48/02/26
جدلية التقية في الأدوار السياسية لأهل البيت (36)
الموضوع: فلسفة محورية عاشوراء وجدلية التقية في أدوار أهل البيت السياسية
مرّ بنا في مبحثنا: ما هو السرّ في تركيز أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على قضية عاشوراء، وعلى شخص الإمام الحسين (عليه السلام) بشكلٍ متميّز، مع أنّ سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وسيرة أمير المؤمنين وفاطمة (عليها السلام) مهيمنةٌ على سيرة الحسين (عليه السلام)، ومن جانبٍ آخر فإنّ الأئمّة (عليهم الصلاة والسلام) كلّهم نورٌ واحد، ولابدّ من الاقتداء والاستنباط من سيرهم مجتمعةً بلا شكّ؟
فإنّ هذا التركيز من الأئمّة على سيرة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتبيان بصماتها وشواهدها وملامحها، لم يكن عفو الخاطر أو وليد الصدفة، بل جاء بشكلٍ مركزٍ جدّاً. وهذه السيرة القائمة عند أتباع أهل البيت طيلة أربعة عشر قرناً من محوريّة ذكر الإمام الحسين (عليه السلام) في شعائر المؤمنين، كمصيبةٍ راتبةٍ على سيّد الشهداء (عليه السلام)، لم تأتِ صدفةً أو عبثاً، وليس عملَ جيلٍ من العلماء دون جيل، أو جيلٍ من المؤمنين دون جيل، بل استمرّ هذا الأمر على التوالي جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، بدءاً من نفس أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).
فالنتيجة: إنّ القضية ليست مجرّد اتّجاهٍ ثوريٍّ سياسيّ، أو ما شابه ذلك.
والسؤال: ما هو السرّ في ذلك كلّه؟ إذ ليس السرّ في كون سيّد الشهداء (عليه السلام) أعظم في صلاحية التشريع من جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله)، ولا من أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا من مقام أمّه فاطمة (عليها السلام) وهي أعظم شأناً، بل إنّ الإمام الحسن (عليه السلام) مقدَّم.
فإذن: ما هو سرّ تركيز الوحي وسيرة المؤمنين على مدى أربعة عشر قرناً بشواهد لا تُعدّ ولا تُحصى على سيّد الشهداء (عليه السلام)؟ وما هي فلسفة ذلك وحكمته؟
والجواب: أنّه تأسّساً على القواعد المقرَّرة في الميزان الشرعيّ، فإنّ الحكم الأوليّ مقدَّمٌ على الحكم الثانويّ، فليس مسير الدين يحكمه الحكم الثانويّ؛ لأنّ الحكم الثانويّ وإن كان حكماً شرعيّاً، إلاّ أنّ القواعد الثانوية لا تضاهي القواعد الأولية ولا تتغلب عليها، ولا تمحق القواعد الأولية أو تمحوها، بل القواعد الثانوية قواعد قصيرة المدى وُضعت لرفع الاضطرار، وغايتها العودة مرّةً أخرى لتكريس القواعد والأحكام الأولية، لا لرفع اليد عن الأحكام الأولية[1] .
ومثال ذلك: التقية؛ فقد مرّ بنا في العام المنصرم في مبحث العقائد الذي خضنا فيه مباحث المسؤوليات العامة أو مباحث الجهاد والدفاع، أنّنا نرى أنّ للتقية معانيَ وقواعدَ وماهياتٍ متعدّدة، وليست هي قاعدةً واحدة، بل قد تصل إلى خمسة عشر معنىً أو قاعدة، أو أربعة عشر، أو ثلاثة عشر، أو اثني عشر، أو عشر قواعد، بحسب توسّع الأعلام في الفنّ[2] . فحتى التقيةُ بشتّى معانيها وقواعدها المتعدّدة غايتها في الحقيقة الحفاظُ على الأحكام والقواعد الأولية، وليس الغرض منها رفع اليد عن المبادئ أو الأحكام الأولية، بل غايتها الحفاظ على الأحكام والملاكات الأولية والمبادئ، ولكن عبر آلياتٍ ملتويةٍ على العدوّ ومُلتفّةٍ على الخصم في الخفاء.
والحاصل: أنّ التقية أو غيرها من قواعد الاضطرار ليس الهدف منها محو الأحكام الأولية والمبدئية، بل المحافظةُ على الأحكام الأولية والمبادئ بقدر المستطاع.
وقاعدةٌ أخرى: ما أكّدناه في الجلسة السابقة من أنّ “الضرورات تُقدَّر بقدرها”[3] ، أي لا يُرفع اليد عن المبادئ والأحكام الأولية إلاّ بمقدار الضرورة، وهذه المسألة لها زوايا عديدة. وما ذكرناه الآن هو أنّ الغاية المعقودة حتّى من القواعد الثانوية أو التقية وما شابه ذلك إنّما هي الحفاظ على الأصالة.
والشاهد القرآنيّ: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾[4] ؛ فقد يستدبر المكلّف ميدانياً، لكنّ استدباره إنّما هو للكرّ مرّةً أخرى، فهو يفرّ ليعاود الهجوم لا لمجرّد الفرار والانهزام.
وتأسيساً على ذلك: فإنّ تلك الآية الكريمة تُحدّد ضوابط القواعد الثانوية كلّها، كقوله عزّ وجلّ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[5] .
وهنا إشكالٌ يُطرح: هل المراد في موارد الاضطرار والعجز أن نُكرّس حالة العجز، أم أن نلتفّ عليه لنبني القدرة مرّةً أخرى؟
والجواب: نلاحظ ما قرّره القرآن الكريم؛ فلماذا أمر القرآن بالإعداد للقوة ولم يأمر بالقوة مباشرةً في هذا المورد؟ فبينما نجد أمر القرآن في مواضع أخرى كقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾[6] ، لم يقل هنا “خذوا القوة”، بل قال إعداد القوة، فما الفرق بينهما؟ إنَّ التكليف بالأخذ بقوةٍ هو تعبيرٌ عن بذل الجهد والتمسّك بالشريعة، أمّا في الآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[7] ، فالغاية المقرّرة من هذه القوة ليست مطلق القوة بذاتها، وإنّما هي لردع العدوّ.
تنبيه: إنَّ العداوة والعدوان ليسا محصورين في الجانب العسكريّ أو الأمنيّ فحسب، بل يشملان الجوانب الصناعية والتجارية والمالية والثقافية والإعلامية. فالحروب والمواجهة مع العدوّ لا ينبغي للظانّ أن يظنّ أنّها تسير في اتّجاهٍ واحدٍ فقط، بل هناك حربٌ نفسية، وحربٌ إعلامية، وغيرها. وفي كلّ جبهةٍ ثقافية لدينا جبهةٌ نفطية، وجبهةٌ اقتصادية، وجبهةٌ تجارية، وجبهةٌ مصرفية؛ فكلّها جبهات تتنازع القوة مع العدوّ، ولها عداواتٌ شتّى.
ومقتضى ذلك: أنّه عندما قال عزّ وجلّ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[8] ، أي تردعون به العدوّ في مجالاتٍ متعدّدة. فلم يقل “محارباً” ولم يقل “مقاتلاً”، بل قال: ﴿عَدُوَّ﴾.
والشاهد من القرآن: وصفه لإبليس بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾[9] ؛ فعداوة الشيطان عداوةٌ خفيةٌ غير معلنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾[10] . فالقرآن يصرّح بأنّ عداوة إبليس والشياطين والجنّ عداوةٌ خفية وليست معلنة، ومع ذلك يقول: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾؛ أي إنّنا مأمورون بالمواجهة والمجابهة حتى مع الأعداء في الخفاء. وهذه حربٌ ناعمةٌ وباردةٌ مع إبليس، بل هي حربٌ خفية.
ويتفرّع على ذلك: ما يذكره القرآن الكريم في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[11] . ومثاله حتّى ما ورد في الروايات من أنّ الصلاة تردع الشيطان والجنّ؛ فقد جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله): «لا يَزَالُ الشَّيْطَانُ ذَعِراً مِنَ الْمُؤْمِنِ مَا حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَإِذَا ضَيَّعَهُنَّ تَجَرَّأَ عَلَيْهِ وَأَدْخَلَهُ فِي الْعَظَائِمِ»[12] ؛ فهي حربٌ روحية.
والنتيجة: أنّ العداوة التي يرسمها القرآن الكريم للمؤمنين ذات آفاقٍ متعدّدة: ناعمة، وخفية، وروحية، وأخلاقية، وفكرية، وإعلامية، وصناعية، وتجارية؛ وكلّ هذه جبهاتٌ للعداوة أمر الله (عزّ وجلّ) بوجوب إعداد القوة في كلّ واحدةٍ منها.
فالآية: آيةٌ عظيمةٌ جدّاً: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[13] ، وليس الأمر فيها استحبابيّاً، بل التعبير فيها دالٌّ على اللزوم والوجوب، لتردعوا بها عدوّ الله.
فائدة: مرّ بنا في مباحث الدفاع في العام الماضي أنّ هناك فرقاً بين عنوان الجهاد وعنوان القتال[14] . فإعداد القوة يندرج تحت عناوين ومسؤولياتٍ خطيرة يعدّها القرآن الكريم من أكبر الواجبات وأعظم الفرائض؛ فإعداد القوة لكلّ جبهات الأعداء الثقافية والإعلامية والأمنية يُعدّ من الفرائض العظام. وقد فضَّل الله المجاهدين على القاعدين، فالجهاد عنوانٌ يختلف عن القتال، وهو عنوانٌ ثانٍ، وهو الجهاد في سبيله، ومن ثَمَّ لا يُخصَّص الجهاد بالقتال المحض.
ويكاد يكون الجهاد مساوِقاً لإعداد القوّة؛ وهذا أمرٌ في غاية الأهميّة، فإنّ مفهوم الجهاد في القرآن الكريم أعمّ من القتال.
والشاهد على ذلك: ورود الآيات بصيغٍ صريحةٍ تُفرّق بين العنوانين، نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾[15] ؛ فإنّ عنوان الجهاد أو القتال يُباين العناوين العامة الأخرى. فمتى ما توجّه التكليف بوجوب إعداد ما يُستطاع من القوّة، توجّه بالتبع التكليف بالجهاد. ومتى ما ثبت عنوان الجهاد، استتبع ذلك وجوب القتال الجهادي عند تحقّق موضوعه.
والحاصل: أنّ هنا أربعة عناوين يباين بعضُها بعضاً من الناحية الفقهية: فـ القتل: هو إزهاق الرُّوح بالفعل. و أمّا القتال: فليس محصوراً في مجرّد وقوع القتل، بل هو استعمالُ القوّة العسكرية؛ إمّا استعمالاً بالفعل في ميدان المواجهة، وإمّا استعمالاً كضغطٍ عسكريّ رادعٍ دون تسليط القوّة المباشرة، وهذا النمط يُعدّ نوعاً من الاستعمال الناعم للقوّة العسكرية، إذ إنّ القوّة العسكرية في حدّ ذاتها تتضمّن مساراً ناعماً في التوظيف.
ومثال ذلك: ما يُصطلح عليه في الأدبيات السياسية المعاصرة بالسلاح النووي؛ إذ إنّ حقيقة استعماله تكمن في كونه قوّةً رادعةً لا قوّة موجهةً للاستعمال الفعليّ؛ لأنّ الاستعمال الفعليّ كفيلٌ بتدمير المستعمِل والمستعمَل فيه معاً، أو إبادة أحد الطرفين بالكامل. فالسؤال: ما الفائدة المترتبة على امتلاك السلاح النووي حينئذٍ؟ والجواب: أنّ السلاح النوويّ يُشكّل قوّةً ناعمة، فهو وإن كان سلاحاً عسكرياً، إلا أنّ طبيعة استعماله قائمةٌ على الضغط والردع.
تنبيه: إنّ هذه المباحث الفقهية ينبغي توسيعُها وتعميقُها في أبواب الفقه، كباب الجهاد وغيره من الأبواب؛ والشاهد التاريخي: ما أشار إليه السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه) في فتواه الخالدة الشهيرة[16] ، من أنّ ما كُتِب في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على امتداد عشرة قرونٍ لا يُعادل إلا نزراً يسيراً من سعة هذا الباب وعمق أبعاده، لا سيّما في جوانبه السياسية؛ إذ لم يستوفِ الفقه السياسيّ حظّه الكافي من الاستقراء والتقرير للروايات الشريفة.
والفلسفة الكبرى: التي تتجلّى في روايات الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) تُثبت أنّ المذهب الشيعيّ ليس حسينيّاً فحسب، بل هو مذهبٌ حسينيٌّ وحسنيٌّ وعلويٌّ وفاطميٌّ وصادقيٌّ وباقريٌّ وسجاديٌّ وكاظميّ.
فإن قيل: هل المذهب يختصّ بالبعد الحسينيّ دون غيره؟ والجواب: إنّ المذهب حسينيٌّ بتمامه وكماله، فإنّ كلّ الدين يُقرَأ من المنظار الحسينيّ، كما يُقرَأ كلّ الدين من المنظار السجاديّ؛ إذ إنّ كلّ إمامٍ من الأئمة الهداة (عليهم السلام) يمثّل امتداداً كليّاً للدين وأدواره، وقد مرّ بنا بيانُ هذا المطلب.
والقاعدة العامة: أنّ لكلّ إمامٍ أدواراً متعددة، بل إنّ لجميع الأئمة أجمعين كافة الأدوار؛ وإنّما تكمن المشكلة في قصور أدواتنا عن استقراء أدوار الأئمة المعلَن منها فضلاً عن الخفيّ، بينما الواجب على العلماء أن ينهضوا بمسؤولية استيعاب جميع أبواب الدين وتبيانها؛ فإنّ جملةً من تلك الأدوار خفيّة، وفضلها مستور.
والنتيجة: أنّ المذهب كما هو حسينيّ، فهو مهدويٌّ وهادويٌّ وعسكريٌّ ورضويٌّ وجواديّ، وكلّ تسميةٍ منتسبةٍ لأيّ إمامٍ من هؤلاء الأعلام (صلوات الله عليهم) هي تسميةٌ صادقةٌ محقّة، لأنّهم جميعاً قرآنٌ ناطقٌ وينطقون بالقرآن الكريم.
ومحصل القول: إنّ مقتضى بيانات الأئمة الباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام)، وما ورد في «الكافي» و«التهذيب» وغيرهما من أصول الحديث، يُجمع على أنّ الغاية العظمى لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي إقامة حكم الله في النظام الاجتماعيّ والسياسيّ.
والشاهد الروايات المتواترة: الصريحة في هذا المعنى، كقوله (صلى الله عليه وآله): «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[17] . فالغايةُ الأساسية هي إصلاحُ نظام الحكم، وإقامةُ أحكام الشريعة في الحياة الاجتماعية والسياسية، كما صرّحت بذلك البياناتُ الواردة عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام).
فائدة: تبيّن ممّا سبق أنّ التوجّه الأساسيّ للإمامين الباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد (عليهم السلام) لم يكن فيه أيّ عزوفٍ عن مصير النظام الاجتماعيّ والسياسيّ للأمّة.
ومثال ذلك: صلح الإمام الحسن (عليه السلام)؛ فإنّ حقيقته لم تكن إلا توجيهاً لمسار النظام السياسيّ والاجتماعيّ للأمّة. والدليل على ذلك: الشروط الدقيقة التي فرضها الإمام الحسن (عليه السلام) في وثيقة الصلح؛ إذ كانت تنطوي على تقاسمٍ فعليّ ومرحليّ للسلطة، ولم تكن بحالٍ من الأحوال تفويضاً خالعاً للسلطة لمعاوية، ولا عزلاً للإمام (عليه السلام) عن مقاليد التوجيه أَبَداً.
وبعبارة أخرى: لا ريب في أنّ الموقع السياسيّ الثاني في الأمّة الإسلامية إبّان عهد الهدنة كان للإمام الحسن (عليه السلام)، ممّا يقطع بعدم تقويض نفوذه أو تقليم سلطته بيديه، وحاشاه عن ذلك. وقراءتنا التي أقلمت الدور الأمويّ على حساب موقع الإمام الحسن (عليه السلام) هي ظُلمٌ لأنفسنا في معرفة مقامه (عليه السلام)، ولو تبصّرنا في النصوص لظهر لنا عكسُ ذلك تماماً.
والحاصل: أنّ العناوين الدستورية الواردة في الكتاب الكريم — كقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[18] — ليست مجرّد إرشاداتٍ ثقفيّةٍ أو مواعظ عامة، بل هي أسسٌ تشريعيةٌ وأحكامٌ إلزاميّة.
والقاعدة الأصولية: التي قرّرها جمعٌ من الأعلام الفقهاء، أنّ آية إعداد القوّة مع باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمثّلان الشبكة الممتدة والأخطبوط المحرّك لكافة أبواب الفقه السياسيّ؛ فيندرج تحت مظلتها القضاء، والحدود، والديات، والجهاد، والدفاع.
الإشكال: قد يُتوهم أنّ الأئمة اللاحقين (عليهم السلام) بتقديمهم لتفعيلاتٍ جديدةٍ ينسخون أو يتخطون سيرة الأئمة السابقين، بدعوى أنّ الإمام الفعليّ أعرف بموازين زمانه ومقتضيات عصره!
والجواب: أنّ هذا التوهم باطلٌ جدّاً؛ فإنّ التشريع الإلهيّ حقيقةٌ واحدةٌ موحدة، وسيرة الأئمة (عليهم السلام) سيرةٌ متكاملةٌ لا تتجزأ، كما هو محرّرٌ في علم الأصول. بل الحقيقة على العكس: فإنّ هيمنة التشريع والسلطة الدستورية للنبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسن والحسين (عليهم السلام) — وهم أصحاب الكساء — تتفوق وتسيطر على بقية الأئمة التسعة المعصومين (عليهم السلام) في مقام صراحة التشريع ووضع أصوله.
تنبيه: يجب التمييز بين الوظيفة الفعلية الظرفية التي يقودها الإمام في زمانه — والتي قد تتخذ طابع الحكم الثانويّ — وبين الأحكام الأولية الدائمة المترتبة على أصول التشريع؛ فالأولية مقدّمةٌ حتماً على الثانوية، لأنّ الثانوية ظرفٌ طارئٌ ومؤقت.
والشاهد: أنّ أمر الإمام الفعليّ وإن كان يُمثّل الموقف الفعليّ الواجب الاتباع في وقته موضوعيّاً، إلا أنّه قد يحمل صفة التشريع الثانويّ الظرفيّ، بخلاف التشريع الصادر عن الخمسة أصحاب الكساء (عليهم السلام) الذي يُمثّل الأصول الدستورية الدائمة.
فإن قيل: ما الفرق أصلاً بين موقعية الخمسة أصحاب الكساء (عليهم السلام) وبقية الأئمة التسعة؟
والجواب: أنّ أصول التشريع والقوانين الدستورية بتمامها صَدرت عن الخمسة أصحاب الكساء، فلذا لم يخوضوا في التفاصيل والجزئيات؛ بينما خاض الأئمة اللاحقون كالباقر والكاظم والرضا (عليهم السلام) في الشرح والبيان وتفريع المسائل. وقد التزم بهذا المسلك كبارُ علماء الأعلام، كالشيخ الطوسي في «المبسوط» و«الخلاف»، والعلامة المجلسي في «البحار»، والسيد البروجردي (قدّس سرّهم)؛ إذ صرّحوا بأنّ المتن التشريعيّ الأوّل هو القرآن الكريم، ثم متن النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم كلام أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء (عليهما السلام)، ثم تتنزل المراتب التشريعية.
والشاهد الزياري: ما ورد في زيارة الإمامين العسكريين (عليهما السلام) بالخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) والأوصياء: «خَتَمْتَ بِهِمَا الشَّرَائِعَ وَفَتَحْتَ التَّأْوِيلَ وَالطَّلَائِعَ»[19] .
والقاعدة الحاسمة: أنّه يستحيل صدور تشريعٍ من إمامٍ لاحقٍ يخرج عن أصل التشريع النبويّ والإلهيّ أو يناقضه.
والدليل عليه: ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) والعلماء يستشهدون به في مباحث التعارض، حيث قال (عليه السلام): «وَنَحْنُ الْأَئِمَّةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَابِعُونَ لِأَوَامِرِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ وَأَوَامِرِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، لَا نَتَخَطَّى التَّبَعِيَّةَ»[20] . فأصول التشريع لا بدّ أن تنبع من الله تعالى، ثم من الرسول (صلى الله عليه وآله)، ثم تتلقاها الذريّة الطاهرة كابراً عن كابر.
والوالد على جَدِّه وأبيه المرتضى وأُمِّه، كما ورد في زيارة الإمام الكاظم (عليه السلام)؛ إذ يُعرَض ملفّ مسؤولية الإمامة من قِبَل الإمام الكاظم (عليه السلام) على ثلاثة: أوَّلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثمّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ فاطمة (عليها السلام)؛ ممَّا يدلّ على جلالة مقام فاطمة وهَيْمَنتها ومِنَّتها على ولدها (عليهم السلام).
والقاعدة التشريعية: هي أنَّ تشريعات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) — أو جانب التنفيذ الإجرائيّ لديهم — لا تتخطَّى تشريعات الله سبحانه ولا سنّة نبِيِّه (صلى الله عليه وآله)؛ فإنه يُستحال أن يتخطَّى إمامٌ لاحقٌ سنّة النبيِّ (صلى الله عليه وآله)؛ وما ناقَضَ كتاب الله أو خالَفَه فهو زُخْرُف، ومردودٌ ومضروبٌ به عَرْض الجدار[21] .
نعم، إنَّ الأئمّة (عليهم السلام) هم الأَفْهَم بأحكام الله، ولهم ولاية البيان بلا ريب، لكن ليس ذلك بالدرجة التي تُوجِب التناقض، أو يُدَّعى معها أنَّ حركة سيِّد الشهداء (عليه السلام) مجرَّد واقعة عين في أعيان جُزئية! فما معنى هذا الادِّعاء؟ وما القول بأنَّ سيرة سيِّد الشهداء (عليه السلام) ليست مُهَيْمِنة على سيرة التسعة المعصومين من ولده (عليهم السلام)؟ بل هي مُهَيْمِنة، ولا يمكن لأَحَد منهم أن يتخطّاها.
والحاصل: أنَّ هذه المباحث من قواعد التشريع الكُلِّية؛ فهي مباحث أصولية وفقهية وعقائدية وتُمثِّل أصول القانون، ولا ينبغي التخبُّط فيها.
سرّ تركيز أهل البيت (عليهم السلام): ويتبَيَّن ممَّا تقدَّم سرُّ تركيز أهل البيت (عليهم السلام) على قضية الإمام الحسين (عليه السلام) في أمرين محوريَّين:
• أوّلهما: أنَّ مسار حركة الإمام الحسين (عليه السلام) يُجسِّد الحكم الأوَّليّ والمبدأ الأساس، بينما سيرة بعض الأئمّة الآخرين (عليهم السلام) قد تُعبِّر عن أحكام ثانوية لمقتضَيَات الظروف والضرورات؛ والحكم الأوَّليُّ مقدَّمٌ ذَاتِيّاً على الحكم الثانويّ.
• ثانيهما: أنَّ أصحاب الكِساء (عليهم السلام) مُهَيْمِنُون بالصلاحيات التشريعية والدستورية على الأئمّة التسعة من ولد الإمام الحسين (عليهم السلام)، ومقتضى هذه الهَيْمَنة أنَّ سيرة أصحاب الكِساء هي الميزان والـمِعيار.
يُضاف إلى ذلك: أنَّ كلّ إمام من الأئمّة التسعة (عليهم السلام) له أبعاد وآفاق متعدِّدة في أدواره المعلنة، ولم يَقْتَصِر دوره على مسار واحد؛ والخلل إنَّما هو في قصور استقرائنا وتَتَبُّعِنا، فضلاً عن جهلنا بالأدوار الخفِيَّة التي اضطلعوا بها (عليهم السلام).
تنبيه: حتى تاريخ صدر الإسلام، وتاريخ تدوين القرآن، وتاريخ تشريع الأحكام، وسيرة النبيِّ (صلى الله عليه وآله)، وتاريخ الأجيال العلمية؛ فإنَّ أعظم مصدر لِاستِكشافها هو القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام)؛ فالقرآن قد تكفَّل ببيان حقائق التاريخ والمنعطفات الأساسية فيه، كما في قوله تعالى: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾[22] ، وحقائق التاريخ الناصعة والـمَصِيرية إنَّما تُستَقى من جوامع بيانات أهل البيت (عليهم السلام)، لا ممَّا سطَّره زيدٌ وعمروٌ في التواريخ المدَوَّنة.
ونرجع إلى أصل المطلب: ومُحصَّل القول في فلسفة هذا التركيز وحكمته أنَّ مَنَج أهل البيت (عليهم السلام) يُمَيِّز المَسَار الحَقَّ ويَفْضَح مسار الظالمين وأساليب ضغوطهم؛ فإذا وردت في سيرة بعض الأئمّة (عليهم السلام) ممارساتٌ مبنيةٌ على التَّقِيَّة أو المداراة، فليس مقتضى ذلك — حاشاهم — الذُّوبان في الباطل، ولا الانبطاح للطغاة، ولا المسايرة لِانحرافات أهل الضلال؛ وإنَّما هو نوعٌ من المناورة والمداراة الـمُوجَّهة، ولأجل الحفاظ على المبادئ والأحكام الأوَّلية وتفادي تعطيلها أو تجميدها، كما يتَّضح ذلك جَلِيّاً في المباحث التفصيلية لِلتَّقِيَّة[23] .
ومِثَال ذلك للتقريب (والمثال يُضْرَب ولا يُقاس): النظر إلى الشواهد الخارجية، كاليهود مثلاً؛ فمع عدم وجود صُلْح حقيقيّ بينهم وبين باقي الفئات البشرية، إلا أنَّهم سَلَكُوا أساليب الخَفاء والعمل الباطنيّ حتى وصلوا إلى قِمَّة النفوذ والسيطرة؛ فالمؤسسات المالية الكبرى كالبنك الدولي، وشبكات النقل، وشركات السلاح، ومنابع النفط، والإعلام العالمي، والقانون الدوليُّ كلُّها تحت هيمنتهم، ولا يقتصر ذلك على كيانهم الغاصِب، بل تشكَّلت منهم شبكةٌ نسيجيةٌ متماسكةٌ في عموم الدول الغربية، رغم أنَّ نسبتهم لا تتجاوز واحداً في المائة أو نصفاً في المائة من السكّان.
النتيجة: أنَّ العمل الخَفِيَّ والسِّرِّيَّ لا يعني الجُمُود ولا الذُّوبان في الآخرين، بل قد يَرْتَبِط بالإصرار الصارِم على المشروع والمَبْدَأ؛ فهل ذابَ أولئك في مجتمعاتهم أم بَقُوا مُتَمَسِّكينَ بِمشروعهم؟ أصرُّوا على مشروعهم أشدَّ الإصرار.
فلا يصحُّ الظَنُّ: بأنَّ اعتماد الأسلوب الناعم أو منهج الكِتْمان يَلْزَم منه الجُمُود والذُّوبان والتَّنازُل؛ بَل إنَّ التسَلُّق إلى قِمَم القُوَّة والـمَنَعة والسيطرة مطْلُوبٌ شَرْعاً، لا لِأَجْل أهواء الذات والشهوات، بل لِغَاية بَسْط العَدْل ورَفْع راية الهُدَى.
فإن قيل: إنَّ الإمكانات قاصِرةٌ والمشقَّة كبيرة؛ قلنا: إنَّ جَبْهة الحَقِّ أوْلَى بالتَّحَمُّل والصَّبْر من جَبْهة الباطل، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾[24] .
والشاهد فيه: تنبيه القرآن الكريم لِلمُؤمنين عقب أُحُد على أنَّ التراجع أو الفَشَل ليس بسبب انعدام المخرج، بل يَعُود إلى قصور المكلَّفين وتقصيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾[25] .
وتأسيسًا على ذلك: ينبغي التفطُّن إلى أنَّ وجوب إعداد القُوَّة لا ينحصر في أساليب المواجهة الساخنة؛ بل يشمل إعداد القُوَّة الناعمة والإعلامية، الباطنية والظاهرية، والاقتصادية والتجارية والمالية، في مختلف الصُّعُد والميادين.
وعليه: يُخْطِئ مَنْ يَظُنُّ أنَّ مَنَهَج الإمام الحسين (عليه السلام) مَحْصُورٌ في المُواجهة الساخنة المحضة؛ كما يُخْطِئ مَنْ يتوهَّم أنَّ الـمُتارَكة والصُّلْح الذي أَبْرَمَه الإمام الحَسَن (عليه السلام) — وتدابيرَه في السنوات العَشْر التي تَلَتْه — كان لِأَجْل الذُّوبان في سلطة الباطل!
فهل يُعْقَلُ: أنَّ استخدام الإمام الحسن (عليه السلام) لِلقُوَّة الناعمة والآليَّات السِّياسِيَّة يُعَدُّ ذُوباناً في معاوية؟ كَلا وحَاشَا الإمام المجتبى (عليه السلام)! فهل رَوَّجَ لِبَنِي أُمَيَّة؟ أو هَلْ قَوَّى دَعائم المُلْك الأُمَوِيّ؟ لا يَتَخَيَّل ذلك عاقلٌ مُنْصِف.
بل الحاصل: أنَّ الإمام الحسَن (عليه السلام) سَحَبَ البِساط من بني أُمَيَّة، واشترَط في بنود عَهْد الصُّلْح أَنْ يَعُود الأَمْر والولاية بَعْد مَوْت معاوية إلى الإمام الحسين (عليه السلام) [26] .
وفلسفة المطلب: أنَّ مَسار أهل البيت (عليهم السلام) مسارٌ مَعْصُومٌ وَنَقِيٌّ عارٍ عن الانحراف، وتَتَنَوَّع فيه الأساليب بين الساخن والبارِد، والمُرُونة والـمُناورة، مع الثَّبات التّامِّ على المبادئ وعَدَم الذُّوبان في الباطل بوجْه من الوجوه؛ فكان الموقف الحُسَيْنِيُّ هو المِعْيار الشاخِص لِدَحْض الباطل وإبْطَال شُبُهاتِه.
ومن هُنا: فلا يَصِحُّ التَّعَلُّل ببعض العبارات المروِيَّة عن الأئمّة (عليهم السلام) لِتَوْهِم شَرْعَنة الباطل أو تصحيح الانحراف!
الإشكال: إذا كانت التَّقِيَّة دِينَ الأئمّة (عليهم السلام) ودِينَ آبائهم، فكيف وَرَدَ في الأخبار المستفيضة استغفار أهل البيت (عليهم السلام) منها؟ وكيف يُستَغْفَر من واجب شرعيّ؟
والجواب: أنَّ التَّقِيَّة إنَّما جُعِلَت ضرورةً اضطراريةً ومُمَاشَاةً طارئةً لِلْعدُوِّ لِدَفْع شَرِّه؛ وفي ذلك يَقُول تعالى في شأن دولة الحقِّ المهدَوِيَّة: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾[27] . فنَفْي الإشراك هنا يشمل الخُلُوص من التَّقِيَّة ومُداراة الأعداء.
ووَجْه الاستغفار: أنَّ التَّقِيَّة شَبِيهةٌ بأكْل المَيْتة في موارد الاضطرار المستثناة بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾[28] ؛ فأكْل المَيْتة يَبْقَى قَبِيحاً ومَفْسَدَته الذاتية ثابِتةٌ، وإنَّما جازَ لِلضَّرُورة الحاصِلة، والضرورة تُقَدَّر بِقَدَرِها ولا تتجاوز مَوْرِدَها، فكذلك التَّقِيَّة هي ترخيصٌ اضطراريٌّ مُوَقَّتٌ لا يَقْلِب الباطِل إلى حَقٍّ ذاتِيّ.
والشاهد القرآنيُّ على ذلك: قوله عزَّ وجلَّ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[29] ؛ فالتَّلَفُّظ بكلمة الكُفْر أو إظهار مَدْح الطُّغاة عند الإكراه يَبْقَى عَمَلاً قَبِيحاً في نَفْسِه، وإن كان الفاعِل مَعْذُوراً لِلْإِكْراه وقلبه مُطْمَئِنٌّ بالإيمان، بل الشأن كُلُّه في عدم الانشراح والاطمئنان للباطل، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾، تحذيراً من الاسترواح للباطل أو الذُّوبان في مجاراته.
فلا ينبغي الاستئناس بهذا الكفر، ولا الذوبان في هذه التقية؛ إذ إننا وإن قلنا بالتقية، إلا أن المبدأ ألا تذوب النفس فيها، بل يوطّن المكلف نفسه على أنها كالميتة التي يُضطر إليها لحفظ رمق الحياة، فيقتصر فيها على اللقمات الأربع الضرورية، وهي قليلة وصعبة على النفس. وإن فلسفة التقية أصلٌ دينيّ، بل هي من صميم الدين؛ وتتضح حقيقتها من قبيل ما ورد في وصف حال أمير المؤمنين (عليه السلام) إبان أحداث السقيفة، إذ وصفه الإمام الهادي (عليه السلام) بأنه كان «حائج الغضب»[30] ، وفي زيارة أخرى تُعرف بالزيارة الجامعة لأئمة المؤمنين يُوصف حاله (عليه السلام) بأنه «حائج الغضب كاظم الغيظ»، وهو ما ثبت أيضاً في المأثور بـ«زاد الغدير».
تساؤل: ولماذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) حائج الغضب؟
وبيانه: أن التقية وإن استلزمت كظم الغيظ، إلا أنها لا تعني انتفاء الغضب من أساسه؛ فليس المطلوب ألا يغضب المكلف أصلاً، بل إن وظيفته الشرعية أن يجمع بين الأمرين: فيغضب قلباً ويكظم جوارحاً.
والسر في ذلك: أن هذا الجمع يجلّي الفلسفة الحقيقية للتقية؛ إذ إن الإنكار القلبي ليس مجرد وظيفة غائبة عن القلب، بل هو يتفاوت مراتب ودرجات، وأقلها تبرم القلب وعدم رضاه بالموقف.
وتلك بحوثٌ وإن لم تكن إلا سطوراً يسيرة، بيد أنها تشكل عمق الفقه ومرتكزه، ولا سيما في الفقه السياسي الذي يُعد اليوم محل ابتلاء شديد؛ إذ تُستغل التقية مسوغاً لطلاء الباطل بأبهى الصور والتحسينات، وهو أمرٌ مستغرب!
والمتحصل: أن قولنا بالتقية والمدارات لا يعني التجاوز والمبالغة، ولا يشرع ذوبان الروح والفكر والقلب في سياق الباطل؛ فأين ذهب إذن إنكار المنكر بالقلب؟ إذ يشدد القرآن الكريم والتكليف الديني على تحرج القلب وضيقه من الباطل، تحذيراً من الذوبان فيه؛ قال تعالى: ﴿فَمَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [31] .