48/03/03
القراءة الفقهية والسياسية لأدوار الأئمة المعصومين وطبقات الخفاء في سيرتهم/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة
موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /القراءة الفقهية والسياسية لأدوار الأئمة المعصومين وطبقات الخفاء في سيرتهم
تشريع الجهاد والولاية السياسية في عصر الغيبة
كان الكلام في القراءة الفقهية والسياسية لنهضة سيّد الشهداء (عليه السلام)، ومناسبة ذلك ما يرجع إلى البحث عن الجهاد وأصوله التشريعية؛ وهل أنّ ما أقدم عليه سيّد الشهداء (عليه السلام) من مواجهةٍ عسكريةٍ كان حكماً أولياً أم ثانوياً؟ مع موازنة سيرته (عليه السلام) بسيرة سائر الأئمة (عليهم السلام) حيث ادُّعي أنّ سيرة بقية الأئمة لم تكن كسيرة سيّد الشهداء (عليه السلام).
والحاصل: أنّ النصوص الواردة في أبواب الجهاد تُبيّن بطلان هذه الدعوى؛ فإنّ تلك النصوص المحرّضة على الجهاد -حتى الجهاد الابتدائي وهو جهاد الدعوة- لو روجعت عند الشيخ الكليني في «الكافي» أو الشيخ الطوسي في «تهذيب الأحكام»، لوُجد أنّ جلّها مرويٌّ عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام). فكيف يصحّ هذا التحريض والحثّ البالغ منهما (عليهما السلام) وهما يُمارسان الإمامة في زمانهما على نحوٍ لا صلة له بالجهاد؟! فهذه دعوى زائفة. وقد مرّ بنا أنّ الكليني أورد في باب فضل الجهاد خمس عشرة رواية، كلّها أو جلّها عن الباقر والصادق (عليهما السلام)، وما كان يقوم به الأمويون لم يكن مطّرداً في كلّ عامٍ أو كلّ مدةٍ مقرّرةٍ لجهاد الدعوة.
وهذه الروايات تُصحّح لنا مفاهيم كثيرة في مبحث الجهاد ضمن رؤية أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ ورد لسانٌ في الروايات يُقرّر: «إِنَّ الْقِتَالَ مَعَ غَيْرِ الْإِمَامِ الْمُفْتَرَضِ طَاعَتُهُ حَرَامٌ مِثْلُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ»[1] ، وهو واردٌ في رواياتٍ متعدّدةٍ تحصر جهاد الدعوة بالإمام، والمقصود به الجهاد الابتدائي لتوسعة رقعة الدولة الإسلامية وبلاد المسلمين.
والمشهور: استفادوا من هذه الروايات أنّ جهاد الدعوة والجهاد الابتدائي يُعطَّل في زمن الغيبة الكبرى[2] ، في حين مال المحقق محمد باقر السبزواري في كتابه «كفاية الأحكام»[3] إلى عدم سقوط الجهاد الابتدائي وجهاد الدعوة في الغيبة الكبرى، ووافقه على ذلك السيّد الخوئي في «منهاج الصالحين»[4] ، والصحيح ما ذهب إليه هذان العَلَمان خلافاً لإطلاق كلمات علماء الإمامية، ولعلّ بعض المعاصرين من تلامذة السيّد الخوئي يوافقونه في ذلك، إلا أنّ المقصد أنّه قبل السيّد الخوئي لم يكن هذا الرأي مطروحاً إلا نادراً.
ووجه الصحيح: ما ذهب إليه هؤلاء؛ لأنّ مجرّد كون صلاحية الشيء حصريةً بالمعصوم (عليه السلام) لا يقتضي تعطيل ذلك الشيء في النظام الاجتماعي والسياسي والمسؤولية العامة مع عدم بسط يده (عليه السلام) أو عدم تصدّيه له لسببٍ أو لآخر؛ وهذه قاعدةٌ فقهيةٌ صناعيةٌ بالغة الأهمية في باب الفقه السياسي؛ إذ حصرُ الصلاحية والسلطان بالإمام المعصوم (عليه السلام) ممّا لا ريب فيه، ولكن هل مقتضى حصر الولاية به أن يتعطّل الأمر حالَ عدم تصدّيه؟
تنبيه: هذا البحث لم يُثر في الجهاد الابتدائي فحسب، بل جرى عليه جملةٌ من الفقهاء على الممشى التقليدي في مسألة إقامة الحكومة في عصر الغيبة؛ بدعوى أنّ الحكومة والحكم من الصلاحيات الحصرية للمعصوم (عليه السلام)، فهل استناب الفقهاء في هذا المجال أم لا؟ فبينما انعقد الاتفاق بين جلّ علماء الإمامية أو كلّهم على النيابة في السلطة القضائية، بقيت السلطة السياسية والتنفيذية -والتي تندرج ضمنها السلطتان العسكرية والأمنية- محطّ تساؤلٍ وتعدّدٍ في المسارات والاتجاهات الاجتهادية.
تعدّدت اتجاهاتُ ومساراتُ الفقهاء الأعلام في هذه المسألة؛ حيث ذهب اتجاهٌ إلى أنّ الإمامةَ السياسيةَ هي من الصلاحيات الحصرية للمعصوم (عليه السلام)، ومقتضى ذلك أنّه مع عدم تصدّي المعصوم فلا شرعيّةَ لإقامة الحكم السياسي، مستندين في ذلك إلى صحّة الأدلة الواردة في حصر هذه الصلاحية بالإمام المعصوم (عليه السلام).
والإيرادُ عليه: ما بالُ السلطة القضائية؟ فإنّ السلطة القضائية محصورةٌ أيضاً بالمعصوم (عليه السلام)، وقد وردت في ذلك رواياتٌ مستفيضةٌ تفيد حصر هذا المقام، ومنها ما رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال لشريح: «يَا شُرَيْحُ، قَدْ جَلَسْتَ مَجْلِساً لَا يَجْلِسُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ أَوْ شَقِيٌّ»[5] ، ومع ذلك لم يقل المشهور — إن لم يكن إجماعاً — بأنّ وظائفَ السلطة القضائية معطّلةٌ في عصر الغيبة الكبرى، فالكلامُ هو عينُ الكلام في السلطة السياسية بلا فارق.
والحاصل: أنّ المسألة تدور بين أمرين: فإمّا أن تكون هناك رواياتٌ تدلّ على الإذن بالخصوص في الغيبة الكبرى، أو رواياتٌ عامّةٌ دالّةٌ على إذن الشارع للفقهاء بالنيابة، فإن لم تنهض الرواياتُ الخاصّة — بناءً على مسلك الاستدلال التنزّلي — على استنابة الفقهاء في إدارة الشأن السياسي، فحينئذٍ تصل النوبةُ إلى «قاعدة الحسبة»[6] .
والمراد بقاعدة الحسبة: أنّ كلّ أمرٍ مرتبطٍ بالنظام الاجتماعي العامّ ويُعلم عقلاً وشرعاً أنّ الشارع لا يرضى بتعطيله، فلا بدّ من التصدّي له وسدّ ثغرته.
والشاهد على ذلك: التعبيرُ الوارد مكرّراً عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في ردّه على شبهة الخوارج حين رفعوا شعار: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، حيث قال (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ»[7] ؛ فالحاكمُ الأوّل بالذات والحصر هو اللهُ جلّ وعلا، ولكنّ هذا الحصرَ لا ينفي استخلافَ الله لرسوله (صلّى الله عليه وآله)، واستخلافَ الله ورسوله للأوصياء (عليهم السلام)؛ فحصريةُ الحكم لله أصالةً لا تنافي استنابته لرسوله ولأوصياء رسوله (عليهم السلام) في مقام التدبير والتنفيذ.
والقاعدة هنا: أنّ ثمّة مواردَ كثيرةً في القرآن الكريم ورد فيها حصرُ القضية بالله تعالى أصالةً؛ كحصر علم الغيب به سبحانه، بينما صرّحت آياتٌ أُخرى بإظهاره لرسله، كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ¤ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾[8] ، ولا تناقضَ بين الحصر والإثبات؛ لأنّ حصرَ علم الغيب بالله تعالى هو حصرٌ تكوينيٌّ بالذات والأصالة والاستقلال، وإظهارَه لمن ارتضى من رسول إنّما هو تمكينٌ في طول قدرة الله تعالى ومشيئته؛ فطوليةُ الشيء لا تُنافي الحصريةَ بالذات، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾[9] ، وقوله في الشفاعة: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾[10] ، فإنّ حصرَ الشفاعة به سبحانه لا ينفي تخويلَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الشفاعةَ بإذنه؛ وهذا ردٌّ بينٌّ على شبهات الوهابية في أبواب العقيدة، حيث جمدوا على ظواهر صيغ الحصر ونفوا التخويل، غافلين عن أنّ التخويلَ والتمكينَ الإلهيَّ ليس تفويضاً باطلاً، بل هو تمكينٌ في طول المشيئة وأمرٌ بين أمرين[11] .
فائدة: يُستفاد من الآيات الكريمة والروايات الشريفة استحبابُ أن يعترفَ العبدُ بذنبه لسيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله)، فالاعترافُ بالذنب لا يختصّ بعرضه أمام الله تعالى فحسب، بل يُعرض كذلك على النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ كما يستفاد من الروايات والزيارات المتواترة رجحانُ الاعتراف بالذنب بين يدي الإمام المعصوم (عليه السلام)، فتارةً يقتصر الزائرُ على الاستشفاع، وتارةً أُخرى يقدّم على استشفاعه الاعترافَ بالتقصير وبسطَ تفاصيل الذنوب خضوعاً وإقراراً لمقام الإمام المعصوم (عليه السلام).
يستحبّ للزائر في زيارات أمير المؤمنين وزيارات سيّد الشهداء الحسين وزيارات سائر الأئمّة (عليهم السلام) أن يستعرض ملفّ خطاياه وآثامه[12] ، فيخاطب المعصوم قائلاً: «يَا رَسُولَ اللهِ أَتَيْتُكَ مُعْتَرِفاً بِذَنْبِي»، وهذا المعنى واردٌ أيضاً في زيارات النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ إذ جُمع في «موسوعة زيارات المعصومين» قرابة خمسٍ وثلاثين زيارةً لسيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله)، فينبغي التعاطي مع هذا المطلب العظيم والاستشفاع بهذا الأدب الرفيع؛ ومقتضى ذلك أنّ حقيقة الاستشفاع وطلب الشفاعة تتقوّم باعتراف الإنسان بذنوبه بين يدي سيّد الأنبياء والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) كما يعترف بها لله (عزّ وجلّ).
والقاعدة هنا: أنّ جملةً من الصفات والكمالات أو الصلاحيّات التكوينيّة محصورةٌ بالذات واستقلالاً بالله تعالى، وهذا حصرٌ ذاتيّ لا يقبل التخصيص، بيدَ أنّ ذلك لا ينفي أن يُمكّن الله تعالى عبادَه المكرَمين المصطفَين من رشحات تلك الصفات وفيوضاتها؛ إذ لا منافاة في الطوليّة، وفي هذا ردٌّ قاطعٌ على شبهات الوهابيّة ومغالطاتهم. وكذلك الحال بعينه في باب التشريع؛ فحصرُ صلاحيّة الحكم السياسيّ والقضاء والتشريع بالله تعالى أصالةً لا يُنافي أبداً تخويلَ الله تعالى وتفويضَه لسيّد الرسل، ولا يُنافي تخويلَ الله ورسوله لأوصيائه المعصومين (عليهم السلام).
ويتفرّع على ذلك أنّه لو لم يتصدَّ المعصوم (عليه السلام) لبسط يده أو لم يتصدَّ الفقيه الجامع للشرائط، فإنّ النوبة تصل في مرتبة التنزّل والتصدّي إلى عدول الفضلاء، ثمّ إلى عدول المؤمنين، بل تصل النوبة عند تعذّرهم إلى فُسّاق المؤمنين والمسلمين؛ نظراً لكون هذه المسؤوليّة من الواجبات العامّة التي لا يجوز تعطيلُها بحال، ولأنّ المسؤوليّة الاجتماعيّة لا تسقط مع تعذّر المراتب العالية. وهذا المعنى ممّا تسالم عليه الفقهاء في باب الأمور الحسبية[13] ، وقد حرّره الشيخ الأنصاري في كتاب البيع من «المكاسب» عند استعراضه لسلسلة مراتب التصدّي والولايات[14] .
والحاصل: أنّ الغيبة الكبرى إنّما هي حجابٌ، ولا تعني قطّ أنّ الإمام (عجّل الله فرجه) غيرُ متصدٍّ لإدارة شؤون الخلق ورعاية البشريّة، فهو غير متصدٍّ بنحوٍ معلنٍ وظاهر، وأمّا من وراء حجاب الخفاء فلا يرفع يده عن تدبير الأمور؛ لا بنحو الإلجاء والجبر، ولا بنحو التفويض والانفلات، بل على وزان «أمرٌ بين أمرين». وقد صرّح القرآن الكريم في سورة البقرة بأنّ الخلافة الإلهيّة في الأرض تقتضي هذه المسؤوليّة الكونيّة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[15] ، ولو تمّت ممارستها في الخفاء، وكان هذا التدبير الخفيّ قائماً وممتدّاً منذ عهد آدم (عليه السلام) مروراً بسيّد المرسلين (صلّى الله عليه وآله) إلى عصرنا الراهن، بنحو الدولة الإلهيّة الخفيّة.
ومثال ذلك: الخضر (على نبيّنا وآله وعليه السلام)، فقد كان معاصراً لذي القرنين ومعاصراً لنبيّ الله موسى (عليه السلام)، بل ربّما سبقه بزمنٍ متطاول، وكان يمثّل عنصراً مفصليّاً وركناً في هذه الدولة الإلهيّة الخفيّة؛ فالشاهد الذي ساقه القرآن الكريم في سورة الكهف عند قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾[16] لم يكن مجرّد قضية في واقعة[17] ، وإنّما هو بيانٌ لسنّةٍ إلهيّةٍ عامّة وجارية على مرّ العصور.
وقد يُشكل: بما أبداه بعض الأعلام من استبعادٍ وتساؤل: كيف يُحتمل أن يكون لآباء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) — كعبد الله وعبد المطلب — وعمّه أبي طالب، شأنٌ عظيمٌ ودورٌ فاعلٌ يضاهي أدوار كبار الرسل؟
والجواب عليه: أنّ قصّة الخضر مع النبيّ موسى (عليه السلام) ليست واقعةً جزئيّةً مخصوصة، بل هي سنّةٌ إلهيّةٌ مستمرّة، فإذا كان النبيّ موسى (عليه السلام) — وهو من أولي العزم وكليمُ الله تعالى، وبعد نزول التوراة ومناجاة الحقّ — قد أُمر من قِبل الله سبحانه بأن يتعلّم بعض العلوم اللدنيّة من عبدٍ صالح مستترٍ عن الأعين، فكيف يُستبعد قيامُ آباء النبيّ وأوصيائه بأدوارٍ كبرى في إعداد البيئة والحفاظ على الدين الحنيف في الخفاء؟
بعدما نزلت عليه التوراة وكلّمه الله تعالى — وهو كليم الله كما في سورتي الأعراف والكهف — فإنّ القصص القرآنيّة كلّها عبرةٌ وسنّةٌ مطّردة وليست مجرّد «قضيّة في واقعة»[18] ؛ فالنبيّ موسى (عليه السلام) يؤمَر بعد ذلك كلّه بأن يتعلّم بعض العلوم الوحيانيّة في آخر حياته من شخصٍ مجهول للنبيّ موسى (عليه السلام) فضلًا عن غيره، مجهول الحجّيّة والموقعيّة الاصطفائيّة في الظاهر، ولكنّه ركنٌ وثيق في دولة الولاية؛ فهذه سنّةٌ إلهيّة قائمةٌ بحجّيّةٍ ودلائل وليست بدجل، فلا يُستبعَد كذلك الحال في آباء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام).
والبرهان على ذلك: أنّ هناك برهانَين تاريخيَّين فضلًا عن البرهانَين الوحيانيَّين على أنّ دور آباء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان أعظم من أدوار ما قام به أولو العزم في إيران أو العراق أو الشام أو مصر؛ إذ لم يكن النبيّ عيسى ولا نوح ولا موسى (عليهم السلام) مقيمين في الحجاز، فمَن الذي علّم أهل الحجاز وأهّلهم فكريّاً لكي يتلقّوا عن أكبر معلّمٍ إلهي وهو سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله)، ويستقبلوا أعظم كتاب؟
والإشكال هنا: هل من الحكمة أن يبعث الله عزّ وجلّ أعظم معلّمٍ بأعظم كتاب إلى قومٍ لم يطووا المراحل التمهيديّة والابتدائيّة، في حين طوى أهل العراق والشام ومصر وإيران المراحل الابتدائيّة والمتوسّطة؟
والجواب: أنّ الله عزّ وجلّ رأى مع ذلك أنّ أهل الحجاز هم الأكثر استعداداً وأرضيّةً فكريّاً ومنطقيّاً؛ حيث إنّ معجزة القرآن الكبرى هي البلاغة، وكان دور آباء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عظيماً جدّاً في الخفاء، إذ أوصلوا أهل الحجاز إلى رتبةٍ تؤهّلهم لاستقبال أكبر معلّمٍ وأعظم كتاب، والقول بخلاف ذلك يساوق نفي الحكمة الإلهيّة.
والحاصل: أنّ هذا برهانٌ تاريخي ناهض على أنّ أدوار آباء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) — من أبي طالب، وعبد المطّلب، وهاشم، وعبد مناف، صعوداً إلى قصيّ وعدنان — كانت أدواراً بالغة العظمة والخطورة مع كونها في الخفاء؛ ومقتضى ذلك أنّ العمل الخفيّ لا ينافي أبداً أن ينهض صاحبه بأدوارٍ أعظم ممّا ينهض به الحجّة المعلَن، فالأنبياء إبراهيم وعيسى وموسى (عليهم السلام) كانوا حججاً معلَنة، ومع ذلك كان للعبد الصالح الخضر (عليه السلام) أدوارٌ خفيّة جليلة، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾[19] ، فهم مستترون غير مذكورين في الظاهر ولكنّ أدوارهم عظيمةٌ جدّاً؛ فلا يصحّ إذن حصر الموازين في الجانب المعلَن فحسب، ونحن نردّد في نصوص الزيارات: «مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ»[20] .
وتأسيسًا على ذلك: يطّرد هذا المعنى بعينه في سيرة الأئمّة (عليهم السلام)؛ حيث مرّ بنا التنبيه على خطإ بعض الباحثين في الفقه أو السيرة أو التاريخ أو العقيدة أو التفسير حين يقصرون أدوار الأئمّة (عليهم السلام) على الدائرة المعلَنة، وهو وهمٌ بيّن؛ فهل تنحصر سيرة الأئمّة في العلن فقط؟ وماذا عن الجانب السرّي والخفيّ ومقام غيبتهم؟ ونحن نقرأ صريحاً في نصوص الزيارة: «مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ وَشَاهِدِكُمْ وَغَائِبِكُمْ»[21] ، فالشاهد هو الظاهر والغائب هو الخفيّ؛ وهذه معادلةٌ محكمة نقرؤها في الزيارات المعتبرة، غير أنّ المرور السطحيّ والقشريّ والقعود عن التوغّل في متون الروايات حدا بالبعض إلى حصر العلم في إفناء الوسع بالبحث السنديّ المجرّد، والوقوف عند ظاهر الإسناد بمعزلٍ عن الغوص في فقه المتن ودلالاته لا يُعدّ استنباطاً حقيقيّاً بوجه.
والنتيجة: أنّ هذا المنهج الرجاليّ القائم على الاقتصار على التوثيق والتضعيف الظاهريَّين — دون النظر إلى طبقات الرواة ومدارسهم وأثرهم الفكريّ — قاصرٌ عن الوفاء بحقّ التحقيق؛ إذ تقتضي الصناعة العلميّة الرصينة التوغّل في المتون واستنطاق شبكة القواعد لاستحصال الرسوخ العلميّ؛ فإنّ الأدوار الخفيّة للحجج الإلهيّة وسنن أهل البيت (عليهم السلام) تشكّل قاعدةً أصوليّة وكلاميّة وفقهيّة وتفسيريّة في غاية الأهمّيّة، ولا يسوغ بحالٍ من الأحوال حصر حركتهم ومواقفهم في النطاق المعلَن فحسب.
ما هذا المنهج في الاستنباط؟! وحتّى هذا المنهج الرجالي السطحي المقتصر على تصنيف الرواة بين ثقة وغير ثقة دون بحث تأثير الراوي ومدرسته، يُعدّ تعاملاً سطحيّاً وقشريّاً وحشويّاً مع علم الرجال وعلم الفقه؛ بينما الواجب هو الغوص في المتن ورؤية شبكة القواعد لاستخراج الرسوخ العلمي، وإلّا بقي الباحث بعيداً كلّ البعد عن حقيقة الاستنباط.
والحاصل: أنّه ربّما يكون الأمر خفيّاً لكن له دورٌ عظيم، فأدوار الحجج الخفية وسنن أهل البيت (عليهم السلام) تُشكّل قاعدة مهمة في علم الكلام وعلم الفقه وعلم التفسير؛ إذ لا يسوغ حصر أدوار الأئمة في الدائرة العلنية المعلنة، بل إنّ أعظم أدوار كلّ إمام هي أدواره الخفية، ونحن نخطئ حين نتصور أنّ أدوارهم المعلنة أعظم كمّاً وكيفاً من أدوارهم الخفية، أو حين لا نبني على وجود الأدوار الخفية أصلاً، وهو مسلك قاصر في العقائد والفقه والتفسير والتاريخ وسائر العلوم الدينية.
ومن هنا يتبيّن: أنّ من الخطأ الاعتقاد بأنّ الموقف السياسي للإمام الصادق (عليه السلام) يقتصر على ما أُعلن منه فقط، فما هو الموقف السياسي والعسكري الخفي في قبال المعلن؟! وهذه أزمة حقيقية في مناهج الاستنباط؛ فسيرة أهل البيت ومواقفهم السياسية، كالإمام السجاد والإمام الباقر والإمام الصادق (عليهم السلام)، لا تُفهم بالاقتصار على الظاهر؛ فهل كان الإمام السجاد ليبارك حركة المختار[22] علانية؟! كلا، بل كان ذلك ضمن قراءة استراتيجية وإدارة أمنية متكاملة؛ فالأمر عندهم درجات وطبقات في الحيطة والكتمان، ومستويات متعدّدة في إدارة المعلومات.
الإعجاز القيادي وطبقات أمن المعلومات في مدرسة أهل البيت
وإذا كانت الدول العظمى المعاصرة تعتمد مستويات متعدّدة من السرية في إدارتها، فأهل البيت (عليهم السلام) في إدارتهم وقيادتهم السياسية والتشريعية والمعرفية قد بيّنوا ذلك في قولهم: «إِنَّ أَمْرَنَا سِرٌّ فِي سِرٍّ، وَسِرٌّ مُسْتَسِرٌّ، وَسِرٌّ لَا يُفِيدُ إِلَّا سِرٌّ، وَسِرٌّ عَلَى سِرٍّ، وَسِرٌّ مُقَنَّعٌ بِسِرٍّ»[23] ، وهو ما يُسمّى في الاصطلاح المعاصر بـ«طبقات أمن المعلومات»، مما يعكس وجهاً من الإعجاز القيادي لأهل البيت (عليهم السلام)، خلافاً لمن يرمي المذهب بالباطنية[24] لجهله بأصول القيادة والإدارة؛ إذ يحتاج العقل البشري إلى تراكم المعرفة ليفهم هذه الحقائق الإدارية والتكوينية، التي قد يقصر عن إدراكها الفقهاء أو المفسرون أو المتكلمون بحسب المستوى العقلي السائد في زمانهم، حتّى إذا تطوّر الفكر الإداري أدرك الناس أنّ هذه التنظيمات ليست أفكاراً غنوصية[25] ، بل هي نظم دقيقة وإعجاز في الإدارة والقيادة.
إنَّ هذه الأساليب تُمثّل معاجزَ علميّةً في الإدارة والقيادة ونُظُمها، وهو تخصّصٌ عظيمٌ يُعنى به في الجامعات المعاصرة تحت عنوان «أمن المعلومات»؛ إذ إنَّ الخبرة في هذا المجال ذاتُ درجاتٍ ورُتَب وليست على وزانٍ واحد.
والقاعدة هنا: أنَّه كلّما كان الموقع أكثر خطورةً وحساسيّةً، اشتدّت الحاجة إلى درجةٍ أعلى من الحيطة والحذر في حفظ المعلومات وكتمانها؛ تحرّزاً من اغتيال العدوّ وتصفيته، فلا يسوغ البوح بالأسرار والبيانات ولو تقادم عليها العهد ومضت عليها سنوات، كما في أحداث عام 2006م ونحوها؛ لكون ذلك مسلكاً مجانباً للصواب.
ومثال ذلك: أنَّه لا يصحّ لوزير الخارجيّة في الظروف الحرجة أن يبوح بالمعلومات الاستراتيجيّة، وإن كان متضلّعاً في حقل العلوم السياسيّة؛ فإنَّ ضعف الحسّ الأمنيّ يُعدّ ثغرةً فادحةً وخطأً جسيماً، إذ الأصل في مثل هذه الملفّات ألا يُفشى منها شيءٌ إلا بعد انقضاء عقودٍ متطاولة كقرنٍ أو قرنين من الزمان، لا أن تُنشر بعد مضي شهرٍ أو نحوه، وهذا ما يُعبَّر عنه بـ«الأميّة الأمنيّة»؛ حيث يجمع المرء بين التبحّر في الفضاء السياسيّ والقصور أو التوسّط في الإدراك الأمنيّ.
وتأسيسًا على ذلك: فإنَّ هذه القاعدة تُبرهن على خطأ قصر سيرة أهل البيت (عليهم السلام) وسُنَنهم على الجانب العلنيّ المحض؛ فإنَّ لأسرارهم طبقاتٍ ولخفائهم مراتبَ متعدّدة، وإلا فمن ذا الذي ينهض بأداء تلك الأدوار غير المعلنة؟! وحاشا للإمام الصادق (عليه السلام) أن يكون ساذجاً كعامّة الناس فيكشف جميع أوراقه.
والحاصل: أنَّ أصل المنهجيّة في استنباط الموقف السياسيّ والعسكريّ والعقائديّ لأهل البيت (عليهم السلام) يرتكز على وعي هذا التفاوت في الأدوار؛ فقد نجد مدحاً بليغاً من الإمام الصادق (عليه السلام) لأعلامٍ كزرارة بن أعيَن ومحمّد بن مسلم لكونهم أركاناً في ميدانٍ معيّن، في حين نجد في نصوصٍ أخرى أنَّ الإمام (عليه السلام) يتّقي منهم ويحذر؛ لا لخللٍ في ولايتهم وعصمتهم عن الانحراف، بل لأنَّ هذا الصنف من الأصحاب -وإن بلغ الغاية في الفقه ونقل الحديث- ليس مؤهّلاً لبعض الوظائف الأمنيّة والإداريّة الدقيقة. فبينما بَرَز الفقهاء الذين ربّاهم الإمام (عليه السلام) في جانب الفتيا والتشريع، نجد شخصيّاتٍ أُخَر كالمفضّل بن عمر وجابر بن يزيد الجُعفيّ يمتلكون كفاءةً أرفع في إدارة الملفّات الخفيّة والماليّة والأمنيّة، وهذا المعنى مشهودٌ ومرويٌّ في مصنّفات الرجال[26] ، ولا تنافيَ بين المسلكين بوجهٍ من الوجوه.
تنبيه: لا يجوز بحالٍ من الأحوال التطاول على حواريّي الأئمّة (عليهم السلام) ورُواتهم الأجلّاء؛ بل ينبغي إدراك أنَّ للإمام حواريّين في كلّ بيئةٍ وميدان بحسب مقتضياتها، وما كان لأحدٍ أن يصلح لكلّ المجالات، وتبعاً لذلك جرى تنظيم المعلومات والإخفاء والتستّر وفق أدقّ قواعد الإدارة وأمن المعلومات. فلا يصحّ تقييم الأمور بنظرةٍ حدّيّة قائمة على الصحّة المطلقة أو الخطأ المطلق؛ إذ قد ينجح بعض عوامّ المؤمنين في اختباراتٍ ومهمّاتٍ يتعثّر فيها غيرهم تبعاً لملائمة طبيعتهم لتلك البيئات الأمنيّة والإجرائيّة؛ والشاهد فيه الرواية المأثورة: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ»[27] ، فكلّ معدنٍ مستعدٌّ لغرضٍ خاصّ، فلا ينبغي استصغار أيّ طاقة؛ لاحتمال تفوّقها في شأنٍ آخر.
والنتيجة: أنَّ المعصوم (عليه السلام) وإن كان مجمعاً للكمالات الإنسانيّة، إلا أنَّ التفاوت ودرجات التفاضل قائمةٌ حتّى في المقامات الإلهيّة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾[28] ، وكما في قوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[29] ؛ فإنَّ الآيات الكريمة صريحةٌ في إثبات المراتب في الإمامة والفضل، ونظير ذلك أنَّ نبيّ الله موسى (عليه السلام) مع كونه موصوفاً بالإمامة وذا مقامٍ كليميٍّ رفيع، أُمر بالاستفادة والتعلّم من الخضر (عليه السلام)، فلا غرو ولا تنافي في ذلك أصلاً.
والحاصل: أنّ هذه النكات ذاتُ مدخليّةٍ بالغةٍ في فهم واستنباط الفقه السياسيّ والعقائديّ والتفسيريّ من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؛ فالاستنباطُ من سيرتهم وأفعالهم وأقوالهم ليس بالمعنى السطحيّ أو التناول القشريّ الحشويّ، بل يفتقرُ إلى الاستعانة بنُظُمٍ وعلومٍ تخصّصيّةٍ دقيقة، ولا سبيل إلى فهم مقاصدهم بمعزلٍ عن ذلك.
والشاهد على ذلك: ما ورد في الرواية المعتبرة في شؤونهم ومجاري تدبيرهم: «إِنَّ أَمْرَنَا سِرٌّ فِي سِرٍّ، وَسِرٌّ مُسْتَسِرٌّ، وَسِرٌّ لَا يُفِيدُهُ إِلَّا سِرٌّ، وَسِرٌّ عَلَى سِرٍّ، وَسِرٌّ مُقَنَّعٌ بِسِرٍّ»[30] ، وهو ما يرسّخ مبدأ السريّة التي تمثّل جوهر التقيّة بمعناها الأصيل، إذ ليست التقيّة ذوباناً في الباطل أو انخراطاً فيه، بل هي حفظٌ للأمن والمنظومة وكتمانٌ وتدبيرٌ خفيّ. وحينما يلهج الزائر بالخطاب في نصوص الزيارات المتواترة: «مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ، وَشَاهِدِكُمْ وَغَائِبِكُمْ»[31] ، فإنّ مقتضى ذلك الالتفاتُ إلى أنّ طبقات السريّة والخفاء في التدبير لدى الأئمة (عليهم السلام) متعدّدةٌ ومتفاوتة الرُّتَب.
فإن قيل: ما الذي جرى في يوم الغدير إذاً؟
فالجواب: كما بيّنه الإمام الهادي (عليه السلام)، فإنّ الأمر الإلهيّ المؤكّد والتشديد الواقع في الغدير كان يقضي بأن تبرز الولاية والشهادة الثالثة بإعلانٍ صارخٍ وبيانٍ عارم، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾[32] ؛ ومؤدّاه أنّ عدم إبراز ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) والشهادة الثالثة بوصفها أصلاً وركيزةً لعقيدة الدين يُساوق عدم تبليغ الرسالة برُمّتها، إذ إنّ رِضا الله بالدين الإسلاميّ منوطٌ بها ومشروطٌ بإقامتها.
والقاعدة هنا: أنّ هذا الدليل القرآنيّ المحكم حاكمٌ على سائر الأدلّة الأخرى التي يُحمل بعضُها على التقيّة؛ وقد قرّر السيّد الخوئي (رحمه الله) دلالة الآية الشريفة على لزوم اقتران الشهادات الثلاث[33] ، لكون الولاية كمالاً للتوحيد والنبوّة في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [34] ، وبانتفائها يكون الدين ناقصاً، والله سبحانه لا يرتضي الدين الناقص، فكيف يصحّ التقرّب إليه بما لا يرتضيه؟! ودلالة آيتي الغدير ناصعةٌ وبديهيّةٌ ضروريّةٌ عند فقهاء الإماميّة.
تنبيهٌ أصوليّ: إنّ الظهور مقولٌ بالتشكيك وذو مراتب ودرجات، والصريحُ يمثّل ذروة الحجيّة وأعلاها. وقد تعلّقت المشيئة الإلهيّة في الغدير بإبراز قِمّة الظهور والتصريح؛ فحيثُ بُعث الأنبياءُ السابقون بالتصريح وبُعث سيّدُ الرسل (صلى الله عليه وآله) بالتعريض في مساراتٍ متعدّدة، جاء الأمر في الغدير بالتصريح القاطع لكلّ عذرٍ وشبهة في الفهم بحسب تعبير الإمام الهادي (عليه السلام).
والنتيجة: أنّه لا مَجال للاجتزاء بالكناية أو الإبطان في مقام الشهادة، بل المكلَّف اليوم مدعوٌّ إلى إعلان التصريح الصارخ بالشهادة؛ بأن يُشهد لعليّ، والصّدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء، والأئمّة المعصومين من ذرّيتهما (عليهم السلام) بأنّهم حُجَجُ الله. وفي خطبة الغدير صدع النبيّ (صلى الله عليه وآله) بولاية أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، فكان المشهدُ على منبر الغدير جامعاً لسيّد الرسل وسيّد الأوصياء وسيّدَيْ شباب أهل الجنّة معاً، كما جاء ذلك مبيَّناً في الزيارة الغديريّة المنقولة عن الإمام الهادي (عليه السلام) [35] [36] . فالمتحصَّل أنّ العلانيّة تتفاوت في درجاتها، كما أنّ السريّة متفاضلةٌ في طبقاتها ومستوياتها.
والحاصل: كيف يُشخَّص الموقف السياسيّ والعسكريّ في سيرة المعصومين (عليهم السلام) وسُنَنهم؟ أيكون ذلك بالاعتماد الحصريّ على الجانب المُعلَن ومراتبِه؟ والحال أنّ الواقع الخارجيّ يُثبت أنّ المواقف والأخبار المُعلَنة تتفاوت في مراتبها؛ إذ ليس كلّ مَن تصدّى للمشهد السياسيّ خبيراً أو داهيةً سياسيّاً، فكم من متصدٍّ في الشأن السياسيّ هو في واقعه ساذجٌ لا يدرك ما وراء الظواهر؛ لأنّ وراء كلّ دهاءٍ سياسيّ دهاءً أعمق منه وأكبر، فإذا كان هذا حال الأمر المُعلَن فكيف بما يجري في طيّات الخفاء والسريّة؟!
وأمّا ما يرتبط بمواقف الأئمّة المتأخّرين (عليهم السلام): فهل يصحّ أن تُقرأ أدوارهم الخفيّة بهذا المنطق القشريّ؟ وتأسيساً على هذا، فإنّ إطلاق القول بـ«تعدّد أدوار الأئمّة»[37] ينطوي على مسامحةٍ اصطلاحيّةٍ وقع فيها بعض الأعلام؛ إذ الصحيح أنّ لكلّ إمامٍ أدواراً متعدّدة في نفسه: فلدوره الخفيّ درجاتٌ ومراتب، ولدوره المُعلَن درجاتٌ ومراتب أيضاً.
وهذه نكتةٌ صناعيّةٌ بالغة الأهمّيّة في مقام الاستنباط: فمَن رام فهم الموقف الكلّيّ للأئمّة (عليهم السلام) اعتماداً على طائفةٍ واحدةٍ أو لسانٍ مفردٍ من الروايات، فكيف يستقيم له ذلك الاستنباط؟! وهل يُعقل حصر الموقف السياسيّ للإمام الصادق (عليه السلام) في روايتين اثنتين فقط؟! وهل اقتصر ما حُفِظ عن الأئمّة على هذا اللسان فحسب؟! فلا بدّ من النظر في بقية الألسنة الواردة في تراثهم؛ فقد أسلفنا أنّ المحرّض الأساس على المشروع العسكريّ والقيادة والجهاد في الروايات هما الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام)؛ فكيف يُوفَّق ويُجمَع بين هذا اللسان التحريضيّ وبين لسان التقيّة والكتمان؟! فلا محيص عن الجمع الموضوعيّ بين تلك الألسنة المتعدّدة للخروج بالرؤية الفقهيّة والسياسيّة التامّة.