« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/03/02

بسم الله الرحمن الرحيم

الفقه السياسي وإعداد القوة العسكرية في مدرسة أهل البيت

الموضوع: الفقه السياسي وإعداد القوة العسكرية في مدرسة أهل البيت

كنا في هذا المقطع بصدد قراءة أبعاد الفقه السياسي لنهضة سيد الشهداء (عليه السلام)، أو عقيدة الفقه السياسي في خطاباته المباركة. وقد مرّت بنا هذه الجدلية: هل نهج سيد الشهداء (عليه السلام) حربٌ عسكريةٌ دائمة، أم إنّ له (عليه السلام) أدواراً أخرى؟

والحاصل: أنّه لا ريب في تعدّد أدوار الإمام (عليه السلام)، ولكنّ محطّ البحث هو أنّ الجانب العسكري — أو إعداد القوة والحرب العسكرية، كيفما عبّرت — هل يمثّل خياراً دائماً أم هو منوطٌ بالظروف والمقتضيات؟ وقد تقدّم بيان أنّ إقامة القوة العسكرية، والاحتفاظ بها، وتنميتها، والإعداد الدائم لها، يُعدّ خياراً ثابتاً ودائماً وليس أمراً مؤقتاً؛ إذ يجب التمييز بين حيازة القوة العسكرية وتطويرها لغاية الردع — الذي يمثّل استعمالاً ناعماً لها — وبين الاستعمال المباشر الساخن لتلك القوة؛ فإنّ بين المقامين فرقاً جوهرياً بيّناً.

استراتيجية القوة العسكرية وحرمة بيع السلاح للأعداء

كما تقدّم الإلماع إلى اتفاق كلمة فقهاء الإمامية في مباحث المكاسب المحرّمة على حرمة بيع السلاح لأعداء الدين[1] . وهذه المسألة لا تمثّل ترفاً تنظيرياً لدى الفقهاء، كما لم تكن كذلك عند المشرّعين الحقيقيين وهم الأئمة المعصومون (عليهم السلام)؛ فإنّ الإمام الصادق (عليه السلام) يرسم لأتباعه استراتيجية عسكرية واضحة، فلو لم يكن التخطيط والتدبير العسكري — ولو بنحوه الناعم — من صميم اهتماماته، فلماذا يدلي (عليه السلام) بهذا الحكم الذي استند إليه فقهاء مذهبه في فتاواهم؟!

والنتيجة: أنّ القوة العسكرية والتخطيط الاستراتيجي لها يقع في دائرة اهتمام أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أجمعين، وليس شأناً مختصاً برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) دون سائر الأئمة إلى زمن الظهور الشريف؛ إذ إنّ هذا التصور انطباعٌ ساد في كثير من الأوساط العلمية التقليدية على امتداد قرون، وهو انطباعٌ مجافٍ للصواب؛ إذ إنّ افتراض خلوّ برامج الأئمة: الباقر، والصادق، والكاظم، والرضا، والجواد، والهادي، والعسكري (عليهم السلام) من أيّ تخطيط أو تدبير عسكري نظرٌ بعيدٌ عن الواقع، وإجحافٌ بيّنٌ بحقّهم (عليهم السلام).

التدريج في البيان وثبات الأحكام في عصر الغيبة

إنّ النصوص الواردة في حرمة بيع السلاح للأعداء — وإن رُويت عن الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام) — فإنّ المستفاد منها بفهم واستنباط علماء الإمامية سريانُ هذا الحكم وجريانه في عهد الرضا والجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) على حدٍّ سواء؛ ذلك أنّ هذه الأحكام كان بيانها تدريجياً، ولم يكن أصل تشريعها مقصوراً على الحقبة الخاصة بالإمام الصادق (عليه السلام)، ونظير ذلك ما ورد في المقبولة: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً»[2] ؛ فهل يصحّ توهّم اختصاص مفاد هذا الجعل بزمان الإمام الصادق (عليه السلام)؟! والقاعدة الأصولية هنا: أنّ الأحكام الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) يكون التدريج فيها واقعاً في مقام البيان زماناً، في حين أنّ الحُكم المبيَّن ثابتٌ وممتدٌّ في الشريعة كلّها؛ فلا ينبغي الخلط في قراءة سنن الأئمة (عليهم السلام) بالظنّ أنّ الأحكام المبيَّنة تختصّ بزمن إمامٍ دون آخر.

إنَّ هذه الأحكام عامَّةٌ تنظيرياً لكلِّ الأئمة (عليهم السلام) في زمن كلِّ الأئمة، وتطبيقُها يكون بحسب الظروف؛ فليست سُنَّةُ سيد الشهداء (عليه السلام) خاصَّةً بزمانه تنظيراً، ولا يصحُّ القول إنَّ هذا الحكم منسوخٌ أو مجمَّدٌ ولا نعيشه في عصر الغيبة الكبرى، فهذا نحوٌ من تجميد إمامة أهل البيت (عليهم السلام) في كونهم مبيِّنين لأحكامٍ تشريعيةٍ ثابتةٍ آبدةٍ دائمة، ونمطٌ من النسخ لمقام إمامتهم، في حين أنَّ علماء الأصول قرَّروا أنَّ هذا البيان تدريجيٌّ في الزمان، لا أنَّ الحكم المبيَّن خاصٌّ بزمان الإمام الذي صدر عنه، بل هي أحكامٌ دائمة[3] .

وكذلك الأحكام الصادرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليست خاصَّةً بعصره، إذ يقع خلطٌ بين الجانب التنفيذيِّ الإجرائيِّ التطبيقيِّ وبين جانب التشريع الدائم؛ فلا يمكن بحالٍ القولُ إنَّ أحكام النبيِّ (صلى الله عليه وآله) أو أوامر القرآن الكريم لا تشمل الغيبة الكبرى، فالبيان تدريجيٌّ والتشريعاتُ ثابتةٌ دائماً.

والخلطُ حاصلٌ: بين مقام الإجراء ومقام التشريع الثابت؛ إذ لا يصحُّ الادِّعاء بأنَّ الأمور والتشريعات والقوَّة العسكرية والجهاد في عصر الغيبة الكبرى كلَّ ذلك مغلقٌ ومجمَّد، فبأيِّ معنىً يكون مجمَّداً واستنباطُ الفقهاء قائمٌ على حرمة بيع السلاح استناداً إلى رواياتٍ صادرةٍ عن الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام) في «أبواب ما يكتسب به» من كتاب «وسائل الشيعة»[4] ؟!

والإيرادُ هنا: كيف يُقال إنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) لم يكن له في زمانه أيُّ برنامجٍ عسكري؟ ولماذا يوصي أتباعه بأنَّه إذا وقعت حربٌ فليس لهم أن يبيعوا السلاح للأعداء، وهو يخاطب المؤمنين من شيعته؟! فالإمام الصادق (عليه السلام) يجمع بين البيان التنظيريِّ الكليِّ ومخاطبة زمانه بالبعد الإجرائيِّ والتنفيذي. فكيف يُدَّعى عدم اهتمام الإمام الصادق أو الإمام الكاظم (عليهما السلام) بالقضايا العسكرية، ولماذا يقرِّران أنَّ بيع السلاح حرامٌ إلا لكونه قوَّةً عسكريةً تندرج ضمن استراتيجيةٍ واضحة؟! ولا يقتصر الأمر على نصوص حرمة بيع السلاح التي استنبط منها فقهاء الإمامية حكماً ثابتاً دائماً في الغيبة الكبرى.

والحاصل: أنَّنا لسنا بصدد تفاصيل هذه المسألة بصورها المتعدِّدة وفروعها المبسوطة عند الفقهاء، بل بصدد أصل المطلب، وهو أنَّ للأئمة الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام) اهتماماً بالتخطيط العسكري، خلافاً للنظرة التقليدية السائدة بأنَّهم (عليهم السلام) ليس لديهم برنامجٌ عسكري؛ إذ كيف يُنفى عنهم ذلك وهم ينهون التابعين لهم عن بيع السلاح للأعداء في أزمنتهم؟! فكيفيةُ استعمال هذه القوَّة العسكرية مطلبٌ آخر، ولكنَّ الاحتفاظ بها وادِّخارها وتنميتها حاضرٌ في تخطيط الأئمة؛ ولهذا أفتى فقهاء الإمامية عن بكرة أبيهم بهذه النصوص، ممَّا يمثِّل استراتيجيةً ومسؤوليةً تجاه القوَّة العسكرية.

والشاهد على ذلك: ما ورد من الروايات المعتبرة والصحيحة الأعلائية عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) في الحثِّ على القوَّة العسكرية وإعدادها، كقول الصادق (عليه السلام): «الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي السَّيْفِ وَتَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ، وَلَا يُقِيمُ النَّاسَ إِلَّا السَّيْفُ، وَالسُّيُوفُ مَقَالِيدُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»[5] ، والمقصود بالسيف هنا هو القوَّة العسكرية بعامَّة، فحثُّ الإمام في زمانه ودعوته إلى إعداد القوَّة العسكرية ثابتٌ بنصِّ هذه الرواية التي نقلها أبان[6] وعلَّمها لأصحابه.

أبان، أو عمر بن أبان، أو عمر بن أُذينة عن أبان، وهو من أصحاب الإجماع[7] ؛ والرواية اللاحقة أيضاً التي قرأناها ليلة أمس في كتاب الكافي للكليني وتهذيب الأحكام للطوسي، حيث كتب الإمام الباقر (عليه السلام) في رسالته لبعض خلفاء بني أميّة — لا لدعم بني أميّة وسلطانهم، بل لدعم نظام الإسلام الذي شيّده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ هذه تركة رسول الله وليست تركة بني أميّة ولا إرثهم —؛ حيث يقول الإمام الباقر (عليه السلام) في رسالته لبعض خلفاء بني أميّة — وهي رواية صحيحة علائيّة إلى الحسن بن محبوب عن بعض أصحابه من أصحاب الإجماع وتُعدّ مصحّحة رواها الكليني —: «وَمِنْ ذَلِكَ مَا ضَيَّعَ الْجِهَادَ الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْأَعْمَالِ وَفَضَّلَ عَامِلَهُ عَلَى الْعُمَّالِ تَفْضِيلًا فِي الدَّرَجَاتِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الدِّينُ وَبِهِ يُدْفَعُ عَنِ الدِّينِ»[8] ؛ حيث يعاتب الإمام الدولة الأمويّة بأنّهم مقصّرون في جانب القوّة العسكريّة ووظائفها، لا لأجل تثبيت سلطان بني أميّة، بل لإعلاء سلطان محمد (صلى الله عليه وآله) سيّد الأنبياء.

فلسفة الجهاد وغايته في مدرسة أهل البيت

وسنعيد قراءة بقيّة الرواية لبيان فلسفة الجهاد وغايته:

     الهدف الأصيل: هو الخروج من طاعة العباد إلى طاعة النظام السياسيّ الإلهيّ الذي تهدف إليه القوّة العسكريّة في الجهاد.

     تأسيس دولة العدل: الخروج من دولة العباد إلى دولة الله، التي الحاكم فيها حكم الله وقانون الله؛ وهذا صريح كلام الإمام الباقر (عليه السلام) حيث يوبّخ بني أميّة بأنّهم مقصّرون في هذا الأصل، مبيّناً أنّ الغاية هي الخروج من طاعة العباد إلى طاعة الله، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله؛ وهذه هي فلسفة الجهاد التي قرّرها الإمام لتوسعة الدولة الإسلاميّة، لا لأجل الليالي الحمراء التي يقيمها الأمويّون أو العبّاسيّون، ولا لنيل ملاذّ الدنيا التي أُسّست في السقيفة، وإنّما للدفاع عن المستضعفين، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾[9] ، أي المستضعفين من بني البشر قاطبةً؛ لكونهم يرزحون تحت نير طواغيت البشر وعبادتهم.

وتحقيق المسألة: أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) في عصره رأى أنّ باب الجهاد قد جمّده بنو أميّة على الرغم من خوضهم للفتوحات، فالإمام يرى أنّ بني أميّة مقصّرة في حقيقة الجهاد الهادف لنشر الإسلام؛ وهذه النصوص كلّها واردة عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، وليست تنظيراً مجمّداً في الأدراج، بل تخاطب الواقع الإجرائيّ والتنفيذيّ.

توجيه روايات النهي عن رفع الرايات قبل القائم

فإن قيل: كيف يُجمع بين هذا وبين ما ورد في معتبرة أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»[10] ؟

والجواب: أنّ من الواضح جدّاً أنّ هذه الرواية وردت بلحاظ الحركات السياسيّة والعسكريّة الانتهازيّة التي لا تبتغي فلسفة الجهاد الإلهيّ، ولا تسعى لتحرير المستضعفين وزعزعة عروش الجبابرة، بل غايتها استبدال طاغوت بطاغوت آخر؛ فكلّ راية يكون صاحبها طاغوتاً إذا كانت حركته من أجل الاستئثار بالرئاسة، والمناصب، والفساد الماليّ، والملاذّ الدنيويّة.

والحاصل: أنّه إذا قُرئت مجموع روايات الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) قراءةً تركيبيّة لاستنباط التوازن يتّضح المطلب جليّاً؛ فإنّ جلّ الروايات التي أوردها الشيخ الكليني في الكافي والشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام في الحثّ على الجهاد والتحضيض على إعداد القوّة هي عن الباقر والصادق (عليهما السلام)؛ فكيف يُدّعى بعد ذلك أنّ الإمامين لم يكن لديهما مشروعٌ عسكريّ أو رعايةٌ للقوّة العسكريّة؟ وحين يشير الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أنّ كلّ راية تخرج قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت، فإنّما يشير إلى الحركات الانتهازيّة والانقلابات العسكريّة التي ترفع شعاراتٍ برّاقة في الظاهر بينما هي في الباطن تطلب الدنيا ومكاسبها، ولا جرم أنّها بناءٌ لطاغوت جديد؛ ولهذا قرّر المحقّق السيّد الخوئي (رحمه الله) في كتاب الجهاد من «منهاج الصالحين» أنّ هذه الروايات ناظرةٌ إلى هذا المعنى وموجّهةٌ إليه[11] .

وكما أنّ بني العباس دعَوا إلى «الرِّضا من آلِ مُحَمَّدٍ» استغفالاً لشعوب المسلمين لمّا وجدوها تهتف بمودّتها لأهل البيت (عليهم السلام)، ثمّ ركبوا الموجة بعد ذلك إلى الليالي الحمراء والمنكرات؛ فإنّ الإمام الباقر (عليه السلام) -على الرغم ممّا كان عليه بنو أميّة- يخاطبهم قائلاً: «إنّكم مقصّرون في أداء وظائف الدَّولة الإسلاميّة في تحرير شعوب العالم».

والشاهد فيه: ما كتبه (عليه السلام) في رسالته إلى بعض خلفاء بني أميّة ممّا أورده الشيخ الكليني: «…وَمِنْ ذَلِكَ مَا ضَيَّعَ الْجِهَادَ الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى الْأَعْمَالِ، وَفَضَّلَ عَامِلَهُ عَلَى الْعُمَّالِ تَفْضِيلًا فِي الدَّرَجَاتِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الدِّينُ، وَبِهِ يُدْفَعُ عَنِ الدِّينِ، وَبِهِ اشْتَرَى اللَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِالْجَنَّةِ بَيْعاً مُفْلِحاً مُنْجِحاً، اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حِفْظَ الْحُدُودِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ الدُّعَاءُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ طَاعَةِ الْعِبَادِ، وَإِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وَإِلَى وَلَايَةِ اللَّهِ مِنْ وَلَايَةِ الْعِبَادِ…»[12] .

وهذا يشبه الصيحات المثارة في زماننا، حيث يُدَّعى أنّ أتباع أهل البيت لا يحاربون هذه الدُّول الرأسماليّة الطّاغية إلا دفاعاً عن أنفسهم؛ والحال أنّكم تدفعون الظّلم عن عموم الشّعوب المستضعفة من حيث لا يشعرون؛ إذ متى ما ضَعُف هذا الطّاغوت الرأسماليّ في العالم تنفّست الشّعوب المستضعفة الصُّعداء تلقائيّاً، فيكون ذلك انتصاراً عامّاً لتلك الشّعوب الرّازحة تحت نير الاستضعاف، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾[13] ؛ فالقتال في سبيل الله لا يختصّ بالمسلمين أو المؤمنين فحسب، بل يشمل الدّفاع عن المستضعفين كافّة.

والحاصل: أنّ فلسفة الجهاد الابتدائيّ[14] -كما فصّلناه في كتابنا «عدالة الصّحابة» وفق بيانات أهل البيت (عليهم السلام)- ليست لتوسعة النّفوذ وإشباع النّزوات الحاكمة، بل هي إقامةٌ للعدالة ودفاعٌ عن المستضعفين في الأرض.

وهذا هو الشّعار عينه الذي سيكون راية الإمام الثّاني عشر المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشّريف)؛ حيث يبيّن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ باب الجهاد هذا لا يُغلق أبداً، حتّى في ظلّ السّلطان المنحرف لبني أميّة، أو بني العباس، أو سقيفة بني ساعدة؛ ذلك أنّ سلطاتهم ونزواتهم شيء، ونظام دولة الإسلام الذي أسّسه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيءٌ آخر تبقى وظائفه قائمةً على حالها؛ فهذا البنيان تركة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لـ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[15] . ودعك عن النّزوات المؤقّتة لبعض السّلاطين؛ إذ الكلام في انتشار نور الإسلام وتشريعاته ليخرج النّاس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن طاعة العباد إلى طاعته سبحانه؛ إذ إنّ الانقياد للطّغاة في الشّأن السّاسيّ والحكم عبادةٌ وتأليهٌ لهم وفق منطق رواية الإمام الباقر (عليه السلام).

تنبيه: يبيّن الإمام الباقر (عليه السلام) علّة تفضيل الجهاد على سائر الأعمال بوصفه حكماً تنظيريّاً أبديّ التّفعيل والتّطبيق؛ ومن المعلوم لدى باحثي العلوم العسكريّة أنّ أكثر من 80% من الحروب تدار بالقوّة النّاعمة، بينما لا تتجاوز القوّة الصّلبة السّاخنة نسبة 20%؛ فثمّة فرقٌ بيّنٌ بين الاستعمال الفعليّ السّاخن للقوّة العسكريّة وبين اختزانها وتنميتها لدى المسلمين لغرض الرّدع. فكيف يُتوهّم أنّ الأئمّة: الباقر، والصّادق، والكاظم، والرّضا (عليهم السلام) يرتضون للمؤمنين اضمحلال قوّتهم العسكريّة وتضاؤلها في عصر الغيبة الكبرى؟! فأيّ منطقٍ يرتضي هذا التّعطيل؟!

الإشكال: إن قيل: كيف نوجّه الرّوايات النّاهية، كقوله (عليه السلام): «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»[16] ؟

والجواب: أنّ المراد بالطّاغوت في الرّواية هو من يدعو إلى نفسه تعصّباً للكرسيّ والرّئاسة والأهواء الذّاتيّة ولم يتعصّب لأهل البيت (عليهم السلام) ورسالتهم، أمّا إذا كان التّحرّك تعصّباً للحقّ ولمدرسة الوحي، فقد جاء في الحديث الشّريف: «يَا عَمِّ، لَوْ أَنَّ عَبْداً زَنْجِيّاً تَعَصَّبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ مُؤَازَرَتُهُ»[17] [18] .

ومثال ذلك: مدح أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لزيدٍ الشّهيد (رضوان الله عليه)؛ إذ لم يكن يدعو إلى نفسه، بل كان تحرّكه انتصاراً لمنهاج أهل البيت (عليهم السلام)، كما ورد عن الإمام الرّضا (عليه السلام) عن آبائه في قوله: «…رَحِمَ اللَّهُ عَمِّي زَيْداً، إِنَّهُ دَعَا إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَلَوْ ظَفِرَ لَوَفَى بِمَا دَعَا إِلَيْهِ…»[19] .

يقول الإمام الباقر (عليه السلام) في رسالته لبعض خلفاء بني أميّة: «وَمِنْ ذَلِكَ مَا ضَيَّعَ الْجِهَادَ الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَفَضَّلَ عَامِلَهُ عَلَى الْعُمَّالِ تَفْضِيلًا فِي الدَّرَجَاتِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الدِّينُ»[20] ، فأصل ظهور الدين وتثبيته إنّما كان بالقوّة العسكرية، لا تلبيةً لنزوات السلطات الحاكمة، بل لتتنفس الشعوب الصعداء في ظلّ أحكام العدالة الإلهية والتشريع الإسلامي؛ كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾[21] .

والحاصل: إنّ القوّة العسكرية هي علّة ظهور الدين، وبها يُدفع عن حياضه؛ فقوله (عليه السلام): «ظَهَرَ بِهِ الدِّينُ» إشارةٌ جلية إلى الجهاد الابتدائي والدعوي، وقوله: «وَبِهِ يُدْفَعُ عَنِ الدِّينِ» ناظرٌ إلى الجهاد الدفاعي، فجمع (عليه السلام) كلا القسمين وبيّن أنّهما لا يعطّلان في عصر الغيبة الكبرى ولا في أيّ زمان، وهذا نصٌّ صريح في كلام الإمام الباقر (عليه السلام).

والسؤال هنا: من أين تسرب هذا الوهم القائل بعدم وجود مسؤولية عسكرية في عصر الغيبة الكبرى؟

والجواب: إنّ المسؤولية العسكرية لا تنحصر في خوض المعارك والحروب المباشرة، بل تشمل ادّخار القوّة العسكرية وإعدادها لغاية الردع، وتوسيعاً لراية الإسلام، ودفعاً لعدوان المعتدين؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[22] ، فالإعداد شُرع أصالةً لتحقيق الردع، وهذا عينُ ما يُستفاد من بيانات الإمام الباقر (عليه السلام).

وقد روى الشيخ الكليني في كتاب الجهاد من «الكافي» طائفةً وافرة من الروايات، جلّها مرويٌّ عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام). وأمّا الروايات التي ورد فيها الحثّ على لزوم البيت وأن يكون المرء «حلساً»[23] ، فإنّما ترشد إلى مراعاة التدابير الأمنية والعمل في خفاء وكتمان، لا إلى الركون والجمود؛ إذ «الحِلْسُ» في لسان العرب هو الكساء الملازم لظهر البعير، ويُكنى به عمّن يلازم موضعه وينتفع به في كلّ شأن[24] ، فالمطلوب أن يكون المؤمن حلساً من أحلاس بيوت العقيدة وحصونها، لا بيوت الطين والمدر، وذلك بحفظ القوّة والنشاط في إطارٍ من السرية التامة لئلا تنكشف أوراقه للعدوّ؛ فالخفاء عينُ القوّة وأحد أشكال إعدادها، وليس دعوةً إلى الانكفاء والقعود.

ويؤكّد الإمام الباقر (عليه السلام) مجدداً أنّ الجهاد «ظَهَرَ بِهِ الدِّينُ وَبِهِ يُدْفَعُ عَنِ الدِّينِ»، والكليني يورد في هذا الباب زهاء خمس عشرة رواية، معظمها صادرٌ عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)؛ فكيف يسوغ بعد هذا أن يُنسب إليهما الإعراض عن الشؤون العسكرية والتخطيط لها؟! وحاشا للإمام الصادق (عليه السلام) أن يُغفل ذلك في جامعته الدينية التأسيسية، وإنّما كان هدفه ترسيخ الوعي والحكمة والدهاء السياسي لدى شيعته، كي لا يُستغلوا من قِبل التيارات الانتهازية والمشاريع الطامعة التي ترفع الشعارات لتركب الموجة على حساب دمائهم.

والنتيجة: إنّه عند ضمّ ألسنة الروايات بعضها إلى بعض، يتضح الميزان الفقهي الدقيق كما قرّره المحقق الخوئي[25] ؛ ومفاده أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لم يُجمّدوا فريضة الجهاد، بل دعوا إلى اليقظة والبصيرة والكياسة كي لا يقع المؤمنون أداةً بأيدي النفعيين؛ حيث يقول الإمام الباقر (عليه السلام): «لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الدِّينُ، وَبِهِ يُدْفَعُ عَنِ الدِّينِ، وَبِهِ اشْتَرَى اللَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِالْجَنَّةِ بَيْعاً مُفْلِحاً مُنْجِحاً، اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حِفْظَ الْحُدُودِ»[26] ، فالنكتة الجوهرية تكمن في قوله: «اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حِفْظَ الْحُدُودِ»، بعيداً عن الانسياق خلف الأهواء ونزوات السلطة لدى بني أميّة وبني العباس، وأوّل مراتب حفظ الحدود الدعوة إلى طاعة الله والانخلاع من طاعة الطواغيت.

إنّ مفهوم «الطغيان» في الرؤية السياسية لأهل البيت (عليهم السلام) يتمحور حول كلّ حكمٍ يقف في قبال شريعة الله تعالى، ولا يستقيم في منطقهم بحالٍ أن تتخلّى الأمّة عن ثرواتها ومقدّراتها لتستسلم لهيمنة الأشرار والمأجورين الخاضعين لإرادة الأعداء، سواء كان ذلك في عصر الغيبة الكبرى أم في أزمنة حضور المعصومين (عليهم السلام).

فهل مِنَ المنطق أن تُجعل ثرواتُ الأمّة ومقدّراتُها بيد الأشرار المُجَنَّدين والمُسْتَعْبَدين مِن قِبَل الأعداء؟! وهل هذه هي دعوةُ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في عصر الغيبة الكبرى أو حتّى في زمان حضورهم؟!

التمييز بين حفظ بيضة الإسلام وإسناد السلطان الجائر

وتأسيسًا على ذلك، فإنّ الإمام الرضا (عليه السلام) يفرّق في صحيحة يونس بن عبد الرحمن[27] —التي استدلّ بها مشهورُ الفقهاء، واستند إليها السيّد الخوئي (رحمه الله) في كتاب الجهاد[28] —بين نشاطٍ يصبّ في مصلحة سلطان بني العبّاس، وبين نشاطٍ عسكريّ يصبّ في حِفْظ راية الإسلام وصيانة بيضة الدّين؛ إذ بين الأمرين فَرْقٌ جوهريٌّ دقيق؛ فإن كان العملُ لتشييد سلطان الطغاة من بني أميّة أو بني العبّاس، فذاك كأكل الميتة ونجاسةٌ بنجاسة، وأمّا إذا كانت النيّة والبرنامج يؤولان إلى تشييد أركان الإسلام وحِفْظ حريمه، فالأمرُ يختلف تمام الاختلاف.

وقد وردت روايةٌ عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في بُعْدٍ مخصوصٍ بيّنه حين تعجّب من تفاصيل حادثة «الخسف بالبيداء»؛ والبيداءُ في ضواحي مسجد الشجرة الذي هو ميقاتُ أهل المدينة للحجّ والعمرة عند آبار عليّ (عليه السلام)، حيث يقع على بُعْد ميلٍ منها في الصحراء موضعُ الخسف بجيش السفيانيّ. وقد أوضح النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّ هذه الواقعة من علامات ظهور صاحب العصر والزّمان (عجّل الله فرجه الشريف)، وهي علامةٌ مشهورةٌ ومستفيضة بإنباءٍ نبويٍّ متّفقٍ عليه بين الفريقين، حتّى إنّه في عام 1400 للهجرة، في الحادثة المشهورة بالمسجد الحرام، استند بعضُهم إلى هذه العلامة للتثبّت من صدق دعوى تلك الحركة.

والشاهد في هذه الرواية: تعجّبُ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من أنّ أولئك يُخْسَف بهم جميعًا في صعيدٍ واحد، ولكنّهم «يُصْدِرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى، يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ»[29] . وحين سُئل (صلّى الله عليه وآله) عن وجه ذلك، بيّن أنّ بعض المتواجدين—وإن حُسِبوا في ظاهر الأمر ضمن جيش السفيانيّ—إلّا أنّهم كانوا يمثّلون اختراقًا نوعيًّا ضدّه. وهذا يُجَلّي ضرورة تفكيك الملفّات؛ فقد ينخرط الفردُ في جيش سلطانٍ جائرٍ لغرض تقويض طغيانه ودَحْر باطله، فيكون سعيُه في سبيل الحقّ وإن كانت الهيئةُ الرسميّةُ توحي بخلاف ذلك. ومقتضى هذا أنّ المناط في تقييم النشاط العسكريّ أو السياسيّ أو الاقتصاديّ إنّما يدور مدار الغاية منه وكيفيّة توظيفه: هل هو لنصرة الحقّ أم لإسناد الباطل؟ ولأجل هذه الغاية حثّ الإمامُ الباقر (عليه السلام) على تنمية القوّة العسكريّة لأجل حِفْظ الإسلام لا دعمًا لسلطان بني أميّة.

ومن الشواهد على ذلك: سيرةُ أمير المؤمنين (عليه السلام) الثابتةُ في مصادر الفريقين، والتي تبرهن على أنّ فتح بلاد فارس في القادسيّة ونهاوند كان بتدبيرٍ عسكريٍّ وتخطيطٍ منه (عليه السلام) دون غيره[30] ، وذلك باعتراف صريحٍ في مصادر أهل السنّة وتواريخهم.

وإنْ خَفِيَ هذا المَلفُّ ألفَ سنةٍ أو ألفاً وأربعمائة سنةٍ، فإنَّ الله تعالى قدَّرَ في هذا العصر أن يُكشَفَ هذا المَلفُّ وتتجلَّى هذه الصَّفَحاتُ الإعجازيَّةُ لأمير المؤمنين (عليه السلام)؛ حيث كان فتحُ بلاد فارس في معركتَي القادسيَّة ونَهاوَنْد بتدبيرٍ عسكريٍّ وتخطيطٍ منه (عليه السلام)، لا بمباشرةٍ ميدانيَّةٍ ومشاركةٍ حسيَّةٍ، بل عبر العناصر المؤمنة التي بَثَّها، ورجوعِ عمر بن الخطاب واستنجادِه به في ذلك[31] . وقد اعترف بذلك ابنُ أبي الحديد في الرواية التي أوردَها، وثمَّة مصادرُ كثيرةٌ وثَّقناها في كتاب «عدالة الصحابة» في فصلٍ كامل، كما تابَعَ هذا المَلفَّ الشيخُ علي الكورانيّ (رحمه الله) في كتابه «جواهر التاريخ» في خمسةِ مجلداتٍ وأثبتَ المطلبَ عينَه[32] .

وكذلك الحالُ في فتح اليرموك وبلاد الروم؛ إذ لولا وجودُ عناصرِ شيعةِ عليٍّ (عليه السلام) لَمَا تسنَّى لأبي عُبيدة بن الجرَّاح ولا لخالد بن الوليد إحرازُ النَّصر في معركة اليرموك أمام أربعمائة ألفٍ من النَّصارى، وقد هُزِم أبو عُبيدة في الجولة الأولى، كما هُزِم خالدُ بن الوليد في الجولة الأولى بحسب ما أثبتَتْه مصادرُ الجمهور في حرب اليرموك[33] .

والشاهد فيه: أنَّ خالدَ بن الوليد استنجدَ إثرَ ذلك بمالكٍ الأشتر النَّخعيّ — وهو من قبائل اليمن النازلة في الكوفة — وسأله عمَّا عند صاحبِه، فقال: نعم، عندَه تخطيطٌ، فقال: هاتِه، فأبى مالكٌ وقال: لا، بل أنا أقومُ بهذا الفتح، فرَفَضَ أبو عُبيدة توليتَه القيادةَ وطلبَ المخطَّطَ، فأصرَّ مالكٌ على الرَّفض، فقال خالد: دعوه يَقُدْ؛ فإمَّا أن يَظفرَ وإمَّا أن ينكسرَ، ففُوِّضَت القيادةُ إلى مالكٍ الأشتر، فكان هو صاحبَ الفتح والنَّصر في اليرموك بنصِّ مصادرهم[34] ، وذلك بإيعازٍ وتدبيرٍ من أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث طبَّقَ خُطَّةً محكمةً جعلَت جموعَهم تتفرَّقُ كالفَراش.

والحاصل: أنَّ سيرةَ أمير المؤمنين (عليه السلام) في إدارة الفتوحات وتخطيطِها قاطعةٌ في أنَّ بابَ هذا الجُهْدِ لا يُوصَدُ ولو كان الحاكمُ القائمُ على السُّلطة جائراً، وسواءٌ أكان ذلك في عهد السَّقيفة، أم في عهود بني أُميَّة وبني العبَّاس؛ نظراً إلى أنَّ هذا المَسعى يَصُبُّ في تدعيم سلطان النبيِّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) وإعلاء كلمة الإسلام، وثمَّة فرقٌ جوهريٌّ بين المقامين. ويترتَّبُ على ذلك ثبوتُ انفتاح باب الجهاد في عصر الغيبة الكبرى، حتَّى في شِقَّيْهِ الدَّعويِّ والابتدائيّ، وإنْ خالفَ في ذلك مشهورُ فقهاء الإماميَّة، وتردَّد فيه المحققُ السَّبزواريّ[35] .

والقاعدة هنا: أنَّ الأخبار الدَّالَّةَ على اختصاص هذا الشَّأن بالأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) مُسلَّمَةُ الصِّحَّة، غيرَ أنَّ هذا الاختصاصَ يجري مَجرى اختصاص مَنصِب القضاء بهم (عليهم السلام)؛ إذ لا يستلزمُ ذلك تعطيلَ السُّلطة القضائيَّة بالكليَّة حتَّى من باب الحِسْبَة. ومِن ثَمَّ قامت سيرةُ المعصومين (عليهم السلام) على تقويم الاعوجاج في الجهازَين القضائيِّ والتشريعيِّ إبَّان حُكم السَّقيفة وحُكمَي الأُمويِّين والعبَّاسيِّين؛ رعايةً لمصلحة نشر الشريعةِ الحقَّة لا إسلامِ السَّلاطين، والتَّمييزُ بين هذه الحيثيَّاتِ دقيقٌ وبالغُ الأثر.

ومثالُ ذلك: ما ورد في شأن جيش السُّفيانيّ — وهو من أعتى الجيوش طغياناً وأشدِّها انحرافاً — ومع ذلك بيَّنَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) أنَّ في هذا الجيش فئةً مؤمنةً تسعى لنصرة الحقِّ وإنْ حُشِرَ النَّاسُ على نِيَّاتِهم[36] ، ممَّا يُبرز مشروعيَّة الاختراق الأمنيِّ والعسكريِّ لصفوف الأعداء، ويُلقي مسؤوليَّةً على عاتق المؤمنين لاختراق تلك المنظومات وتوجيهِ مسارها خدمةً للمبدأ، وهو نمطٌ أصيلٌ من أنماط الجهاد؛ وبذلك يتَّضحُ مغزى كلام الإمام الباقر (عليه السلام) في تأكيد عدم تعطيل فريضة الجهاد ومعاتبته لسلطة بني أُميَّة على تضييعها[37] .

حتى في زمان الإمام الباقر (عليه السلام) كان يعاتب دولة بني أُميّة جارياً على سيرة جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ إذ لم ينكفئ أمير المؤمنين (عليه السلام) يوماً عن رعاية بيضة الإسلام، ففتح بلاد فارس وفتح بلاد الروم لم يكن دافعهما عصبيّةً قبليّةً ولا عاطفةً مجرّدة، بل إنّ فتح فارس بقضّه وقضيضه كان بتدبيرٍ عسكريّ وتخطيطٍ محكم من عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، والمصادر المثبتة لذلك بأجمعها سنيّة، غير أنّها جاءت مشتّتةً ومُعمّى عليها ومبعثرة في بطون الكتب، لئلّا تبقى تلك الفضيلة العظمى لأمير المؤمنين (عليه السلام).

وهذه الروايات التي أوردها ثقة الإسلام الكلينيّ في أبواب الجهاد والتحريض عليه[38] جلّها صادرٌ عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام).

فإن قيل: هل كان للإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) مشروعٌ ورعايةٌ عسكريّة؟

فالجواب: نعم، كان لديهما مشروعٌ واضح المعالم، وقد استعرضنا طائفةً من الروايات المعتبرة الواردة عنهما في ذلك، وإنّ من يُبعّض في نصوص الوحي ويأخذ بجانبٍ دون جانب يقع في الزيغ حتماً، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾[39] ، فلا ينال فهم الشريعة على وجه حقيقتها؛ وللأسف الشديد فقد جُمّد هذا الباب قرابة ألف سنة، وهو خللٌ في الفهم مع وافر الاحترام لمقام الأعلام الكبار.

السيرة السياسية والعسكرية لعلماء الإمامية عبر التاريخ

ولماذا يخاطر العلّامة الحلّي (رحمه الله) بنفسه ويستفرغ وسعه ليحوّل مسار الدولة المغولية بعد إسلامها إلى المذهب الإماميّ؟ وهل يُعقل أن يُنجز العلّامة الحلّي، وهو قطبٌ من كبار أركان المذهب، هذا التحوّل الاستراتيجيّ المصيريّ في مجلس مناظرةٍ واحد؟ ولماذا يضطلع بهذا الدور القياديّ في دولةٍ مترامية الأطراف بلغت فتوحاتها تخوم بلغاريا — حيث لا تزال الشواهد والآثار قائمةً هناك إلى يومنا هذا، وتوجد بيوتٌ من المؤمنين الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) في تلك الأصقاع زارها بعض الثقات — ولماذا لم يكن مسلكه منكفئاً أو منعزلاً عن ميادين السياسة وتدبير القوّة؟

وكذلك الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) الذي تتلمذ على يديه الشيخ المفيد، هل كان منكفئاً عن مجريات الحكم والسياسة وهو من أعمدة المذهب؟ اقرؤوا تاريخ علاقة الشيخ الصدوق بملوك الدولة البويهيّة كالملك ركن الدولة في مصادر الإماميّة، وانظروا أيضاً في سيرة العلّامة الحلّي؛ فقد كان علامةً في التنظير وعلامةً في الإدارة والتدبير، ونجم الطائفة اللامع في كلا الميدانين، إذ استطاع بحكمته أن ينقل دولةً تعادل ثلاثين دولةً إلى منهاج التشيّع، فهل يُتوهّم أنّ ذلك تحقّق بمجرّد كلمةٍ عابرة أو مجلسٍ يتيم، أم كان ثمرة شبكةٍ واسعةٍ من العلاقات والنشاط السياسيّ الدقيق الذي لم يشغله عنه مقامه العلميّ وتدريسه الحوزويّ؟

والحاصل: أنّ لنا في العلّامة الحلّي أسوةً حسنة، ولنا في الشيخ الصدوق أسوةً حسنة، ولنا في المحقق الكركيّ[40] والشيخ البهائيّ اللذين قامت على أكتافهما أركان الدولة الصفويّة أسوةً حسنة، وكذلك المجلسيّ الأب والابن؛ وهؤلاء كلّهم من أفذاذ علماء المذهب وعظمائه، فهل انزووا عن رعاية شؤون القوّة وإدارة السياسة؟ كلّا وأبداً، بل هذا مسلكٌ أصيلٌ متجذّر في امتداد المذهب وتأريخه. [41]


[3] يُنظر في تفصيل ضابطة البيان التدريجي للأحكام والفرق بين زمان البيان وزمان المبَيَّن في المباحث الأصولية: الخوئي، أبو القاسم. مصباح الأصول.. تقريرات السيد محمد سرور الواعظ البهسودي، مطبعة الداوري، ط1، 1409هـ، ج3، ص292. — المحقق
[6] هو أبان بن عثمان الأحمر أو عمر بن أبان الكلبي، من وجوه أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) ورواتهم المعتمدين. — المحقق.
[7] مصطلحٌ رجاليّ أطلقه الكشّي على ثمانية عشر رجلاً من أجلاّء الرواة من أصحاب الأئمّة الباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام)، أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه والتصديق. — المحقق.
[11] يُنظر: منهاج الصالحين، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج1، ص360.. وما بعدها، كتاب الجهاد. — المحقق
[14] الجهاد الابتدائيّ: هو قتال الكفّار والمشركين ابتداءً بإذن المعصوم أو نائبه لدعوتهم إلى توحيد الله تعالى وتحريرهم من هيمنة الطّواغيت وإزالة موانع الهداية، قبال الجهاد الدّفاعيّ. — المحقق.
[34] الكلاعي، سليمان بن موسى. الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء.. ج3، ص273
[35] يُنظر بحث اشتراط إذن الإمام في الجهاد ومناقشته في: كفاية الأحكام، المحقق السبزواري، ج1، ص74.
[36] يُنظر الحديث في: الشجري، يحيى بن الحسين. الأمالي الخميسية.. تحقيق محمد حسن إسماعيل، ط1، دار الكتب العلمية، ج2، ص371، ح2796
[37] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق محمد حسين الدرايتي، ط1، دار الحديث، ج9، ص357، ح4
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo