« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/02/29

بسم الله الرحمن الرحيم

التفسير الفقهي والعقائدي لنهضة عاشوراء وصلح الإمام الحسن

الموضوع: التفسير الفقهي والعقائدي لنهضة عاشوراء وصلح الإمام الحسن

 

أبعاد المواجهة العسكرية في نهضة سيد الشهداء

كنا في هذا الموضع من بحث التفسير الفقهي والعقائدي لنهضة سيد الشهداء (عليه السلام)؛ حيث انتهى بنا المبحث إلى تقرير أن سيرة سيد الشهداء (عليه السلام) في يوم كربلاء كانت قائمة على المواجهة العسكرية. ولا ينبغي أن يُظنّ أن هذه المواجهة العسكرية في يوم عاشوراء منحصرة في تفسير واحد أو متعيّنة في وجه فقهي مفرد، بل تتعدد وجوهها وأبعادها؛ فليست المواجهة العسكرية يومئذ متمحّضة في الدفاع كما جنحت إليه طائفة من كتابات الباحثين، بل كانت كذلك وثبة واعية لطلب الإصلاح وإقامة الحكم العادل، والشاهد عليه ما ورد في خطبة سيد الشهداء (عليه السلام) في واقعة كربلاء يوم العاشر من المحرم حين خاطب جيش الكوفة قائلاً: « فَأَصْبَحْتُمْ إِلْباً عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ وَ يَداً عَلَى أَعْدَائِكُمْ مِنْ غَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُمْ»[1] .

والشاهد في هذا النص: أنه كلام صادر عن المعصوم (عليه السلام) في نفس يوم عاشوراء، ودلالته ناصعة في شأن إقامة الحكم العادل؛ وتأسيسًا على ذلك، فإن تصوير المواجهة العسكرية لسيد الشهداء (عليه السلام) بأنها متمحّضة في الدفاع فحسب يُعدّ اشتباهاً ومجانبةً للصواب، بل إنها ذات وجوه متعددة وأبواب فقهية واسعة.

والقاعدة هنا: أن كل ما يتقرر في أصل نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) يجري بعينه في تفسير المواجهة العسكرية، فلا تنحصر تلك الوجوه المتعددة المذكورة لتفسير البعد العقائدي والفقهي لنهضته في محطّات مسيره، كخروجه من المدينة إلى مكة، أو موقفه في المدينة المنورة، أو مقامه بمكة المكرمة، أو في أثناء المسير بين مكة وكربلاء؛ من قبيل الجهاد، وطلب الشهادة، والدفاع، وإقامة الحكم الإلهي، والإصلاح في أمة جده، وحماية بيضة الدين، ومناهضة المشروع الأموي، وقطع الطريق عليهم في طمس معالم الشريعة وإبادتها؛ فإن جميع هذه الوجوه ذات الملاكات الفقهية والرؤى العقائدية تنطبق بتمامها على حقيقة المواجهة العسكرية يوم العاشر.

والحاصل: أن حصر المعركة العسكرية في إطار الدفاع المحض ليس بسديد، إذ اشتملت خطب سيد الشهداء (عليه السلام) يوم عاشوراء في جملة من بنودها وفصولها على ترغيب الناس في إقامة حكم العدل والذود عن الدين الحنيف، ولم تكن المسألة مقصورة على البعد المتمثل في إباء الضيم والنزوع الفردي المعبَّر عنه بقوله (عليه السلام): «أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ»[2] ؛ فإن ذلك يمثّل وجهاً واحداً من تلك الوجوه، في حين أن كل ما قرره (عليه السلام) يقع في صلب فلسفة المواجهة العسكرية الشاملة.

تنبيه: إن هذه النكتة ذات شأن بالغ في التحقيق العقائدي والفقهي، ومقتضاها أن الوجوه الفقهية المفسِّرة لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست متقطّعة بحسب المراحل الزمنية لمسيرته الشريفة، بحيث يُقال إن موقفه في مكة له وجه، وموقفه في الطريق له وجه آخر، بل إن تلك الوجوه بتمامها ممتدة حتى إلى نفس ساحة المعركة يوم العاشر من المحرم، لا أنها مقتصرة على الأيام المتقدمة عليه كاليوم التاسع أو الثامن أو غيرهما؛ فكانت مواجهته العسكرية ذات أبعاد شتى صرّح بها (صلوات الله وسلامه عليه) في خطبه المتعددة يوم كربلاء.

صلح الإمام الحسن: استراتيجية القوة الناعمة

الإشكال: هل كانت سيرة سيد الشهداء (عليه السلام) قائمة على خوض حرب دائمة مستمرة؟

والجواب: كلا، ولكن الإمام (عليه السلام) كان يحتفظ بالقوة العسكرية بنحو دائم ومستمر.

والدليل على ذلك: ما جرى في صلح الإمام الحسن (عليه السلام)، حيث كان في واقعه اقتساماً ومشاركة في ممارسة السلطة وتطويقاً لنفوذ الطرف الآخر، ولم يكن تفويضاً كلياً للسلطة لمعاوية، بل كان تحديداً قاطعاً لأطماع معاوية الذي كان يحارب لتأبيد الملك وسلبه في عقبه؛ فجاء الصلح قاطعاً للطريق على تأبيد هذا الملك بإقرار معاوية نفسه وإمضائه على وثيقة الصلح[3] . وحينئذ يُسأل: من المستسلم حقيقةً؟ أهو الإمام الحسن (عليه السلام) أم معاوية الذي أُجبر على التنازل عن رغبته المطلقة في إطلاق الملك وبقائه مخلداً في بني أمية؟

بينما الواقعُ القائمُ أنّ السلطةَ بعدَ معاويةَ — بل في عهدِ معاويةَ نفسِه — كانت متقاسمةً بينَه وبينَ الإمامِ الحسنِ (عليهِ السلامُ)، على نحوِ التقسيمِ البيئيّ والوظيفيّ، كالبيئةِ الصحيّةِ والاقتصاديّةِ والماليّةِ[4] ؛ أي إنّها جغرافيا بيئيّةٌ لا جغرافيا مكانيّةٌ، فهكذا انتظمَ تقاسمُ السلطةِ الذي جرى بينَ الإمامِ الحسنِ المُجتبى (عليهِ السلامُ) ومعاويةَ بنِ أبي سفيانَ.

وهذا المآل: يُعدّ في حقيقتِه ضرباً من استسلامِ معاويةَ، ومن العجيبِ حقّاً تصويرُ الصلحِ على أنّه خلعٌ من الإمامِ لنفسِه عن مقامِ الإمارةِ وتسليمٌ تامٌّ لها لمعاويةَ، أو الادّعاءُ بأنّ معاويةَ ظفرَ بالصلحِ بما عجزَ عن نيلِه بالحربِ؛ إذ هو تصويرٌ زائفٌ مجافٍ لواقعِ ما جرى، بل الحقيقةُ الناصعةُ أنّ الإمامَ الحسنَ (عليهِ السلامُ) كبحَ أطماعَ معاويةَ وبني أميّةَ وقوّضَها، سواءٌ كانَ ذلكَ بلحاظِ مدّةِ حكمِ معاويةَ أم بما يعقبُها، فرضخَ معاويةُ لتلكَ الشروطِ واستسلمَ لها[5] [6] .

والبرهانُ عليه: أنّه لولا امتلاكُ الإمامِ الحسنِ (عليهِ السلامُ) لأوراقِ ضغطٍ وقوّةٍ نوعيّةٍ لمَا تمّ ذلكَ الاتّفاقُ؛ إذ يتوهّمُ كثيرٌ من الباحثينَ أنّ قبولَ الإمامِ بالصلحِ يعني خروجَه صفرَ اليدينِ، غفلةً عن حقيقةِ أنّ مفهومَ «الصلحِ» بذاتِه يتقوّمُ بركنينِ متكافئينِ يملكُ كلٌّ منهما عناصرَ قوّةٍ، وتدورُ بينَهما الموازنةُ والتفاوضُ؛ فلو فُرضَ تجريدُ الإمامِ من القوّةِ والسلطةِ بالكليّةِ، فأيّ معنىً يتبقى للصلحِ حينئذٍ؟! ومقتضى ذلكَ بطلانُ ما يُروَّجُ له من أنّ الصلحَ كانَ بمثابةِ أسرٍ للإمامِ الحسنِ (عليهِ السلامُ)، فكيفَ راجتْ هذه المقالةُ وانطلتْ على أقلامِ الفريقينِ طوالَ عشرةِ قرونٍ؟! في حينِ أنّ الحقيقةَ التاريخيّةَ تُثبتُ بقاءَ أوراقِ الضغطِ والمناكفةِ بيدِ الإمامِ (عليهِ السلامُ)، وأنّه لم يكنْ أسيراً قطّ.

ومن الشواهدِ الدالّةِ على ذلك: بندٌ جوهريٌّ أثبتتْه المصادرُ لمن تتبّعَ قرائنَ الحدثِ واستقصاها، وهو يُظهرُ جليّاً واقعَ المشاركةِ والمشاطرةِ في إدارةِ الأمّةِ؛ حيثُ كانَ أوّلُ شرطٍ اشترطَهُ الإمامُ الحسنُ (عليهِ السلامُ) على معاويةَ هو ألّا يدخلَ الإمامُ الحسينُ (عليهِ السلامُ) في هذا الصلحِ؛ فخلافاً لما يسطرهُ كثيرٌ من الكُتّابِ من دخولِ الإمامِ الحسينِ في الصلحِ، فإنّه (عليهِ السلامُ) لم يدخلْ فيه من جهةِ الإنشاءِ والالتزامِ المباشرِ، وذلكَ حفظاً لتوازنِ القدراتِ والمواقعِ لدى بني هاشمَ؛ ليبقى الإمامُ الحسينُ في حِلٍّ من الالتزامِ وقادراً على ممارسةِ الضغطِ من خارجِ أطرِ السلطةِ، مع التنصيصِ في وثيقةِ الصلحِ على أنّ أمرَ الخلافةِ بعدَ معاويةَ يرجعُ للإمامِ الحسنِ فإن حدثَ به حدثٌ فلأخيهِ الحسينِ (عليهما السلامُ) [7] ، فكانَ الإمامُ الحسينُ (عليهِ السلامُ) بذلكَ آخِذاً للالتزامِ من خصمِه دونَ أن يُعطيَهُ أيَّ التزامٍ من قِبَلِهِ.

والحاصل: أنّ الإمامَ الحسينَ (عليهِ السلامُ) ظلّ محتفظاً بالقوّةِ العسكريّةِ وبخيارِ إعمالِها في أيِّ وقتٍ يراهُ، على الضدِّ من الرؤيةِ القاصرةِ التي تزعمُ أنّ سيرتَه لم تكنْ قائمةً على البُعدِ العسكريِّ وأنّه لم يلتجئْ إليهِ إلّا على سبيلِ الاضطرارِ في آخرِ يومٍ من حياتِه الشريفةِ يومَ عاشوراءَ؛ إذ الواقعُ يُثبتُ أنّه طوالَ عشرينَ سنةً — عشرُ سنينَ منها في حياةِ أخيهِ الإمامِ الحسنِ حتى استشهادِه، وعشرُ سنينَ تلتْها — لم يظفرْ معاويةُ بأيِّ عهدٍ أو التزامٍ في ذمّةِ الإمامِ الحسينِ (عليهِ السلامُ) يقضي بعدمِ استعمالِ القوّةِ العسكريّةِ، فضلاً عن نزعِ سلاحِه.

ولأجلِ ذلك: أبدى معاويةُ امتناعَه عن هذا الشرطِ في بدءِ الأمرِ، فواجهَهُ الإمامُ الحسنُ (عليهِ السلامُ) بالحسمِ قائلاً: إنْ أبيتَ فارفضْ، وأنا ماضٍ على خياري؛ لا سيّما بعدَما التحمَ جيشُ معاويةَ داخلَ الكوفةِ واختلطَ بجيشِ الإمامِ الحسنِ، فوقعَ معاويةُ في مأزقٍ حرجٍ لا محيصَ له منه.

فالخلافة للإمام الحسن (عليه السلام)، والبلد بلد إمارته وسلطانه، وأهل العراق شاحذون أسنانهم — كما يُقال — على جيش الشام؛ فمن ثَمَّ ساء ظن معاوية بعمرو بن العاص حتى قال له: «أتريد قتلي؟! لقد أغريتني بأن أُدخل جيشي ملتحماً بجيش الإمام الحسن، والآن أصبحت في قبضته، وبإمكان الإمام الحسن أن يُفشل هذه المفاوضات»، وحينئذٍ مَن الأسير في قبضة الطرف الآخر؟!

والحاصل: إننا نظلم أنفسنا في فهم سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) وحقيقة صلحه، وعجباً كيف انطلت هذه الرؤية القاصرة لعشرة قرون على أقلام الفريقين! مع أن بشيء من التريث والتروّي وإمعان النظر يتبيّن أن الواقع على خلاف ما يُصوَّر تماماً؛ إذ استدرج الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية وجيشه حتى جعلهما في قبضته، ولكن أين مَن يتريث ويتروّى ويتدبّر في حقائق الأحداث ومجرياتها؟!

المنهج التراكمي في الاستنباط والتحقيق التاريخي

والقاعدة هنا: إن رسم سيرة المعصوم لا يستقيم بحالٍ دون التثبت والتروّي في تجميع خيوط البحث ومصادره، ثم التنسيق المحكم بين هذه القصاصات والشواهد؛ فإن التخلي عن منهج الفحص والاستقصاء والاستقراء وتراكم القرائن يورث كارثةً كبرى في بحوث العلوم الدينية؛ سواء في فقه الفروع، أم في السيرة التاريخية للدين وللمعصومين (عليهم السلام)، أم في العقائد، أم في علم الرجال.

وتأسيساً على ذلك: فإن الاعتماد المجرد على خبر الواحد ليس صائباً؛ ولذا لم يكن عبثاً أن يشن الشيخ المفيد وابن إدريس والسيد المرتضى وغيرهم من أعلام المتقدمين حملةً علميةً صارمةً على خبر الواحد[8] ؛ فلو ادُّعي أن رواته ثقات، فإن الباحث لا يستكشف الحقيقة التامة من روايةٍ واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاث، ولا أربع؛ لأن هذا المسلك يبتُر المنظومة البحثية، ما لم تُنسّق منظومة الأدلة وتتراكم، ليس من جهة الصدور فحسب، بل في قرائن المتون ودلالاتها أيضاً، وهو المنهج المجموعي الذي كان المتقدمون يُعبّرون عنه بالخبر العلمي[9] .

والنتيجة: إن الاقتصار على آحاد الأخبار يورث نظرةً مجتزأةً ومبتورةً للأدلة، ولا يُمثّل نسقاً استدلالياً يُوقف على كنه الواقع؛ سواء في علم الرجال، أم فقه الفروع، أم الأصول، أم العقائد، أم السيرة؛ فقضية المنهج المنظومي وتراكم القرائن والشواهد ضرورةٌ لا محيص عنها، وهذا المسلك التراكمي في المتون والصدور والدلالات لتجلية الصورة هو مسلكٌ متَّبع حتى عند المتأخرين، بدءاً من السيد أحمد بن طاووس (رحمه الله)[10] وصولاً إلى السيد الخوئي (رحمه الله).

تنبيه: إن هذا المنهج ليس وقفاً على المتقدمين كالمفيد والمرتضى وابن قبة وابن إدريس وابن البراج وابن حمزة وابن زهرة ونظرائهم، بل هو مبنى أعلام مدرسة الانسداد قاطبة[11] ؛ بدءاً من الوحيد البهبهاني، وبحر العلوم، وكاشف الغطاء، والنراقيين، والميرزا القمي، وصاحب مفتاح الكرامة، وصاحب الجواهر، والشيخ الأنصاري، وصولاً إلى السيد محسن الحكيم والسيد محمد الروحاني (رحمهما الله)؛ إذ كان السيد محمد الروحاني يُكرّر دائماً بأن الفقه ركيزته وقوامه تراكم الأدلة متناً وصدوراً، ومَن يظن أن نظام الفقه يقوم على غير التراكم فهو في خطأٍ بيّن وبُعدٍ سحيق عن الجادة الصائبة. وهذه الطبيعة التراكمية ليست خاصةً بفقه الفروع، بل تعمّ سائر العلوم الدينية بأسرها.

بل إنّ سائر العلوم -حتى غير الدينية منها كالعلوم التجريبية- لا يمكن أن تتباعد أدلتها فيما بينها متناً ودليلاً ونتائج؛ لأنّ الحقيقة متراكبة، ومتناسقة، ومتناظمة، ومتواصلة، ومترابطة، وليست مفككة ولا عشوائية، بل تجري بنحوٍ نظميّ متراكم متسق.

وعلى أيّ حال: فإنّ مسلك الانسداديين[12] [13] -بدءاً من المحقق الوحيد البهبهاني ومن قبله، وصولاً إلى السيد محسن الحكيم والسيد محمد الروحاني، وحتى جملة من الفضلاء المعاصرين- مبنيٌّ على هذا المنهج التراكمي، وإنْ لم نكن نتبنى مسلك الانسداد، غير أنّ أصل فذلكته في نفسها متينة ورصينة؛ وهذه فائدة معترضة في المنهج الأصولي للاستنباط الديني.

والرجوع إلى المسألة: يقتضي التدقيق في قراءة صلح الإمام الحسن (عليه السلام) [14] ؛ لمعرفة مَن استدرج الآخَر، ومَن الذي وقع في قبضة صاحبه؟

والتحقيق: أنّ الصلح لم يكن أسراً للإمام الحسن (عليه السلام) البتة، بل هو الذي استدرج معاوية وجيشه إلى داخل الكوفة قبل إبرام العقد، فكانت المفاوضات كلها استدراجاً محكماً؛ إذ كيف جاز لمعاوية ودهاة العرب كعمرو بن العاص أن يُستدرجوا على يد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)؟!

والسبب في ذلك: أنّ أوراق الضغط كانت بيد الإمام الحسن (عليه السلام) لا بيد معاوية؛ لأنّ آليات معاوية القائمة على التجسس، وبذل الرشا، والإغراء، قد انقطعت تماماً بمجرد تمازج الجيشين واختلاطهما في الكوفة، وحينئذٍ طمع الخوارج وحواريو الإمام الحسن (عليه السلام) في إعلان الحرب ورفض الصلح ما دام لم يُعقد بعدُ؛ نظراً لوقوع معاوية وجيشه في قبضتهم.

والإشكال هنا: كيف يُتصور فيمن يعقد الصلح من هذا الموقع السيادي القاهر أن يكون في موضع ضعف واستسلام؟! وأنى للإمام الحسن (عليه السلام) أن يُسلّم جهاز الدولة بما حواه من ترسانة عسكرية وأموال؟! بل الواقع هو التشاطر وتقاسم إدارة السلطة؛ وهو التفسير المعقول والمنطقي الذي تؤيده الشواهد التاريخية القطعية، خلافاً لما شاع من قراءات سطحية قشرية حشوية رانت على أذهان الفريقين، حتى عند بعض الأكابر؛ إذ لو عُرضت مجريات الحدث على خبيرٍ في التحليل الاستراتيجي لأدرك يقيناً أنّ الواقع خلاف ذلك التصوير الشائع.

والشاهد على ذلك: أنّ أول شرطٍ أملاه الإمام الحسن (عليه السلام) من موقع القوة والضغط هو عدم دخول الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا الصلح التزاماً وإنشاءً؛ نعم، أمر الإمامُ الحسن (عليه السلام) سائرَ أتباع أمير المؤمنين (عليه السلام) بالانقياد لمقتضيات الهدنة وعدم نكثها تبعاً لإمام زمانهم المفترض الطاعة، غير أنّ شخص الإمام الحسين (عليه السلام) لم يلتزم بالصلح ولم يدخل فيه؛ فبعد إحكام السيطرة على جيش الشام واختلاط العسكرين وانقطاع حيل معاوية في إحداث الخلخلة، فُرض هذا الشرط ابتداءً.

والنتيجة: أنّ معاوية داخلَهُ الشكّ في عمرو بن العاص -الذي كان قد أقنعه بأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) مضطرٌّ للصلح- وظنّ أنّه يواطئ الإمامَ الحسن (عليه السلام) خفيةً؛ لإدراكه أنّه صار وجيشه في قبضة الإمام (عليه السلام)، فاضطر معاوية للإذعان لهذا الشرط وسائر الشروط المقررة، ومنها: عودة الخلافة بعد معاوية للإمام الحسن (عليه السلام)، والمشاركة في إدارة بيت المال والعسكر وسائر شؤون الدولة طيلة تلك المدة.

إنّ هذا التقاسمَ في ممارسة الحكم نظيرُ التقسيم الوظيفيّ والصلاحياتيّ بين وزاراتِ الدولة الواحدة؛ فليس هو تقسيماً جغرافيّاً مكانيّاً، بل هو تقاسمٌ بيئيّ ومؤسّساتيّ — كبيئة الصحّة وبيئة المال وما شاكل ذلك من توزيع الصلاحيّات — حيث فرضَ الإمامُ الحسنُ (عليه السلام) على معاوية منذُ الشروع في المفاوضات بقاءَ الإمامِ الحسين (عليه السلام) خارجاً عن أيّ التزامٍ بموجبِ هذا الصلح، وأن تكون مدّةُ الصلح قائمةً على المشاركة والمشاطرة، فإذا هلكَ معاويةُ رجعتِ الخلافةُ إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، فإن حدثَ به حدثٌ فالأمرُ من بعده للإمام الحسين (عليه السلام) [15] [16] .

والنتيجة: عند التأمّل في صورة هذا الصلح وبنوده، يتّضح جليّاً من هو المستسلمُ والأسيرُ حقيقةً؛ فهل المستسلمُ هو معاوية أم الإمام الحسن (عليه السلام)؟ إذ إنّ الإمامَ (عليه السلام) هو الذي فرضَ تلك الشروطَ القاطعة من موقعِ القوّة والاقتدار لا من موقع الانكسار.

فائدة: من الضروريّ جدّاً في هذا المقام أن تُجمع نصوصُ صلحِ الإمام الحسن (عليه السلام) ووثائقه من بطونِ المصادرِ تجميعاً استقرائيّاً شاملاً لكلّ الشواهد والقصاصات التاريخيّة المرويّة بقطع النظر عن التحليلات المسبقة، ثمّ تُعرض على المتخصّصين في الدراسات الاستراتيجيّة، والعلوم العسكريّة، والإدارة الأمنيّة والسياسيّة للدولة؛ ليحلّلوها وفقَ الموازين الواقعيّة لإدارة الصراع، وحينئذٍ سينكشفُ للمحقّقين وجهٌ مغايرٌ تماماً لتلك القراءة السطحيّة الشائعة التي أورثت تعميةً وتزييفاً لحقيقة هذا الصلح عبرَ القرون[17] .

المقارنة بين صلح الإمام الحسن وصلح الحديبية

والحاصل: أنّ صلحَ الإمام الحسن (عليه السلام) قد فُسِّر وقُرئ على مدى عشرةِ قرون — بل طوال أربعةَ عشرَ قرناً — بنحوٍ خاطئٍ ومجافٍ للحقيقة؛ حتى إنّ بعضَ خواصّ أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) والمخلصين له وللإمام المجتبى (عليه السلام) قد وقعوا في هذا اللبسِ وقرأوه قراءةً قاصرة[18] ، وهو عينُ ما جرى لعامّة الصحابة في صلح الحديبيّة؛ إذ سمّى اللهُ تبارك وتعالى صلحَ الحديبيّة فتحاً، فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾[19] ، بينما رأى عامّةُ الصحابةِ في تلك المعاهدة غضاضةً وذلّةً حتى اعترضَ بعضُهم بوجهه الصريح[20] .

والشاهد فيه: تشبيهُ الإمام الحسن (عليه السلام) صلحه بصلحِ جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله)؛ إذ قال (عليه السلام): «عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِبَنِي ضَمْرَةَ وَبَنِي أَشْجَعَ، وَلِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ، وَمُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ»[21] ، ففي حين كان صلحُ الحديبيّة فتحاً مبيناً وعزّاً راسخاً، كان أولئك يرونه ذلّةً وانكساراً؛ فأيّ ذلّةٍ تكون في صلحٍ فرضه رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) بإرادته ومن موقعِ قدرته؟!

والوجه في ذلك: أنّ قريشاً لم تكن لتركنَ إلى الاعترافِ بكيانِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وبقوّته وتكافئِه معها إلا في صلح الحديبيّة؛ ولذا كان تشبيهُ الإمام الحسن (عليه السلام) تشبيهاً مقصوداً في غاية الدقّة؛ فمعاويةُ لم يكن قبلَ الصلحِ مستسلماً لخلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا منقاداً لبني هاشم، بيدَ أنّه في صلح الإمام الحسن (عليه السلام) أُجبرَ على الإقرارِ بأنّ الحكمَ ليس مُلكاً مخلّداً لبني أميّة، وأنّه لا يستبدّ بالسلطة وحده بل يُشاطرُ فيها الإمامَ الحسن (عليه السلام)، على ألا تعودَ الخلافةُ بعده لبني أميّة بحال، بل ترجعُ إلى بني هاشم الذين اصطفاهمُ اللهُ تعالى.

ومثال ذلك: الموقفُ التاريخيّ لقريش في صلح الحديبيّة؛ حيث ظلّت قريش طيلةَ ثلاثةَ عشرَ عاماً في مكّة، ثمّ في بدرٍ وأحدٍ والأحزاب، مستكبرةً ومعاندة، تسعى لاستئصال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ومحو دينه ودولته من الأساس، لكنّها اضطرّت في الحديبيّة إلى الإذعان بالواقع والاعتراف بالكيان النبويّ وحرمته، ولذلك جاء التعبيرُ القرآنيّ واصفاً هذا الحدث بأنّه فتحٌ مبين.

والنتيجة: إذا كان المنظورُ الوحيانيّ يرى في تلك المعاهدات نصراً استراتيجيّاً، فإنّ صلحَ الإمام الحسن (عليه السلام) هو فتحٌ مبينٌ بذات الملاك، خلافاً لما يذهبُ إليه كثيرٌ من الباحثين — سواء أكانوا من ذوي النزعة الثوريّة أم من أصحاب النظرة التقليديّة — ممّن قصرت أفهامُهم عن إدراك عمق الموقف فصوّروه تنازلاً عن السلطة وانزواءً عنها، وهي قراءةٌ باطلةٌ تجافي صريحَ الحقائق والشواهد التاريخيّة القطعيّة.

تنبيه: إنّ الركونَ إلى مثلِ هذه القراءات المشوّهة لسيرة المعصوم (عليه السلام) يجرّ بالضرورة إلى استنباطاتٍ فقهيّةٍ وسياسيّةٍ وعقائديّةٍ سقيمة، واقعةٍ تحت وطأة التضليل والضخّ الإعلاميّ الأمويّ الذي غرسَ مفاهيمَه في الأذهان؛ فإنّ أخطرَ ما واجهته الأمّةُ بعد عصر السقيفة هو التزييفُ الفكريّ والإعلاميّ الذي مارسته السلطةُ الأمويّة لتشويه مبادئ الدين وسيرةِ أئمّة الهدى (عليهم السلام).

الشاهد: إنّ الشاهد العظيم الذي نذكره هنا — وهو شاهدٌ وحيانيّ — يتمثّل في أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) قد شبّه صلحه بصلح جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) في الحديبية[22] ، وكيف كان صلح الحديبية في ذلك الزمان حين قال قائلهم معترضاً: «ما ذللنا بهذا الذل»، وهو شبيهٌ بكلمات بعض أتباع الإمام الحسن (عليه السلام) يومئذ في مخاطبته بكلماتٍ قاسية؛ وهنا يظهر حلم الإمام الحسن (عليه السلام) وسعة صدره التي هي آلة الرئاسة، كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «آلَةُ الرِّيَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْرِ»[23] ، وكيف ورّث النبيّ (صلى الله عليه وآله) السؤدد والقيادة والهيبة للإمام الحسن (عليه السلام) توريثاً في محلّه، كما ورّث الحسينَ (عليه السلام) الشجاعة والكرم؛ حيث ورد عنه (صلى الله عليه وآله): «أَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّ لَهُ هَيْبَتِي وَسُؤْدُدِي، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّ لَهُ جُودِي وَشَجَاعَتِي»[24] . فكان الحسين (عليه السلام) ثابتاً على موقفه أمام تظاهر الأمّة كلّها ضدّه، يهزّ ضمائرهم وضمائر العالم أجمع بدلاً من أن ينالوا من إرادته، فكلا الإمامين بطلٌ في قمّته وفي مجاله، وللأسف يُقرأ التاريخ أحياناً بقراءة مقلوبة ومجافية للواقع.

التحليل الاستراتيجي للصلح: إنّ صلح جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) بالدقّة التي يحلّلها الخبراء الاستراتيجيون لم يكن استسلاماً ولا ذلّة، بل كان عبارةً عن استدراجٍ لقريش للاعتراف بكيان النبيّ (صلى الله عليه وآله) ودولته كأمرٍ واقع في الحجاز والجزيرة العربية، وأنّ له حدوداً ومحميات كما لقريش؛ فقريش ذات الغرور والكبرياء التي خرجت بطراً وأشراً في بدر، استسلمت بالآلية الناعمة للمصطفى (صلى الله عليه وآله) في صلح الحديبية، فأذعنت وأقرّت، ولذلك وصفه القرآن الكريم بالفتح المبين في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [25] ، وانتشر الإسلام بعد ذلك انتشاراً واسعاً من دون قدرةٍ منهم على الاعتراض.

المطابقة والمقارنة: وعين ما جرى في صلح الحديبية جرى في صلح الإمام الحسن (عليه السلام)، حيث استسلم معاوية وأقرّ بأنّ الحكم الهاشمي اصطفاءٌ من الله يجب الاعتراف به والانقياد له، ولذا نصّ الشرط على أن تكون الخلافة بعد معاوية للإمام الحسن (عليه السلام) ثمّ للإمام الحسين (عليه السلام)، ولم يعترض معاوية ولا الصحابة ولا الأمويون بأنّها كسرويّة أو قيصريّة، بل أقرّوا بأنّها اصطفاءٌ إلهيّ؛ فكانت بنود الصلح في الحقيقة نصراً حسنيّاً حضاريّاً استراتيجيّاً لم يُنتزع من معاوية في صفّين، بل انتُزع في صلح الإمام الحسن (عليه السلام) بالآلية الناعمة محقّقاً نتائج كبرى.

الموازنة في موازين القوى: لقد كان معاوية في مناكفة مستمرّة مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لا يسلّم له باصطفاءٍ ولا بإمارة، بينما انقاد في صلح الإمام الحسن (عليه السلام) وسلّم من موقع ضغط؛ لأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) استدرج معاوية وجيشه حتى أحاط بهم وصاروا في قبضته، فصار قادراً على فرض الشروط وإملائها، وهو ما لم يتّفق لأمير المؤمنين (عليه السلام) في صفّين من جعل جيش معاوية بأكمله في قبضته؛ فكانت هذه الخطوة من الإمام الحسن (عليه السلام) مظهر قوّةٍ وقدرةٍ قبل إبرام العقد النهائيّ، وفي مرحلة المفاوضات ومذكّرات التفاهم التي لا تترتّب عليها التزامات ملزمة.

والحاصل: بهذا التدبير، أنجز الإمام الحسن (عليه السلام) نصراً عظيماً بآليةٍ ناعمة استدرجت الطرف الآخر؛ ومعلومٌ أنّ معاوية يمثّل امتداداً للتيّار السقيفي الذي لم يكن يعترف في الأصل باصطفاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا بإمامة الحسن والحسين (عليهما السلام) بعده، فحصل في هذه المفاوضات إقرارٌ واضح من المدّ الأموي السقيفي بأنّ سلالة بني هاشم هي سلالة اصطفائيّة حين سُلِّم بأنّ الأمر يعود للحسن ثمّ للحسين (عليهما السلام).

والحاصل: إنّ هذا العقد والتفاوض تضمّن اعترافاً صريحاً من المدّ السقيفيّ الأمويّ بأنّ سلالة بني هاشم سلالةٌ اصطفائيّة؛ إذ إنّ اشتراط انتقال الخلافة بعد الإمام الحسن إلى أخيه الإمام الحسين (عليهما السلام) يُعدّ إقراراً لازماً من معاوية وعمرو بن العاص ومَن كان في معسكرهما من أقطاب السقيفة[26] . وكما وصف الله (عزّ وجلّ) صُلح النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في الحُديبيّة بأنّه فتحٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾[27] ، حيث غاب مغزى هذا الفتح المبين عن كثيرٍ من الصحابة حينئذٍ، فكذلك اليوم وبعد مُضيّ أربعة عشر قرناً لم يتّضح لبعض الباحثين أنّ صُلح الإمام الحسن (عليه السلام) كان نصراً سياسياً وفتحاً مبيناً بكلّ المقاييس. ومن ثمّ ينبغي لهذا الجيل أن يستوعب أبعاد هذا التدبير الإلهيّ الاستراتيجيّ الذي استدرج العصابة الأمويّة وأوقع معاوية وعمرو بن العاص في الفخّ عبر الآليّة الناعمة.

والشاهد على ذلك: أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) أبقى عناصر القوّة في يده، من الاحتفاظ بالسلاح والتشاطر في إدارة شؤون الدولة، ولم يكن الصلح بحالٍ من الأحوال تفويضاً مُطلقاً للسلطة، بل احتفظ (عليه السلام) بصلاحيّاته، في حين ألقى بالمساحات المتمردة الخارجة عن السيطرة في عُهدة معاوية ليبتلى بإدارتها واضطرابها في الكوفة. كما أنّ بنود الصلح رسّخت موقع الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفه ممثّلاً للخطّ الساخن؛ فإنّ الإمام الحسن (عليه السلام) أدار الصراع بأسلوب القوّة الناعمة والحرب الباردة — وهي تباين الحرب الساخنة في منطقها وأدواتها — فلم يُعطّل الحرب الباردة، ولا الحرب الناعمة، ولا الحرب الإعلاميّة والنفسيّة، بل وظّف هذه الطاقات جميعاً، وكان استثناء الإمام الحسين (عليه السلام) من الدخول المباشر في التزامات الصلح ورقةَ ضغطٍ ناعمة مارسها الإمام المجتبى (عليه السلام).

والنتيجة: إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) ظلّ محتفظاً بخيار القوّة العسكريّة وممثّلاً للخطّ الساخن، وهو عين ما يجسّد الحديث المستفيض المرويّ عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّ لَهُ جُودِي وَشَجَاعَتِي»[28] [29] ، في حين تجلّت القوّة الناعمة لدى الإمام الحسن (عليه السلام) كعنصر ظفرٍ واقتدار يمثّل سؤدد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وهيبته في قوله: «أَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّ لَهُ هَدْيِي وَسُؤْدَدِي»[30] ؛ فأين يمكن التماس هذا السؤدد وتلك الهيبة النبويّة إن لم تتجلَّ في هذا الصلح التاريخيّ الذي حاكى صُلح الحُديبيّة في مساره وأثمر النتائج عينها كما صرّح به الإمام الحسن (عليه السلام) [31] .

وحتى قوله (صلى الله عليه وآله): «الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا»[32] ، فإنّ القعود فيه محمولٌ على القعود الصوريّ لا الواقعيّ؛ إذ إنّ أحدهما ينهض بالآليات الناعمة والآخر ينهض بالآليات الساخنة. ومقتضى ذلك أنّ إعمال الشجاعة وباب الجهاد والقوة العسكرية عند الإمام الحسين (عليه السلام) لا ينحصر في خوض الحروب الدائمة، بل يتقوم بوجود القوة العسكرية والاحتفاظ بها على الدوام، لا إعمالها واستعمالها المباشر في كلّ آن، بل الاستفادة منها بوصفها قوةً رادعةً وضاغطة.

التطبيقات الفقهية: حفظ القوة العسكرية والرجوع للخبراء

والشاهد الفقهي على ذلك: أنّ مسألة تحريم بيع السلاح لأعداء الدين فتوى مجمعٌ عليها بين فقهاء الإمامية، ومآل هذا التحريم هو وجوب حفظ القوة العسكرية وتنميتها؛ وإذا كان الشارع يوجب الاحتفاظ بالقوة العسكرية الساخنة فكيف بغيرها من أدوات القوة الناعمة والباردة؟ فهذه فتوى ذات طابع استراتيجي في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ومفادها لزوم تنمية مصادر القوة وحفظها، لا تجريد الكيان الإسلامي من أصل المنعة والقوة.

والحاصل: أنّه لا يصح وزن الأبواب الفقهية بمكيال واحد؛ فإنّ حرمة غيبة المؤمن ذات بُعْدٍ فردي، في حين أنّ حرمة بيع السلاح للأعداء ذات بُعْدٍ مصيري يرتبط بالنظام السياسي والاجتماعي وحفظ بيضة الأمة. ولا يمكن الخلط بين هذه الأبواب برؤية قشرية حشوية؛ إذ إنّ الأحكام تتفاوت ملاكاتها بين ملاكات بالغة الخطورة والأهمية وملاكات متوسطة ودانية، وكما أفاد السيد محسن الحكيم بضرورة عدم الخلط بين المنكر الفردي والمنكر المرتبط بالسياسة والمجتمع أو بالطابع العقائدي للملة والدين[33] ، وذلك لتصحيح منهج الاستنباط وتوجيه مساره.

والنتيجة: أنّ مسألة تحريم بيع السلاح للأعداء تُعدّ من أمهات المسائل ومحاورها الأساسية، وبتعبير السيد الطباطبائي اليزدي وغيره من الأعلام — كالسيد الخميني[34] — فإنّها تمثل القلب النابض لحفظ حوزة الإسلام وكيان المؤمنين. ومثلما يُستعان بقول اللغوي في استنباط الأحكام اللفظية، يجب الرجوع إلى أهل التخصص في تشخيص الموضوعات؛ لكون هذه المسائل وثيقة الصلة بالنظام السياسي والاجتماعي، ولكي يستقيم الاستنباط وتغدو نتائجه تامة الحجية وسديدة في موازين الواقع، فلا مناص من التمييز بين الفقه الفردي والفقه السياسي والاجتماعي ذي الملاكات الخطيرة المتعلقة بالدماء والأموال العامة.

والقاعدة هنا: أنّه لا يمكن الاكتفاء بالعلوم الآلية كالبلاغة والنحو والصرف وعلم الرجال لتمييز الفقه ذي الملاكات الخطيرة في الاجتماع والسياسة بمعزل عن أهل الخبرة؛ سواء في مقام الاستنباط والتنظير أم في مقام التطبيق والإدارة والتدبير؛ فإنّ قول أهل الخبرة حجة في تخصصاتهم تنظيراً وتطبيقاً، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾[35] يحمل دلالات واسعة في هذا المضمار توجب تضافر الطاقات وتكامل الاختصاصات في إدارة شؤون الأمة.

والقاعدة هنا: أنّ قول أهل الخبرة حُجّةٌ في التنظير في الموضوعات وفي التطبيق فيها؛ ففي جانب الموضوعات لا بدّ من الرجوع إليهم، إذ الجانب الفقهيّ شيءٌ والجانب التخصصيّ الموضوعيّ شيءٌ آخر، تماماً كما هو الحال في رجل القانون المتبحّر في مجاله؛ فهل يُعقل أن يستغني عن الخبير السياسيّ، أو الخبير العسكريّ بمختلف تخصصاته الجويّة والبريّة والتكنولوجيّة، أو الخبير الاقتصاديّ؟ لا يُعقل ذلك أبداً.

وحيث إنّ الفقهاء لا ينزل عليهم الوحي، وإنّما ينزل الوحي على المعصوم (عليه السلام) حصراً، مع عظيم شأن الفقهاء وإكرام مقامهم بوصفهم نوّاب الإمام ووكلاءه، فلا بدّ لهم من الاستعانة بذوي الخبرة والاختصاص في تشخيص الموضوعات وتطبيقاتها[36] ، كما ألزم أمير المؤمنين (عليه السلام) مالكاً الأشتر في عهده المعروف بضرورة الاستعانة بذوي الاختصاص واستشارة أهل الرأي في مختلف المجالات والطبقات الاجتماعية[37] .

والحاصل: أنّ القضية حساسةٌ ومصيرية، ويظهر ذلك جليّاً عند التمييز بين باب «حرمة بيع السلاح للأعداء»[38] ، وهي مسألةٌ استراتيجية تكشف عن الرؤية الكلية لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وبين باب وجوب الدفاع أو الجهاد؛ فإنّ الجهاد والدفاع يمثلان إعمالاً واستعمالاً للقوة، بينما حرمة بيع السلاح تمثل احتفاظاً بالقوة العسكرية وتنميةً لها. ثمّ إنّ استعمال هذه القوة ينقسم بدوره إلى استعمالٍ ساخن واستعمالٍ ناعم، وتلك أبحاثٌ متعددة لا يصحّ دمجها أو الخلط بينها، ومن هنا تبرز الضرورة لتبويب الفقه تبويباً عصريّاً وفق الموضوعات والآليات المعاصرة.

تنبيه: رُوي أنّ أهل البيت (عليهم السلام) في ليلة قبض النبيّ (صلى الله عليه وآله) عاشوا أخطر ليلةٍ على الصعيدين السياسيّ والأمنيّ؛ حيث واجهوا زلزالاً كاد أن يدفع بقبائل العرب والحجاز للانقضاض على بني هاشم وآل البيت (عليهم السلام). فرسول الله (صلى الله عليه وآله) خاض غمار المخاطر السياسية الكبرى، خلافاً لمن يتصور أنّ مسيرة الدين كانت طريقاً مفروشاً بالورود، بل كان الدين حافلاً بالتحديات والزلازل السياسية والأمنية؛ وتؤكد الروايات عن أمير المؤمنين والإمام الباقر (عليهما السلام) أنّ أخطر زلزالٍ أمنيّ وسياسيّ أحدق بأصحاب الكساء (عليهم السلام) كان ليلة رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسط انعدامٍ تامّ للأمان وتحدياتٍ ومخاطر محدقة، وهكذا كانت طبيعة الظروف العصيبة التي عاشها أهل البيت (عليهم السلام).


[4] يُراجع في تفصيل شروط المعاهدة وبنودها المالية والإدارية: آل ياسين، راضي. صلح الحسن.. منشورات الشريف الرضي، ج1، ص259–261. — المحقق
[8] يُنظر في تفصيل مسلك قدماء الإمامية في إنكار حجية خبر الواحد المجرد عن القرائن: الشيخ المفيد. التذكرة بأصول الفقه. والمرتضى، علي بن الحسين. الذريعة إلى أصول الشريعة. وابن إدريس الحلي. السرائر.. — المحقق
[9] الخبر العلمي عند قدماء الإمامية: هو الخبر المحفوف بالقرائن الحالية أو المقالية التي توجب العلم القطعي أو الاطمئنان بصدوره ومضمونه، في قبال خبر الآحاد المجرد الذي لا يوجب علماً ولا عملاً. — المحقق.
[10] يُراجع في نشأة التنويع الرباعي للحديث ومسلك المتأخرين في نقد الأسانيد: الشهيد الثاني، زين الدين بن علي. الرعاية في علم الدراية.. — المحقق
[11] يُنظر في تحرير مسلك الانسداد ومقدماته وتراكم الظنون: الأنصاري، مرتضى. فرائد الأصول.. مبحث الظن، دليل الانسداد. — المحقق
[12] دليل الانسداد مركبٌ من مقدمات عقلية، يُستدل بها عند القائلين به على حجية مطلق الظن في الفقه عند انسداد باب العلم والعلمي. يُنظر: فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص384.
[13] دليل الانسداد مركبٌ من مقدمات عقلية، يُستدل بها عند القائلين به على حجية مطلق الظن في الفقه عند انسداد باب العلم والعلمي. يُنظر: كفاية الأصول - ط آل البيت، الآخوند الخراساني، ج1، ص311.
[16] وانظر في نصوص شروط الصلح وبنوده:الفتوح لابن اعثم، ابن أعثم، ج4، ص290.
[17] يُراجع هذا المنهج في تحليل وثائق المعاهدات والهدن في مظانّه من كتب التاريخ والسير ودراسات الفقه السياسيّ. — المحقق.
[20] انظر في بيان نزول السورة إثر صلح الحديبية ومواقف المعترضين: مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة، الشيخ الطبرسي، ج9، ص180.
[26] تُنظر الشروط وبنود المعاهدة مفصّلةً في: صلح الحسن، الشيخ راضي آل ياسين، ج1، ص259-261.
[33] يُنظر في تفصيل تفاوت مراتب المنكر وملاكات الأحكام: الحكيم، محسن. مستمسك العروة الوثقى.. ج1، ص612. — المحقق
[36] يُراجع في تفصيل حجية قول أهل الخبرة والرجوع إليهم في تشخيص الموضوعات: مصباح الفقاهة - ت القيومي، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج1، ص330.
[37] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة.. تصنيف لبيب بيضون، ط2، ج1، ص599، الكتاب رقم (53)
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo