48/02/28
القوة العسكرية بين الردع الناعم والاستخدام الساخن (38)
الموضوع: مفهوم التقية وإعداد القوة: قراءة في وحدة المسار بين نهضة الحسين وسيرة الباقر
كان الكلام متصلاً في قراءة نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) قراءةً فقهيةً عقائدية، وفي كيفية قراءة مشروعه وتفسير سيرته الشريفة. وقد مرّت بنا محطاتٌ عديدة في هذا المجال، ووصل بنا الحديث إلى كيفية الجمع بين موارد التقية.
مفهوم التقية وقواعدها:
مفهوم التقية وأبعادها المتعددة
فإنّ بحث التقية — كما أسلفنا في العام الماضي من الدراسة، أو في الصيف الماضي حيث انتهى بنا المطاف مع بعض الإخوة إلى أربعة عشر أو خمسة عشر قاعدة — يمثّل منظومةً متكاملة، وكلّ قاعدةٍ منها تُشكّل ظاهرةً علميةً قائمةً برأسها.
معاني التقية وأقسامها: وللتقية معانٍ عديدة، تتردد بين الحكم الأولي والحكم الثانوي:
المعنى الأول: الكتمان والخفاء، وهو من أعظم معاني التقية وأجلّها.
المعنى الثاني: المداراة.
المعنى الثالث: الاضطرار، وهو المعنى المشهور، ومفاده أن يجاري الإنسانُ الطرفَ الآخر على باطله بداعي الاضطرار.
المعنى الرابع: الأمن بمعناه الواسع في العلوم الأمنية الحديثة؛ سواءٌ أكان أمنًا اقتصاديًا، أم أمنًا ثقافيًا، أم أخلاقيًا، أم صناعيًا، أم زراعيًا، أم تجاريًا، أم أمنًا وطنيًا وإستخباراتيًا؛ فإنّ منظومة الأمن بكاملها تُعدّ من مصاديق التقية والوقاية.
حدود التقية الاضطرارية وقواعدها:
حدود التقية الاضطرارية وقاعدة الإنكار القلبي
والقاعدة في التقية الاضطرارية: أنّ لها قيودًا وحدودًا تُحدّ بها؛ ولذا ورد في الروايات وصفُها بأنّها مَكْر[1] . فلهذا المعنى مواردُ يستعمل فيها المكلفُ التقية، ومواردُ أخرى تنتفي فيها فلا يسوغ استعمالُها.
ومن القواعد المعتمدة هنا: أنّ «الضرورةُ تُقَدَّرُ بقدرها»؛ فلا يجوز للمضطر أن يتعدى إلى مساحةٍ لا اضطرار فيها. وهذا الحكم إنّما يتجه إلى الجانب المعلن من القول والعمل، وأمّا في الجانب الخفيّ قلبيًا وفكريًا، فلا موضوع للاضطرار أصلاً؛ إذ لا يقع الفكر والقلب تحت سلطة الإكراه؛ إذ لا يوجد طُرقٌ للإكراه على ما في الجنان.
والشاهد فيه: أنّ من معاني قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[2] أنّ المنطقة التكوينية التي خلقها اللهُ حرّةً — وهي قلبُ الإنسان وفكره — لا يتصور فيها إكراهُ أحدٍ لأحد. فلا يسوغ للإنسان أن يعتذر أو يتعلل بأنه أُكْرِه؛ إذ لا إكراه في الفكر، ولا يستطيع أحدٌ إرهابَ القلوب والعقول.
والحاصل: أنّ الباطل والمنكر — سواءٌ أكان باطلاً سياسيًا، أم اقتصاديًا، أم فكريًا، أم عقائديًا — لا يسوغ للمؤمن تركُ إنكاره بقلبه وفكره.
والقاعدة في إنكار المنكر القلبي: أنّ درجة التبرم والإنكار في القلب والفكر يجب أن تُطابق درجة المنكر؛ فإذا كان المنكر بدرجة خمسين بالمئة أو مئة بالمئة أو أكثر، وجب أن يكون الإنكار القلبي بالمستوى نفسه، وإلا لم يتمّ إنكارُ المنكر ولم يُنْجَز، وهذا مبحثٌ علميٌّ دقيق.
التقية في البعد الجماعي وعالم القوة الناعمة:
التقية في البعد الجماعي ومفهوم القوة الناعمة
تنبيه: إنّ التقية الاضطرارية تُبحث تارةً في الجانب الفردي، وأخرى في الجانب العام؛ كالتقية السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والمهنية. وإحدى الزوايا التي يُغْفَلُ عنها في هذا البحث ويجب التنبه لها: أنّه وإن دعت الضرورةُ إلى الاحترازات الأمنية وسلوك دهاليز الخفاء والسرية، إلا أنّ الخفاء لا يعني الخمود ولا يقتصر على الآليات الساخنة، بل يشمل الآليات الناعمة والباردة. ففي عالم «القوة الناعمة» وساحة الخفاء لا يُتَصَوَّرُ عجزٌ ولا تبلبلٌ ولا تردد.
ومثال ذلك: ما نلاحظه في تاريخ اليهود؛ فقد عملوا منذ قرونٍ طويلة في الخفاء للوصول إلى مراكز القدرة والتأثير عبر الآليات الناعمة، بتخطيطٍ بعيد المدى ونفسٍ طويل، دون أن يتسرب إليهم اليأسُ أو الوهن، فهم منزهون عن هذه الاستكانة. وعملُهم لم يقتصر على الحروب الساخنة؛ بل شمل الحرب الباردة والناعمة، كما أشار القرآن الكريم إلى صفة الربانيين بقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾[3] .
منظومة النشاط والإعداد في القرآن الكريم: والقاعدة القرآنية: أنّ القرآن الكريم يركز على ثلاثة أمور حاسمة:
نفْيُ الوهن والضعف: بنوعيه المادي والروحي، والإعلامي والنفسي.
نفْيُ الاستكانة: وهي الخضوع والجمود والخمود؛ إذ الاستكانة من السكون والاستسلام للعدو.
وقد ورد النهيُ عن الاستكانة والضعف في مواضع عديدة من القرآن الكريم، وجاء وصفُ أهل البيت (عليهم السلام) في النصوص والزيارات بأنهم لم يستكينوا؛ ومن ذلك ما ورد في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الغدير المروية عن الإمام الهادي (عليه السلام): «وَلَا وَهَنْتَ لِمَا أَصَابَكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا ضَعُفْتَ وَلَا اسْتَكَنْتَ»[4] .
والشاهد القرآني على النهي عن الاستكانة والركون: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[5] . فهذه الآية الكريمة تحثّ حثًا شديدًا على التضحية وعدم الاستكانة، سواءٌ أكانت التضحية بالأسلوب الساخن أم بالتدبير البعيد والحكمة والدهاء، مع مراعاة التدبير والحكمة.
والنتيجة: أنّ آيات النشاط والاقتدار والتضحية تنبع كلُّها من الآية الأُمّ والقاعدة الكبرى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[6] ؛ فهذه الآية رأسُ القمة وتندرِج تحتها قائمةٌ عريضة من الآيات القرآنية الآمرة بترك الوهن والضعف والاستكانة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[7] .
الجمع بين التقية وإعداد القوة في كل المجالات
تَأْسِيسًا عَلَى مَا سَبَقَ، يَتَحَصَّلُ لَدَيْنَا قَائِمَةٌ وَاسِعَةٌ مِنَ المَعَانِي فِي هَذَا المَجَالِ؛ وَمَفَادُهَا ضَرُورَةُ نَفْيِ الضَّعْفِ، وَمَنَعِ الاِسْتِكَانَةِ، وَنَبْذِ الوَهَنِ. وَهَذَا التَّكْلِيفُ لاَ يَخْتَصُّ بِالأُسْلُوبِ العَسْكَرِيِّ السَّاخِنِ فَحَسْبُ، بَلْ يَجْرِي بِتَمَامِهِ فِي الأَسَالِيبِ النَّاعِمَةِ وَالبَارِدَةِ، دُونَ أَنْ يُهْمَلَ أَيُّ جَانِبٍ مِنْهَا.
تَنْبِيهٌ: إنَّ القَوْلَ بِالتَّقِيَّةِ الاِضْطِرَارِيَّةِ — حَتَّى مَعَ فَرْضِ قِيَامِ العَجْزِ المَرْحَلِيِّ — لاَ يَعْنِي الاِسْتِسْلاَمَ لِلْوَاقِعِ، بَلْ يَجِبُ فِيهَا إِعْدَادُ الأَرْضِيَّةِ وَالتَّخْطِيطُ لِلْأُفُقِ الوَاعِدِ البَعِيدِ. وَلَيْسَ لِمُكَلَّفٍ أَنْ يَتَعَلَّلَ بِالعَجْزِ المَوْضُوعِيِّ فَيَقُولَ: «إِنَّنَا عَاجِزُونَ فِي اللَحْظَةِ الرَّاهِنَةِ»، بَلِ المَطْلُوبُ هُوَ الوَضْعُ التَّنْظِيمِيُّ وَالتَّخْطِيطُ بَعِيدُ المَدَى فِي سَائِرِ المَجَالاَتِ:
المَجَالُ الاِقْتِصَادِيُّ وَالصِّنَاعِيُّ.
المَجَالُ التِّجَارِيُّ وَالإِدَارِيُّ.
المَجَالُ الكِفَائِيُّ وَالْنَهْضَوِيُّ.
وَالقَاعِدَةُ هُنَا: أَنَّ كُلَّ هَذِهِ المَحَاوِرِ تُعَدُّ مِنَ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَإِذَا كَانَ الَّذِي يَكُدُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ[8] ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُدُّ وَيَسْعَى لِإِعْزَازِ أُمَّةِ المُؤْمِنِينَ؟ فَإِنَّ عَمَلَهُ أَعْظَمُ شَأْنًا وَأَعْلَى دَرَجَةً. وَمَا يَنْقُصُ المُؤْمِنِينَ فِي هَذَا المَسَارِ أَمَامَ عَدُوِّهِمْ إِلاَّ أَنْ يَسْتَشْعِرُوا هَذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ.
وَالحَاصِلُ: أَنَّ آَفَاقَ القُوَّةِ وَالقُدْرَةِ فِي المَنْظُومَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ جِهَادِيَّةٌ بِتَمَامِهَا.
تنبيه أصولي: التمييز بين الجهاد والقتال والقتل
تَنْبِيهٌ أُصُولِيٌّ: كَانَ قَدْ مَرَّ بِنَا أَنَّ عُنْوَانَ «الـجِهَادِ» يُغَايِرُ مَفْهُومِيًّا عُنْوَانَ «الـقِتَالِ»، وَكَمَا أَنَّ عُنْوَانَ «الـقِتَالِ» يُغَايِرُ عُنْوَانَ «الـقَتْلِ»؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾ يَعْنِي اسْتِخْدَامَ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ أَوْ الضَّغْطَ بِهَا لِتَحْقِيقِ الرَّدْعِ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْهُ المُبَاشَرَةُ العَمَلِيَّةُ لِلْقِتَالِ الشَّامِلِ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: السِّلاَحُ النَّوَوِيُّ فِي المَعَادَلاَتِ الدَّوْلِيَّةِ المُعَاصِرَةِ؛ فَإِنَّهُ غَالِبًا مَا يُصْنَعُ لاَ لِغَرَضِ اسْتِخْدَامِهِ العَسْكَرِيِّ المُمِيتِ، بَلْ لِيُشَكِّلَ قُوَّةَ رَدْعٍ تَمْنَعُ العُدْوَانَ. فَهُوَ وَإِنْ كَانَ قُوَّةً سَاخِنَةً فِي جَوْهَرِهِ، إِلاَّ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ يَكُونُ اسْتِعْمَالًا نَاعِمًا وَرَادِعًا. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ التَّدَاخُلُ الوَثِيقُ فِي بِنَاءِ القُدْرَاتِ بَيْنَ القُوَّةِ النَّاعِمَةِ وَالبَارِدَةِ وَالسَّاخِنَةِ.
وَمُقْتَضَى ذَلِك أَنْ لاَ يَبْقَى المُؤْمِنُ ضَعِيفًا، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا فِي كُلِّ المَيَادِينِ: قَوِيًّا نَاعِمًا، وَقَوِيًّا بَارِدًا، وَقَوِيًّا مُتَوَسِّطًا، وَقَوِيًّا سَاخِنًا.
وَالشَّاهِدُ القُرْآنِيُّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾[9] ؛ فَقَضِيَّةُ الضَّعْفِ وَالاسْتِكَانَةِ لَيْسَتْ مَشْرُوعًا إِيمَانِيًّا وَلاَ قُرْآنِيًّا بِأَيِّ وَجْهٍ، بَلِ المَشْرُوعُ القُرْآنِيُّ هُوَ المَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[10] .
فَهَذِهِ الخَارِطَةُ المَعْرُوضَةُ فِي آَيَةِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[11] تُعَدُّ بَرْنَامَجًا إِسْتْرَاتِيجِيًّا عَظِيمًا يَشْمَلُ جَمِيعَ أَدَوَاتِ التأْثِيرِ، وَمِنْهَا الإِعْلاَمُ وَالفَنُّ؛ إِذْ إنَّ الفَنَّ الهَادِفَ وَالإِعْلاَمَ المُلْتَزِمَ يَصْنَعَانِ فِي تَغْيِيرِ قَنَاعَاتِ الشُّعُوبِ مَا لاَ تَصْنَعُهُ المَيَادِينُ العَسْكَرِيَّةُ، وَيَخْتَصِرَانِ كَثِيرًا مِنْ نَفَقَاتِ الحُرُوبِ السَّاخِنَةِ.
وَمِنْ نَمَاذِجِ إِعْدَادِ القُوَّةِ: التَّجْرِبَةُ المَالِيَّةُ وَالمُنَظَّمَاتِيَّةُ الَّتِي يُدِيرُهَا اليَهُودُ فِي العَالَمِ؛ حَيْثُ يُسَيْطِرُونَ عَلَى أَهَمِّ المُرْتَكَزَاتِ الاِقْتِصَادِيَّةِ كَـ «البَنْكِ الدَّوْلِيِّ» وَ«صُنْدُوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيِّ»، نَتِيجَةَ تَرَاكُمِ خِبْرَاتِهِمْ المَالِيَّةِ المُسْتَمِرَّةِ مُنْذُ زَمَنِ قَارُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ — أيْ مَا يُقَارِبُ ثَلاَثَةَ آلاَفٍ وَخَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ — فَصَارَتْ تِلْكَ القُوَّةُ النَّاعِمَةُ أَدَاةً لِلتَّأْثِيرِ عَلَى سِيَاسَاتِ الدُّوَلِ الكُبْرَى كَالصِّينِ وَرُوسِيَا وَأُورُوبَّا وَأَمْرِيكَا وَالبَرَازِيلِ وَالهِنْدِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَلْ تَعْنِي التَّقِيَّةُ الحَذَرَ المَقْرُونَ بِالخُمُودِ وَالـجُمُودِ، وَأَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ «حِلْسًا» لِمُجَرَّدِ العَجْزِ؟
وَالجَوَابُ: كَلاَّ؛ فَإِنَّ بَحْثَ التَّقِيَّةِ لاَ يَعْنِي الخُمُودَ وَالرُّكُودَ، بَلْ المَطْلُوبُ هُوَ الثَّبَاتُ مَعَ طُولِ النَّفَسِ وَالتَّخْطِيطِ بَعِيدِ المَدَى. وَلَيْسَ المَطْلُوبُ التَّهَوُّرَ العَسْكَرِيَّ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ بَعْضُ الحَرَكَاتِ الثَّوْرِيَّةِ، بَلْ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ فِي الخَفَاءِ.
وَالشَّاهِدُ اللُّغَوِيُّ: أَنَّ «الحِلْسَ» فِي لِسَانِ العَرَبِ هُوَ المِكْسَارُ أَوْ البِسَاطُ الَّذِي يُبْسَطُ فِي البَيْتِ تَحْتَ الحَرَائِبِ وَالمَتَاعِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ دَائِمًا دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ السَّارِقُ إِلَى جَلِيلِ فَائِدَتِهِ[12] . فَعِنْدَمَا يُمَثِّلُ الإِمَامُ (عليه السلام) بِأَنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ «حِلْسًا»، فَالـمُرَادُ بِـ «البَيْتِ» هُوَ بَيْتُ العَقِيدَةِ وَأُمَّةُ الإِيمَانِ، بِبَيَانِ أَنَّ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ عُنْصُرًا فَاعِلاً نَافِعًا فِي كُلِّ المَجَالاَتِ بِخَفَاءٍ وَدَهَاءٍ كَيْ لاَ يَشْعُرَ بِهِ العَدُوُّ.
فَمَآلُ القَوْلِ إنَّ التَّقِيَّةَ الاِضْطِرَارِيَّةَ — حَتَّى فِي حَالَةِ العَجْزِ المَوْضُوعِيِّ — لاَ تَعْنِي انْتِفَاءَ بِنَاءِ القُدْرَةِ فِي الخَفَاءِ، بَلْ تَعْنِي الشُّرُوعَ فِي بِنَائِهَا بَالْتَدَرُّجِ وَطُولِ المَسِيرِ. وَهَذَا هُوَ المَعْنَى الدَّقِيقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم﴾؛ إِذِ الإِعْدَادُ لاَ يَكُونُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ عَبْرَ بَرْمَجَةٍ مَحْكَمَةٍ تُشِيرُ إِلَيْهَا كَلِمَةُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي وَصِيَّتِهِ العَسْكَرِيَّةِ: «ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى القَوْمِ»[13] ؛ إِذْ لَيْسَ المَطْلُوبُ الأَمَانِيَّ وَالخَيَالاَتِ، بَلِ الطَّمُوحَ المَقْرُونَ بِالخُطَطِ الإِجْرَائِيَّةِ.
وَعَلَيْهِ، فَلاَ تَدَافُعَ وَلاَ تَنَاقُضَ بَيْنَ آَيَاتِ إِعْدَادِ القُوَّةِ وَبَيْنَ أَدِلَّةِ التَّقِيَّةِ الاِضْطِرَارِيَّةِ، بَلْ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَبْهَى صُورَةٍ.
إشكال التعارض بين سيرة الحسين وبقية الأئمة والجواب عنه
إِشْكَالٌ وَتَسَاؤُلٌ: قد يُثارُ سُؤَالٌ حَوْلَ هَذِهِ الجَدَلِيَّةِ: كَيْفَ تُجْعَلُ سِيرَةُ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ (عليه السلام) فِي المَوَاجَهَةِ العَسْكَرِيَّةِ أصْلًا دَائِمًا؟ وَلِمَاذَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ سُنَّتَهُ (عليه السلام) قَائِمَةٌ فِي قُبَالِ سُنَّةِ بَقِيَّةِ المَعْصُومِينَ (عليهم السلام)؟
وَالجَوَابُ عَنْ هَذَا التَّسَاؤُلِ: يَتَبَيَّنُ مِنْ خِلاَلِ تَفْكِيكِ المَغَالَطَةِ عَبْرَ وُجُوهٍ:
أَوَّلًا: التَّفْرِيقُ الحَاسِمُ بَيْنَ «إِعْدَادِ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ وَبِنَائِهَا» وَبَيْنَ «إِعْمَالِ القُوَّةِ السَّاخِنَةِ وَمُبَاشَرَةِ القِتَالِ»؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ قِتَالٍ يَعْنِي إِشْعَالَ الحَرْبِ السَّاخِنَةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ إِعْمَالًا لِلضَّغْطِ العَسْكَرِيِّ لِتَحْقِيقِ التَّوَازُنِ الرَّادِعِ — كَمَا هُوَ الحَالُ فِي سُلُوكِ الكَوَائِنِ المَفْتَرِسَةِ فِي الطبيعَةِ حِينَمَا تُرْعِبُ خُصُومَهَا بِإِظْهَارِ قُوَّتِهَا دُونَ هِجَامٍ مَادِّيٍّ.
فَالاحْتِفَاظُ بِالقُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ أصْلٌ ثَابِتٌ وَدَائِمٌ فِي مَسَارِ الأُمَّةِ، وَإِنَّمَا الاِسْتِثْنَاءُ يَكُونُ فِي بَعْضِ مَظَاهِرِ الإِعْمَالِ المُبَاشِرِ لِلْحَرْبِ السَّاخِنَةِ.
ثَانِيًا: القَوْلُ بِأَنَّ خِيَارَ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ أَوْ نَهْضَةَ الإِمَامِ الحُسَيْنِ (عليه السلام) يُعَدَّانِ شُذُوذًا أَوْ حَالَةً طَارِئَةً اسْتِثْنَائِيَّةً عَنْ المَسَارِ الأَوَّلِيِّ لِلْمَعْصُومِينَ (عليهم السلام) هُوَ طَرْحٌ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ مَثَلُهُ مَثَلُ الشُبُهَاتِ الَّتِي يُثِيرُهَا بَعْضُ المُنَظِّرِينَ التَّغْرِيبِيِّينَ حِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ المَسِيحِيَّةَ قَائِمَةٌ عَلَى التَّسَامُحِ المَغْشُوشِ بَيْنَمَا الإِسْلاَمُ قَائِمٌ عَلَى الخُشُونَةِ! بَيْنَمَا الوَاقِعُ يُثْبِتُ أَنَّ وُجُودَ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ بِنَاءٌ أَوَّلِيٌّ لاَ غِنَى عَنْهُ فِي أَيِّ نِظَامٍ حَضَارِيٍّ[14] .
وَعَلَيْهِ، فَلاَ صِحَّةَ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ سِيرَةَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ (عليه السلام) وَوَقْعَةَ كَرْبَلاَءَ كَانَتَا أَمْرًا طَارِئًا أَوْ ثَانَوِيًّا، كَمَا لاَ صِحَّةَ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ مَسَارَ بَقِيَّةِ الأَئِمَّةِ (عليهم السلام) — كَبُكَاءِ الإِمَامِ زَيْنِ العَابِدِينَ (عليه السلام) — يُمَثِّلُ الخِيَارَ الأَوَّلِيَّ المَفْصُولَ عَنْ نَهْضَةِ الحُسَيْنِ (عليه السلام)، بَلْ كُلُّهُمْ نُورٌ وَاحِدٌ وَيَعْمَلُونَ ضِمْنَ مَنْظُومَةٍ إِلهِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ.
وحدة المسار الرسالي للأئمة وتكامل أدوارهم
أولاً: كُلُّ إمامٍ من الأئمَّةِ المعصومينَ الأربعةَ عشرَ (عليهم السلام) قد استعملَ كافَّةَ الأدوارِ والأساليبِ؛ فمنها ما كانَ بنحوٍ خفيٍّ، ومنها ما كانَ بنحوٍ معلَنٍ، أو في مقاطعَ زمنيَّةٍ معيَّنةٍ ضمنَ المخطَّطِ الكليِّ لنهضتِهم الشريفةِ.
والشاهدُ التاريخيُّ على ذلك: أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) قد خاضَ في خلالِ عشرِ سنينَ ما يربو على ثمانينَ حرباً ومعركةً عسكريَّةً فُرِضَت عليهِ، ولم يَستسلم ولم يقتصر على الأسلوبِ السلميِّ المحضِ حتَّى في مقاماتِ الدفاعِ. بل في بعضِ الإحصاءاتِ التاريخيَّةِ أنَّها بلغت سِتّاً وتسعينَ حرباً، ممَّا يعني وقوعَ ما يقربُ من عشرِ حروبٍ في كلِّ سنةٍ تقريباً، يزيدُ ذلكَ أو ينقصُ بحسبِ الظروفِ.
تنبيهٌ على مغالطةٍ أصوليَّةٍ وتاريخيَّة: سيتَّضحُ في مطاوي البحثِ — حينَ نقرأُ رواياتِ الإمامينِ الباقرِ والصادقِ (عليهما السلام)، وهما عِلْمُ الهدى والعلَمُ المرفوعُ بعدَ نهضةِ سيِّدِ الشهداءِ (عليه السلام) — بُطلانُ ما يفرِّقُ بهِ بعضُ الباحثينَ بينَ مسارِ ما قبلَ كربلاءَ ومسارِ ما بعدها، بجهالةِ أنَّ مدرسةَ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) قد اتَّخذت بعدَ كربلاءَ مساراً انكماشيّاً مغايراً لمسارِ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام).
والجوابُ عن هذا التوهُّم: أنَّ الرواياتِ المستفيضةَ الواردةَ في أبوابِ الجهادِ من «الكافي» للشريفِ الكلينيِّ و«تهذيبِ الأحكامِ» للشيخِ الطوسيِّ تُثبتُ وحدةَ المسارِ المعصوميِّ وتكامُلَهُ؛ فإنَّ إدارةَ القوَّةِ الساخنةِ لا تَعني بالضرورةِ الاستعمالَ القتاليَّ المباشَرَ والمستمرَّ على مدارِ الساعةِ وفي كلِّ آنٍ.
ومثالُ ذلكَ في المعادلةِ المعاصِرة: ما نشهدهُ في الحروبِ الدوليَّةِ (كالحربِ الأوكرانيَّةِ وغيرها)؛ إذ تتداخلُ القوَّةُ العسكريَّةُ معَ أساليبِ الردعِ والقوَّةِ الناعمةِ لتشكيلِ ميزانِ القوى، دونَ أن تشتعلَ الجبهاتُ بنحوٍ ساخنٍ دائمٍ. فالمغالطةُ إنَّما تنشأُ من الخلطِ بينَ «إعمالِ القوَّةِ العسكريَّةِ واستعمالِها المباشرِ الدائمِ» وبينَ «وجوبِ الاحتفاظِ بالقوَّةِ العسكريَّةِ وبنائِها مستمرّاً»؛ والأوَّلُ يتبعُ الظروفَ والمصالحَ المقتضيةَ، بينما الثاني أصلٌ حتميٌّ ضروريٌّ لا ينفكُّ عنه المجتمعُ الإيمانيُّ.
ومن الشواهدِ الروائيَّةِ على بناءِ القوَّةِ والرعايةِ الإستراتيجيَّةِ لأجنحةِ المقاومة: ما وردَ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) في تعاطيهِ معَ الحركاتِ والثوراتِ العلويَّةِ والزيديةِ؛ إذ قالَ لشيعتهِ: «لا تَزَالُ الزَّيْدِيَّةُ لَكُمْ وِقَاءً أَبَداً»[15] .
والقاعدةُ هنا: أنَّ الإمامَ (عليه السلام) يُنهى عن ضربِ هذا الجناحِ الثوريِّ أو تحجيمهِ أو تسقيطهِ ورميهِ بالكفرِ والارتدادِ، بَل يراهُ وقاءً ودرعاً حامياً للكيانِ الشيعيِّ العامِّ. بل أثبتَ التاريخُ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) قولهَ: «وَلَوَدِدْتُ أَنَّ الخَارِجِيَّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ خَرَجَ وَعَلَيَّ نَفَقَةُ عِيَالِهِ»[16] .
وقد يُشكلُ بعضُ المنهزمينَ: بأنَّ أسلوبَ الأنبياءِ (عليهم السلام) — كالنبيِّ عيسى (عليه السلام) — كانَ أسلوباً تجريديّاً أهليّاً خالياً من أسبابِ القوَّةِ والسلاحِ ووزارةِ الدفاعِ!
والجوابُ عليهِ: أنَّ هذا التصوَّرَ مأخوذٌ من الموروثِ الكنسيِّ المحرَّفِ، بينما الصريحُ في رواياتِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) ألا نبيَّ إلا وقامَ بسنَّةِ الجهادِ وإعدادِ القوَّةِ؛ حتَّى إنَّ إبراهيمَ الخليلَ (عليه السلام) كانَ يخرجُ للجهادِ العسكريِّ ضدَّ العمالقةِ — وهمُ الدولُ العُظمى في زمانهِ — من مسجدِ السهلةِ، وناطَحَ نمرودَ وجبابرةَ عصرهِ. وكذلكَ موسى (عليه السلام) تناطَحَ معَ الدولةِ العُظمى لفرعونَ، واستمرَّ في خَوضِ المواجهاتِ حتَّى عهدِ جالوتَ، وإن تقاعسَ بنو إسرائيلَ عن نصرتهِ. فالأنبياءُ (عليهم السلام) جميعاً كانوا في حالةِ مناكفةٍ ومواجهةٍ دائمةٍ معَ الطغيانِ والفسادِ، بأسلوبٍ باردٍ تارةً وبأسلوبٍ آخَرَ أخرى، ولم يرتضوا الاستكانةَ والخضوعَ ألبَتَّةَ.
والنتيجةُ: أنَّ نهضةَ سيِّدِ الشهداءِ (عليه السلام) وحركتَهُ العسكريَّةَ ليست نشازاً ولا خطّاً استثنائِيّاً طارِئاً، بل هيَ الامتدادُ الطبيعيُّ لسيرةِ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) في خطبهِ المليئةِ بالتعبئةِ والعسكرةِ في «نهجِ البلاغةِ»، ولسيرةِ النبيِّ الأعظمِ (صلى الله عليه وآله) الذي أدارَ تسعينَ معركةً وحرباً وهوَ مهيمنُ الشريعةِ ورئيسُ الدينِ.
والدليلُ الحديثيُّ من خطِّ الإمامِ الباقرِ (عليه السلام): ما وردَ عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) حينَ قالَ لبعضِ أصحابهِ: «الخَيْرُ كُلُّهُ فِي السَّيْفِ وَتَحْتَ السَّيْفِ وَفِي ظِلِّ السَّيْفِ»[17] . فلا قِوامَ للدينِ ولا انتشارَ للحقِّ إلا بوجودِ القوَّةِ الرادعةِ التي تَحمي العِقيدةَ وتَدفعُ عَنْهَا كَيْدَ الظالمينَ.
تأسِيساً على ذلك: لا توجدُ دولةٌ في العالَمِ المَعاصرِ قاطبةً قادرَةٌ على الاستغناءِ عن القوَّةِ الدفاعيَّةِ والقدرةِ التسليحيَّةِ. ومن هنا يتَّضحُ أنَّ التشريعاتِ الصادرةَ عن أصحابِ الكساءِ (عليهم السلام) هيَ الأصولُ الحاكمةُ والمقاصدُ الكليَّةُ، وما صدرَ عن بقِيَّةِ الأئمَّةِ التسعةِ (عليهم السلام) من الصادقِ والباقرِ والكاظمِ والرضا إنَّما هوَ تفريعٌ وتوضيحٌ وتطبيقٌ لتلكَ الأسسِ الأوَّليَّةِ حَسَبَ المقتضياتِ والقوانينِ الشرعيَّةِ والسياسيَّةِ.
ومن ثَمَّ تجبُ التفرقةُ الدقيقةُ بينَ مَفهومين:
الأوَّل: «الاحتفاظُ بالقوَّةِ العسكريَّةِ وإعدادُها».
الثاني: «إعمالُ القوَّةِ الساخنةِ ومباشرةُ الحروبِ».
ومثالُ هذا التمايزِ في السيرةِ المعصوميَّة: صلحُ الإمامِ الحسنِ (عليه السلام)؛ فإنَّ الإمامَ الحسنَ (عليه السلام) لم يَنزعِ السلاحَ من يدهِ ولم يحلَّ مؤسَّسةَ الدولةِ، بل استبقى عناصرَ القوَّةِ والسلطانِ والمالِ والجاهزيَّةِ الإداريَّةِ، وإنَّما كانَ صُلحُهُ تقاسُماً إداريّاً وسياسيّاً مشروطاً للسلطةِ وليسَ تفويضاً مطلقاً لمُعاويةَ، لكي يُحافظَ على بَنيانِ الأمَّةِ ويَنتزعَ الشرعيَّةَ من بني أُميَّةَ، حتَّى تؤولَ الخلافةُ بعدَ ذلكَ إليهِ أو إلى أخيهِ الحسينِ (عليه السلام).
دور الإمام الباقر في تأسيس دولة القوة: رسالة الجهاد
والحاصلُ: أنَّ حركةَ سيِّدِ الشهداءِ (عليه السلام) هيَ الأصلُ الدائمُ المستمرُّ وليست استثناءً ثانوِيّاً. وللأسفِ الشديدِ، فإنَّ الشريفَ الكلينيَّ (قدس سره) قد اقتطعَ رسالةً إستراتيجيَّةً هامةً جدّاً كتبها الإمامُ الباقرُ (عليه السلام) إلى بعضِ خلفاءِ بني أُميَّةَ يُحاسِبُهم فيها على التقصيرِ والتواني في أداءِ الوظائفِ الأساسيَّةِ للدولةِ الإسلاميَّةِ.
والشاهدُ من النصِّ الروائيِّ للرسالة: ما رواهُ الكلينيُّ بسندٍ صحيحٍ عن محمدِ بنِ يحيى العطّارِ، عن أحمدَ بنِ محمدِ بنِ عيسى، عن الحسنِ بنِ محبوبٍ، عن بعضِ أصحابهِ قالَ: «كَتَبَ أَبُوجَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي رِسَالَةٍ إِلَى بَعْضِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ: وَمِنْ ذَلِكَ مَا ضَيَّعُوا الجِهَادَ الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الأَعْمَالِ، وَفَضَّلَ عَامِلَهُ عَلَى العُمَّالِ تَفْضِيلاً فِي الدَّرَجَاتِ وَالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ لأَنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الدِّينُ، وَبِهِ يُدْفَعُ عَنِ الدِّينِ، وَبِهِ اشْتَرَى اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِالجَنَّةِ بَيْعاً مُفْلِحاً مُنْجِحاً…»[18] .
السند المذكور في كتاب الكافي: «عن الحسن بن محبوب، عن بعض أصحابه، قال: كتب أبو جعفر (عليه السلام) في رسالة إلى بعض خلفاء بني أمية…»[19] ؛ والحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع، وعمن يروي عنه كذلك، فتكون الرواية بحكم الصحيحة السند.
فقد كتب الإمام الباقر (عليه السلام) رسالةً إلى أحد خلفاء بني أمية — وهي بمثابة عهدٍ وسياسةٍ عامّة لإدارة الدولة الإسلامية، تمامًا كعهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر — غير أنّ الشيخ الكليني (قدّس سرّه) يذكر منها مقطعًا معيّنًا وينقل مفادها. وتضمّنت هذه الرسالة تأسيسًا لنظام الدولة وحاكمية الشريعة.
تنبيه: يخطئ من يتوهّم التمايز أو التباين بين المسار الحسيّني والمسار الباقريّ أو الصادقيّ؛ فإنّ محاولة إبراز الإمام الحسين (عليه السلام) بمظهر من خرج عن القاعدة الكليّة للتشريع، أو استثنائيّ المسار، ناتجةٌ عن عدم فهم القواعد العامّة لسيرة أهل البيت (عليهم السلام). بل إنّ الحقيقة الناصعة هي أنّ الحسين (عليه السلام) نبعُ الهداية ومصلحُ الأمّة، وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): «إنَّ الحُسَيْنَ مِصْبَاحُ الهُدَى وَسَفِينَةُ النَّجَاةِ»[20] .
فليس النهج الحسينيّ نشازًا أو استثناءً طارئًا؛ بل هو أصلٌ أثيلٌ في حفظ الشريعة والدفاع عن الدين. وتلك المقولة الموهومة التي تحاول الفصل بين مذهب الصادق (عليه السلام) ونهضة الحسين (عليه السلام) تخالف صريح التاريخ والسيرة؛ إذ إنّ الإمام الباقر (عليه السلام) نفسه قد أرسل أحد أبنائه — وهو السيّد سلطان علي بن الإمام الباقر (عليه السلام) — إلى أطراف كاشان لإقامة الحقّ والأمر بالمعروف والنظر في أمور المسلمين، فاستُشهد في ذلك السبيل. كما أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) ومعه الإمام الصادق (عليه السلام) تعرّضا للاقتياد والاستدعاء الشديد إلى الشام من قِبل السلطة الجائرة نتيجة المواقف السياسية المعلنة في الموسم؛ فالمسار الحسينيّ هو بعينه المسار الباقريّ والصادقيّ.
النهضة الحسينية أصلٌ لا استثناء: مواجهة ثقافة الوهن
والدليل عليه: ما قد يتعلّل به بعضهم من تقديس السكون والاستكانة عبر فهمٍ قاصر لبعض الآيات، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[21] ، بينما المضمون الآتي من النصوص الشريفة يشير إلى أنّ استكانة الأمة وخوفها هو السبب الأساس لضعفها وهوانها.
وقد جاء في الحديث: عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فقال قائل: ومن قلّةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهْنَ»، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ»[22] .
والشاهد هنا: أنّ علّة ضعف الأمّة وهوان ثرواتها ومقدّراتها أمام القوى المستكبرة تعود إلى أمرين رئيسين:
الأوّل: فقدان الإدارة الناجحة والقيادة الحكيمة، والرضوخ لحكام متسلطين يرعون مصالح الأعداء.
الثاني: استيلاء “الوهن” على القلوب، وهو الخوف من الموت وحبّ الحياة المادية.
ومن هنا تتجلّى القيمة العظمى للنهضة الحسينية؛ إذ إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) حطّم منظومة الرعب، وجعل من التضحية والشهادة قيمةً ساميةً تعيد للأمّة كرامتها وقدرتها على المواجهة. حتّى إنّ بعض أرباب التحليل السياسيّ المعاصر — كما في الدراسات الاستراتيجية الصينية — يتناولون حركة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها المحرّك الرئيس لكسر موازين القوى والتصدّي للهيمنة، لأنّها صاغت ثقافة الرفض والجهاد بالشجاعة والصلابة، وكشفت زيف القوّة الادّعائية للدول الكبرى.
والنتيجة: أنّ اعتبار الحركة الحسينية استثناءً هو نظرةٌ قاصرة؛ فالأعداء أنفسهم يدركون أنّ نهضة الحسين (عليه السلام) هي الركيزة والمحور. ومن يُوهِم أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الآخرين — كالإمام الباقر (عليه السلام) — كانوا بمنأى عن هذا الفكر المؤسّسي الجهاديّ، فهو غافلٌ عن مأثور كلماتهم ورسائلهم التأسيسية.
ومثال ذلك: ما أورده الشيخ الكليني (قدّس سرّه) في كتابه الكافي، حيث أورد رسالة الإمام الباقر (عليه السلام) التي أنقذ فيها النظام الاقتصاديّ للأمّة، وحصّن العملة النقدية والمجالات العمرانية والمعيشية من التلاعب والروم[23] . ثم يسجّل الإمام (عليه السلام) في هذه الرسالة مؤاخذته الصريحة على حاكم بني أمية لتعطيل وظائف الدولة الإسلامية وإهمال باب الجهاد.
وقد جاء في متن الرسالة: «وَمِنْ ذَلِكَ مَا ضَيَّعُوا مِنَ الْجِهَادِ الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَفَضَّلَ عَامِلَهُ عَلَى العُمَّالِ تَفْضِيلًا فِي الدَّرَجَاتِ وَالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الدِّينُ، وَبِهِ يُدْفَعُ عَنِ الدِّينِ، وَبِهِ اشْتَرَى اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِالجَنَّةِ بَيْعًا مُفْلِحًا مُنْجِحًا، اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حِفْظَ الحُدُودِ»[24] .
وقاعدة المطلب: أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) يبيّن أنّ الحكّام الجائرين قصروا في حفظ حدود الشريعة، وضيّعوا الفريضة التي بها يقوم الدين ويُدفع عنه. وتلك الروايات والتشريعات الجهادية أوردها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بتمامها في جوامع الحديث كـ الكافي والتهذيب للشيخ الطوسي (رحمه الله)، ممّا يدلّ على أصلية هذا المسار.
ويرتبط بذلك ما أشار إليه المؤرّخون من أنّ الخطط العسكرية والإدارية والأمنية للفتوحات الإسلامية الكبرى — كفتح فارس والروم — كان الموجّه الأساس والمدبّر لها هو أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمّة من بعده، حيث أضفوا عليها الجانب المشرق والهداية الشرعية، وإن استغلّها الحكّام الجائرون لاحقًا لأغراض السلطنة[25] .
والحاصل: أن الإمام الباقر (عليه السلام) يحدّد العِلّة الغائية من مشروعية الجهاد في قوله: «وَأَوَّلُ ذَلِكَ الدُّعَاءُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ طَاعَةِ العِبَادِ، وَإِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ، وَإِلَى وِلَايَةِ اللَّهِ مِنْ وِلَايَةِ العِبَادِ»[26] ؛ فإنّ غاية الجهاد والحاكمية في الشريعة هي نقل المكلّفين من الخضوع والانقياد للطواغيت والفاسدين — وهو ما يُعدّ نوعًا من العبادة والولاية الباطلة في المفهوم القرآني، كما في ادّعاء فرعون للألوهية والطاعة مطلقًا — إلى الحاكمية الإلهية الخالصة والولاية الحقّة.
فما سجدوا لهم، وهذه الحقيقة صريحة في كلام الإمام الباقر (عليه السلام)؛ إذ صرّح بأنّ الغاية من الجهاد هي «الدَّعْوَةُ إِلَى طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ طَاعَةِ الْعِبَادِ، وَإِلَى عِبَادَةِ اللهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وَإِلَى وَلَايَةِ اللهِ مِنْ وَلَايَةِ الْعِبَادِ»[27] .