سنن النبي (صلى الله عليه وآله)، بل إنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم ليست صلاحياتهم التقنينية في عَرْض بعضهم البعض، بل تترتب في طول بعضها بحسب مراتبهم ومقاماتهم.
وتأسيساً على هذا البناء المنظومي في التقنين، نجد القرآن الكريم يقرّر من جهةٍ وحدةَ الخط والرسالة والحجية في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾[10] ؛ لدلالتها على أنهم يسيرون على صراطٍ واحد ونهجٍ حق متصل، بينما ينصّ من جهةٍ أخرى على وجود المراتبية والهيمنة التكوينية والتشريعية في قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾[11] ؛ وهو تأكيدٌ على تفاوت الدرجات والمقامات التي لا تتساوى فيها المسؤوليات والولايات.
وهناك ضابطةٌ وحيانيةٌ أخرى بيّنتها سورة المائدة في شأن الكتب السماوية، وذلك في قوله جلّ وعلا: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾[12] ؛ فالكتب الإلهية من صحف آدم وإبراهيم ونوح، إلى توراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى (عليهم السلام)، يصدّق بعضها بعضاً نظرياً وعملياً وتتطابق في أصول الحق ومبادئ الهداية.
مُصدِّقاً ومُطابِقاً؛ فالصِّدقُ له معنىً نظريٌّ وله معنىً عمليٌّ، والمُراد هاهنا نظريٌّ أيضاً، وهو مُطابِقٌ تماماً كما في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [13] ، فالكتبُ السماويةُ متطابقةٌ ويُصدِّقُ بعضُها بعضاً، ولكنْ جاء في سورة المائدة قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾[14] ، والنتيجة: أنّ بين الكتب السماوية تفاضلاً ومَرَاتِبَ وهيمنة.
وقد كتب الإمامُ الرضا (عليه السلام) للمأمون العباسيّ محضراً[15] ؛ وعلمُ الحديث إذا تبحّر فيه الإنسانُ التفتَ إلى أسرارٍ عظيمةٍ في التشريع لا يجدها في كتب الاستدلال المقتضَبَة أو المختزَلَة. ففي هذا الحديث المرويّ في كتاب «عيون أخبار الرضا» — وهي رسالة الإمام الرضا (عليه السلام) إلى المأمون العباسيّ — نجدُ تطابقاً بين هذه الرسالة وبين رواية الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) التي ساقها لسليمان بن مهران الأعمش[16] [17] ، وهو من كبار التابعين ورواة العامّة واستبصر على يد الإمام الصادق (عليه السلام)، وروايته هذه من الروايات المهمّة التي أخذت بها الطائفةُ كافّة وتُسمّى بـ«شرائع الدِّين»، حيث يبدؤها الإمامُ الصادق (عليه السلام) ببيان شرائع الدِّين، ورسالةُ الإمام الرضا (عليه السلام) متطابقةٌ جداً مع رواية جدّه، إلا أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) قدّم في صدرها العقائدَ الحقّة، وأنّ مَحْضَ الإسلام هو الإقرار بالشهادات الثلاث. وللشيخ الصدوق طريقان إلى الفضل بن شاذان غير طريقه إلى رواية الأعمش عن الصادق (عليه السلام)، فالحديث يعضد بعضه بعضاً ويُحكِمُ بنيانَه.
والقاعدة هنا: أنّ التبحّر في الحديث يوقف الباحثَ على دقائق أسرار التشريع عند أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، شريطةَ الإلمام بعلم الأصول والفقه والكلام والتفسير وسائر العلوم الخادمة، وهو ذو أثرٍ بالغٍ في فقه بياناتهم (عليهم السلام)؛ فحين يُبحر المتتبّع في الروايات عند استنباط المسألة يظفر بجواهر علميّة جليلة.
ومثال ذلك: دعاء الافتتاح المذكور في كتب الأدعية كـ«مهج الدعوات» و«إقبال الأعمال» للسيد ابن طاووس[18] [19] ، فإنّ أصلَه وشطرَه الأول هو دعاء الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، وتتمّتَه صادرةٌ عن صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
والحاصل: أنّ هذا التتبّع في غاية الأهميّة، إذ يُعطي تصوّراً جليّاً بأنّ نظام الأحاديث يمثّل منظومةً شبكيّةً يشهد بعضُها لبعض، تماماً كشبكة معلوماتٍ ومعادلاتٍ متكاملة، فالنظر إلى الرواية بنظرةٍ أحاديّةٍ مبتورةٍ عن بقية التراث يُعدّ منهجاً بتريّاً غيرَ سديد؛ لأنّ التراث بطبيعته متشابكٌ ترابطاً وثيقاً كآيات القرآن الكريم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾[20] ، فالقرآن كلّه نسيجٌ وشبكةٌ واحدة، وكذلك الأحاديث الشريفة، وهذا منهجٌ رصين في الغور في علم الحديث والفقاهة، لا سيّما مع توفّر المعاجم والموسوعات الرقميّة الحديثة.
ومن شواهد ذلك: الزيارة الجامعة الكبيرة للإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) [21] [22] ، فإنها تجميعٌ وحيانيٌّ جامعٌ لمضامين زيارات الأئمّة السابقين (عليهم السلام) بنظمٍ وترتيبٍ إلهيٍّ يعجز عن صوغه الفقهاء والعلماء والحكماء؛ فحتى لو تصدّى الإنسان لجمع كلمات الأئمّة (عليهم السلام) فإنه يقصر عن نظمها كنظم الإمام اللاحق، فالتجميع والتنضيد والترتيب والتنسيق واقعٌ بهندسةٍ وحيانيّة، فضلاً عن كون المضامين في أنفسها وحياً مكنوناً، فتكون صبغةً وحيانيّةً فائقةً على ما هو وحي، وهذا كثيرُ الورود والتطبيق في الروايات والمعارف والزيارات وفروع الفقه.
طبقات الأنبياء والأئمة ومفهوم البعدية الرتبية
بيَّن الإمامُ الرضا (عليه السلام) طبقاتِ الكتبِ السماويةِ، وطبقاتِ الرُّسلِ والأنبياءِ، وطبقاتِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)؛ فالحديثُ أصلُه في هذا البابِ، إذ لمّا ذكرَ مَحضَ الإسلامِ وعقائدَه فيما كتبَه للمأمونِ العباسيِّ[23] — ويُلحَظُ هنا تعبيرُ «كَتَبَ الإمام»، أي صدورُ الكتابةِ عن الأئمّةِ بأنفسِهم ورسمِ الكلماتِ التي خطّوها؛ فكلّما وردتْ عبارةُ (كَتَبَ) في عِلمِ الحديثِ، كان ذلك شبيهاً بما وردَ في «روضة الكافي» من أنّ جعفرَ بنَ محمدٍ (عليه السلام) كتبَ إلى شيعتِه في الكوفةِ رسالةً[24] بنصٍّ عربيٍّ غيرِ مشكولٍ وبلا حركاتٍ بإملاءٍ حديثٍ، كتبَها الإمامُ الباقرُ (عليه السلام) بلا ريبٍ وطابقَها الصادقُ (عليه السلام) مع نسخةِ يحيى بنِ زيدٍ، ممّا يدلُّ على أنّها بإملاءِ السجّادِ وكتابةِ الباقرِ ثمّ زيدٍ بعد ذلك — وهذه نكاتٌ جليلةٌ في عِلمِ الحديثِ؛ إذ إنَّ جملةً من مصادرِ التراثِ هي من خطِّ المعصومِ وكتابتِه بيدهِ، فيكونُ الضبطُ فيها أعلى وأتقنَ؛ لما لها من قيمةٍ وحيانيةٍ أعظمَ من كتابةِ الراوي الذي سمعَ ثمّ دوَّنَ. وبناءً على ذلك، تنفسحُ مساحةٌ واسعةٌ للكتبِ التي كتبَها الأئمّةُ (عليهم السلام)؛ فالإملاءُ شيءٌ، وكتابةُ المعصومِ بيدِه شيءٌ آخرُ. وفي هذا الكتابِ الذي كتبَه الإمامُ الرضا (عليه السلام) للمأمونِ العباسيِّ، يُبيّنُ وجوبَ الإيمانِ بسائرِ الكتبِ السماويةِ، مع هيمنةِ القرآنِ الكريمِ عليها، وهذا من صميمِ عقيدةِ مَحضِ الإسلامِ.
والسرُّ في ذلك: أنّ الوحيَ ذو طبقاتٍ ومراتبَ؛ فالأنبياءُ طبقاتٌ، والأئمّةُ طبقاتٌ. وقد أوضحَ أهلُ البيتِ (عليهم السلام) مواضعَ دلالةِ القرآنِ على طبقاتِ الأئمّةِ؛ كقولِه تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[25] ، فقد وردَ في قراءتِهم وتفسيرِهم (عليهم السلام): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أَئِمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[26] [27] ، وكذلك في قولِه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [28] ؛ فخيرُ الأئمّةِ على الإطلاقِ هم مَن نعتَهم اللهُ في محكمِ كتابِه بقولِه سبحانَه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾[29] غيرَ أنّ خيرَ الأئمّةِ كافّةً هم الكائنون في أمّةِ سيّدِ الأنبياءِ (صلى الله عليه وآله)، وهم أوصياؤُه وخاصّتُه وقرابتُه، وتلك معادلاتٌ معرفيةٌ ما كنّا لنلتفتَ إليها لولا تنبيهُ الأئمّةِ (عليهم السلام) وإرشادُهم.
وقد تكرّرَ هذا المعنى في القرآنِ المجيدِ؛ فوردَ في موضعٍ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[30] ، وفي موضعٍ آخرَ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾[31] ، مع تسميةِ مَن خُوطبوا بذلك كإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ (عليهم السلام)، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [32] ، وقولُه عزّ من قائلٍ: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾[33] ؛ بيدَ أنّ خيرَ الخلفاءِ وخيرَ الأئمّةِ هُم أئمّةُ أهلِ البيتِ في عهدِ سيّدِ الأنبياءِ وأمّتِه.
والحاصلُ: أنّ مقامَ الإمامةِ في منطقِ القرآنِ خاضعٌ للتفاضلِ والرُّتبيّةِ، كما أنّ النبوّةَ فيها تفاضلٌ، والرُّسلَ فيهم تفاضلٌ، والكتبَ الوحيانيةَ يعلو بعضُها فوقَ بعضٍ في الفضلِ والهيمنةِ.
والغايةُ من هذا التفاضلِ: حفظُ المراتبِ الوجوديةِ والتشريعيةِ، لئلّا يُحكَمَ على المُهيمِنِ بالمُهيمَنِ عليه، ولا يُجعَلَ في عِرْضِهِ؛ وهذا الأصلُ ظاهرٌ ومطّردٌ في القرآنِ الكريمِ نفسِه، كما في قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾[34] ؛ إذ معنى كونِ الآياتِ المُحكماتِ «أُمَّ الكِتَابِ» أنّها المركزُ والقطبُ والمَرجِعُ؛ فحتى الآياتُ القرآنيةُ تنتظمُ في طبقاتٍ ورُتَبٍ، وليستْ على وزانٍ واحدٍ، لكونِ «الأُمِّ» حاكمةً ومُهيمِنةً على ما سواها، فيُردُّ المتشابهُ إلى مداريةِ المُحكَمِ ورعايتِه، وتلك قاعدةٌ علميةٌ وصناعةٌ منهجيةٌ مطّردةٌ في سائرِ المعارفِ.
ويتجلّى هذا المبدأُ كذلك في بياناتِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) المبيِّنةِ لمراتبِ الوحيِ النبويِّ؛ إذ لم يكنِ الوحيُ النازلُ على سيّدِ الأنبياءِ (صلى الله عليه وآله) على درجةٍ واحدةٍ؛ حيثُ رُويَ عن الإمامِ جعفرِ بنِ محمدٍ الصادقِ (عليه السلام) أنّ الوحيَ الذي كان يتنزّلُ على النبيِّ (صلى الله عليه وآله) في أوجِ المعراجِ لا يُقاسُ به الوحيُ الذي كان يتلقّاهُ في الأرضِ، وأنّ إمامةَ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ (عليه السلام) قد أوحاها اللهُ تعالى في كلِّ مرّةٍ عُرِجَ فيها بالنبيِّ (صلى الله عليه وآله) [35] [36] ، فكان أوّلُ ما يُوحى إليه: «إِنِّي جَعَلْتُ عَلِيّاً خَلِيفَتَكَ مِنْ بَعْدِكَ».
والتنبيهُ هنا: أنّ هذه «البَعْدِيّةَ» ليستْ بعديّةً زمانيةً، بل هي بعديّةٌ رُتبيةٌ؛ وبينهما بَوْنٌ شاسعٌ، ومقتضى ذلك أنّ هذا المقامَ والولايةَ الإلهيةَ كانا مُفعَّلَينِ لأميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) حقيقةً وفاعليةً حتى في زمانِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله).
فعلية ولاية الأئمة في طول النبوة ومنازل الوحي المباشر
في أوائل البعثة النبوية الشريفة خاطب سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) أربعين وجيهاً من وجهاء بني هاشم في يوم الدار[37] داعياً إياهم إلى السمع والطاعة لعلي (عليه السلام)، مما يبرهن على أن الولاية كانت مفعلة له منذ ذلك الحين. وقد يتوهم بعضهم أن الإمام مع وجود الإمام السابق أو مع حضور النبي (صلى الله عليه وآله) -كما في قوله (صلى الله عليه وآله): «الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا»[38] - يكون إماماً صامتاً بمعنى انتفاء ولايته الفعلية قبل حلول زمان إمامته بالخلافة الظاهرة، وهو زعمٌ باطل؛ إذ قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾[39] ، فطاعتهم جميعاً مفعلة في طول بعضهم البعض. ونظير ذلك: الصلاحيات الدستورية المعاصرة لكل من رئيس الدولة ورئيس الوزراء والوزراء المفعلة معاً في آنٍ واحد، غير أن هذه البعدية هي بعدية طولية رتبية لا زمانية؛ فكل إمام حجة بالغة وتجب طاعته وإن كان صامتاً غير ناطق في زمن من تقدّمه رتبة.
والحاصل: أن بحث الطبقات ذو أثر عظيم وبالغ في نظام الدين بأكمله، سواء في المعارف العقائدية أو الفقهية أو سائر العلوم؛ فالصلاحيات الولائية طولية وكلها مفعلة في الواقع الخارجي لكنها تابعة للأعلى رتبة، حتى إن الإمام الثاني عشر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) صاحب العصر والزمان لا يخرج عن دائرة التبعية لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، ولا عن التبعية لأمير المؤمنين وسيدة النساء والحسنين (عليهم السلام)، بل هو واقع في رتبتهم الطولية، كما ورد في مضامين الزيارات الشريفة: «أَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ تُقْدِمْ وَلَمْ تُحْجِمْ إِلَّا بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ»، وهذا الاتصال الوحياني والمدد الغيبي قائم بينهم جميعاً بطاقة تحميل عظيمة تصويرية وسماعية.
وهذا التفاوت الطولي يجري بعينه في منازل الوحي النبوي وطبقاته؛ إذ بيّن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أن الوحي الذي كان يُوحى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أوج المعراج لا يُقاس بالوحي المتنزل إليه على الأرض؛ وذلك لأن المعرفة الوحيانية كلما عظمت ودقت كانت وساطة جبرائيل وإسرافيل واللوح والقلم في رتبة هامشية وتنزيلية، وكان الوحي مباشراً من لدن الحق تبارك وتعالى.
ومن شواهده: ما روي حين سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الغشية التي كانت تصيب النبي (صلى الله عليه وآله) عند نزول الوحي، فقال: «ذَاكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ أَحَدٌ، ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى اللهُ لَهُ»[40] ، فكانت تتنزل عليه في الأرض أصنافٌ من الوحي المباشر العالي الذي تنوء عن تحمله الملائكة المقربون كجبرائيل وميكائيل (عليهما السلام).
ويبيّن الإمام الباقر (عليه السلام) أن مقتضى قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾[41] لم يكن حاصلاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أوج المعراج فحسب، بل تحقق له ذلك أيضاً حينما نهض بأشق وأجهد عبادة في مسيرته ومعه أمير المؤمنين علي (عليه السلام)؛ فبلغ تلك الحالة الشريفة من القرب والدنو الإلهي، مما يكشف عن جلال تلك العبادة، وما تثمره الرياضات الروحية والقلبية الخالصة لله تعالى من فيوضات ربانية ومقامات قدسية.
تفاوت مراتب الوحي واليقين وهيمنة السنة الحسينية
إنّ هذه المقامات من الأسرار الكامنة في رياضات الرّوح والقلب، وهي إنّما تحصل للإنسان إذا أجهد نفسه — الّتي هي بمنزلة الدّابّة المركوبة للإنسان — وأضناها بالعبادة والطّاعة، فحينئذٍ تنفتح عليه أبواب الفيوضات الإلهيّة.
والشّاهد على ذلك: ما روي عن الإمام الباقر (عليه السّلام) في بيان قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ [42] ، حيث بيّن أنّ هذا الدّنوّ إنّما هو دنوٌّ من العليّ الأعلى[43] [44] ، وأنّ هذه الحالة القدسيّة الشّريفة حصلت لسيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) حين أتى بأجهد عبادةٍ في حياته المباركة، وكان معه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام).
وبيان ذلك: أنّ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) طاف مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) ثلاثمائةٍ وستّين أسبوعاً — والأسبوع سبعة أشواط — ومقتضى النّصوص الواردة استحباب أن يوفّق العبد لأن يطوف بالبيت ثلاثمائةٍ وستّين أسبوعاً على عدد أيّام السّنة، فإن عجز فثلاثمائةٍ وستّين شوطاً[45] [46] ، وقد أتى سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) بهذا المقدار كلّه، وظاهر القرائن التّاريخيّة أنّ ذلك كان إبّان فتح مكّة وغزوة حنين وما تخلّلهما من مدّة إقامته الشّريفة بمكّة، فلمّا بلغا هذا المقام من القرب أُوحيَ إلى النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) بين الصّفا والمروة بعد إتمامه ثلاثمائةٍ وستّين أسبوعاً بصحبة أمير المؤمنين (عليه السّلام) في معيّةٍ لا تنفصم، فتنزّل عليه قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾[47] .
والحاصل: أنّ الوحي النّازل على سيّد الرّسل (صلّى الله عليه وآله) ليس على طبقةٍ واحدةٍ ولا في رتبةٍ متساوية، وبيانات أهل البيت (عليهم السّلام) تفجّر ينابيع معارف كبرى؛ إذ تُقرّر أنّ الوحي في طبقاته العليا لسيّد الأنبياء مهيمنٌ وحاكمٌ وميزانٌ على سائر مراتب الوحي النّازلة عنه. وهذا المعنى المشهود في المكاشفات والفيوضات الغيبيّة يتطابق تماماً مع الموازين العقليّة المنطقيّة؛ ولهذا فصّل القرآن الكريم بين مراتب اليقين: من «عِلْمِ الْيَقِينِ» ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾[48] ، و«عَيْنِ الْيَقِينِ» ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾[49] ، و«حَقِّ الْيَقِينِ» ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾[50] ؛ وحيث إنّها طبقاتٌ طوليّة فلا يُقدَّم علم اليقين على عين اليقين، ولا عين اليقين على حقّ اليقين، بل الرّتبة العالية هي الحاكمة والمهيمنة على ما دونها دائماً.
ونظير ذلك: ما أسّسه المناطقة في تقسيم مراتب الإدراك والتّصديق، كما قرّره الشّيخ محمّد رضا المظفّر (رحمه الله) في الجزء الثّالث من كتاب «المنطق» في بحث الصّناعات الخمس[51] — وإن كنّا نخالفه في بعض مبانيه هناك، كما فصّلناه في كتابنا «العقل العملي»، لتبعيّته في مبحث المشهورات للمحقّق الإصفهاني (الكمباني) والشّيخ الرّئيس ابن سينا، في حين نلتزم بما عليه محقّقو متكلّمي الإماميّة والعدليّة من أنّ الحسن والقبح عقليّان تكوينيّان ذاتيّان لا مجرّد قضايا مشهورة تطابقت عليها الآراء[52] [53] — إلا أنّ مباحث الجزء الثّالث من المنطق تمثّل ما يُصطلح عليه اليوم بـ«نظريّة المعرفة»، وباب الصّناعات الخمس إنّما وُضع بالأساس لفرز مراتب التّصديقات ومعالجة المزالق وأخطاء المعرفة.
محلّ الشاهد: يذكر الشيخ المظفّر (رحمه الله) في صناعة البرهان أنّ اليقين ذو طبقات ومراتب[54] ، ومدارُ كلامنا هاهنا منعقدٌ على تحقيق هذه الطبقات؛ وهي: طبقات الرسل، وطبقات الأنبياء، وطبقات الأئمة (عليهم السلام)، وطبقات الكتب السماوية، بل طبقات الآيات في الكتاب الواحد، وصولاً إلى طبقات الوحي النازل على سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في مراتب الكشف النبويّ.
والقاعدة هنا: أنّ الوحي متفاضلٌ في طبقاته؛ فلا يُقدَّم «عِلْمُ اليقين» على «عَيْنِ اليقين»، ولا يُقدَّم «عَيْنُ اليقين» على «حَقِّ اليقين»[55] ، بل «حَقُّ اليقين» مهيمنٌ على «عَيْنِ اليقين»، و«عَيْنُ اليقين» مهيمنٌ على «عِلْمِ اليقين».
ولذلك قرّر أهل التحقيق أنّ اليقين الحسيَّ هو أنزل درجات اليقين؛ إذ العقل يدرك ويرى ما لا يناله الحِسّ؛ لتفاضل هذه المراتب. وتأسيساً على ذلك، نجد أنّ داود القيصريّ في شرحه على كتاب «فصوص الحِكَم» لابن عربيّ يعترف صريحاً بأنّ مكاشفات ابن عربيّ وسائر الكشوفات العرفانيّة لا يُعوَّل عليها في مقام الحجيّة[56] ، وإنّما المعوَّل والمدار التامّ على الكشف الوحيانيّ المحمّديّ، وعلى الثقلين: الكتاب العزيز والعترة الطاهرة[57] ؛ إذ سواءٌ ذُكر الميرزا عليّ القاضي (رحمه الله)[58] أو غيره من أهل المكاشفة والمعنى، فإنّ مدركاتهم لا تُقاس بتراث الحديث المعصوميّ ولا بالمصحف الشريف؛ نظراً لكونها التقاطاتٍ بشريّةً وإدراكاتٍ محدودةً لا تُقاس بمراتب الوحي الإلهيّ، والوحي في نفسه ذو طبقات.
والشاهد القرآنيّ: ما دلّت عليه الآيات الكريمة صريحاً في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾[59] ، وقوله جلّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾[60] .
والحاصل: أنّ سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) — كما يُصرّح كبار المحققين — له مقاماتٌ وحالاتٌ متفاوتة، والوحي النازل عليه متفاضلٌ في درجاته، وهو (صلى الله عليه وآله) في ذاته طبقات؛ ومن ثَمَّ فإنّ هذا التنظير في طبقات الوحي والتشريع يُعدّ مفتاحاً حاسماً لحلّ مسألة هيمنة سُنّة الإمام الحسين (عليه السلام) ونهضته على سائر سُنن الأئمّة التسعة المعصومين من ولده (عليهم السلام).