« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/02/27

بسم الله الرحمن الرحيم

بين الثابت الأولي و المتغير الثانوي في سيرة كل إمام (ع)(37)

الموضوع: قواعد فهم النص وسيرة المعصومين: بين الإبهام والحجية

 

كان الكلام فيما نقلناه عن جملة من الفقهاء -كصاحب الجواهر وقبله وبعده- من أنَّ نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) في عاشوراء لا يمكن تفسير كل زواياها، وأنَّ المعصوم كالقرآن الكريم؛ فكما أنَّ العلماء يتمكنون بموازين الثقلين من تفسير وتأويل بعض زوايا القرآن ومساحاته، بينما يقفون دون أبعاد أُخرى لا يصلون إلى كنهها، فكذلك الحال في سيرة المعصوم (عليه السلام).

الوصف النبوي للقرآن:

القرآن والمعصوم: حجية ما اتضح وإبهام ما خفي

فالقرآن الكريم يصفه النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه: «حَبْلٌ مَمْدُودٌ»[1] ؛ ومقتضى هذا الوصف أنَّه آلية الاتصال والارتباط بين الأرض والسماء والعالم الغيبي. وهذا الوصف المأثور عن سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) يُعدّ من أعظم الأوصاف الإعجازية؛ إذ ينطوي على أسرار منهجية وصناعية عالية. والقرآن الكريم يُصرّح بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾[2] .

تأسيسًا على ذلك، فقد آتاه الله جوامع الكلم، وهي أعظم رتبةً من جوامع العلم التي رزقها أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فجوامع الكلم للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) طرف منها عند الناس، وطرف منها عند الله (عز وجل). والمقام العندي الإلهي لا حدّ له، وما كان ظلا للساحة الإلهية فهو كليٌّ لا يتناهى؛ لكونه تجليًا للحق سبحانه. ومآل القول أنَّ للقرآن حقيقةً غيبية؛ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[3] ؛ أي أساس الكتاب وحقيقته العليا التي ليست لدى عامة الناس.

شهادة الطبري بمنزلة أم الكتاب: تنبيه: وقد اعترف محمد بن جرير الطبري -وهو من علماء العامة المعاصرين للشيخ الكليني- في تفسيره دلالة الآية المباركة على أنَّ أساس القرآن وعظمته وقمته العلوية عند الله سبحانه وليست متناولة لدى البشر، وأورد في ذلك روايات في كتابه جامع البيان[4] .

ويتفرع على كون طرف منه عند الله وطرف منه عند الناس: أنَّ الإحاطة الشاملة بالقرآن لا تتأتى لأحد إلا للحق سبحانه وحججه؛ وإلى ذلك يشير قوله عز وجل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾[5] .

حجية المقدور المتاح من الشريعة: والقاعدة هنا: أنَّ عجز البشر عن الإحاطة التامة بالقرآن الكريم، ومحدودية ما يدركه العلماء من أسراره، لا يقتضي بوجه نفي حجية المقدار المعلوم والمكشوف منه؛ بل هذا المقدار حجةٌ قائمة، بشرط التمسك بالثقلين: الكتاب العظيم والراسخين في العلم.

معية الثقلين وأصلها القرآني: ومعية الثقلين -كما يقرر أهل البيت (عليهم السلام)- هي حقيقة قرآنية أصلية قبل أن تكون نصًا نبويًا فرعيًا؛ فإنَّ جميع الأحاديث النبوية والعلوية والفاطمية والحسنية والحسينية والأئمة الطاهرين تعود في جذرها إلى أصل قرآني.

والشاهد فيه: ما رواه زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «يَا زُرَارَةُ، إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَاسْأَلُونِي أَيْنَ هُوَ مِنْ كِتَابِ اللهِ»[6] ؛ وهذا أصلٌ وثيق في بيان معية الثقلين، وأنَّهما وجهان لحقيقة واحدة.

تطبيق القاعدة على النهضة الحسينية: وتأسيسًا على ما تقدم، فقد نصَّ صاحب الجواهر وغيره من أكابر العلماء متقدمًا ومتأخرًا على أنَّ ثَمَّة زوايا من نهضة سيد الشهداء (عليه السلام) استطاع الفقهاء تفسيرها وفق الأصول والقواعد الشرعية، إلا أنَّ وجود زوايا إبهام في سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) أو سيرة أمير المؤمنين أو الزهراء أو الحسنين والأئمة (عليهم السلام) لا يُسوغ نفي الحجية عما اتضح واستبان من سيرتهم.

دفع المغالطة: فإن قيل: إنَّ القصور عن الإحاطة التامة بالقرآن يوجب رفع الحجية عنه، أو أنَّ إبهام بعض زوايا السيرة يسقط الاستدلال بها.

فالجواب: أنَّ هذه مغالطة ظاهرية؛ إذ المفهوم المكشوف من القرآن حجة ملزمة، وما خفي علينا نؤمن به إجمالًا ونكله إلى أهله؛ فإنَّ العلم مراتب، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾[7] . وهذا النمط سارٍ في جميع العلوم البشرية كالفلك والفيزياء والرياضيات والأحياء؛ إذ يستثمر البشر ما اتضح لديهم من القوانين وإن جُهلت الأبعاد الأُخرى.

شاهد علمي تجريبي: ومثال ذلك: ما صرَّح به تقرير دولي صدر عام 1986م؛ حيث قيل إنَّ البشر لم يكتشفوا من حقائق الطبيعة إلا النزر اليسير. وفي ذلك العام قدم باحثٌ شيعي طهراني -وهو شاب في الرابعة والثلاثين من عمره بمدينة بريطانية وبجامعة هارفارد- أطروحة أصلية حول «حقيقة الذرة»، ناقض فيها الفرضية المشهورة التي تجعل الذرة مقتصرة على الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات، واثبت منطقيًا أنَّ الذرة هي سحبٌ متداعية من الطاقات. وقد لاقت أطروحته احتفاء عالميًا واستحدثت دافعًا لتعيينه في الرتب العالية وتدريس نظريته المسماة بـ«السحب الطاقية».

والحاصل منه: أنَّ أصحاب التخصص كثيرا ما يخلطون بين «الفرضية» و«النظرية» و«الحقيقة»، فيفرطون برفع الفرضيات غير المبرهنة إلى رتبة الحقائق القطعية. وهذه نكتة منهجية دقيقة تجري في الفقه والأصول والتفسير.

تطبيق منهج النقد العلمي في المسائل الفقهية (الشهادة الثالثة أُنموذجًا):

نقد المنهج الفقهي: الشهادة الثالثة أنموذجاً

وقد يقع البحث في المسائل الفقهية الحساسة؛ كمسألة الشهادة الثالثة بـ«ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)» في الأذان والتشهد. فقد يرى بعض المرموقين بدعيتها، بينما يذهب فريقٌ آخر إلى القول بوجوبها ضرورة.

موقف الشهيد الثاني: فقد ذكر الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة البهية أنَّ عدم جزئية الشهادة الثالثة في الأذان أمرٌ ضروري المذهب[8] ؛ مع احترامنا التام لمقامه العلمي السامي وفضله العظيم على الطائفة.

والنقد المنهجي: أنَّ البحث العلمي لا محاباة فيه ولا مصانعة؛ بل يُبنى على الموازين المحررة. وما وقع فيه الشهيد الثاني ومن تبعه من القول بإنكار الجزئية إنما نشأ عن غفلة عن القرائن الحافة بنصوص المسألة؛ حيث أخذ بظاهر تعبير الشيخ الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه[9] ..

والجواب عن تعبير الصدوق: أنَّ عبارته صادرة لموجب التقية، وقرائن التقية في موضع كلامه تتجاوز عشر قرائن دامغة قطعية.

الشاهد: ما ذكره المولى محمد تقي المجلسي (المجلسي الأول) في شرحه؛ حيث صرح بأنه لو تأمل الفضلاء والعلماء قليلاً لتبين لهم أنَّ كلام الصدوق جرى مجرى التقية الجلية[10] .

منزلة الصدوق عند الشيخ الطوسي: فائدة: كان الشيخ الطوسي (رحمه الله) -الذي ولد عام 385 هـ بعد وفاة الصدوق عام 381 هـ، وهاجر إلى بغداد عام 408 هـ وتلمذ على الشيخ المفيد- شديد التعظيم للشيخ الصدوق؛ وقد وصفه في كتابه الفهرست وكتاب الرجال بأنه: «بَصِيرًا بِالْفِقْهِ وَالأَخْبَارِ وَالرِّجَالِ»[11] ؛ والجمع بين هذه التخصصات الثلاثة تدل على تمكنٍ نادر وتبحرٍ تام.

وكان الشيخ الطوسي يلتزم في كتبه الاستدلالية -كـ المبسوط والنهاية- بإيراد ذات المتون الروائية التي نقلها الصدوق والعمل بها، مما يدل على اعتماد الكبار على مروياته ووثوقهم بطرقه وأسانيده.

فائدة أصولية وحديثية: إنَّ كثيراً من كبار الأعلام يظنّون أنَّ أصل متون الروايات المتضمّنة للشهادة الثالثة في تشهّد الأذان لم يصل إلينا، والحال أنَّها قد وصلت وهي مدوَّنةٌ وموجودةٌ في المدوَّنات الفقهية والحديثية، وإنَّما نشأ هذا الظنُّ بسبب الابتعاد عن التبحّر في كتب الحديث ومصادره، ممَّا يولّد آفاتٍ كبيرةً في عملية الاستنباط في مختلف العلوم الدينية.

الشاهد التراثي: قد وصف شيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله) الشيخَ الصدوقَ (قدّس سرُّه) في كتابيه «الفهرست» و«الرجال» بقوله: «بصيرٌ بالفقه والأخبار والرجال»[12] .

تنبيه منهجِي:

أهمية التبحر في الحديث وأثره في الاستنباط

لِمَ أخذ الشيخُ الطوسي هذه العناوين الثلاثة بالخصوص؟ لأنَّ الشيخ الطوسي أصوليّ جليل، فلا يُحسبنَّ أحدٌ أنَّه أخباريّ؛ بل هو مفسّرٌ، ورجاليّ، وفقيهٌ، ومؤرّخٌ، ومحدّثٌ، ومُتكلّم. وإنَّ عدم تمييز طالب العلم الفاضل بين مفهوم «المحدّث» ومفهوم «الأخباري» يُعدُّ خللاً منهجياً وكارثةً علميةً في التحصيل.

والوجه في ذلك: أنَّ توصيف الشيخ الصدوق بكونه بصيراً بالأخبار والرجال إلى جانب الفقه يُشير إلى ثلاثة علومٍ مستقلة؛ فقد يكون العالم بصيراً بالفقه من حيث القواعد العامّة، ولكنَّه غير بصيرٍ بحديث الفقه وخباياه، كمعرفة الرواية المقطَّعة، والوقوف على عِلَل الحديث، وضبط نسخه ومصادره وأصوله وتعدّد طرقه، ممَّا قد لا يملك الفقيه غيرُ المتبحّر خبرةً كافيةً فيه.

ومثال ذلك من المناهج التفسيرية: الشيخ الملا شريف الفتوني (رحمه الله)[13] ، صاحب كتاب «ضياء العالمين» وكتاب «مرآة الأنوار»، وهو شَبيهٌ بالراغب الأصفهاني في أسلوبه التفسيريّ بل هو «الراغب الشيعي»، إذ ينتهج تفسير عناوين القرآن الكريِم بالروايات الشريفة لا بمجرّد الأقوال اللغوية. وقد التزم الشيخ الفتوني في تفسيره منهجاً خاصاً يشاركه فيه العلمُ قطب الدين الراوندي (قدّس سرُّه)، وكذا الفيض الكاشاني، ومجموعةٌ من أعيان الإمامية، خلافاً للمشهور بين العلماء.

وحاصل هذا المسلك: أنَّ روايات أهل البيت (عليهم السلام) الواردة في ذيل الآيات ليست من قبيل التأويل التعبدي المباين للظاهر، بل هي معالجةٌ لدقيقةِ بنيةِ الظهور القرآني وتعميقٌ لفهِمه. فهم لا يتعاملون مع الرواية كأمرٍ تعبديّ محض في التأويل مع إهمال الظهور، بل يصرّون على أنَّ كلَّ روايةٍ إنَّما تفتح أفقاً تحليلياً لبنية الظهور اللفظي للآية، وإنَّما يحتاج اقتناص ذلك إلى تنبّهٍ ودقّة. وهذا منهجٌ تفسيريٌّ عظيم القيمة. ولاحظ أنَّ قطب الدين الراوندي عِلمٌ أصوليّ وموسوعيّ العلوم، فلا يُتَوهَّم انحيازه إلى المنهج الأخباريّ المحض.

الأثر المنهجي للتبحّر في الحديث: يتبيَّن ممَّا تقدّم أنَّ التبحّر في الحديث شأنٌ أخصُّ من مجرّد الفقه؛ فالعلاّمة المجلسي (رحمه الله) فقيهٌ ومتبحّرٌ في الحديث معاً. وهذا التبحّر يمدُّ العالمَ — سواء في الفقه أم الكلام أم التفسير أم الأصول أم السيرة — بـخزينٍ معرفيٍّ هائلٍ ينعكس بالضرورة على استنباطاته.

الشاهد من كلام المحققين: نجد الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) — وهو رئيس الأصوليين في عصره — يذكر صاحب «البحار» بإجلالٍ علميّ فائق، ويصفه بـ «الغوّاص في بحار أنوار الأخبار»[14] ؛ فكلّما اقتنص العلامة المجلسي قرينةً حديثية، سعى الشيخ الأنصاري لاستثمارها والاعتماد عليها، لِما يعلمه من تبحّره الحديثي وتضلّعه في الأخبار.

المسألة الأصولية في قراءة النصوص والدليل عليها:

وجوب التفقه في ضروريات الدين على الكافة

أتجب قراءة القرآن والروايات الشريفة أم تستحب؟ لا ريب في استحباب ذلك، بل قد يجب وجوباً عينياً؛ والسرُّ في ذلك أنَّ ضروريات العقائد وضروريات الفقه بل ضروريات كافّة العلوم الدينية لا يجوز فيها التقليد بحال[15] .

والقاعدة هنا: أنَّ عدم جواز التقليد في الضروريات لا يعني الانقطاع عن العلماء وهجران آرائهم، إذ لو انقطع المستنبط عن كلام الأعلام لاختلَّ استنباطه وبطل؛ بل معناه عدم الكفاية بقول عالمٍ واحد بل ولا بقول جميع العلماء مجردين، بل يتعيَّن ضمُّ مراجعة المصادر المعصومة من الثقلين (الكتاب والعترة) إلى جهود الأعلام.

والسبب في ذلك: أنَّ كلمات العلماء — كالمحقق الحلّي، وكاشف الغطاء، والشيخ البهائي، والشيخ الأنصاري، والسيد البروجردي، وصاحب الجواهر — إنَّما هي شروحٌ وتبييناتٌ ومحاولاتٌ لاستظهار المرام من الآيات والروايات. فلو استبدَّ الطالب أو المستنبط برأيه دون مراجعة جهود العلماء المتضافرة لكان عمله ضعيفاً وغير معتدٍّ به؛ إذ العلمُ ميزانٌ تتساند فيه العقول والجهود. فالواجب هو الجمع بين مراجعة التراث المعصوم واستقصاء جهود العلماء المتقدمين والمتأخرين بقدر الوسع والإنفاق.

التنظير والتطبيِق على الطبقات كافة: وهذه القاعدة ساريةٌ حتى على غير المتخصصين أو الأميِّ في المجتمع؛ فهل يسوغ لعاميٍّ التقليد في ضروريات الدين والعقيدة والفقه والسيرة؟

والجواب: لا يسوغ له ذلك إطلاقاً. ومعنى عدم جواز تقليده في الضروريات هو شَدُّ الوثاق بالعلماء والاستضاءة بنورهم أكثر فأكثر، مع المزاوجة بين كلامهم وبين الرجوع المباشر إلى مصدر الوحي (الكتاب والسنة) للوقوف على الضرورة المعرفية.

والدليل الفقهي والأخلاقي: قد ورد هذا المطلب صريحاً في مباحث الاجتهاد والتقليد من الرسائل العملية للأعلام[16] ، ومؤدّاه أنَّ التثقّف في كتاب الله وقراءة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) لتشخيص الضروريات واجبٌ عينيٌّ بقدر وسع المكلّف.

والشاهد من الروايات: ما رواه أبان بن تغلب عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «لَوَدِدْتُ أَنَّ أَصْحَابِي ضُرِبَتْ رُؤُوسُهُمْ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا»[17] .

والنتيجة: إنَّ القراءة للتراث والتفقّه في الدين بقدر الوسع ليس مجرّد أمرٍ استحابيٍّ أو صوريّ، بل هو تكليفٌ عينيٌّ لا يعطل حركة الحياة، بل يزن المسيرة الإيمانية ويصونها عن الانحراف، سواءٌ أكان المكلف مجتهداً أم عامياً.

قاعدة حجية ما اتضح: إنّ ما يتبدّى للمكلّف — ولو كان أمّيّاً — من ظاهر النصوص المعصوميّة والمعارف الدينية يُعدّ حُجّةً قائمةً عليه بقدر ما اتّضح له؛ وإبهامُ بعض الزوايا لا يقدح بحالٍ في حجّيّة المضمون الواضح؛ إذ «ما لا يُدرَك كلُّه لا يُتْرَك كُلُّه»، وما أُبْهِمَ عليه لا يخدش فيما قد اتَّضح لديه.

ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[18] ؛ فإنّ أصل مفهوم الأحديّة والتأليه يُدركُه العامّيّ كما يدركُه العالم، وإن كانت هناك دقائق وتفاصيل توحيديّة غيبية هي فوق الإدراك الأوّليّ. وكذا قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾[19] ، مع قوله عزّ وجلّ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾[20] ؛ فإنّ أصل المعنى الإجماليّ في أصل الإيمان بجميع الرسل ونفي التفرقة بينهم في أصل النبوّة، مع ثبوت التفاضل بين رتبهم ومقاماتهم، كلُّ ذلك واضحٌ جليّ مبدئياً لعموم المكلّفين، وإن خَفِيَت عليهم دقائق وتفاصيل التفاضل وتأويلاتها الفلسفية.

والنتيجة: أنّه كما أنّ حجّيّة القرآن الكريم ثابتةٌ بمقدار ما اتّضح منه لعموم الطبقات من العوامّ والعلماء، ولا يقدح في حجّيّة هذا المقدار المعلوم ما خَفِيَ وأُبْهِمَ من دقائقه وتأويلاته، فهذه نكتةٌ منهجيّةٌ جوهريّة في نظرية المعرفة الدينية وفهم النصّ المقدّس.

وكذلك الحال في الروايات الشريفة: فإنّ ما اتَّضح منها يكون حُجّةً قائمةً، وما غمُض يبقى موضوعاً للبحث العلميّ والتحقيق. ومن هنا؛ أُشيرُ إلى ما ذكره الشيخ محمد رضا المظفر (رحمه الله) في مقالٍ له حول المعركة الفكرية بين الأصوليين والأخباريين[21] ، حيث بيّن أنّ النزاع الأخباري الأصولي قد أثرى الساحة العلمية للإمامية وللتشيّع؛ نظراً لما أنتجه من كشفٍ لنقاط القوة والضعف في المناهج الاستدلالية، ممّا دفع بحركة الاستنباط خطواتٍ متقدّمة إلى الأمام.

وحاصل القول: أنّ المعصوم (عليه السلام) هو التجسيد الحيّ والواقعيّ للقرآن الكريم، فما اتَّضح لنا من زوايا سيرته وشؤون نهضته المباركة فهو حُجّةٌ قائمةٌ يُعمل بها، وما لم يتَّضح يبقى قيد البحث والتنقيب العلميّ. ومقتضى ذلك ألّا نجعل من غُموض بعض الزوايا في سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) ذرّيعةً لإدراج النهضة الحسينيّة كلّها في إطار الإجمال والإبهام أو التعبّد المحض في جميع تفاصيلها؛ نعم، ثبت التعبّد التوقيفي في زوايا معيّنة، بيد أنّ أصل النهضة وأهدافها الكبرى قائمةٌ على الموازين والقواعد والأدلة العقلية والشرعية الثابتة.

قاعدة في ضبط العدالة والاستقامة: إنّ الضابط الأساس لحفظ الاستقامة الفكرية والشرعية عند العلماء — بل والمؤمنين عامّة — هو عدم تجاوز الخطوط الحمراء للمذهب، والمتمثلة في «الضروريات» المذهبية والدينية. والعوامّ يستقون علمهم بهذه الضروريات عبر طريقين متكاملين: إمّا عبر المرجعيّة العلمية للعلماء الأعلام، أو ابتداءً وبالأصالة عبر التمسّك بـ «الثقلين» (الكتاب والعترة)؛ فبذلك تتشخّص الضروريات لعموم المكلّفين تشخّصاً جليّاً.

تصحيح القراءة التاريخية لسيرة الأئمة

تنبيهٌ في قراءة سيرة المعصومين (عليهم السلام): وبناءً على ما تقدّم؛ فإنّ ما ذكره فقهاء الإمامية من خفاء بعض الزوايا في سيرة سيد الشهداء (عليه السلام) أو سائر الأئمة (عليهم السلام) لا ينفي حجّيّة المظاهر المعلومة منها. ومن جملة التدليسات والتصورات الخاطئة ما شاع واعتقده بعض الباحثين من أن صلح الإمام الحسن (عليه السلام) كان عبارةً عن «تفويضٍ مطلقٍ للسلطة» لمعاوية بن أبي سفيان؛ وهي مقولةٌ باطلةٌ منافيةٌ للواقع التاريخي والروائي؛ إذ إنّ الصلح في حقيقته وشروطه كان نوعاً من تقاسم النفوذ وانتزاع سلطاتٍ ومساحات إدارة وتدبير، بحيث أبقى الإمامُ الحسن (عليه السلام) يده قابضةً على شؤون علمية ودينية واجتماعية وموارد مالية في الأمة، ولم يُفوِّض الحكم المطلق، ولم يكن مسؤولاً بحالٍ عن مفاسد الحكم الأموي، بل مارس أقصى الممكن للحفاظ على الكيان الإيماني.

ومثالٌ آخرُ في التزييف المفهومي: المقولة الشائعة بأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) «جلس في بيته خمسة وعشرين سنة»؛ فهو وصفٌ قاصرٌ وعاطلٌ؛ إذ كيف يُنسب الجمود والقعود لمن هو العصب المحرّك للأمة؟ بل إنّ الإمام الهادي (عليه السلام) يَنفي هذه القراءة السلبية تماماً في زيارة يوم الغدير الشريفة، صريحاً في نفي الاستكانة والضعف عن جده أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «فَما وَهَنْتَ لِما أَصابَكَ في سَبيلِ اللَّهِ، وَلا ضَعُفْتَ وَلا اسْتَكَنْتَ»[22] ، آخذاً التعبير من المحكم القرآني: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾[23] ؛ فلم يَبْرَح (عليه السلام) عن طلب الحق والقيام بمسؤولية هداية الأمة وإرشادها، وتدبير أمورها وفق أصل «لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين».

فائدة: المعصوم (عليه السلام) هو القرآن الناطق، والترجمان الفعليّ للوحي الإلهي، كما تواترت الروايات الشريفة بأنّ الأئمة الهداة (عليهم السلام) هم «الناطقون بالقرآن»[24] .

فلسفة التركيز على النهضة الحسينية

سؤالٌ وحكمة: قد يُطرح تساؤلٌ مفاده: لماذا كلّ هذا التركيز الاستثنائي والمكثّف في التراث والدين على شخص الإمام الحسين (عليه السلام) ونهضته؟

والجواب: أن هذا التركيز مبدأٌ إلهيّ شُرِّع بالوحي الإلهي أوّلاً، وتبنّاه المعصومون (عليهم السلام) ثانياً؛ وليس علّة ذلك أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) أعظمُ رتبةً في التشريع أو التقنين من جده المصطفى (صلى الله عليه وآله)، ولا من والده أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أُمّه الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام)، بل حتى أخوه الإمام الحسن (عليه السلام) مقدَّمٌ عليه رتبةً بنصّ الأئمّة أنفسهم («الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا»)، وإنّما السرّ والسريرة الفلسفية التي بيّنها أهل البيت (عليهم السلام) تجلّت في حقيقة الدور التاريخي لنهضته في حفظ أصل الدين وإحياء معالمه. ومن هنا نجد الإمام زين العابدين (عليه السلام)، والإمام الباقر، والصادق، والرضا، والهادي (عليهم السلام)، يندبون الحسين (عليه السلام) ويكرّرون ذكره في كلّ محفل ومناسبة؛ حتى كان الإمام السجاد (عليه السلام) يذكر سيد الشهداء (عليه السلام) مرّات عديدة في اليوم الواحد كلّما قُرِّب إليه الطعام أو الماء.

والشاهد على ذلك: أن شعار دولة القائم المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) وأصحابه النجباء هو: «يَا لَثَارَاتِ الحُسَيْنِ»[25] [26] . ولأجل هذا المغزى المحوريّ خاض الأئمة (عليهم السلام) مواجهةً مع السلطات الجائرة لإبقاء هذه الشعلة؛ فبالرغم من أنّ السلطة العباسيّة في زمن الإمام الهادي (عليه السلام) هدمت القبر الشريف لسيّد الشهداء وحَرَثته غير مرّة، وعاقبت الزوّار بالقتل والتنكيل، إلا أنّ الإمام الهادي (عليه السلام) واصل الحثّ والتحريض على زيارة الحسين (عليه السلام)، وجعلها مقصداً وشعاراً.

ملاحظة إثراء: وقد صدرت دراساتٌ تخصّصية حديثة تناولت المنهج السياسيّ والرساليّ للإمام الهادي (عليه السلام)، وبيّنت كيف اتّخذ (عليه السلام) من صياغة الأدعية والزيارات الكبرى — كالزيارة الجامعة الكبيرة وزيارة يوم الغدير الشريفة — أداةً استراتيجية فائقة لإعادة تشكيل المرجعيّة الفكرية والعقائدية لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) وحفظ الخطّ الرساليّ الأصيل. — المحقق

قاعدة الحكم الأولي والثانوي وتطبيقاتها

القاعدة الفارقَة بين الحكمين الأوّليّ والثانويّ: إنّ سرّ الخصوصية في حركة الإمام الحسين (عليه السلام) يكمن في أنّ نهضته مثّلت «الحكم الواقعيّ الأوّليّ» لمواجهة الطغيان وحفظ بيضة الإسلام عند ارتماض أركانه، بينما كانت مواقف جملةٍ من المعصومين (عليهم السلام) في ظروفٍ معيّنةٍ قائمةً على إعمال «الأحكام والمناورات الثانوية» المقتضاة بالتقيّة أو الهدنة والمدارات.

والقاعدة هنا: ألا يُخلَط بين مجاري الحكم الأوّليّ ومجاري الحكم الثانويّ؛ فإنّ المكلف وإن أُمر باتّباع الحكم الثانويّ اضطراراً أو تقيّةً، إلا أنّ وظيفته القلبية والفكرية تقتضي البراءة النفسية من صورة ذلك الحكم الإجباريّ، وعِشق الحكم الأوّليّ والنزوع إليه.

والشاهد القرآنيّ: قوله تبارك وتعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[27] ؛ فالتقيّة وإن أباحت إظهار خلاف الحق لضرورة الإكراه، بيد أنّ شرطها القاطع ألّا يمتلئ القلبُ أو العقلُ بالرضا بهذا الباطل والمصانعة له، ولا أن يشرح بالكفر صدراً؛ فالمدارات والمناورة إجراءٌ ظاهريّ لا يجوز أن يطمس القناعة الفكرية الثابتة.

والحاصل: أنّه في موارد التقيّة والظروف الثانوية، يجب ألّا ينطبع الفكر والإيمان على ارتضاء الحكم الثانويّ كأنّه مرضيّ في نفس الأمر والواقع ابتداءً؛ بل هو حكمٌ معذورٌ فيه اضطراراً مع بغضِ منشإه؛ ونظيره التكليفيّ قوله عزّ وجلّ في تناول الميتة عند المخمصة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾[28] ؛ حيث رفع الإثم عن المضطرّ دون أن يصنف المحرّم بأنّه «حلالٌ طيّب»، بليَبقى المحرم محرماً في ذاته والملاك على حاله، وإنّما ارتفع عقابه للضرورة.

ولا يصبح الحرام بسببه حلالاً طيباً في الملاك الواقعي؛ إذ ليس الملاك هو الذي يتبدل بتغير العناوين الطارئة. فهل المراد هنا هو النظر إلى أصل الحكم؟ نعم، إن المدارات والمناورات تُمارَس بحسب مقتضيات الظروف، لكن لا ينبغي بحالٍ النظر إلى هذا العنوان الثانوي بوصفه حكماً واقعياً أولياً ديمومياً مستداماً يُدان الله به دينياً، فإلى أين يذهب الباحث حين يخلط بين العنوانين؟ بل الواجب هو الجمع بين الجهات كافة، والجمع بين الموازين الشرعية بلا تفريط، لكي يتحقق التعادل والاتزان في مقام الاستنباط والتطبيق.

والقاعدة هنا: أن قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾[29] ، وإن أُورد في أبواب الفقه الفردي، إلا أن مساحته تتسع لتشمل الفقه السياسي والعسكري وأبواب العقائد؛ إذ كيف يُسَوغ للمكلف أن يستقل في هذه الأبواب ويديرها كيفما يشاء؟ لا سيما وإن تنظير العقائد السياسية والفقهية والمعقدة يضفي بظلاله المباشرة على أسس الفقه والسياسة والمجال العسكري وعلم الكلام.

والنتيجة: أنه حتى لو كان المكلف في موقع الاضطرار والتقية، فإن الملاك الإيماني الثابت يفرض عليه الامتثال للمنظوق القرآني؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾[30] . ومقتضى ذلك أن المكلف لا يجوز له أن يشرح صدره بالكفر، ولا يستأنس بالباطل، ولا يقول في نفسه: «ما أحسن هذه الميتة!»، بل الواجب عليه أن يُوطّن قلبه وعقله على إنكار المنكر؛ بحيث يبقى فكره خالصاً لا يذوب ولا يتلوث، وإن جامل بلسانه لمصلحة التقية؛ إذ إن مجاملة اللسان شيء، وتلويث الفكر الجمعي للمجتمع شيء آخر، فالواجب هو الموازنة الدقيقة بينهما[31] .

فائدة: إن المقوم الأساس في سيرة المعصومين (عليهم السلام) قائمٌ على توزيع الأدوار وتكاملها؛ فأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يجابه السقيفة عسكرياً في العلن لمصالح إسلامية عليا، بينما جابهت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وقامت بالاحتجاج الدامغ. والإمام الحسن (عليه السلام) استخدم المناورات الدبلوماسية والسياسية في صلح الهدنة، وهو ما لا يعني بحالٍ تفويض السلطة الإلهية ولا العزل عن مقاليد الأمة، ولم ينزع السلاح ولا عناصر القوة عن معسكره (عليه السلام) أبداً.

تنبيه: لقد استنجد معاوية بالإمام الحسن (عليه السلام) في غير موضع، وبقيت الميزانية المخصصة في جملة من بيوت المال في الأقاليم والمدن من نصيب الإمام الحسن (عليه السلام)، ولم يستحصلها كأنه يتلاعب بالمسؤوليات، بل ممارساً لدوره القيادي والتنفيذي في إدارة الأمة، كنائبٍ للرسول (صلى الله عليه وآله) يملك النفوذ التلقائي للولاية. ومن ذا الذي يستطيع أن يفرض نقل السلطة أو استبقاء مقوماتها إلا من كان بمقام الإمام الحسن (عليه السلام)؟

ومن هنا تتبين خطأ القراءة العامية الأُموية التي سادت نحو ألف عام في تفسير سيرة الإمام الحسن (صلوات الله عليه)، والتي توهمت انزواءه عن إدارة المشهد السياسي والأمني.

والحاصل: أن إنكار المنكر في القلب والفكر يجب أن يتطابق مع درجة القبح الواقعي للمنكر ولا ينزل عنه؛ فلو كان الإنكار الفكري أدنى من مستوى المنكر في الواقع، لكان ذلك جزءاً من استمراء الباطل واستحسانه (أعوذ بالله)، بل يجب أن يكون الإنكار الفكري والقلبي موازياً لهوية المنكر تماماً بلا تنزل.

وهذا المطلب يُعدّ محل ابتلاء يومي وسيحي لدى المكلفين؛ إذ يجب في أعماق فكر المؤمن والمسلم أن يبقى المنكر منكراً ولا يُصبغ ببياضٍ أو مشروعية. فاحذر أيها المؤمن أن تسبغ المشروعية على الباطل حتى لو اضطررت لمداراته ظاهراً؛ فإن مداراة اللسان في التعامل مع الطرف الآخر أمرٌ ممدوحٌ وله مساغه الشرعي، ولكن بشرط ألا يصل إلى حد التماهي والذوبان.

إن حسن التعامل وحسن الأخلاق مع الآخرين لا يتطلب التنازل عن الثوابت ولا تزييف الحقائق؛ ورحم الله الشيخ رفسنجاني إذ أدار حواريةً تبث بثاً مباشراً مع الشيخ القرضاوي، فكلما أصر الأخير على انتزاع تنازلاتٍ عقائدية بلسان المجاملة، لم يستسلم له الشيخ رفسنجاني بمسامحةٍ زافرة، بل أوقفه عند حده قائلاً: «إن هذا بحثٌ تخصصي، فلا تشعل الفتنة بين المسلمين»، حتى صرّح جملةٌ من المنظرين الإسلاميين بأن الشيخ تفوق في هذه الحوارية العلمية التي استمرت ساعةً ونصف الساعة؛ لأنه لم يتنازل قيد شعرةٍ عن الثوابت مع إدارته للحوار بتهدئة وكياسة.

فالإنصاف يقتضي ألا تُستغل الأخلاق الإسلامية لترطيب العلاقات على حساب التنازل العقدي؛ سواءٌ أكان التعامل مع المسلمين أم مع النصارى واليهود، فلا توجد ضرورة تبيح صبغ الباطل بالحق، وإنما المدار على حسن التعامل مع الحفاظ على الفوارق.

والقاعدة: أن الضرورات تُقدَّر بقدرها، ولا سيما في الأطر الفكرية والسياسية؛ فإذا أردت ترطيب العلاقات مع طرفٍ معين وجه إليك آلاف الانتحاريين، فإن المرطب هو التعامل وفق المشتركات الإنسانية الواقعية، لا بانتزاع مشروعيةٍ للباطل أو التماهي معه. إذ كيف يستوي الطرفان في المنظور القرآني؟ كما قال عز من قائل: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾[32] . فالاستواء الفكري والواقعي بين الحق والباطل ممتنعٌ ذاتاً وخلاف الفطرة الإنسانية.

التقية وإعداد القوة: استراتيجية زمن الغيبة

وهذه المباحث في غاية الأهمية والخطورة؛ إذ تُفصح عن العلاقة الوثيقة بين المداراة وبين قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[33] . فإن قوة الأمة لا تنحصر في العتاد العسكري فحسب، بل إن النظر الاستراتيجي الفقيه يستخرج من هذه الآية الكريمة نظاماً سياسياً وأمنياً كاملاً لخط التشيع في زمن الغيبة الكبرى.

وقد استنبط الأعلام — كالسيد اليزدي صاحب العروة (رحمه الله) — قواعد فقهية عديدة من هذه الآية الشريفة[34] ؛ إذ إنها قاعدة قرآنية محكمة لا تطرق إليها النسخ أو التعطيل في عصر الغيبة. ولا يجوز توهم أن سيرة الأئمة المتاخرين (عليهم السلام) كانت قائمةً على إعداد الضعف والاستكانة والوهن (حاشاهم صلوات الله عليهم).

والشاهد فيه: ما ورد في الروايات المعتبرة الصادرة عن الإمام الصادق والباقر والكاظم والرضا والهادي (عليهم السلام) من تحريم بيع السلاح والسلع لأعداء الدين في أوقات الحرب والفتنة[35] . وهذه الأحكام الفقهية المسلمة لو أُعطيت لخبيرٍ في العلوم السياسية وإدارة الدولة، لاستخرج منها الاستراتيجية الشاملة لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) في إدارة الأمة وتوجيهها أثناء الغيبة الكبرى.

فهذه المسائل ليست جزئياتٍ مبعثرة، بل هي منظومةٌ متكاملة تشمل القوة الاقتصادية، والقوة الإعلامية، والقوة الأمنية، والقوة التكنولوجية، والتقنية النووية السلمية، وكل ما يصدق عليه مفهوم القوة.

والنتيجة: أن التقية والمداراة لا تنافي الإعداد لبناء عناصر القوة؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ ولم يقل “استقووا” ولا “أقيموا الصفوف” ولا “استووا”؛ لأن لفظ الإعداد يُشير إلى منهجيةٍ تشريعيةٍ تعتمد التمهيد الطويل وقطع الطريق المترامي الأطراف للوصول إلى القمة الشاملة.

والسؤال هنا: لماذا قال الحقّ جلّ وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا﴾[36] ؟

والسرّ التشريعيّ في ذلك: يكمن في نكتةٍ عجيبةٍ؛ إذ الوصول إلى القمّة طريقٌ طويلٌ يقتضي تمهيداً وإعداداً طويلَيِ الأمد.


[1] البرهان في تفسير القرآن، البحراني، السيد هاشم، ج1، ص64. الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. الأمالي.. ص500
[13] هو المولى أبو الحسن الشريف الفتوني العاملي النجفي (ت 1138 هـ)، من كبار علماء الإمامية ومحقّقيهم، وهو جَدُّ صاحب الجواهر لأمّه. — المحقق.
[15] يُراجع تفصيل مسألة عدم جواز التقليد في الضروريات وأصول الدين في مظانّه من كتب الفقه والأصول، باب الاجتهاد والتقليد. — المحقق.
[16] يُراجع: مدخل الرسائل العملية للمراجع العظام، المسائل الأولى في أحكام التقليد والضروريات. — المحقق.
[21] يُراجع تفصيل هذا المبحث في: المظفر، محمد رضا. أثر الحركة الأخبارية في الفكر الإمامي.؛ المظفر، محمد رضا. أصول الفقه.. ج1، ص49. — المحقق
[24] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص191.. باب “أن أهل الذكر الذين أمر الله عز وجل بسؤالهم هم الأئمة (عليهم السلام)”، ح5
[31] يُنظر في تفكيك أحكام التقية وتطبيقات الحكم الثانوي في الفقه السياسي: الأنصاري، مرتضى. كتاب المكاسب.. — المحقق
[34] يُراجع تفصيل هذه القواعد الفقهية والتطبيقية في: اليزدي، السيد محمد كاظم. العروة الوثقى.. — المحقق
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo