« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/03/01

بسم الله الرحمن الرحيم

الجهاد وإعداد القوة في عصر الغيبة الكبرى

الموضوع: الجهاد وإعداد القوة في عصر الغيبة الكبرى

قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[1] ؛ هذا الأمر القرآني العظيم يختلف جوهريّاً عن الأمر باستعمال القوة وإعمالها، فإنّ إعداد القوة يمثل هدفاً رادعاً وناعماً، وإن كانت القوة في ذاتها خشنة وساخنة؛ إذ الغاية منه ردع العدو عن الاعتداء ابتداءً.

والقاعدة هنا: أنّ أصل الاحتفاظ بالقوة وصيانتها وتنميتها أمر متفق عليه فتوائيّاً بين فقهاء الإمامية من المتقدمين والمتأخرين، حتى عند من لم يستوفِ منهم مباحث كتاب الجهاد أو الفقه السياسي تفصيلاً، وموضع هذه المسألة معنون في المكاسب المحرمة عند عموم الفقهاء في حرمة بيع السلاح لأعداء الدين[2] ؛ إذ المقصود بـ«السلاح» هو مطلق القوة العسكرية التي يلزم الاحتفاظ بها وتنميتها. وتأسيسًا على ذلك، فإنّ الاحتفاظ بالسلاح وتنمية القدرة العسكرية مسألة، وإعمال القوة واستخدامها في الميدان مسألة أخرى مغايرة تماماً.

أقسام إعمال القوة ومفهوم الردع

ثم إنّ إعمال القوة ينقسم إلى نوعين:

إعمال عبر القوة الناعمة.

وإعمال عبر القوة الساخنة.

بل حتى القوة الساخنة في حد ذاتها قد يكون استعمالها ناعماً وقد يكون ساخناً، على غرار ما هو معهود ومستقر في العرف البشري المعاصر من أنّ السلاح النووي يُستعمل غالباً استخداماً ناعماً رادعاً؛ نظراً إلى أنّ الاستعمال الساخن له يؤدي إلى فناء الطرفين وتدميرهما، وإنما الغرض الأساس منه هو الردع وحفظ التوازن. وعليه، فإنّ مجرد الاحتفاظ بالسلاح يُعد نمطاً من الردع وضمانةً تامة للدفاع والأمن العام. ولكن مما يؤسف له أنّ هذه البحوث لم تُعالج بهذا المنظار التحليلي والتبويب والتقسيم العصري عند الأعلام في كتاب الجهاد، مع مسيس الحاجة وشدة الضرورة إليها.

والمراد: في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [3] ليس قاصراً على القوة العسكرية وحدها؛ لكون الآية الكريمة لم تُقيّد القوة بالسلاح، بل أطلقت عنوان «القوة»، فاستوعبت بذلك سائر أبعادها المتنوعة التي لا غنى عنها في بنية الأمة.

والحاصل: أنّ إحدى الآليات الدفاعية الأساسية هي عين الاحتفاظ بالقوة وتنميتها من دون حاجة إلى إعمالها المباشر. ومن هنا يظهر التمايز الدقيق بين عنوان «الجهاد»، وعنوان «القتال»، وعنوان «القتل»؛ فالقتال لا يُرادف القتل حتماً، وإنما يمثل توظيفاً للقوة العسكرية بوصفها أداة ضاغطة، ولا يستلزم بالضرورة الخوض في الحرب الساخنة، بل يتحقق أحياناً بالاستعمال الناعم عبر التلويح وإرهاب العدو وإرعابه.

مراتب القوة العسكرية وتدرجها

ومراتب القوة العسكرية: تتدرج في مراتب متعددة:

المرتبة الأولى: صيانة القوة والاحتفاظ بها وتنميتها، وهي مرتبة تمهيدية تسبق الضغط بالفعل.

المرتبة الثانية: التلويح بها وممارسة الضغط العسكري بها.

المرتبة الثالثة: الاستعمال الساخن المباشر، وهذا الاستعمال نفسه مقيد بكونه منظماً ومبرمجاً وفق الضوابط الشرعية، لا بنحو عشوائي أو فوضوي انفلاتي.

تنبيه: ينبغي الالتفات إلى هذه البنود والأسس المنهجية قبل استعراض البيانات الصادرة عن الإمام الباقر والإمام الصادق وبقية الأئمة (عليهم السلام) في تقرير أنّ الجهاد لا يُعطّل بحال؛ إذ إنّ أحد المعاني الجوهرية لعدم تعطيل الجهاد هو تنامي القوة العسكرية وصيانتها وحفظ جاهزيتها، لكون ذلك يُمثّل إحدى الركائز الابتدائية للجهاد.

وقبل الدخول في استقراء روايات أهل البيت (عليهم السلام) المودعة في الأصول الجامعة ككتاب «الكافي» للشيخ الكليني[4] ، و«تهذيب الأحكام» للشيخ الطوسي[5] ؛ يتعين الإذعان بأنّ ديمومة القوة العسكرية لا تستلزم استدامة الحرب الساخنة؛ لأنّ مفهوم الحرب أوسع من القتال، وتتنوع أشكالها بين الناعمة والباردة والساخنة والسيبرانية، فالجانب العسكري له مصاديق متعددة، والتقصير في إعداده وصيانته يُعدّ ضرباً من الوهن والضعف المحرّم على صعيد النظام السياسي العام.

إنَّ ديمومة الجانب العسكري ضروريّة لتحقيق التوازن، وليس معنى القول بلزوم ديمومة الجهاد وديمومة القوة العسكرية هو ديمومة استعمال القوة الساخنة والحروب؛ إذ إنّ الحروب متى ما كانت لدفع العدوان لم تكن مسارَ بغيٍ أو منكراً، بل هي مسار معروف يتمثل في كسر شوكة المعتدي، كما أنّ سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله) أُحصي له في عشر سنين قضاها في المدينة المنوّرة ما بين ثمانين إلى ستٍّ وتسعين معركة حربية، ولم يكن ذلك إلا لإزالة موازين القوى الجائرة، وتفكيك منظومات الظلم الغاشمة، وإحلال نظامٍ عادل يعيش البشر في ظله بأمنٍ وسلام.

والشاهد القرآني: قد بيّن القرآن الكريم هذه الفلسفة وتلك الغاية بوضوح في سورة النساء، في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾[6] ؛ فالمستهدف بالنصرة ليس خصوص المسلمين أو المؤمنين فحسب، بل عموم المستضعفين من بني الإنسان؛ إذ إنّ من أعظم غايات الجهاد ورسالاته نصرة المظلومين، على نحو ما تقتضيه الغاية الإلهية الكبرى المنصوص عليها في الروايات المتواترة من أنه: «يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»[7] ، مما يعطي دلالة قطعية على أنّ باب الجهاد لا يوصد ولا يغلق.

أقسام الجهاد: الابتدائي والدفاعي

والحاصل في تقسيم الجهاد: أنّ الجهاد ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول (الجهاد الابتدائي): وهو فتح البلدان لغرض إنقاذ الشعوب المستضعفة وإقامة حكم الإسلام العادل، وهو بالمنظور الحقوقي العام ضربٌ من الدفاع عن المستضعفين والمحرومين، إلا أنّه في الاصطلاح الفقهي يُسمّى «جهاد الدعوة» أو «الجهاد الابتدائي».

القسم الثاني (الجهاد الدفاعي): وهو الدفاع عن حوزة الإسلام، وعن نفوس المسلمين والمؤمنين وأراضيهم وبلادهم، وهذا القسم لا ريب ولا خلاف في أنّه لا يُعطّل ولا يُجمّد بحال، بل لا يُشترط فيه إذن الإمام المعصوم (عليه السلام) أصلاً، وإن كانت إدارة نظامه وترتيب شؤونه موكولة إلى المعصوم أو نائبه الفقيه.

الخلاف الفقهي في مشروعية الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة

المسألة الخلافية في الجهاد الابتدائي: أمّا الجهاد الابتدائي وجهاد الدعوة، فقد وردت فيه نصوص متضافرة؛ ومن الشواهد التاريخية الجديرة بالالتفات أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) عاتب حكّام بني أمية على تضييع هذه الفريضة بقسميها[8] ، وهي رواية شريفة لم يتطرق إليها الفقهاء في مباحثهم الفقهية لهذا الباب.

وقد دلّت عمومات الآيات والروايات الكثيرة على حصرية ولاية الجهاد الابتدائي بالإمام المعصوم (عليه السلام) دون غيره، وهو مقتضى ما استنبطه فقهاء الإمامية طيلة عشرة قرون، فذهب المشهور إلى اختصاص صلاحية إعلان الجهاد الابتدائي بالمعصوم، ونفي مشروعيته في عصر الغيبة للفقهاء.

الاتجاه المقابل: بينما خالف المشهورَ المحققُ الميرزا محمد باقر السبزواري، فمال إلى احتمال كون الجهاد الابتدائي من الأمور الحسبية التي لا تقبل التعطيل في عصر الغيبة الكبرى، فيتصدى لها الفقيه الجامع للشرائط من باب الحسبة[9] ، وقد وافقه السيد الخوئي على هذا المسلك في «منهاج الصالحين»[10] ؛ بل إنّ تنظير السيد الخوئي في هذا الموضع جاء أوسع وأشد صراحة، فرغم عدم تبنيه ذلك صريحاً في متن الرسالة العملية العامة، إلا أنّه في المنهاج قرّر بوضوح أنّ هذا الباب من الجهاد لا يسوغ تعطيله في عصر الغيبة الكبرى، بل ينوب الفقيه فيه عن الإمام من باب الأمور الحسبية مع الاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص في تدبير شؤونه.

لكنَّ السيد الخوئي (رحمه الله) في كتاب المنهاج يرى أنّ هذا الباب أيضاً من الجهاد لا يُعطَّل في الغيبة الكبرى ولا يمكن أن يُعطَّل، فمن باب الأمور الحسبيّة ينوب الفقيه عن الإمام مع الاستعانة بأهل الخبرة[11] .

نيابة الفقيه في الجهاد قياساً على القضاء

والتحقيق بعد التأمل والتدبر: أنَّ ما انتهى إليه عامّة الفقهاء صحيحٌ من جهة كون هذه الصلاحيّة حصريّةً بالإمام المعصوم (عليه السلام) أصالةً، بيد أنّ ذلك لا ينهض دليلاً على تعطيلها في زمن الغيبة الكبرى؛ والوجه في ذلك: أنَّ هذا اللسان الحاصر لسلطة النشاط العسكري والتوسّع للدولة الإسلاميّة وإنقاذ الشعوب المستضعفة بالإمام المعصوم (عليه السلام)، قد ورد بعينه وبشدّته وحصريّته في باب السلطة القضائيّة، ومع ذلك لم يستفد الفقهاء من لسان الحصر هذا تعطيلَ القضاء في عصر الغيبة، وإنّما جمعوا بينه وبين أدلّة نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم (عليه السلام)، لا سيّما مع ورود التصريح بها في شأن القضاء.

الشاهد من كلام المتقدّمين: ما قرّره الشيخ المفيد في المقنعة[12] ، حيث ذكر أنّ أيّ فقيهٍ من فقهاء الإماميّة إذا تولّى القضاء — ولو في ظلّ دولة جورٍ لبني العبّاس أو بني أميّة — فلا بدّ أن يوطّن نفسه ويعتقد جازماً بأنَّ الإذن وهذه الصلاحيّة صادرةٌ له من قِبل الإمام المعصوم (عليه السلام) لا من حكّام الجور، فهو حينئذٍ يقضي بوصفه يداً من أيدي الإمام؛ تطبيقاً لمفاد المقبولة: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا، وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَارْضَوْا بِهِ حَكَماً؛ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً»[13] .

والقاعدة هنا: أنّ المورد لا يخصّص الوارد؛ فلفظ «الحاكم» أعمّ من منصب القضاء المجرّد ليشمل ولاية الشأن السياسيّ والتنفيذيّ، نظير قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[14] ، فإنّ حاكميّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم تكن قضائيّةً فحسب، بل كانت سياسيّةً وتدبيريّةً أيضاً.

والحاصل: أنّ الأدلّة الدالّة على حصريّة جهاد الدعوة بالمعصوم (عليه السلام) لا غبار عليها، ولكن هل مقتضى ذلك نفي شمول أدلّة النيابة لهذا المورد؟ الجواب بالنفي؛ إذ اللسان عينه ورد في القضاء الذي جاءت فيه نصوص حصريّة مشدّدة، كقول أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح: «يَا شُرَيْحُ، قَدْ جَلَسْتَ مَجْلِساً لَا يَجْلِسُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ، أَوْ شَقِيٌّ»[15] ، فالمنصب بالأصالة مخصوصٌ بالنبيّ أو وصيّه، ثمّ عُدّي للفقيه بالنيابة بقولهم (عليهم السلام): «فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً»، وبقول الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في التوقيع الرفيع: «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا، فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ»[16] ، ولم يرَ الفقهاء بين لسان الحصر ولسان النيابة أدنى تعارضٍ أو تناقض.

والنتيجة: أنّه إذا كانت الصلاحيّة الحصريّة للإمام المعصوم (عليه السلام) في الجهاد والتوسّع العسكريّ تقبل النيابة الخاصّة في عصر الحضور — بإنابة الإمام لأمرائه وقادته كمالك الأشتر، وعمّار بن ياسر، ومحمّد بن أبي بكر، وقيس بن سعد بن عبادة (رضوان الله عليهم) — فإنّها تقبل النيابة العامّة في عصر الغيبة الكبرى كذلك، ولا تنافي في البين طالما أنّ الحاكم الفقيه يمارس هذا التصدّي بتوليةٍ ونيابةٍ مستندةٍ إلى الإمام المعصوم (عليه السلام)، لا استناداً إلى انتخابٍ أو عقدٍ اجتماعيٍّ بشريّ.

وهذا التقعيد يفسّر متانة ما ذهب إليه الميرزا باقر السبزواريّ الخراسانيّ[17] ، الذي كان مرجع العصر في زمانه وجامعاً بين الفقه والأصول والحكمة المتعالية، ومعاصراً لآقا حسين الخوانساريّ؛ حيث بنى على أنّ ملاكات الجهاد وغاياته لا تقبل التعطيل في عصر الغيبة.

وأمّا آقا حسين الخوانساري صاحب كتاب «مشارق الشموس في شرح الدروس»[18] ، والد آقا جمال الخوانساري، فهؤلاء العلماء كانوا معاصرين، وما ذهب إليه في محلّ متين؛ إذ استشهدوا بأنّ آيات الجهاد وفلسفته لا تقبل التعطيل، وهو كلامٌ صحيح.

والحاصل: أنّه زيادةً على ما ذكرنا، نلاحظ أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) يعاتب النظام الأمويّ، لا على مجرّد ظلم العباد، بل على عدم قيامهم بوظائف الدولة الإسلامية؛ ونرى بُعد أفق الإمام الباقر (عليه السلام) في تنظيره وتطلّعه وحواره مع السلطة الأموية في المسؤوليات العامة لكيان الإسلام، حيث يرى أنّهم قد ضيّعوا الجهاد؛ فحتى الفتوحات التي قام بها بنو أمية يرى الإمام الباقر (عليه السلام) أنّهم مقصّرون فيها، لا على نحو العنجهية التي كانوا يمارسونها أو الليالي الحمراء، ولكنّ الكلام في أصل مدّ كيان الإسلام ونشره إلى بلدان العالم وشعوبه.

والشاهد فيه: قول الإمام الباقر (عليه السلام) في رسالته: «وَمِنْ ذَلِكَ مَا ضَيَّعُوا مِنَ الْجِهَادِ الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَفَضَّلَ عَامِلَهُ عَلَى الْعُمَّالِ تَفْضِيلًا فِي الدَّرَجَاتِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ»[19] ؛ ولماذا فضّله الله؟ يقول (عليه السلام): «لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الدِّينُ، وَبِهِ يُدْفَعُ عَنِ الدِّينِ». ومع أنّ بني أمية هم ﴿الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [سورة الإسراء: 60]، لكن مع ذلك يقول الإمام الباقر (عليه السلام): لماذا هذه الوظيفة العظيمة من الجهاد الابتدائيّ فرّطتم وقصّرتم فيها وقد تسنّمتم وتربّعتم على مقاليد السلطة؟ وحيث إنّ هذا من وظائف السلطة في دين الإسلام، فلماذا لا تقومون به؟ فبُعد نظر المعصوم أفقٌ آخر.

ومطابق ذلك: ما وجدناه من شواهد وقصاصات في مصادر العامة تدلّ على أنّ تدبير الفتوحات في فتح فارس والقادسية ونهاوند، وفتح الروم في اليرموك وجلولاء وقنسرين، كان بتدبيرٍ ومشورةٍ من أمير المؤمنين (عليه السلام)[20] .

سيرة أهل البيت في تقويم انحرافات السلطة الحاكمة

وهذه سيرةٌ عظيمةٌ لدى أمير المؤمنين والحسن والحسين والسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والحسن العسكري (عليهم السلام)؛ ففي حالة التقصير يسعَون لتقويم تقصير الدولة السقيفية أو الأموية أو العباسية وقصورها، وإقامة اعوجاج الدولة.

ومثال ذلك: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يمرّ على قضاءٍ أو إقامة حدودٍ أو نزاعٍ لدى الأوّل وهو لا يعرف كيف يفصل الخصومة، أو يفصلها بغير الموازين الصائبة، فيردعه أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ وتجد أنّ له مداخلاتٍ في السلطة القضائية في عهد الأوّل والثاني والثالث؛ وما ذلك إلا لأنّ هذه المسائل ليست راجعةً إلى سلطة هؤلاء الحكّام، بل هي راجعةٌ إلى صيانة كيان الإسلام؛ فهذه الدولة تركة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تركة غيره، ولا يجوز التفريط في تركة الرسول، وهي حضارةٌ بناها وأنجزها (صلى الله عليه وآله)، وهذا وجهٌ مركّبٌ من دليلٍ شرعيّ وعقليّ يلزمنا بالمسؤوليات السياسية والعسكرية وإقامة النظام الصالح.

والنتيجة: أنّ سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت قائمةً على تقويم اعوجاج السلطة القضائية أو السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية؛ فهو (عليه السلام) يفكّك بين ملفّ الدولة الإسلامية بوصفها تراثاً وتركةً لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وبين السلطة الحاكمة. وهذا ممّا لا يميّزه كثيرٌ من الناس أو المدونات الفقهية؛ فنظام الإسلام لا صلة له بشخص الحاكم الجائر، بل يرتبط بكون هذه الحضارة النبوية مستمرةً ومستدامةً تجب رعايتها وإصلاحها وتقويم العِوَج والأَوَد فيها.

إذا وازَنّا بين واقع الدُّول والمجتمعات الإسلاميّة — فضلًا عن مجتمعات المؤمنين — نجد أنّها ترفل في سعادةٍ روحيّةٍ وإن كانت نسبيّة، في حين ترزح المجتمعات الغربيّة والرأسماليّة تحت وطأة الكآبة وكبت الرّوح، حتّى غدت حواضرهم تُعرَف بمدن الكآبة؛ ومن ثَمَّ فإنّنا نحيا في ظلال حضارة النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) وفي رحاب ذلك النّور والأمان والاطمئنان الّذي أورثه (صلّى الله عليه وآله) للمسلمين ببركة ستٍّ وتسعين غزوةً وسريّةً خاضها في سبيل تثبيت هذا الكيان.

والشّاهد في ذلك: ما ورد في الرّواية الصّحيحة العليّة في كتاب «الكافي» للشّيخ الكلينيّ عن الإمام الصّادق (عليه السّلام) قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي السَّيْفِ، وَتَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ، وَلَا يُقِيمُ النَّاسَ إِلَّا السَّيْفُ، وَالسُّيُوفُ مَقَالِيدُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»[21] .

والمراد بالسّيف هنا: مطلق القوّة العسكريّة لا خصوص إعمالها بالقتل أو القتال المباشر؛ فإنّ لتوظيف القوّة مراتبَ شتّى، تبدأ من مجرّد امتلاك القوّة وتخزينها بوصفها عنصرَ ردعٍ يُلجم الطّرف المقابل ويضغط عليه، وصولًا إلى بسط موازين العدل؛ فالقوّة العسكريّة قوّةٌ رادعةٌ ومربّيةٌ لجموح الشّهوات والنّزوات البشريّة ووحشيّتها، وتكون مقاليدَ للجنّة إن استُعمِلَت في إقامة العدالة، أو مقاليدَ للنّار إن استُعمِلَت في البغي والجور والنزول إلى مهاوي الظّلم.

وممّا يؤيّد ذلك أيضًا: ما جاء في روايةٍ معتبرةٍ أخرى في الباب نفسه عن الإمام الصّادق (عليه السّلام) أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالْإِسْلَامِ إِلَى النَّاسِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا حَتَّى أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ، فَالْخَيْرُ فِي السَّيْفِ وَتَحْتَ السَّيْفِ، وَالْأَمْرُ يَعُودُ كَمَا بَدَأَ»[22] .

ومقتضى ذلك: أنّ الدّين لا قوام لانتشاره إلّا في ظلّ قوّةٍ عسكريّةٍ تحميه؛ إذ إنّ الطّواغيت والأنظمة الجائرة لا تُمكِّن الشّعوب المستضعفة من تنفّس نسيم الحياة، فحينما يدفع المسلمون عن أنفسهم في هذه الحروب، فإنّهم في واقع الأمر يذودون عن تلك الشّعوب المستضعفة أيضًا؛ لأنّ إضعاف هيمنة تلك الأنظمة الرأسماليّة يُتيح لشعوبها أن تتنفّس الصّعداء.

والحاصل: أنّ هذه هي سيرة الإمامين الباقر والصّادق (عليهما السّلام) في الحثّ على إعداد القوّة العسكريّة وصيانتها، خلافًا لمن يتوهّم التّفريق والقطيعة بين سيرة الإمام الحسين (عليه السّلام) وسيرة سائر الأئمّة (عليهم السّلام)؛ فالإمام الباقر (عليه السّلام) يؤكّد هو الآخر أنّ الخير كلّه في السّيف وتحت السّيف وفي ظلّ السّيف، فالقوّة العسكريّة ركيزةٌ لا غنى عنها كما قرّر الإمام في رسالته لبني أميّة.

تنبيه: لقد قامت سيرة أمير المؤمنين وسائر الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) على التّدخّل المستمرّ لتقويم زيغ السّلطات القائمة وإصلاح اعوجاجها، سواءٌ في عهد بني السّقيفة أو بني أميّة أو بني العبّاس.

ومن شواهد ذلك: تدخّل الإمام الجواد (عليه السّلام) لبيان الموضع الشّرعيّ لقطع يد السّارق وأنّه من مفصل أصول الأصابع دون الكفّ[23] [24] ، وكذلك المداخلات المشهورة للإمام الهادي (عليه السّلام) في جملةٍ من الحدود الشّرعيّة، وهي نصوصٌ مستفيضةٌ في مدوّنات الحديث كـ«وسائل الشّيعة»؛ مِمّا يُبرهن على أنّ سيرة أهل البيت (عليهم السّلام) جرت على التّدخّل المصيريّ في المنعطفات الكبرى للدّولة، غضًّا للنّظر عن هويّة الحاكم القائم عليها؛ لأنّ أصل الدّولة كيانٌ نبويٌّ وحضاريٌّ وتركةٌ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) تجب رعايتها.

فائدة: يُضاف إلى ذلك انتهاجهم لأسلوب الاختراق السّياسيّ والإداريّ لحفظ مصالح الأمّة، كما تجلّى في تجربة عليّ بن يقطين المأمور بالتّصدّي للوزارة من قِبَل الإمام الكاظم (عليه السّلام) [25] ، فضلًا عن وجود ستّة عشر فقيهًا من أعلام أصحاب الأئمّة وتلامذتهم ممّن جمعوا بين المرجعيّة الفقهيّة في عصرهم وبين تولّي المناصب الإداريّة والوزارات في جسم الدّولة.

ومثال ذلك: ما نجده في تراجم رجالٍ كعبد الله بن سنان ومحمد بن إسماعيل بن بزيع[26] ؛ إذ كانا من وجوه أصحاب الأئمة وثقاتهم، وجمعا بين تصدّيهما لمواقع إدارية ووزارية في الدولة الأموية والعباسية، وبين كونهما من الفقهاء والمراجع الذين ترجع إليهم الشيعة في معالم دينهم، الأمر الذي يدلّ بوضوحٍ على أن المؤمنين كانوا واثقين تمام الوثوق بإخلاصهما وتقيّدهما بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) على الرغم من وجودهما في مفاصل الحكم؛ فليس الموقف مقتصراً على المقاطعة المطلقة، بل قد يتعدّاه إلى الاختراق السياسي والإداري لتحقيق المصالح العليا، نظير ما كان من تقلد سلمان المحمدي ولاية المدائن[27] ، وهو ما يبرهن على أن تصحيح مسار الدولة وإقامة عِوَج النظام يكون تارةً بالاختراق المباشر، وأخرى بالتدخل والتوجيه من خارج أروقة السلطة لتدارك الزيغ والخلل في السلطتين القضائية والتنفيذية.

والشاهد فيه: أن الحاكم حينما كان يعجز عن التدبير وانسداد وجوه الرأي، ويستشير الصحابة فلا يجد عندهم مخرجاً سديداً، يضطر إلى استدعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) مستنجداً: «يا أبا الحسن، هذا دين ابن عمّك، وهذا تراث وتركة ابن عمّك»، فيتدخل أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمشورة والحلول الحاسمة؛ لا لأجل تعزيز موقع الحاكم أو تثبيت سلطانه، بل صيانةً لكيان الإسلام وحفظاً للنظام الذي شيّده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لكون الدولة بتمامها تركةً نبويةً لا يجوز التفريط فيها.

والحاصل: أن سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من خارج السلطة كانت قائمةً على رصد انحرافات السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية وسائر مرافق الدولة العسكرية والمالية، وتقويم عِوَجها؛ حتى وصل الأمر إلى معالجة العجز في التخطيط العمراني والنقدي لدى بني أمية بتوجيهٍ وإشرافٍ من الإمام الباقر (عليه السلام)[28] ، ولم يكن ذلك رغبةً في مداراة بني أمية وحاشاهم من ذلك، بل لأن هذا النظام موضوعٌ لمجموع الأمة الإسلامية ومستقبلها، فالنظام العام مغايرٌ تماماً للسلطة القائمة المؤقتة، ويجب عقلاً وشرعاً التفكيك المنهجي بين أصل الكيان الحضاري للدولة الإسلامية وبين شخوص الحكّام الجائرين.

المسؤولية الإنسانية العامة: تجربة النبي يوسف (عليه السلام)

والقاعدة هنا: أن هذا التكليف الإصلاحي لا ينحصر في دائرة السلطة الإسلامية فحسب، بل يمتدّ إلى النظام الإنساني العام؛ كما تجلّى ذلك في سيرة نبي الله يوسف (على نبينا وآله وعليه السلام) حين حافظ على استقرار النظام وإدارة شؤون الحكم في مصر، على الرغم من كون النظام كافراً والشعب غير مؤمن، وذلك انطلاقاً من المسؤولية الإنسانية الكبرى في إرساء دعائم العدل، وتجنيب مجتمع مصر والشعوب المجاورة خطر المجاعة والأزمة التموينية التي كانت ستفضي حتماً إلى كوارث أمنية وحروب مدمرة، فتفادى ذلك النبي (عليه السلام) بسياسةٍ زراعيةٍ وماليةٍ وتموينيةٍ محكمة، درءاً للفساد وحقناً لدماء البشر، فالجانب الإنساني يدخل في صميم مسؤوليات المؤمن حتى في البيئات غير الإسلامية؛ إنقاذاً للإنسانية من المهالك، وجرياً على مقتضى قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾[29] ، وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾[30] ، وقوله جلّ شأنه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾[31] ؛ وهو خطابٌ عام لا يختص بديار المسلمين، بل يرسم وظائف شرعية ومسؤوليات كونية للمؤمن لا تقبل التعطيل.

والدليل عليه: ما استدلّ به الإمام الرضا (عليه السلام) فيما رواه الحرّ العاملي في الوسائل[32] ، ردّاً على من اعترض على قبوله الدخول في ولاية العهد عند المأمون العباسي؛ إذ احتجّ (عليه السلام) بأن يوسف (عليه السلام) كان نبيّاً ومع ذلك دخل في سلطة ملكٍ مشرك، بل طلب الولاية بمبادرةٍ منه حين قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾[33] ، بينما هو (عليه السلام) وصيٌّ دخل في دولةٍ ظاهرها الإسلام مع كونه مكرهاً مجبراً على ذلك، فما وجه الإنكار حينئذٍ ما دام الغرض المتوخى هو الإصلاح وإقامة العدل.

سورة يوسف: إنَّ ما يقصّه علينا القرآن الكريم في سورة يوسف ليس لمجرّد العِظة أو الدغدغة القصصيّة، وإنَّما هو لبيان السُّنن والأحكام الإلهيّة؛ كما بيّن القرآن الكريم أنَّ حماية المستضعفين من غير المسلمين تُعدّ من الوظائف الأساسيّة لكيان الدَّولة الإسلاميّة وتكليفاً ملقىً على عاتق المسلم والمؤمن[34] ؛ فالمسؤوليّة إذن جسيمةٌ جدّاً في عمارة الأرض، وينسحب هذا الحكم على سائر موارد إصلاح البشر وتشييد نظامهم العادل، كما تجلّى ذلك في سُنّة النَّبيّ يوسف (عليه السلام).

الاحتجاج بمقامات المصطفين لإثبات الإمامة

وفي لفتةٍ أخرى: أجاب الإمام الرّضا (عليه السلام) مَن اعترض عليه في قبوله ولاية العهد ودخوله في هيكليّة السُّلطة العبّاسيّة، بأنَّ ما حمله على ذلك هو عينُ ما حمل جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) على الدُّخول في الشّورى[35] [36] ؛ إذ يُطرح التّساؤل: لِمَ رضي (عليه السلام) بأن يكون ضمن الأعضاء الستّة؟ ولِمَ جادل الخمسة الآخرين بأنَّ الخلافة حقٌّ إلهيٌّ منحصرٌ فيه بتنصيبٍ من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)؟

وقد أورد أمير المؤمنين (عليه السلام) في مناشدته المشهورة المرويّة في مصادرنا سبعين دليلاً وحجّةً مستقلّة على إمامته وأولويّته بالخلافة[37] ، فكان ممّا احتجّ به (عليه السلام):

استدلّ بأنَّ زوجته فاطمة الزّهراء (عليها السلام) هي سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين.

واستدلّ بأنَّ ولديه هما سبطا هذه الأمّة، الحسن والحسين (عليهما السلام)، سيّدا شباب أهل الجنّة.

واستدلّ بدليلٍ مستقلّ بأنَّ عمّه الحمزة (عليه السلام) هو أسد الله وأسد رسوله؛ ووجه الدلالة: أنَّه لو كان الحمزة (عليه السلام) رجلاً عاديّاً لما صحّ الاحتجاج بمقامه في مقام إثبات الإمامة والخلافة الإلهيّة، ولانعدم التّناسب العقليّ والبرهانيّ بين المقدّمة والتّالي إن لم يكن من المصطفين الأخيار.

واستدلّ بدليلٍ مستقلّ بأنَّ أخاه جعفراً (عليه السلام) هو الشّهيد الطّيّار في الجنّة مع الملائكة؛ والبرهان فيه: ما وجه التّلازم بين ثبوت المقام الأخرويّ لجعفر الطّيّار وبين كونه دليلاً على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) لولا الاصطفاء والعصمة؟

والحاصل: أنَّ هذا النَّمط من الاستدلال ليس مقتصراً على أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل استدلّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سؤدد نبوّته وفضله على سائر الأنبياء بمنزلة عمّه الحمزة ومقام أخيه جعفر؛ فكيف يستقيم الاحتجاج بهما على مقام الاصطفاء النَّبويّ لو لم يكونا من المعصومين المصطفين؟ والبيان عينه يجري في إثبات عصمة عليّ الأكبر، وعصمة عليّ الأصغر، وعصمة سُكينة وفاطمة بنتي الحسين (عليهم السلام)؛ إذ إنَّ كلّ ذلك مُبتنٍ على براهين وأدلّةٍ كلاميّة وليس من قبيل التّمدّح المحض.

فائدة: إنَّ هذا المبحث ممّا قلَّ مَن خاض فيه من الأعلام؛ والشيخ الصّدوق (رحمه الله) ممّن تعرّض لهذه المباحث وأفرد لها تصانيف مستقلّة، فصنّف كتاباً في الفضائل الاصطفائيّة للحمزة (عليه السلام)، وكتاباً في الفضائل الاصطفائيّة لجعفر (عليه السلام) [38] ، وكتاباً ثالثاً في الفضائل الاصطفائيّة لأبي الفضل العبّاس (عليه السلام)، بيد أنَّ هذه الكتب الثّلاثة فُقدت مع ما فُقد من التّراث، ولم ينتهِ إلينا منها إلا ذكر أسمائها والإشارة إليها في مصنّفاته الواصلة إلينا[39] .


[17] المحقق محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري (ت 1090هـ)، صاحب «كفاية الأحكام» و«ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد». — المحقق.
[18] يُنظر: الخوانساري، حسين بن جمال الدين. مشارق الشموس في شرح الدروس.. — المحقق
[20] يُنظر على سبيل المثال مشورته (عليه السلام) في الشخوص لقتال الروم والفرس في: الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. الخطبة 134، والخطبة 146. — المحقق
[23] تفسير العيّاشي، العياشي، محمد بن مسعود، ج1، ص319-320.
[27] يُراجع: الطبرسي، أحمد بن علي. الاحتجاج.. ج1، ص185
[28] يُشير بذلك إلى توجيه الإمام الباقر (عليه السلام) لعبد الملك بن مروان في كيفية صكّ النقود الإسلامية لقطع التبعية لبلاد الروم، وتفصيله مرويٌّ في كتب التاريخ والحديث. — المحقق.
[34] يُنظر في تفصيل الموقف القرآني من حماية المستضعفين: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [سورة النساء: 75]. — المحقق.
[36] الصدوق، محمد بن علي بن الحسين. عيون أخبار الرضا (عليه السلام). ج2، ص139؛ علل الشرائع. ج1، ص239. وأورده أيضاً: الحر العاملي، محمد بن الحسن. وسائل الشيعة.. ج17، ص198، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، باب45، ح2
[39] سورة النساء، الاآیة 75. يُنظر في حصر مصنفات الشيخ الصدوق وفهارس كتبه: النجاشي، أحمد بن علي. رجال النجاشي. ص389، الرقم 1049؛ الطوسي، محمد بن الحسن. الفهرست.. ص237، الرقم 710. — المحقق
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo