48/02/25
التقية بين الثبات على المبادئ أو الاقتصار على الضرورة (35)
الموضوع: فقه الموازنة بين المبدئية والضرورة في الفكر السياسي الشيعي
إشكالية المبدئية الصارمة في سيرة أمير المؤمنين (ع)
سبق أن طُرِح تساؤلانِ في مقام القراءة الفقهية والعقائدية لنهضة سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه):
التساؤل الأول: أنَّه باعتبار نهضته الشريفة متصلةً بسيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ومستمرةً على نهجهم، يُثار السؤال: لماذا نجد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في أربعين محوراً، بل في مواطن كثيرة تُقدَّر بالعشرات والمئات، قد التزم المبدئيةَ التزاماً صارماً ولم يلتجئ إلى القواعد الشرعية الثانوية أو العذرية؟
ومثال ذلك: الموارد العديدة التي تجلّت فيها هذه المبدئية؛ كموقفه (عليه السلام) يوم الشورى، حيث لم يُسوِّق نفسَه الشريفة بكونه موافقاً على ما اشترط عليه عبد الرحمن بن عوف من اتباع سيرة الشيخين، بل رفض سيرة الشيخين رفضاً قاطعاً ومطلقاً من رأس، وأعلن متمسكاً بالنهج الأصيل: «كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)»، ولم يرتضِ جعلَ سيرة غيرهما عدلاً أو شرطاً.
والإشكال هنا: قد يقول قائل: ما الذي كان يضرُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لو جارى القومَ صورياً وظاهرياً بكلمةٍ يتلفظ بها، حتى يتسنّى له الوصولُ إلى مقاليد الحكم والتسلّمُ للإدارة، ثم يفعل بعد ذلك ما يشاء؟ بيد أنَّ الواقع التاريخي يُثبت أنَّه (عليه السلام) شدَّد في هذا الموضع الحرج على المبدئية والالتزام بالأحكام الأولية.
ومثالٌ آخر: موقفه (عليه السلام) في حربه مع معاوية؛ إذ أشار عليه عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) بإبقاء معاوية على ولاية الشام فترةً مؤقتة، حتى يلتفَّ الناسُ حول الإمام، ويتثبَّت سلطانه ونفوذُه السياسي والعسكري، ثم يعزله بعد الاستقرار؛ فرفض أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الطرح المداراتي جملةً وتفصيلاً.
ومثالٌ ثالث: موقفه (عليه السلام) مع طلحة والزبير؛ فلو أنَّه (عليه السلام) جاراهما ومَنَح كلَّ واحدٍ منهما إمرةَ ولايةٍ أو مدينةٍ إلى أن يستقوي سلطانه حكماً وتنفيذاً ثم يعزلهما، لمَا وقعت حرب الجمل؛ لكنَّه (عليه السلام) أصرَّ على إقامة العدالة الاجتماعية والتسوية في العطاء بين المسلمين كافةً من دون تفريقٍ بين قوميةٍ وقومية، أو قبيليٍّ وغيره، ممّا ألَّب عليه قريشاً والقبائل العربية.
والحاصل: أنَّ هناك أربعين محوراً أو أكثر، ولكلِّ محورٍ منها مواطنُ ومواردُ عديدةٌ جداً، رفض فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) التشبثَ بالقواعد الشرعية الثانوية والعذرية في قبال الأحكام الأولية والمبادئ المفهومية، فما السرُّ الصناعي والفقهي في ذلك؟
وعليه: فإنَّ هذه الجدلية ليست حصراً في الفكر الديني، بل هي قائمةٌ بين «المذهب المبدئي» — الذي يُسمّى أصولياً لتشدده في الثبات على المبادئ وغاياتها — وبين «المذهب البراغماتي»[1] أو المذهب الواقعي الذي يُراعي الظروف القائمة والمصالح العاجلة المتاحة.
وهذا المبحث يُعدُّ من المباحث الشائكة والمعقدة جداً؛ سواءٌ في الفكر الإسلامي أم في الأديان والمدارس الفكرية والسياسية الأخرى كالشيوعية والرأسمالية؛ إذ يتجاذب الكلامُ فيها بين المذهب الواقعي — بالمعنى الذي ينظر إلى الشروط والظروف الواقعية الملموسة، وإن كانت التسمية قد تُعَدُّ في غير محلها إلا أنَّها الشائعة — وبين المذهب المبدئي الذي يُصرُّ على تحقيق الغايات والأنظمة المفهومية.
وقد جرى جدلٌ عريضٌ في العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية والإنسانية حول تحديد الموقف: متى تكون الحاكمية لهذه المدرسة، ومتى تكون لتلك؟
وتحديدُ محل النزاع: أنَّ هذا البحث بالدقة يُطابق الجدلية الأصولية القائمة بين الحكم الأولي والحكم الثانوي؛ فهل الأصلُ التمسكُ بالقواعد الثانوية العذرية أم التمسكُ بالقواعد الأولية؟ وهل ثمة تجاذبٌ وتدافعٌ وتعارضٌ بين المسلكين؟ وهل يقع هذا التدافع تحت ضابطةٍ صناعيةٍ منضبطة؟
فهذا بحثٌ أصوليٌّ وصناعيٌّ معقدٌ للغاية لدى العلماء والفقهاء[2] ؛ ولا سيما في ساحة الإدارة والسياسة، حيث يُعرِّفون السياسة بأنَّها «فنُّ إدارة الممكن»، أي مراعاةُ الظروف الراهنة واستغلالُ المتاح.
فهل الصحيحُ للحاكم السياسي أو المفتي أو المقنِّن أن يلاحظ الوضعَ الراهنَ في تدبيره وإدارته، أم يلاحظ الأهدافَ والمبادئَ البعيدة؟ فالأهدافُ البعيدة هي المبدئية، والوضعُ الراهن هو ميدانُ السياسة التي تعالج المتوفر والواقع المعيش.
والنتيجة: أنَّ هذا التجاذبَ بين التمسك بالغايات الأساسية وبين معالجة الواقع القائم هو عصبُ منظومة الموازين في التدبير السياسي والعلم القانوني؛ ويُعبَّر عنه بـ «كيفية الجمع بين الثابت والمتغير»؛ فالـ «ثابت» يمثِّل مبادئ الغايات القصوى وفقه المقاصد، والـ «متغير» يمثِّل الأساليب والآليات والتقنيات والتكتيكات التعبيرية والإجرائية.
فما هو محطُّ الرعاية والتقديم؟ هل هي المبادئ والغاياتُ وإن نَأَت، أم معالجةُ الوضع الراهن بحسب القدرة والاستطاعة؟ وهل الملاكاتُ الأوليةُ أو المبادئُ الأساسيةُ تُسوِّغ رفعَ اليد عن الغايات الأولية؟ مع أنَّ الأحكام الأولية مقتضاها وجوبُ رعاية المبادئ والأهداف الأصيلة.
ضوابط القواعد الثانوية: قاعدة الضرورة وتقييدها
فهل ثمة قواعدُ شرعيةٌ تُنظِّم منظومةَ الأحكام الأولية وعلاقتَها بالقواعد الثانوية؟
فمثلاً: قاعدة «لا حرج» وقاعدة «الاضطرار» تُعدّان من القواعد الثانوية، وكذلك «التقية» التي تضمُّ قواعدَ متعددةً تُناهز تسعاً أو أربع عشرة قاعدة، وهي ليست على وتيرةٍ واحدة:
فائدة: إنَّ التقيةَ ليست بتمامها قواعدَ ثانويةً — كما هو الخلطُ والرائجُ في الأذهان — بل إنَّ بعضَ قواعدها أوليةٌ كالكتمان والأمن والخفاء؛ فهذه قواعدُ أولية في التقية، بينما الاضطرارُ ومداراةُ الظالمين أو المجرمين تُعدُّ من القواعد الثانوية فيها؛ فللتقية معانٍ وأحكامٌ متعددة.
والشاهد الفقهي: أنَّ الفقهاء اشترطوا في قاعدة الاضطرار أنَّه لا يسوغ التمسكُ بها واستعمالُها إلا بقدر الضرورة الحاصلة؛ فالقواعدُ الثانويةُ ليست مطلقةً يُتمسَّك بها كيفما اتَّفق، وهذا أمرٌ مسلَّمٌ به عند أعلام الطائفة.
والشاهد الشريفي: ما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) في بيان حقيقة التقية وتقديرها قدرَها: « التَّقِيَّةُ فِي كُلِّ ضَرُورَةٍ وَ صَاحِبُهَا أَعْلَمُ بِهَا حِينَ تَنْزِلُ بِهِ.»[3] .
والدليل القرآني: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾[4] [5] ؛ فشرطُ ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ يُفيد أنَّ المكلف من الأساس ليس هدفه التشبثَ بالأمور الثانوية والعذرية بحيث يزجُّ بنفسه في الحرج والضلال، وقوله ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يقتضي عدمَ التجاوز والزيادة على مقدار الضرورة الدافعة للضرر.
والنتيجة: أنَّ القواعد الثانوية لا يسوغ التشبثُ بها على إطلاقها — سواءٌ في البعد الفردي أم على مستوى الحاكم والنظام السياسي — فهذه الآية الكريمةُ تحكمُ التقيةَ وتحكمُ سائرَ القواعد الثانوية؛ بمعنى أنَّه لا يسوغ للحاكم السياسي أو المقنِّن المسارعةُ بالاستناد إلى القواعد العذرية، فيُهيئ بذلك الأرضيةَ لإيقاع المجتمع أو النظام في مهادنة العدو والاستكانة له.
فلماذا يُزَجُّ بالنظام والمجتمع في ذلك؟ فإذا دفع الحاكمُ أو المقنِّنُ النظامَ السياسي أو المجموعاتِ العسكريةَ والسياسية إلى الخنوع والبرود تحت ذريعة الاضطرار والتقية:
فبأيِّ مقدارٍ يكون هذا التنازل؟ هل يكون تنازلاً مطلقاً للعدو؟
أم يكون التنازلُ بحدود العجز الفعلي فقط، ويُمنَع فيما زاد عليه؟
ففي عالم السياسة والقوة العسكرية والعمل الدبلوماسي والمراوغة السياسية، هل الضروراتُ تُقدَّر بقدرها أم لا؟ فإنَّ التراجعَ والتخاذلَ بغير مسوِّغٍ شرعيٍّ محددٍ ينسخ الفقهَ السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي، ويُقزِّم الشريعةَ ليجعلَها مجردَ أحكامٍ وفقهٍ فردي.
تطبيقات معاصرة: السيادة الاقتصادية ومفهوم السلاح
إنَّ المسألة النفطيّة والسياديّة تطرح تسلسلاً من الاستفهامات في الفقه السياسيّ؛ إذ كيف يُسوَّغ جعل المقدّرات النفطيّة والسياسات الاقتصاديّة تحت هيمنة دولة أجنبيّة؟ فإنَّ التحكّم ببيع النفط وإدارة عائداته يورث ولاية الأجنبيّ وسلطانه على مقدّرات الأمّة، وهذا يُعدّ من أعظم الأسلحة التأثيريّة. ومقتضى ذلك أنَّ الإصرار على تجريد القوى الداخليّة من مقوماتها وتسليم زمام أمور البلد إلى دولة أجنبيّة وراء المحيطات لتملي سياساتها، إنَّما هو إهدار للسيادة الوطنية والإسلاميّة.
فالنفط في الحقيقة هو أكبر سلاح في المعادلة السياسيّة والاقتصاديّة. وأمّا الدعوى المطروحة تحت عنوان «نزع السلاح وتسليمه إلى الدولة»، فيُتَسَاءَلُ عنها: أيّ دولة يُراد تسليم السلاح إليها؟ أهي دولة أجنبيّة أو دولة انتداب، أم دولة وطنيّة مستقلة؟ فإنَّ السلاح يمثّل مظهر القوة والمنعة، وبدونه يختل التوازن. ولا ينحصر السلاح في الصواريخ والمسيّرات فحسب؛ بل إنَّ النفط وطريقة بيعه، والمنظومة السيبرانيّة الإلكترونية التي تختزن معلومات البلد بأسرها، يُعدّ سلاحاً أشدّ خطورة وأبلغ أثراً من العتاد العسكري المباشر.
والشاهد التاريخيّ: ما يُستفاد من سيرة الإمام الحسن (عليه السلام)؛ فإنَّه لم يُسلّم القياد مطلقاً لمُعاوية، بَل تَرَكَ الخوارجَ وما هم فيه، أو الممالك والبلدان التي خرجت عن دائرة نفوذه المباشر، وأبقى شيعته ومواليه وقوته العسكريّة في الكوفة على ما هي عليه، وحافظ على النواة الصلبة لرجاله. ويرى جملةٌ من المحققين والباحثين أنَّه لم يقع خرقٌ أمنيّ أو عسكريّ استئصاليّ ضدّ أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في زمن الإمام الحسن (عليه السلام).
والقاعدة هنا: أنَّ الضرورات تُقدَّر بَقَدَرِها[6] . فلم يقع من الإمام الحسن (عليه السلام) تسليمٌ مطلق؛ بل أدار الموقف بنوع من المناورة السياسيّة والإدارة الحكيمة والمرونة الذكيّة التي حفظت الجسم الإسلاميّ والقوة الهاشميّة، حتّى إنَّ بني أميّة كانوا يستحثون معاوية لقتل الإمام (عليه السلام)، فكان ينهاهم خشية حرّ سيوف بني هاشم وشوكتهم العسكريّة.
والنتيجة: أنَّ الصلح لم يكن إلغاءً للوجود العسكريّ والسياسيّ للإمام الحسن (عليه السلام)، بل كان تدبيراً اضطراريّاً ضمن الحدود الممكنة، وقاعدة «الضرورات تُقدَّر بَقَدَرِها» جاريةٌ في الفقه السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ كما هي جاريةٌ في الفقه الفرديّ.
ومثال ذلك في الفقه الفرديّ: لو أوجب الطبيب كشف موضع من الجسد للعلاج، فإنَّ المكلف لا يُسوَّغ له كشف ما زاد على مقدار الضرورة؛ وكذا لو اضطرت المرأة لمراجعة طبيب أجنبيّ، فإنَّ الترخيص يقتصر على الموضع المحتاج إليه بالقفازات دون تعدٍّ إلى غيره.
والحاصل: أنَّ كلّ قاعدة ثانوية منوطة بوجود موضوعها ومقدار الحاجة إليها فقط، فكما أنَّ الفقه الفرديّ يلتزم بضابطة «الضرورات تُقدَّر بَقَدَرِها»، فكذلك الفقه السياسيّ والنفطيّ والسيبرانيّ والعسكريّ يحكم بالضابطة عينها.
تنبيه: إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن لديه تطرّفٌ في المبدئية التجريدية، ولكنه في الوقت نفسه لم يجعل القواعد العذرية الثانوية هي الأصل والمبدأ؛ لأنَّه لو فُتح باب الاعتذار وجُعلت الأحكام الثانوية هي الأساس، لصارت المبدئية والأحكام الأولية شاذةً منكرة، ولأدى ذلك إلى شرعنة الاستسلام للأجنبيّ وتجريد البلد من عناصر قوته، والحال أنَّ الله تعالى يقول: ﴿﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[7] . ولذلك فإنَّ التراجع والضعف السريع الذي أدى إلى سقوط ثلث العراق أو أزيد في يوم واحد إنَّما ينشأ من تعطيل هذا المبدأ، ولا يُمكن لأيّ منظومة أن تصطلح بغير بناء القوة الذاتية وتجاوز حالة الاستضعاف والاتكال على الأجنبيّ وسلطة البترودولار، بَل المترتب على النخب الفكرية والسياسية إيجاد البدائل الاقتصادية والنقدية كباب المقايضات وتحرير الإرادة السياسية والمالية بدل الاقتصار على الصراخ والشعارات.
فائدة أصوليّة: يجب التفريق الدقيق بين مواقف المعصومين (عليهم السلام) الصادرة بامتثال الحكم الأوليّ والمواقف الصادرة طبقاً للحكم الثانويّ والظرف الاضطراريّ[8] ؛ فإنَّ موقف الإمام الحسين (عليه السلام) في رفض الكيان الأمويّ ومواجهته هو التكليف الأوليّ والمبدأ الثابت، ولا يُقاس عليه المداراة الاضطرارية الصادرة من بعض الأئمة المتأخرين (عليهم السلام) لكونها معللة بظروف اضطرارية خاصة. فكلا الموقفين صادرٌ من نورٍ واحد، إلّا أنَّ اختلاف التطبيق راجعٌ إلى اختلاف موضوع الحكم بين القاعدة الأولية والثانوية.
وكذلك الحال: في موقف فاطمة الزهراء (عليها السلام) المعلن في مجابهة غصب الخلافة، فإنَّه يمثّل الحكم الأوليّ والمبدأ المباشر، بينما كانت مداراة أمير المؤمنين (عليه السلام) النسبية مع السقيفة حكماً ثانويّاً فرضته المصلحة الإسلامية العليا والظروف الضاغطة، وليس التفاضل هنا متوجهاً إلى رتبة المعصوم الذاتية؛ إذ إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) مقدمٌ ومفضل، بل النكتة جارية في تنوع المقتضيات التكليفية.
والشاهد الأبرز على ذلك: ما جرى في صلح الحديبية؛ فإنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) وهو المقام الأعظم، لمّا أمره المشركون بمحو عبارة «رسول الله» من وثيقة الصلح وقالوا: «لو نعلم أنَّك رسول الله لما حاربناك»، فالتفت النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأمره بمحوها، فامتنع أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: «ما أنا بالذي أمحوه»[9] ؛ ولم يكن امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام) تملصاً من طاعة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولا عصياناً لآوامره — وحاشاه من ذلك — وإنَّما كان امتناعه نصرةً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ودفعاً لضغط العدو الذي كان يريد إحراج النبيّ (صلى الله عليه وآله) وإظهار الانكسار أمامه.
والقاعدة الاستنباطية هنا: أنَّ الحاكم الدينيّ أو القيادة السياسية والعسكرية قد تصدر قراراً في الظرف الاضطراريّ وتحت تهديد العدو وضغطه طبقاً لقاعدة التقية والحكم الثانويّ؛ فلا ينبغي للقواعد الجماهيرية والشعبية والنخبوية أن تسارع للرضا بهذا التنازل وكأنَّه حكمٌ أوليّ مستدام؛ لأنَّ الاستجابة المطلقة هنا تُعدّ تمكيناً للعدو واستسلاماً لضغطه، بينما الموقف المطلوب هو التمرد على ضغوط العدو ونصرة القيادة في مبادئها الأولية الثابتة.
والحاصل: أنَّ التصرف الظاهريّ لأمير المؤمنين (عليه السلام) وإن كان بصورة الامتناع عن تنفيذ أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) الإجرائيّ الاضطراريّ، إلا أنَّه في واقع الأمر وحقيقته أبلغُ عونٍ ونصرة للمقام النبويّ الشريف؛ مِمّا يؤكد وجوب تحلي الأمة بالبصيرة في التمييز بين السيرة الاضطرارية والسيرة الأولية للقيادة المعصومة.
والشاهد في ذلك: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) حين أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) ببعض التصرفات ظاهراً تحت ضغط العدو وإكراهه، لم يكن ذلك متضمنًا لتخطي النظام الإلهي الأولِيّ؛ فحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يتخطى أحكام الله سبحانه، ولكنّ ذلك وقع منه تحت ضغط التهديد وقهر العدو. وهنا تتبين القاعدة الشريفة الحاكمة: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخالِقِ»[10] .
والسؤال المطروح هنا: هل ثَمَّ فرقٌ بين السيرة الاضطرارية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين سيرته الأولية؟ وهل المكلّف مأمورٌ بنصرة السيرة الأولية أو ينقاد للتصرفات الاضطرارية؟
والجواب: أنَّ السيرة الاضطرارية إنَّما صَدَرَت تحت ضغط العدو ومداهتة الظروف، بينما التكليف الشرعي الموجه للقواعد الجماهيرية والنخب الإيمانية هو نصرة السيرة الأولية لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورفع الضغط عن القيادة المعصومة أو السياسية؛ فلا يجوز التذرع بالتصرف الاضطراري الصادر من القائد تحت الإكراه لاتخاذه ذريعةً للتراجع والتنازل المطلق أمام العدو.
تنبيه أصوليّ وساسيّ:
واجب رفع الاضطرار وإعداد القوة
إنَّ هذه المسألة ذات أهميةٍ بالغةٍ جداً، لا سيما في عالم السياسة، والشؤون العسكرية، والأجهزة الأمنية، والتدبير الاجتماعي؛ ومقتضاها أنَّ قاعدة «الضرورات تُقدَّر بقَدرِها» لا بد من ضبط تطبيقها من زوايا متعددة:
أولاً: إنَّ التشبث بالحالة العذرية والاضطرار إنَّما يسوغ عند قيام سببه وبقدره الأدنى دون زيادة.
ومثال ذلك في الفقه الفردي: لو اضطر المكلف لسكنى البرية والبادية لسببٍ ما، فجاز له أكل الميتة لفضيلة حفظ النفس، فهل يسوغ له الاستمرار في سكنى البرية واستدامتها ليبقى مستبيحاً لأكل الميتة؟ أم تجب عليه المبادرة فوراً للرجوع إلى الحَضَر وإزالة موضوع الاضطرار؟ والجواب: يجب عليه شرعاً رفع موضوع الاضطرار وإزالة ظروف العجز والاضطرار، ولا يسوغ له إبقاء نفسه في البرية واستدامة التكليف الاضطراري.
والقاعدة هنا: أنَّ التكليف الشرعي والسياسي لا يقتصر على معالجة الحالة الطارئة عند وقوعها فحسب، بل يجب شرعاً وعقلاً إزالة موضوع الاضطرار وإلغاء دواعي العجز والضعف؛ فإنَّ العلاج الطارئ معالجة مؤقتة لا يجوز اتخاذها سيرةً دائمةً مستدامة.
والشاهد من الطب الحديث: ما استقر عليه الأطباء من أنَّ العلاج الأنجع والأنسب ليس هو العلاج الدائم المعتمد على العقاقير بعد وقوع المرض، بل النظام الغذائي الوقائي هو العلاج الأسبق والأقطع للطريق على طوارئ الأمراض؛ فالوقاية خيرٌ من العلاج، وضبط مدخلات البدن باحتساب ما يحتاجه من النشويات، والسكريات، والبروتينات، والخضروات، والفيتامينات، هو المسلك العقلائي المعتمد.
والنتيجة: أنَّ العقل والشرع يفرضان على الحاكم السياسي، أو الديني، أو العسكري، أو الاقتصادي، ألا يقتصر في تدبيره على معالجة الوضع المؤقت والحالات الراهنة، بل يجب عليه وضع الخصائص والبناء الهيكلي الرامي لرفع العجز، واستعادة عناصر القوة، وتغيير معادلة الاستضعاف.
والشاهد القرآني: قولُه تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[11] .
تنبيه بيانيّ ودلاليّ:
دلالة الأمر بـ {وَأَعِدُّوا} ومراتب الوجوب
لو تأملت اللفظ القرآني لوجدت فيه سراً معجزاً؛ إذ لم يقل الله عزَّ وجلّ: “استقووا”، بل قال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا﴾. وهنا يظهر الفرق الدقيق بين مفاهيم وعناوين ثلاثة تضمنتها الآية الشريفة:
عنوان الإعداد: وهو الاستعداد المسبق وبناء المقدمات والعلل لإنشاء القوة.
عنوان الاستطاعة: وهي استفراغ الوسع وتحصيل ما يدخل تحت قدرة المكلف.
عنوان القوة: وهي الغاية والملاك المطلوب إيجاده لمواجهة العدو.
تكييف المراتب والفرائض: إنَّ الأحكام الشرعية ليست على درجةٍ واحدةٍ من الشدة والأهمية؛ فلو قارنت بين وجوب الاعتقاد بالله سبحانه، ووجوب أداء الصلاة، ووجوب الاعتقاد بالصلاة، لوجدت تفاوتاً بيّناً: فالصلاة بحد ذاتها كفعلٍ عبادي يشتمل على وجوبين: وجوبٍ جزئيّ فرعي وهو أداء أفعالها، ووجوبٍ كليّ عقائدي وهو الاعتقاد بفريضتها وركنيتها في الدين. فتكون الوجوبات الشرعية متفاضلةً ذات درجات؛ وتأسيسًا على ذلك: الإشكال: من أيّ درجات الوجوب يقع التكليف المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾؟ هل هو وجوبٌ فرعيّ كلي، أم وجوبٌ ركنيّ أصولي؟
والجواب: لا يكفي في الفقاهة والاجتهاد الاقتصار على تقسيم الأحكام إلى وجوب، واستحباب، وحرمة، وكراهة، وإباحة؛ بل الفقه الأصيل - كفقه القدماء (رضوان الله عليهم) - يتطلب تشخيص مرتبة الحكم ودرجة الوجوب: أهو وجوب فريضة أم وجوب سنة؟ وهل هو من الأحكام الأركان أم من غير الأركان؟
والسر في ذلك: أنَّ الواجبات التي تقع في مرتبة الأركان تكون لها أولوية أصولية وأهمية خطيرة تتقدم بها على الواجبات المتوسطة والناشئة؛ فيلزم على المتفقه في الدين أن تكون لديه بصيرةٌ تامةٌ بمراتب الوجوب ودرجات التكليف.
والدليل على تفاوت المراتب: أنَّ المكلف أول ما يُسأل في قبره يُسأل عن أصول دينه وأركانه المقوّمة: (مَن ربك؟ ومَن نبيك؟ ومَن إمامك؟)؛ فالنبوة أصلٌ وأساس، والقرآن الكريم إنَّما هو تركةٌ من تركات النبوة وما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله). فوجب على الفقيه ألا يتعامل مع الأحكام بشرعةٍ مسطحة، بل بتشخيص درجة الحكم ودرجة الوجوب لتقديم ما هو الأهم والأولى عند التعارض والتزاحم.
قاعدة الاضطرار والتزاحم: تؤكد الضوابط الفقهية أنَّ «الاضطِرارَ بِحَسَبِهِ»[12] ؛ فإذا كان الوجوب حرجاً وركنيًا أو كانت الحرمة من الكبائر الموبقة، فلا يسوغ رفع اليد عنهما بالاضطرار اليسير، بل يتوقف رفع اليد على اضطرارٍ شديدٍ يوازيه في الأهمية والملاك. فليست قاعدة الاضطرار قاعدةً منفلتةً يُتذرع بها كيفما اتّفق؛ بل حقيقتها وترجيعها الصنائي يعود إلى قاعدة التزاحم بين الملاكات والأحكام، حيث تجب الموازنة الدقيقة والتعديل المستمر بين الأولويات.
التطبيق السياسي والجهادي: إذا دار الأمر بين حفظ النفوس والأموال الخاصة وبين حفظ بيضة الدين، كان حفظ بيضة الدين مقدماً قطعاً على حراسة النفوس والأموال؛ فالشريعة تفرض رفع اليد عن حماية النفوس والأموال إن استدعى الأمر صيانة بيضة الإسلام ونظامه العام. وهذا التقديم هو الأساس والأصل الحاكم لـ جهاد المواساة، وهو الضابط العلمي الذي صرّح به جملة من الأعلام كالسيد المحسن الحكيم (قدس سره)، حيث لم يُحرَّر هذا المبحث مبسوطًا في كلمات كثيرٍ من المتقدمين[13] ؛ ومفاده أنَّ على الأمة والمؤمنين الإسراع في بناء قوة الدين وتوسيع نطاق نظامه الإيماني، وتغليب المصلحة الإيمانية العليا على المآرب الشخصية، والأنانيات الفردية، والنعرات القومية، والحسابات الضيقة، متحملين الضريبة والتضحيات في مقابل الغايات والمقاصد السامية.
مسألة الظهور الشريف والمسؤولية الإيمانية:
غاية الغايات: مسؤولية التمهيد لظهور الإمام المهدي (عج)
الأمر إذاً في غاية التعقيد والتركيب؛ وقد صنف المحدث الفقيه الجليل محمد بن إبراهيم النعماني (تلميذ الشيخ الكليني) في كتابه الغيبة باباً خاصاً بعنونةٍ دقيقة، وهو: «باب ما جاء في الشدة التي تكون قبل خروج القائم (عليه السلام)» [14] ، حيث أورد رواياتٍ متعددة تُبيّن وقوع الشدائد والفتن والتمحيص الشديد قبيل ظهور صاحب الأمر والزمان (عجل الله فرجه الشريف).
والحاصل في التكييف الأصولي للظهور: أنَّ ظهور راية الحق وغلبة الإيمان على الباطل ليس أمراً جبرياً محضاً، ولا هو مفوّضٌ تفويضاً مطلقاً للعباد، بل هو جاريةٌ وفق قاعدة الأمر بين الأمرين؛ فالظهور الشريف وإقامة الدولة الكريمة من أعظم غايات الأبواب الفقهية والمسؤوليات الملقاة على عاتق المكلفين، وليست حالة انتظرارية جامدة يكون المؤمنون فيها مجرد متفرجين. فينبغي تنقيح هذه المباحث وتأسيس البصيرة فيها، وتحديد الأهداف والغايات الكبرى لتتحدد على ضوئها معالم المسير وخارطة المسؤولية الفقهية والعقائدية.
دعوى المنطق الجبري في قضية الظهور:
نقد المنطق الجبري في قضية الظهور
إنَّ ثَمَّتَ مَنْطِقاً عَجِيباً يَرَى أَنَّ القِيَامَ بِأَمْرِ الظُّهُورِ لَيْسَ مِنْ مَسْؤُولِيَّاتِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ نَحْنُ بِالإِضَافَةِ إِلَيْهِمْ بِمَنْزِلَةِ المُنْتَظِرِينَ المَتَفَرِّجِينَ، وَأَنَّ الظُّهُورَ أَمْرٌ سَمَاوِيٌّ مَحْضٌ، وَقَضَاءٌ وَقَدَرٌ مَحْضٌ، يَجْرِي بِدَاعِي الجَبْرِ وَالإِكْرَاهِ الإِلَهِيِّ دونَ أَنْ يَكُونَ لِلإِرَادَةِ البَشَرِيَّةِ دَخْلٌ فِيهِ.
والمناقشة في ذلك: أنَّ أَيَّ آيَةٍ أَوْ رِوَايَةٍ تُؤَدِّي إِلَى هَذِهِ المَقَالَةِ النَّافِيَةِ لِلْمَسْؤُولِيَّةِ عَنْ كَاهِلِنَا؟! وَكَيْفَ لا يَكُونُ الظُّهُورُ الشَّرِيفُ مُدْرَجاً فِي خَارِطَةِ المَشَارِيعِ وَالمَسْؤُولِيَّاتِ المُلْقَاةِ عَلَى عُهْدَةِ المَكَلَّفِينَ، بَلْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ غَايَاتِ الأَبْوَابِ الفِقْهِيَّةِ وَأَسْمَاهَا؟!
والشاهد على ذلك: تَعْبِيرُ النَّصِّ الشَّرِيفِ بِـ «الْمُوَطِّئِينَ لِلْمَهْدِيِّ» — وَفِي نُسَخٍ وَرِوَايَاتٍ أُخْرَى: «الْمُمَهِّدِينَ لِلْمَهْدِيِّ» — وَهِيَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ لا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ[15] ؛ إِذِ التَّمْهِيدُ وَالتَّهْيِئَةُ التَّنْمَوِيَّةُ وَالإِعْدَادِيَّةُ المَسْؤُولِيَّةُ فِيهِمَا دَائِمَةٌ وَقَائِمَةٌ، وَهِيَ غَايَةُ الغَايَاتِ المَقْصُودَةِ لِلشَّارِعِ، بَلْ هِيَ أَعْظَمُ شَأْناً مِنْ مُجَرَّدِ بِنَاءِ حُكُومَةٍ أَوْ نِظَامٍ أَوْ إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ إِيمَانِيَّةٍ.
وفائدة أصولية: تُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ بَحْثُ هَذِهِ المَبَاحِثِ وَتَنْقِيحُهَا لِتَعْمِيقِ البَصِيرَةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِذَا كَانَتْ مَسْؤُولِيَّةُ المَسْؤُولِيَّاتِ الفِقْهِيَّةِ هِيَ التَّمْهِيدَ لِلظُّهُورِ، فَإِنَّ عَدَمَ تَدْوِينِ هَذَا البَحْثِ عَلَى مَادَّةِ أَلْفِ سَنَةٍ يُعَدُّ تَقْصِيراً فِي اسْتِيعَابِ قِمَّةِ الخَرَائِطِ الفِقْهِيَّةِ. فَالظُّهُورُ مَقْصِدٌ أَعْلَى يَقَعُ بَعْدَ مَرْتَبَةِ الجِهَادِ، وَبَعْدَ مَرْتَبَةِ المَعَارَضَةِ وَالإِنْكارِ لِلْمُنْكَرِ، وَبَعْدَ بِنَاءِ الحُكُومَةِ الإِسْلامِيَّةِ؛ فَإِنَّ “الدَّوْلَةَ الكَرِيمَةَ” المَوْعُودَةَ هِيَ حَقِيقَةُ الظُّهُورِ.
والقاعدة هنا: أنَّهُ حِينَمَا يَتَحَدَّدُ الهَدَفُ السَّامِي، يَتَحَدَّدُ حَتْماً المَسِيرُ وَالطَّرِيقُ.
الرجوع إلى المسألة الأساسية: والحاصل: أنَّ ثَمَّتَ قَوَاعِدَ غَيْرَ مُحَرَّرَةٍ تَقَعُ عَلَى كَاهِلِ الجِيلِ المُمَهِّدِ المُعَاصِرِ، وَهِيَ لَيْسَتْ فِقْهِيَّةً مَحْضَةً وَلا عَقَائِدِيَّةً مَحْضَةً، بَلْ هِيَ أَمْرٌ بَيْنَ الفِقْهِ وَالعَقِيدَةِ؛ إذْ تُعَدُّ عَقِيدَةً رَاسِخَةً فِي الفِقْهِ السِّيَاسِيِّ.
وتبيين ذلك: أنَّ العَبْدَ حِينَمَا يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ: «مَنْ وَلِيُّكَ؟»، فَهَلْ يَقْتَصِرُ السُّؤَالُ عَلَى المَعْرِفَةِ الذِّهْنِيَّةِ، أَمْ يَتَنَاوَلُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ مُسَاهَمَةٍ عَمَلِيَّةٍ فِي نُصْرَةِ وَلايَةِ أَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلامُ)؟ فَهَلْ فَكَّرْتَ فِي المَسْؤُولِيَّاتِ المُلْقَاةِ عَلَى عُتُقِكَ تِجَاهَ أَمْرِهِمْ؟ أَمْ أَنَّكَ قَصَّرْتَ وَتَخَاذَلْتَ، فَتَنَالُكَ اللَّعْنَةُ الوَارِدَةُ فِي النَّصِّ: «وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً خَذَلَتْكُمْ»؟! فَإِنَّ خِذْلانَ مَشْرُوعِهِمْ المُمْتَدِّ مِنْ سَنَةِ سِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ هُوَ حَقِيقَةُ التَّخَاذُلِ. وَمَنْ يَرْفُضُ مَقُولَةَ: «كُلُّ يَوْمٍ عَاشُورَاءُ، وَكُلُّ أَرْضٍ كَرْبَلاءُ»، يَغْفُلُ عَنْ أَنَّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَأَرْضٍ مَسْؤُولِيَّةً وَمَشْرُوعاً لِأَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلامُ) يَجِبُ النَّهَوضُ بِهِ؛ فَالقَوْمُ يَجْهَلُونَ هَذِهِ الحَقَائِقَ، وَنَحْنُ نُبْصِرُهَا وَنُؤَكِّدُ عَلَيْهَا.
تنبيه: إنَّ مَسْؤُولِيَّةَ مَشْرُوعِ أَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلامُ) المُمْتَدَّةِ عَبْرَ كُلِّ أَرْضٍ وَزَمَانٍ لَيْسَتْ أُمُوراً هَامِشِيَّةً يَقِفُ المَرْءُ أَمَامَهَا مَوْقِفَ المَتَفَرِّجِ، وَلا هِيَ مُجَرَّدُ أَفْكَارٍ ذِهْنِيَّةٍ وَعَوَاطِفَ قَلْبِيَّةٍ حَبِيسَةٍ فِي الصُّدُورِ.
والشاهد الحديثي: مَا سَنَقْرَؤُهُ فِي رِوَايَاتِ الجِهَادِ عَلَى لِسَانِ الإِمَامِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلامُ)، حَيْثُ يَقُولُ فِي الإِعْدَادِ وَالعَسْكَرِيَّةِ: «الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي السَّيْفِ وَتَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ»[16] ؛ وَكَلَامُ الإِمَامِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) فِي هَذَا المَطْلَبِ مُسْتَفِيضٌ، إِذْ يَدْعُو بَيَانُهُ المأْثُورُ إِلَى القِيَامِ بِهَذَا المَشْرُوعِ وَالتَّمَسُّكِ بِهِ، وَكَذَلِك كَلَامُ الإِمَامِ البَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) وَسَائِرِ الأَئِمَّةِ الطَّاهِرِينَ (عَلَيْهِمُ السَّلامُ)، وَلِلْكَلامِ تَتِمَّاتٌ سَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.