« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/03/08

بسم الله الرحمن الرحيم

ضرورة بناء القوة وتوازن الردع في الفقه السياسي والعقائدي لأهل البيت (عليهم السلام)/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة

 

موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /ضرورة بناء القوة وتوازن الردع في الفقه السياسي والعقائدي لأهل البيت (عليهم السلام)

 

لابدية قيام النظام وضرورة بناء القوة العسكرية

كان البحث في قراءة سيرة سيّد الشهداء (عليه السلام) من بُعْدٍ فقهيٍّ عقائديّ، وبيانِ ما إذا كان النشاط المسلّح أو الإعداد العسكريّ استثناءً في سيرة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أم أنّه يمثّل أصلاً وقاعدة.

ومحلّ الإشكال: ما قد يتوهّمه البعض من أنّ الوظيفة المقرّرة في عصر الغيبة الكبرى — في غيبة صاحب العصر والزّمان (عجّل الله فرجه الشريف) — ليست قائمةً على بناء القوّة العسكريّة، بل تسقط فيها مسؤوليّة إعداد القوّة بالمرّة، بحيث ينبغي للمؤمنين ألّا يكون لهم حولٌ ولا قوّة في المضمار العسكريّ والأمنيّ.

والاستدلال على بطلان ذلك: أنّه هل يُعقل أن تقوم دولة أو يستقرّ نظام يعيش في ظلّه المؤمنون دون وجود قوّة عسكريّة تحميه؟ وكيف يمكن أن ينتظم للمسلمين نظام اجتماعيّ ودولة يعيشون في كنفها بمعزل عن قوّة رادعة تمنع العدوان وتدحر المعتدين؟

والشاهد المقابل: ما يُدّعى في الديانة المسيحيّة من أنّ عيسى (على نبيّنا وآله وعليه السلام) لا يرى مشروعيّة استخدام القوّة، بل يدعو إلى الاستسلام المحض بقوله: «مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا»[1] ؛ بيدَ أنّه من الممتنع عقلاً وتجربةً أن يستقيم نظام اجتماعيّ للمؤمنين وتُدفع عنهم غوائل المعتدين بغير قوّة عسكريّة باطشة تحوطه وتحميه.

وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه القاعدة التكوينيّة رادّاً على مقولة الخوارج: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»[2] [3] ، إذ قال (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ، إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[4] .

والقاعدة المستفادة: أنّ كلامه (عليه السلام) دالٌّ على اللابديّة والضرورة التكوينيّة، لا مجرّد الضرورة الشرعيّة والقانونيّة؛ فإنّ هذه الضرورة التكوينيّة متحقّقة بوجود أميرٍ ونظامٍ حاكم، سواء كان بَرّاً أو فاجراً؛ إذ حتّى النظام الفاجر لا بدّ أن تتوفّر فيه مقوّمات وأركان يتحقّق بها الحدّ الأدنى من الأمن والأمان، وإلّا لصار عيش البشر في غابةٍ من التوحّش والفوضى، وهذا المعنى من بديهيّات العقل وقواطع النصوص.

تنبيه: إنّ القول بلابديّة الحكومة — وإن كانت جائرة — ليس إمضاءً من أمير المؤمنين (عليه السلام) لحكومات الجور وسلطان الأشرار؛ وإنّما مقتضاه أنّ النظام والحكم ذو طبقات وهياكل متعدّدة، وثمّة طبقة منها ترتبط بأصل ضرورة بقاء الحياة الإنسانيّة، بقطع النظر عن وصفي الجور والعدل، فالحكومة في ذاتها والنظام السياسيّ ضرورة لا مناص منها للبشر بحكم التكوين، دفعاً لحياة الغاب والهمجيّة.

والنتيجة: إذا كان أصل الإمارة وقيام النظام ضرورةً لتأمين السبل، وإقامة الحدّ الأدنى من الأمن والسلام، والانتصاف للمظلوم من الظالم، فكيف يُتصوَّر قيام هذا النظام الواجب والضروريّ وحفظ أركانه دون قوّة عسكريّة تسنده وتذود عنه؟ ومن ثمّ فلا وجه لتوهم عدم الحاجة إلى القوّة العسكريّة في تدبير شؤون المجتمع وإدارة مفاصل الدولة.

قد تبيّن ممّا تقدّم أنّ أبواب الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباب الحدود، وباب القضاء، لا يمكن أن تُقام إلا بالقوة، سواء كانت قوة أمنية داخلية لحفظ النظام، أم قوة عسكرية لمنع الاعتداء الخارجي؛ إذ يمتنع تصوير قيام هذه الوظائف والفرائض من دون بسط اليد واقتدار المنعة. ومقتضى ذلك لزوم وجود القوة العسكرية والأمنية الحامية، بصرف النظر عن التسميات المعاصرة، كوزارة الداخلية، أو وزارة الدفاع، أو الأجهزة الأمنية والاستخبارية وما شاكلها؛ فإنّ هذه التشكيلات — قديمها وحديثها — تُعبّر عن ضرورة تكوينية واجتماعية لأصل حفظ النظام الإنساني، ولولاها لعمّ الهرج والمَرْج، وسادت شريعة الغاب والتوحش.

والشاهد على ذلك: ما قرّره أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنّ هذه اللابدية ضرورة تكوينية لا مناص منها، وذلك حين ردّ على مقولة الخوارج: «لا حُكْمَ إلّا للهِ»، مبيّناً أنّه لا بدّ للناس من أمير يَرُدّ عادية الظالم، ويُنصف المظلوم، وينتظم به شمل المجتمع. فلمّا رفعوا ذلك الشعار بقصد نفي أيّ حاكمية بشرية، قال (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ، نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[5] .

والحاصل: أنّ مَن يدّعي في عصر الغيبة الكبرى تعطيل إقامة الحكم وإهمال شؤون الأمة وتركها سُدى، فإنّ مقالته تُحاكي شبهة الخوارج؛ إذ كيف يتوهّم متوهّم أنّ غيبة الإمام المعصوم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) تُسوّغ سقوط واجب حفظ النظام وإقامة الحكومة، وترك حبل الأمور على غاربه؟! وقد تصدّى الشيخ لطف الله الصافي (رحمه الله) في كتابه منتخب الأثر لتفنيد هذا المسلك، مبيّناً أنّ توهّم جواز إيكال الأمور وتسليمها للأشرار والكفار في عصر الغيبة لا يصدر عمّن له مُسْكة من عقل أو بصيرة بالأحاديث[6] ؛ إذ كيف يستقيم للإنسان أن يعيش في مجتمع بلا نظام حكم يدير شؤونه ويدفع عنه تسلّط الفاسدين والأشرار؟!

تنبيه: إنّ حصرية الحكم في الشريعة لله تعالى لا تُلازم نفي وجود الحكومة والسلطة التنفيذية، تماماً كما تقرّر في حصرية السلطة القضائية بالأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)؛ فإنّ عدم تصدّيهم المباشر لجميع مصاديق القضاء لا يعني سقوط التكليف وإلقاء المسؤولية أرضاً. وتأسيساً على ذلك، فإنّ حصرية الحكم في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [7] مفادها أنّ أصل المشروعية والصلاحية والتقنين لله تبارك وتعالى، بيد أنّ الله عزّ وجلّ يستنيب الأنبياء والأئمة، وهم بدورهم يستنيبون الفقهاء والصلحاء للقيام بتلك الوظائف وإدارة النظام. ومن هنا تقع المغالطة عند المشكّكين في مشروعية إقامة الحكومة والنظام السياسي أو لزوم بناء القوة العسكرية في عصر الغيبة الكبرى.

والقاعدة هنا: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بيّن ضرورة وجود أمير يباشر الحكم، في قبال توهّم الخوارج الذين زعموا نفي الإمرة البشرية مطلقاً؛ والحال أنّ الحكم والتشريع لله تعالى، ولكنّ المتصدّي لتنفيذ الأحكام وتدبير شؤون الناس لا بدّ أن يكون من جنس البشر؛ لاستحالة تجسّم الباري سبحانه. فكما أنّه لا رسول إلا مَن بعثه الله، فكذلك الحاكم والخليفة إنّما يُستمدّ نصبه ومشروعيته من قِبَل الله تعالى. وهذا هو الفهم المستقيم لمسألة الحاكمية، دون ما ذهب إليه الخوارج من تعطيل منصب الإمرة، وهو ما أبطله أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمحاكمة والبديهة العقلية، دون الاقتصار على الاستدلال بالنصوص، إلزاماً لهم بالحجة القاطعة.

والنتيجة: أنّ هذا البرهان العقلي ينطبق انطباقاً تامّاً على كلّ مَن يدّعي في عصر الغيبة الكبرى تعطيل إقامة الحكم والنظام السياسي وتركهما سُدى منفلتاً، أو يذهب إلى تعطيل بناء القوة العسكرية والنشاط الأمني داخلياً وخارجياً؛ إذ يُسأل هؤلاء: كيف يُتصوّر ترك هذه الثغور والمسؤوليات، وبيد مَن تُترك مقاليد الأمة؟! أيُعقل أن تُسلَّم وتُترك في أيدي الأعداء والأشرار والمحتلين؟!

فلسفة إعداد القوة وتحقيق مبدأ الردع والعزة

وبيد مَنْ يُترك؟! أتأتي دُوَلٌ أجنبية تحتلّ البلد؟! فإنّ عَيْنَ الشبهة التي انطلت على الخوارج نستطيع أن نُجريها ونطبّقها في حقّ مَنْ يستشكل في إقامة الحكومة في عصر الغيبة الكبرى، أو يستشكل في النهوض بالوظائف العسكرية؛ إذ ليس المراد من الوظائف العسكرية بالضرورة خوضَ الحرب الساخنة، سواء أكانت حرباً دفاعية أم جهاداً ابتدائياً، بل إنّ الوظيفة الأولى للقوة العسكرية ليست هي القتال وإشعال الحرب، وإنّما هي إيجاد حالة «الردع»، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[8] ؛ فالغاية الأوّلية من إعداد القوة هي إرهاب العدو وردعه، بردع الأشرار والمفسدين في الداخل، ودفع المعتدين ورَدْعهم من الخارج.

وكما قرّر الفقهاء تبعاً للنصوص والروايات، فإنّ الاحتفاظ بالسلاح وعدم تمكين العدوّ منه ومن سائر عناصر القوة والمنعة يُعَدّ من مسلّمات الدين وأحكامه الضرورية، وقد مرّ بنا عنوان هذه المسألة في مباحث المكاسب المحرّمة[9] ؛ حيث استدلّ الفقهاء على ذلك بقواعد عديدة، منها قاعدة العزّة المستفادة من قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[10] .

والحاصل: أنّ الوظيفة الأوّلية تقتضي ألا يُدعى إلى سلمٍ ولا أن يُعقد صلحٌ من موقع ضعفٍ وهوان؛ إذ من موقع الضعف يُمْلَى عليك شروط الإذعان ولا تُمْلِي، أمّا من موقع القوّة والمنعة فأنت الذي تُمْلِي والعدوّ لا يُمْلِي، فإن أمليتَ عليه شروط الحقّ واستسلم فلا بأس؛ إذ ليس غرضنا سفك الدماء ولا إيقاع الدمار، وإنّما غايتنا ومقصدنا إقامة القسط والانتصاف وتحقيق العدل.

والقاعدة هنا: أنّ الأصل الأوّليّ — حتى في باب السلم والمعاهدات — يقتضي ألا يكون الصلح والاستسلام من موقع ضعف، بل يجب أن ينطلق من موقع قوّة واقتدار؛ وكيف يتحقّق ذلك إن لم تكن هناك قوّة عسكرية وأجهزة أمنية محكمة، وقوّة متكاملة في أبعاد شتّى؟! ولذلك فإنّ آيات العزّة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾[11] ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾[12] ، والقاعدة النبوية الشريفة: «الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ»[13] ، كلّها قواعد دستورية وأصول تشريعية كبرى في الدين، ولا يمكن امتثالها وبسطها في الخارج من دون امتلاك القوّة، لا سيّما القوّة العسكرية والأمنية، فضلاً عن سائر القوى الاقتصادية والسياسية.

وهذا المعنى هو ما يُترجم في أصول الفقه السياسي والكلاميّ من عبارة الخواجة نصير الدين الطوسي في كتاب «التجريد» وما قرّره العلّامة الحلّي في شرحه عليه، حيث بيّن المحقّق الطوسي أنّ غيبة صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه الشريف) واستتاره إنّما كانا بسبب تقصير المكلّفين وضعفهم وقعودهم عن بناء القوّة والنصرة[14] ؛ وهذا المتن يمثّل مَحَطّ تسالم أعلام المذهب؛ إذ هي بحوث عقلية بديهية يرشد إليها صريح القرآن والروايات المتواترة، وأمّا مَنْ يتوهّم أنّ الدين يدعو إلى الضعف والاستكانة والاستعباد والركون إلى ذلّة المؤمنين، فهذا ممّا لا سبيل إلى تعقّله وقبوله.

وكذلك سيرة أئمة الهدى، كالإمام السجاد أو الباقر أو الصادق (عليهم السلام)؛ فهل كانت سيرتهم قائمة على بناء أسباب القوّة أم تكريس الاستضعاف؟! نعم، قد اعتمدوا الأسلوب الهادئ واللغة التربوية والبيان الدعوي الناعم، ولكنّ واقع حركتهم وتدبيرهم، ابتداءً من الإمام السجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي وانتهاءً بالإمام الحسن العسكري (عليهم السلام)، كان قائماً على مراعاة موازين القوى بدقّة بالغة؛ صيانةً للوجود الإيماني وحذراً من بطش السلطات الجائرة واستئصالها، فهل يُعقل غير ذلك في الحكمة والتدبير؟!

موازين القوى وتوظيف القوة الناعمة في حركة المعصومين

هل كانت السلطات الأمويّة والسلطات العباسيّة على قدرٍ من النزاهة والعدالة، وخاليةً من الغشم والدمويّة والظلم، حتّى يُدَّعى أنَّهم كفّوا عن إبادة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) واستئصالهم تورُّعاً أو احتراماً لمقامهم الشريف؟! فما الذي كان يقف وراء عدم إبادتهم من أوّل وهلة، وتأخير تصفيتهم الجسديّة إلى نهاية المطاف، لولا وجود معادلة توازن القوى؟ ولولا وقوع المأمون العباسيّ تحت ضغطٍ شعبيّ وسياسيّ قاهر لما أقدم على جعل الإمام الرضا (عليه السلام) وليّاً لعهده؛ إذ سواءٌ كان تصرفه ذلك نابعاً عن مكرٍ وحيلة أم عن غيرهما، فإنَّ المحرّك الأساس له هو ضغط الواقع وتوازن القوى، ولم يكن بدافع النزاهة والإنصاف بوجهٍ من الوجوه. وكذلك الحال حينما أرجع يزيد بن معاوية أسارى أهل البيت (عليهم السلام) وأطلق سراح الإمام زين العابدين (عليه السلام)؛ فهل صدر ذلك منه بدافع الإنسانيّة والمنطق، أم كان رضوخاً لموازنة ضغطٍ حقيقيّة فرضها الإمام زين العابدين والعقيلة زينب (عليهما السلام) بخطبهما البليغة وأسلوبهما الفاضح للمخطط الأمويّ؟

والحاصل: إنَّ قوله (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا»[15] [16] ينطوي على فلسفةٍ عميقة وحكمةٍ إلهيّة بالغة؛ فهذا حكمٌ شرعيّ صادرٌ من الله (عزّ وجلّ)، ومضمونُ حديثٍ قدسيّ يكشف عن أنَّ النساء تقع على عاتقهنّ وظائفُ جهاديّة تكامليّة من قبيل جهاد التبيين، والإعلام، وإعمال القوّة الناعمة.

والحكمة من ذلك: أنَّ أمر الله (عزّ وجلّ) بمرافقة عيالات سيّد الشهداء (عليه السلام) ومخدّرات الرسالة إنّما كان لجعل مسألة السبي ورقة ضغطٍ سياسيّة وإعلاميّة كبرى على بني أميّة، وتجريدهم من غطاء المشروعيّة، وفضح مؤامرتهم الرامية إلى تحريف معالم الإسلام، وتعريتهم أمام جمهور المسلمين من المهاجرين والأنصار، مع تصديق نبوءة القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾[17] ، ونبوءة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في بيان هويّتهم وبراءته منهم؛ فكان وجود النسوة في قلب المعركة وما بعدها ورقة ضغطٍ بالغة التأثير والأثر.

وهذا التدبير الإلهيّ نظيرُ ما صنعه الله (سبحانه وتعالى) في مجابهة علماء بني إسرائيل المنحرفين؛ وإلّا فما الوجه في تعريض سمعة الصدّيقة مريم بنت عمران (عليها السلام) لتلك التهمة في بادئ الأمر؟ لقد كان ذلك في واقعه استدراجاً إلهيّاً لإسقاط هيبة الحكّام وأحبار البلاط، وكشف حقيقتهم أمام عامّة الناس بأنَّهم لا يتورّعون عن الطعن في أطهر نساء عصرها؛ فاستدرجهم الله (عزّ وجلّ) في زمان ولادة نبيّ الله عيسى (عليه السلام) حتّى انتهكوا حرمتها وسقطوا في ذلك المأزق التاريخيّ.

وهنا يتضح الجواب: عمّن يستشكل قائلاً: لماذا تقدّمت الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) للدفاع خلف الباب أثناء الهجوم على دارها، ولم يتقدّم أمير المؤمنين (عليه السلام) لمباشرة الدفع بنفسه؟

ووجه الجواب: أنَّ ذلك الموقف كان استدراجاً ربّانيّاً لإلجاء الطرف المعتدي إلى إظهار حقيقته القاسية ونزع قناع التستّر بالدين، وإثبات أنَّ القوم لا يرعون حرمة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في بضعته وعرضه. فالقضيّة هي عينُ الاستدراج الإلهيّ لحكّام الجور وعلمائهم، وسيرة مريم (عليها السلام) مَثَلٌ قرآنيٌّ ضُرب لسيرة فاطمة (عليها السلام)؛ فمن أراد أن يقف على الأسرار الكامنة في سيرة الزهراء (عليها السلام) فليرجع إلى سيرة مريم (عليها السلام)، ومن رام فقه الحكمة من قوله: «شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا» فليتدبّر في نظائرها في القصص القرآنيّ؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾[18] .

إذ لو جابههم أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسيف ابتداءً وبصورةٍ منفردة دون حراكِ الأمّة، لجرى تصوير المعركة على أنَّها نزاعٌ قبليٌّ وتكالبٌ دنيويٌّ على السلطة بين رجالات قريش، ولكان ذلك ذريعةً للتشكيك في أصل الرسالة النبويّة ودعوى أنَّ الدين مجرّد مشروعٍ لطلب الرئاسة والملك. ومن هنا، فإنَّ الكثيرين يتصوّرون أنَّ أحداث السقيفة كانت محصورةً في غصب الخلافة والكرسيّ الظاهريّ، مع أنَّ التخطيط الواقعيّ كان أبعدَ غوراً وأعظمَ خطراً، إذ كان يستهدف ردَّ الناس عن دينهم القويم.

حكمة الامتناع عن المواجهة العسكرية الفردية بعد السقيفة

إنّ السقيفة لم يكن التخطيط لها مقصوراً على غصب الخلافة الظاهرية فحسب، بل كان المخطَّط أدهى من ذلك وأعظم، وهو ردّ الناس عن دينهم الذي جاء به النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وهذا مكمن الخطر الحقيقيّ؛ ولأجل ذلك كان من أعظم المحرّمات الشرعية المقرّرة على أمير المؤمنين (عليه السلام) من قِبَل الله ورسوله أن يجابه هؤلاء مواجهةً عسكريةً في ظلّ غياب الأمة وتخاذلها، مع قدرته التامة (عليه السلام) على خوض تلك المجابهة عسكرياً، غير أنّ ذلك كان محظوراً عليه؛ سدّاً للذريعة وقطعاً للطريق على تنفيذ مخططهم الرامي إلى تصوير القضية برمتها على أنّها صراعٌ دنيويّ وتنافسٌ قبليّ على السلطة، في حين أنّ ثبوت نزاهة أمير المؤمنين (عليه السلام) وعزوفه التامّ عن الرئاسة والحكم قد قلب مخططهم رأساً على عقب.

والشاهد التاريخيّ على ذلك: ما نُقل في المصادر من مسلك ذلك اليهوديّ الذي رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) يُقاد، فبادر إلى إعلان إسلامه ونطق بالشهادات الثلاث في حينه؛ وحين استُفهم منه عن علّة إسلامه في تلك اللحظة الحرجة مع أنّه لم يُسلم في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، علّل ذلك بأنّه رأى رجلاً هو فاتح خيبر، يملك القدرة بيمينه وقوّته على مواجهة القوم قاطبة، لكنّه مع ذلك لم يطلب سلطاناً ولا حكماً ولا رئاسةً دنيوية، فاستدلّ بزهده هذا على صدق نبوة ابن عمّه (صلى الله عليه وآله)، فانقلب السحر على الساحر وبطل كيد السقيفة.

وكذلك الشأن: حين أقبل أبو سفيان إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) عارضاً عليه النصرة والبيعة[19] ، ففطن الإمام (عليه السلام) لمراده، وشخّص بدقة هدفه المتمثل في تقويض أصل الدين لا نصرة الحق، فجاء جوابه (عليه السلام) فاضحاً لذلك التواطؤ وكاشفاً لحقيقته؛ فلو نهضت الأمة بمسؤوليتها الشرعية لقام الإمام بالأمر وناهضهم، أمّا مع تقاعسها وتخاذلها فإنّ انفراده بالنهوض العسكريّ كان سيعطي انطباعاً مشوّهاً بأنّ أمر الرسالة والنبوة لم يكن سوى طلبٍ للمُلك والرئاسة، وهو المعنى عينه الذي كان يسعى لتكريسه بنو أمية وأضرابهم حين تمثّلوا بقول الشاعر:

«لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالمُلْكِ فَلَا      خَبَرٌ جَاءَ وَلَا وَحْيٌ نَزَلْ»[20]

إذ كانت رؤيتهم للنبوة قائمةً على أنّها ضربٌ من التسلّط الدنيويّ، على نحو ما عبّر به أبو سفيان للعباس عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة قائلاً: «لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ الغَدَاةَ عَظِيماً»، فأجابه العباس زاجراً له: «وَيْحَكَ، إِنَّهَا النُّبُوَّةُ»[21] .

وعليه: فإنّ الحكمة المستفادة من النصّ الوارد في واقعة الطفّ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا»[22] جاءت جاريةً وفق سُنّة مريم وسُنّة فاطمة (عليهما السلام)؛ لتغدو ورقة ضغطٍ سياسية وعقائدية في مواجهة الطرف الآخر، تفضحه وتُعرّي أهدافه وتجهض مساعيه الرامية إلى التشكيك في أصل الشريعة، ولتُثبت بالبرهان القاطع أنّ الأمين الحقيقيّ على الدين هم أهل البيت (عليهم السلام) لا الحكّام الجائرون ولا وعّاظ السلاطين.

والمتحصل: أنّ أهل البيت (عليهم السلام) لم يستسلموا قطّ في تلك المواجهات؛ فلم يقع الاستسلام من أمير المؤمنين، ولا من الصدّيقة الزهراء، ولا من الإمام السجّاد، ولا من العقيلة زينب (عليهم السلام)، إذ إنّ الحرب الباردة والناعمة لم تضع أوزارها، ولم يُوقف أمير المؤمنين (عليه السلام) حراكه المناهض لنهج السقيفة في هذين المضمارين.

والنتيجة: أنّ أهل البيت (عليهم السلام) ديدنهم الثبات والجهاد وعدم الاستكانة، وهو ما جلّاه الإمام الهادي (عليه السلام) في زيارة يوم الغدير مبيّناً أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يفتر عن أداء التكليف وطلب الحقّ الإلهيّ، حيث ورد فيها: «وَأَشْهَدُ أَنَّكَ مَا اتَّقَيْتَ ضَارِعاً، وَلَا أَمْسَكْتَ عَنْ حَقِّكَ جَازِعاً، وَلَا أَحْجَمْتَ عَنْ مُجَاهَدَةِ غَاصِبِكَ نَاكِلاً… وَلَا وَهَنْتَ لِمَا أَصَابَكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا ضَعُفْتَ وَلَا اسْتَكَنْتَ عَنْ طَلَبِ حَقِّكَ مُرَاقِباً»[23] .

استمرار الحرب الباردة والناعمة وإدارة التوازن في سيرة الأئمة

يظهر من زيارة يوم الغدير المروية عن الإمام الهادي (عليه السلام) أنّه طوال تلك المدة لم يصدر من أمير المؤمنين (عليه السلام) أدنى استسلام، وإن لم تكن مواجهته حرباً عسكريةً ساخنة؛ فإنّ قراءة الوقائع التاريخية بمعزل عن الخبرة في شتى الحقول المعرفية تجعل مطالعة سيرة النبي الأعظم وأمير المؤمنين والزهراء والحسنين وسائر الأئمة (عليهم السلام) تجري على نحو من السطحية والضحالة.

ومفاد كلام الإمام الهادي (عليه السلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إنّما علّق المواجهة العسكرية المباشرة (الحرب الساخنة)، بيد أنّه لم يوقف الحرب الباردة ولا الحرب الناعمة في مواجهة تيار السقيفة؛ حيث يقول (عليه السلام): «وَأَشْهَدُ أَنَّكَ مَا اتَّقَيْتَ ضَارِعاً، وَلَا أَمْسَكْتَ عَنْ حَقِّكَ جَازِعاً، وَلَا أَحْجَمْتَ عَنْ مُجَاهَدَةِ غَاصِبِكَ نَاكِلاً»[24] —أي نكولاً وتراجعاً عن عهد الله وميثاق رسوله— «وَلَا أَظْهَرْتَ الرِّضَا بِخِلَافِ مَا يُرْضِي اللَّهَ مُدَاهِناً»، ومقتضى ذلك نفي أي مساومة أو مداهنة معهم. فالحرب الباردة والناعمة كانتا قائمتين على أشدّهما كما يقرّر الإمام الهادي (عليه السلام)، ولم يهن (عليه السلام) لما أصابه في سبيل الله، ولم يضعف من حيث القوة والاقتدار، ولم يستكن بالجمود والقعود، بل كان الحراك والسعي الحثيث لبناء عناصر القوة وإرساء ركائز القدرة لإقامة الحق ديدناً لم يفتر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام).

والقاعدة في ذلك: أنّ هذا الموقف المبدئي الذي اتخذه الإمام في واقعة السقيفة هو عينه الذي سار عليه الإمام الحسن المجتبى، والإمام علي بن الحسين السجاد، والإمامان الباقر والصادق (عليهم السلام) على امتداد مسار الإمامة؛ فلا ينبغي التوهم بأنّ عدم خوض الأئمة (عليهم السلام) للحروب الساخنة كان ملازماً لترك إعداد القوة، أو العزوف عن ممارسة الضغط بها، أو التفريط في موازين القوى.

بل إنّ للأئمة (عليهم السلام) في حيّز السر والخفاء أدواراً وتدابير حتى في الجوانب الميدانية دون أن يقف عليها عامة الناس. وقد تقدم أنّ التنكر للسيرة الخفية للأئمة ونفي الجانب السري في حركتهم يُعدّ خللاً منهجياً وعقائدياً كبيراً؛ إذ صرّحت النصوص العالية المضامين في الفقه العقائدي والسياسي بذلك، ومنها ما ورد في الزيارة الجامعة: «مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ، وَشَاهِدِكُمْ وَغَائِبِكُمْ»[25] . فلا مسوّغ لحصر المنهاج المعصومي وتطبيقاته فيما يبرز في دائرة العلن فحسب؛ فإنّ العلانية لا تستوعب المنظومة القيادية برمتها في شؤون السياسة والمعارف وسائر الأبعاد، بل إنّ الباطن والغائب والسر ركن حاضر في كافة التدابير. ولا يصح اختزال سيرة المعصومين فيما طفا على السطح الظاهري؛ إذ تقضي النظريات والعلوم العصرية بضرورة ذلك بالبراهين الموضوعية، متسائلين: كيف كان يتسنى إيجاد التكافؤ وحفظ الوجود الشيعي في مواجهة المنظومات القمعية الحاكمة من بني أمية وبني العباس وأهل السقيفة لولا توظيف معادلة توازن القوى؟

والشاهد التاريخي: ما تضافر في الروايات من أنّ أهل البيت (عليهم السلام) باتوا ليلة رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذروة المخاطر والزلزلة، حتى وُصف حالهم بأنّه لم يكن لهم أمان؛ كما روي عن أبي جعفر (عليه السلام): «لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بَاتَ آلُ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ حَتَّى ظَنُّوا أَنْ لَا سَمَاءَ تُظِلُّهُمْ وَلَا أَرْضَ تُقِلُّهُمْ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَتَرَ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَبْعَدِينَ فِي اللَّهِ»[26] . ومعلومٌ أنّ تشييد صرح الدولة الإسلامية لم يكن أمراً عفوياً، بل جاء حصيلة خوض ما يقارب ثمانين أو ستاً وتسعين معركة بين غزوة وسرية، فكيف أمكن لأهل البيت (عليهم السلام) استعادة التوازن وإعادة ضبط المعادلات بعد ذلك الانقلاب العاصف إثر شهادة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) لولا حنكتهم وإدارتهم لمعادلات القوة؟

والجواب والرد: على من يزعم أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان ينطلق في حراكه من موقع الانكسار والضعف، ما جاء في تتمة الزيارة المذكورة: «مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ»[27] ؛ فكلا، لم يكن (عليه السلام) في موضع ضعف قط، بل كانت حركة المعارضة الشرعية دائبة، وأدوات الحربين الباردة والناعمة قائمة ومفعّلة بأقصى درجاتها، كما جاء فيها: « ووعظت فما اتعظوا، وخوفتهم الله »[28] ؛ حيث لم يستسلم أمير المؤمنين (عليه السلام) لواقع الأمر المفروض، وظلت أدوات المواجهة الناعمة والباردة حاضرةً وفاعلة في مجابهة مسار السقيفة.

« ووعظت فما اتعظوا، وخوفتهم الله … واشهد انك يا امير المؤمنين جاهدت في الله حق جهاده، »[29] ؛ فمَن يتوهّم أنّ أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن لديهم حربٌ ناعمةٌ وباردة، وبناءٌ للقوّة الناعمة والقوّة الخفيّة، فضلًا عن استعمالهم القوّة الساخنة خفاءً في تحريك هذه الثورة وتلك الثورة وهلمّ جرًّا؛ فكيف يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «لَا تَزَالُ الزَّيْدِيَّةُ لَكُمْ وِقَاءً أَبَداً»[30] ؟! ولماذا يقول ذلك؟ إذ يأخذ البعض كلام الإمام الصادق (عليه السلام) مقتطعاً ولا يُحسن قراءته، لعدم ضمّه إلى مجموع كلامه (عليه السلام) ومنظومته العامّة.

ورواية الإمام الباقر (عليه السلام) تؤاخذ بني أميّة على ترك الجهاد الابتدائيّ والجهاد الدفاعيّ[31] ؛ فهذه المسؤوليّة العسكريّة لا يمكن أن تُجمَّد حتّى في ظلّ النظام الأمويّ، وبقطع النظر عن جَوْر بني أميّة؛ وقد بيّنّا أنّ النظام طبقاتٌ في العلوم السياسيّة والعلوم الاستراتيجيّة، وتلك بديهةٌ تكوينيّةٌ بشريّة تُبيّن رؤية المعصوم المتكاملة، ومؤدّاها أنّ القوّة الناعمة لا تقوم من دون القوّة الساخنة.

الضوابط الفقهية والسياسية لتداول السلاح ومواجهة دول الانتداب

وحتى في جانب القوّة الساخنة، نجد الإمام الصادق (عليه السلام) ورواياتٍ عن الإمام الكاظم (عليه السلام) يتدخّلون في شأن السلاح ومصيره، ببيان حرمة بيع السلاح للأعداء[32] ، وهذه الحرمة منصوصةٌ ومقرَّرةٌ عن الصادق والكاظم ولعلّها عن الباقر (عليهم السلام).

ووجه ذلك: لماذا يتكلّم الأئمّة (عليهم السلام) في مصير السلاح؟

والجواب: لأنّ مصير السلاح يجب ألّا يُسلَّم ليد الانتداب؛ فلا يُعطى السلاح للعدوّ؛ فإذا كان الطرف الآخر يُمثّل هيكل دولة انتدابٍ لا تملك قرارها بيدها، بل يأتيها القرار من الخارج، فلا يُعطى السلاح بدعوى أنّها دولةٌ وطنيّة، بل ينطبق عليه حكم حرمة بيع السلاح وفق فتاوى علماء الإماميّة جميعاً؛ إذ كيف يُسلَّم السلاح لمن لا حول له ولا قوّة إلا ما يُملى عليه؟! فأيّ دولةٍ وطنيّةٍ هذه وهي في حقيقتها دولة انتدابٍ تأتي قرارات بنكها المركزيّ وثرواتها وميزانيّتها من الخارج؟!

والحاصل: إنّ تدخّل الإمام الصادق (عليه السلام) والإمام الكاظم (عليه السلام) في مصير السلاح يرجع إلى أنّهم (سلام الله عليهم) يُراعون دائماً موازنة القوّة وبناء القوّة، وهو ما ينبغي فهمه بوعيٍ وعمق.

 


[1] انظر: الكتاب المقدس. (العهد الجديد)، إنجيل متّى: 5/ 39، وإنجيل لوقا: 6/ 29. — المحقق
[9] المكاسب، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص76.. يُنظر بحث تحريم بيع السلاح لأعداء الدين وما بعدها. — المحقق
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo