48/02/24
سيرة كل إمام ذات أبعاد لا يحاط بها (34)
الموضوع: وحدة المنهج وتنوع الأدوار في الاستراتيجية السياسية لأئمة أهل البيت (ع)
كان الكلام مستمرًّا في التفسير الفقهي والعقائدي لنهضة سيد الشهداء (عليه السلام)، وفي ضمن هذا البحث أُثير التساؤل الآتي: ما السر والحكمة في تركيز أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على ذكر سيد الشهداء (عليه السلام) دون بقية الأئمة (عليهم السلام)، متميّزًا بخصوصية شديدة في الذكر والتأكيد، مع أنهم جميعًا نورٌ واحد، وسيرتهم واحدة؟
وفي الجلسة السابقة استعرضنا جملة من مظاهر هذا التركيز الوحياني على استشهاد سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) بشكل متميّز في جهات وحيانية مسلّمة، فالأمر لم يأتِ صدفةً أو عفويًّا، ولا نتيجة اتخاذ الموالين والمحبين لهذه الظاهرة، بل هي ظاهرةٌ واضحة في ذاكرة الدين، ومصدرها الوحي بألوان شتّى، فما السبب وراء هذا التمايز؟
إشكال: قد يعترض بعضهم فيقول: “إنكم تذكرون الحسين (عليه السلام) أكثر مما تذكرون مصاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو العزاء على رحيل النبي (صلى الله عليه وآله)، أو العزاء على أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو على فاطمة (عليها السلام)، أو على الحسن (عليه السلام)، فما وجه هذا التركيز المكثّف على الحسين (عليه السلام)؟”
والجواب: أن الوحي الإلهي -كما مرّ بنا- اشتمل على مظاهر عديدة متواترة وضرورية تؤكد التركيز الخاص على قضية سيد الشهداء (عليه السلام).
إشكالية التركيز على الإمام الحسين (ع) والمبدئية العلوية
وقد يُقال إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يمثّل مدرسة المبدئية والالتزام بالأصول الثابتة، في مقابل المدرسة “البراغماتية” أو النفعية التي تُسمّى “مدرسة الأمر الواقع”. فمنهج أمير المؤمنين (عليه السلام) منهجٌ مبدئي، لا يستسلم للواقع الفاسد ولا يخضع للضغوط، بل لديه تشدّد وثبات (صلوات الله عليه) على الموازين الأولية والمبادئ الحاكمة. وربما يُرصد له أربعون موطنًا أو أكثر من المنعطفات التاريخية التي كان بمقدوره فيها أن يوطّد لنفسه حكومة وخلافة ومكتسبات سياسية لو أنه تنازل عن المبادئ، ولكنه لم يتنازل قيد أنملة عن المبدئية، حتى بعنوانٍ عذري ترخيصي.
توضيح ذلك: أنه كما توجد في الشريعة قواعد أولية، توجد كذلك قواعد ثانوية عذرية ترخيصية تبيح للمكلف رفع اليد عن الحكم الأولي عند الاضطرار أو الإكراه أو الحرج؛ كقوله (صلى الله عليه وآله): «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاءَ… وَمَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ»[1] ، وقوله (عليه السلام): «كُلُّ شَيْءٍ اضْطُرَّ إِلَيْهِ الْعَبْدُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ»[2] ، وكما في قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾[3] . فما المانع إذن؟ ولماذا لم يتمسك أمير المؤمنين (عليه السلام) بتلك القواعد العذرية الترخيصية لتوطيد سلطته؟
حقيقة صلح الإمام الحسن (ع): مغالبة سياسية لا تسليم
ويتفرع على هذا التساؤل تساؤلٌ آخر: ما الفرق بين موقف الإمام الحسن (عليه السلام) وموقف الإمام الحسين (عليه السلام)؟ مع أن التحقيق في موقف الإمام الحسن (عليه السلام) يظهر أنه لم يقم بتفويض السلطة بكاملها لمعاوية، وهذا فهمٌ خاطئ شائع منذ ألف وأربعمائة سنة؛ فالإمام الحسن (عليه السلام) لم يسلّم السلطة مطلقًا، ولم ينزع السلاح من يده ليدفعه إلى الدولة الأموية ومعاوية.
والحاصل: أن ثمة تضليلًا إعلاميًّا أمويًّا جرى حول حقيقة صلح الإمام الحسن (عليه السلام)، وللأسف انسرب هذا التضليل حتى إلى كتابات بعض مؤلفي الطائفة الإمامية، وهو تحريفٌ لواقعة الصلح التي لم تكن إلا تقاسمًا إجباريًّا للسلطة ونزعًا للشرعية عن معاوية؛ فالإمام الحسن (عليه السلام) لم يرفع يده عن السلطة بالكامل، والمساحات الجغرافية والسياسية التي قيل إنه رفع يده عنها لم تكن في الأصل تحت بسط نفوذه المباشر لكي يسلّمها، بل كانت مناطق متمردة كمناطق الخوارج وغيرها، في حين أبقى ما تحت يده تحت سلطته الشاملة.
فكان الحاصل استمرارًا لتجاذب القوى بين الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية؛ إذ تحولت الحرب من صورتها الساخنة إلى حرب باردة وناعمة. والشاهد على ذلك أن خطاب الإمام الحسن (عليه السلام) السياسي يوم الهدنة والصلح وحتى استشهاده كان مشحونًا بمواجهة السلطة الأموية ونقد السقيفة بالحرب الناعمة.
أضف إلى ذلك: أن الإمام الحسن (عليه السلام) اشترط إبقاء نفوذه المالي والنفقات من بيت المال، واشترط المآل السياسي مستقبلاً في نص العهد بأن تعود الخلافة إليه أو إلى أخيه الحسين (عليه السلام). وكل ذلك يفنّد الرواية الأموية المزيفة التي حاولت تشويه حقيقة الموقف الحسني.
بناءً على هذا، ظل الإمام الحسن (عليه السلام) مستمسكًا بمقومات الخلافة والشرعية، وما حدث كان انتزاعًا وإدارة للمشاركة والمغالبة السياسية فرضها واقع الحال.
توزيع الأدوار: تباين المواقف بين علي وفاطمة (ع) بعد السقيفة
وهنا نكرر التساؤل بأسلوب آخر: ما الفرق بين موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) وموقف الزهراء (عليها السلام) تجاه السقيفة؟ أمير المؤمنين (عليه السلام) أوقف الحرب الساخنة واتخذ أسلوب الحرب الباردة، بينما كانت السيدة فاطمة (عليها السلام) متصلبة وظاهرة في المواجهة العلنية مع السقيفة؛ حيث خطبت خطبتها المزلزلة في المسجد، وخطبًا أخرى، ورفضت استقبال الرجلين، ولم تسلّم عليهما، ولم تصطلح معهما حتى رحلت مستشهدة.
فإن قيل: ما السبب في هذا الاختلاف الظاهري بين شدة علانية موقف الزهراء (عليها السلام) ومهادنة أمير المؤمنين (عليه السلام) الظاهرية؟
والجواب: أن هذا التباين هو تبادلُ أدوارٍ محكومٌ بحكمة دقيقة؛ فالزهراء (عليها السلام) كانت تملك حصانة وشرعية وحيانية في الأمة تصدع بها بالحق دون أن يتهمها أحد بالطمع في السلطة الدنيوية.
ومثل هذا التباين نراه في السيرة بين موقف الإمام الصادق (عليه السلام) وموقف الإمام الكاظم (عليه السلام)؛ فإن الحرب الباردة التي خاضها الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) مع الدولة العباسية كانت أشد ضراوة من فترة الإمام الصادق (عليه السلام). مع العلم أن الإمام الصادق (عليه السلام) كانت له مواقف صريحة بحضرة أبيه الباقر (عليه السلام) في موسم الحج حيث أعلن أمام الجماهير حق أهل البيت في القيادة والإمامة بأمر الله ورسوله[4] ، وعلى أثرها تعرضا للاعتقال والتضييق من قبل السلطة الأموية.
تنبيه: إن قراءة سيرة الأئمة (عليهم السلام) لا يجوز أن تقتصر على بعض المواقف المعلنة وتغفل عن المواقف الخفية أو المواقف الحاسمة الأخرى؛ فمشاركة الإمام الباقر (عليه السلام) في كربلاء -مثلاً- تمثل حضورًا في الحرب الساخنة.
ومثال آخر: خطاب الإمام الرضا (عليه السلام) مع السلطة العباسية والمأمون يختلف عن خطاب الإمام الصادق (عليه السلام)؛ فقد كان خطاب الإمام الرضا (عليه السلام) صريحًا ومواجهًا في إثبات غصب الخلافة والشرعية منهم، كما هو مدوّن في كتاب الاحتجاج[5] وكتاب عيون أخبار الرضا[6] ؛ حيث استغل المنتديات الفكرية والمؤتمرات السياسية والدينية التي عقدها المأمون ليعلن صراحة أن الإمامة حقٌ حصري لأهل البيت (عليهم السلام).
ومما يوضح ذلك: ما جرى في الحادثة الشهيرة حين دخل هارون العباسي إلى الحرم النبوي الشريف ليُضفي الشرعية على حكمه أمام الملأ، فقال مخاطبًا النبي (صلى الله عليه وآله): “السلام عليك يا ابن العم”، فتقدم الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) برباطة جأش وشجاعة ليحطم هذا السيناريو السياسي، قائلاً: «السَّلامُ عليك يا أَبه»[7] وفي رواية: «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا جَدَّاهُ»، فكانت كلمة صريحة قطعت شرعية بني العباس وأثبتت أن أهل البيت أخص وأقرب وأحق بهذا المقام، مما ملأ قلب هارون غيظًا وحنقًا.
والنتيجة: هي سقوط المقولة التي تزعم أن حركة الأئمة (عليهم السلام) بعد الإمام الحسين (عليه السلام) كانت حركة تنازل وهبوط مستمر، بل كانت سيرتهم (عليهم السلام) قائمة على تصاعد وتنوع في أساليب الحرب الناعمة والباردة بحسب مقتضيات الظروف، ولم يكن منهم (عليهم السلام) أي مهادنة أو تبييض لشرعية السلطات الجائرة من بني أمية وبني العباس.
إن خطبة الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دمشق لم تكن إلا صاعقة مزلزلة، ولم يثبت في تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) أي انكسار أو تماوت أمام السلاطين، وإن وردت في بعض النصوص زيارات تشير إلى مداراتهم للظالمين[8] ، فإن المداراة كانت لحقن دماء المؤمنين ومنع تجريد السيف عليهم، دون أن تمسّ ثوابت البراءة من السلطات أو إضفاء الشرعية عليها. والدليل الجلي على عدم الانصياع هو إمضاء الأئمة (عليهم السلام) وأصحابهم عقودًا طويلة داخل سجون العباسيين، والسجن بذاته شاهد صدق على النضال والثبات المبدئي.
لم يوقف أئمّةُ أهل البيت (عليهم السلام) الحربَ الباردة والناعمة طيلة حياتهم المشرقة، ودرجةُ المواجهة السياسية أو الإعلامية وإن كانت تتفاوت من إمام إلى آخر بحسب مقتضيات الظروف والبيئة الاجتماعية، إلا أنّ السيرورة التاريخية لمواقفهم لم تكن على نهج الانحدار بعد واقعة كربلاء، بل كانت تتأرجح بين الصعود والهبوط وفق استراتيجية إلهية محدّدة، وهذا مقتضى الاستقراء التامّ لسيرتهم (عليهم السلام).
المسألة: بيان السرّ في التباين الظاهري بين موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) وموقف الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) حيال حدث السقيفة؛ حيث يبدو موقفها (عليها السلام) أكثر علنية وتصلّباً في المواجهة، ممّا أوجَمَ عند بعض خواصّ الأصحاب توهّماً بوجود مباينة بين الموقفين.
والحاصل: أنّ الموقف الحقيقيّ متّحدٌ جوهراً وإن اختلف مظهراً من باب توزيع الأدوار المصلحيّة. ومن هنا جاءت الحوارية المأثورة عن الزهراء (عليها السلام) لرفع هذا اللبس، إذ خاطبت أمير المؤمنين (عليه السلام) بقولها: «اشْتَمَلْتَ شَمْلَةَ الْجَنِينِ وَ قَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَّنِينِ نَقَضْتَ قَادِمَةَ الْأَجْدَلِ فَخَانَكَ رِيشُ الْأَعْزَلِ»[9] .
توضيح ذلك: إنّ هذا الحوار الصوري بينهما (عليهما السلام) لم يكن عن عتاب حقيقيّ -وكلاهما معصومان مبرّءان من الغضب لأنفسهما- وإنّما هو سيناريو بليغ لتعرية الخصم وإتمام الحجّة على الأمة.
والشاهد على ذلك: ما جرى من حوار بين موسى وهارون (عليهما السلام) المذكور في كتاب الله؛ إذ يعلم موسى (عليه السلام) عصمة أخيه هارون (عليه السلام)، وإنّما أجرى المحاورة ليتبيّن لبني إسرائيل موقف الانفصال عن انحرافهم وعبادتهم العجل؛ حيث تجلّى ذلك في قوله تعالى حكايةً عن هارون: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾[10] ، ﴿ومُقَارَنَتِهِ بقوله:﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾[11] .
دفع التناقض الظاهري: أنّه لا تعارض بين الآيتين؛ إذ كان بمقدور هارون (عليه السلام) مواجهة الانحراف بالقوّة، لكنّ ذلك كان سيؤدّي إلى الفتنة وتشتيت الأمّة دون تحمّلها لمسؤوليّتها، فكان الموقف امتحاناً وتعريةً للمنحرفين.
ومثال ذلك أيضاً: الاستجوابُ الإلهي لنبيّ الله عيسى (عليه السلام) يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾[12] ؛ فالسؤال الإلهي ليس للاستفهام الواقعيّ، بل لفضح الذين انحرفوا وإظهار براءة السفير الإلهي.
والنتيجة: الاتّفاق التامّ بين موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) والزهراء (عليها السلام)؛ ففاطمة (عليها السلام) في خطبتها الفدكيّة دعت إلى النهوض العسكريّ واستنهضت الأنصار جهاراً قبال السقيفة.
والسرّ في الاختلاف الظاهري بين منهج العلنيّة والسرّية: - فاطمة (عليها السلام) تختزن مشروعية وحصانة عقائدية مطلقة بنصّ آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[13] ؛ فلا يستطيع الخصم اتهامها بالطمع في السلطة أو شقّ عصا المسلمين دون أن يخرج من الدين إجماعاً. - أمير المؤمنين (عليه السلام) اتّخذ المنهج السرّي؛ فطاف بالمهاجرين والأنصار أربعين ليلة استنصاراً؛ لأنه لو واجه علناً بمفرده لَرُمِيَ بالطمع في الرئاسة والخلافة، ولضاعت الغاية التربوية في تحميل الأمة مسؤوليّتها الاختيارية.
وقد سُئل (عليه السلام): عن سرّ قتاله أصحاب الجمل وصفين وسكوته عن أهل السقيفة؟
والجواب: أنّه في السقيفة لم يكن هناك ناصرٌ من الأمّة يكتمل به التكليف الإلهي في المواجهة العسكرية، بخلاف صفين. وتطبيقاً للقاعدة القرآنية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[14] .
الشاهد التاريخي: شجاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) الفذة في صفين ومواجهته الحُسْمى لحرب معاوية وعمرو بن العاص دون استعانة بالمعجزة أو الغيب، بل بمباشرته القتال بنفسه، ممّا يثبت أنّ سكوته عن السقيفة لم يكن عن جبنٍ أو عجزٍ -وحاشاه- بل لرعاية التكليف وسلب الحجّة عن المرجفين، واشتراطاً لنهوض الأمّة بقوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [15] .
تنبيه مهمّ: إنّ القول بإنّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) اعتزل النشاط السياسيّ وانزوى بعد واقعة عاشوراء هو تصويرٌ خاطئ ورؤيةٌ قاصرة؛ فالشواهد التاريخية تؤكّد استمرار خطّ المواجهة والتعريف بالشرعية الإلهية لديهم (عليهم السلام).
ومن أمثلة ذلك: - أمره (عليه السلام) للإمام الباقر ثمّ الإمام الصادق (عليهما السلام) بإلقاء الخطب السياسية التوجيهية في مواسم الحج لتعرية سلطة بني أمية. - الاعتقال والسجن الإجباري للإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) في الشام من قبل السلطة الأموية، وهو دليلٌ على خطورة حركتهما المباشرة. - إرسال الإمام الباقر (عليه السلام) لابنه السيّد علي بن محمد الباقر (عليهما السلام) إلى منطقة “كاشان” لتأسيس القاعدة الإيمانية والتمهيد السياسي هناك[16] .
والحاصل: أنّ سيرة الأئمّة (عليهم السلام) كانت تسير في خطٍّ تصاعدي لبناء المجتمع الإيماني وتشييد قواعده الفكرية والسياسية.
ومما يشهد لذلك أيضاً: - الدعم الضمني من الإمام الهادي (عليه السلام) لتأسيس الدولة العلويّة في شمال إيران عبر سفيره السيّد عبد العظيم الحسني (عليه السلام) [17] . - الموقف الإيجابيّ المبطّن للإمام الكاظم (عليه السلام) تجاه ثورة صاحب فخّ (الحسين بن علي الفخي). - ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) بسند صحيح: «لَوَدِدْتُ أَنَّ الْخَارِجِيَّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ خَرَجَ وَعَلَيَّ نَفَقَةُ عِيَالِهِ»[18] .
توجيه روايات النهي عن القيام: إنّ ما ورد عنهم (عليهم السلام) من نحو: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ»[19] ليس حسماً للنشاط بالكامل، وإنّما هو تحذيرٌ للخاصّة والعامّة من الانخراط تحت الرايات الانتهازية والمنحرفة، كما حُقِّقَ ذلك في مباحث الجهاد[20] .
فالقاعدة المقتضاة: أنّ الراية الحاقّة هي ما دعت إلى حكومتهم والتمهيد لشرعهم، والراية الباطلة هي ما دعت إلى التمكين لنفسها أو الضلال.
إذا كان الداعي يدعو إلى حُكْمِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) صادِقًا؛ كما هو مَفادُ تقريرِ الإمامِ زينِ العابدينَ (عليه السلام). وقد ارتضى السيّدُ الخوئيُّ (قُدِّسَ سِرُّهُ) في كتابه معجم رجال الحديث الرواياتِ الدالّةَ على مشروعيّةِ نهضةِ المختارِ بنِ أبي عبيدٍ الثقفيّ، مستشهدًا بتعبيرِ الإمامِ السجّادِ (عليه السلام) لِعَمِّهِ محمّدِ بنِ الحنفيّةِ في بيانِ شرعيّةِ تلك النهضةِ إذ قالَ (عليه السلام): «وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ عَبْدًا زِنْجِيًّا تَعَصَّبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَسْتَنْصِرُوا لَهُ»[21] [22] ؛ والمقصودُ بالتعصّبِ هاهُنا هو النصرةُ المخلِصةُ لحقّهم، لا لِملْءِ الأطماعِ والمآربِ الشخصيّةِ وخداعِ الناسِ. وهذا المضمونُ هو ما اعتمدهُ السيّدُ الخوئيُّ وغيرُهُ من أعلامِ الطائفةِ في مقامِ المادحينَ للمختارِ.
والنتيجة: أنَّ هذه الرواياتِ ليست في صَدَدِ تكريسِ الجمودِ وإسقاطِ المسؤوليةِ، بل هي في صَدَدِ التنبيهِ والتحذيرِ لِكَيْ لا يكونَ المؤمنونَ سُذَّجًا، فتُكْشَفَ ملفّاتُ نشاطِهم السريّ للعدوّ، أو ينشطوا مع كلّ ناعقٍ وزاعقٍ؛ فإنَّ الانزلاقَ وراءَ الشعاراتِ الانتهازيةِ خَطَأٌ جسيمٌ.
تنبيه: قد أسلفنا أنَّ المداراةَ لا تُعنى بالذوبانِ في الباطلِ، ولا المداراةُ لدولِ الجَوْرِ تُساوِقُ التماهيَ معها أو استجابتَها وتدعيمَ أركانِها بوَجْهٍ مِن الوجوهِ.
ومثالُ ذلك: دخولُ الإمامِ الرضا (عليه السلام) في الجهازِ العباسيّ؛ إذ اقتحمَ الميدانَ السياسيَّ ليُضعِفَ سلطانَ العبّاسيّينَ، حتّى بلغَ الأمرُ بالمأمونِ أن خافَ على كُرسيِّ حكمِهِ فَعَمَدَ إلى اغتيالِ الإمامِ (عليه السلام). فالمتأمِّلُ في أسلوبِ الحربِ الناعمةِ يجدُ أنَّ الإمامَ الرضا (عليه السلام) إنَّما توغَّلَ في السلطةِ العباسيّةِ لِيَسْحَبَ البِساطَ من تحتِ أقدامِهم وتجريدِهم من عناصرِ القوةِ، لا لِيُشْرِعَنَ أو يُبيِّضَ وجهَ دولِ الباطلِ؛ إذ ليس من شأنِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) تبييضُ صفحاتِ الطغاةِ، فليستِ المداراةُ تبييضًا وتزكيةً للظالمينَ.
والخلاصة: إنَّ جهاتِ قراءةِ سيرةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) - كالمشهودِ في سيرةِ سيّدِ الشهداءِ (عليه السلام) - متعدّدةُ الأبعادِ ويجبُ الفِطْنَةُ إليها، سواءٌ في أفعالِ الإمامِ الواحدِ أم في عمومِ حركةِ الأئمّةِ، وسواءٌ في مقامِ العَلَنِ أم الخَفاءِ؛ إذ بين علنِ الإمامِ وخَفائِهِ أبعادٌ ومساحاتٌ شاسعةٌ.
والعلّةُ في ذلك: أنَّ الإمامَ (عليه السلام) يُمثِّلُ دولةً إلهيّةً عُظْمى لا يمكنُ حَصْرُ ملفّاتِها، ويَغْلَطُ مَن يرومُ حَصْرَ تلك الملفّاتِ أو يدَّعي الإحاطةَ التامّةَ بها، ولو كان من أكابرِ أهلِ المكاشفةِ والمعنى.
فباللهِ وتاللهِ، إنَّ الخَضِرَ (عليه السلام) نَفْسَهُ لا يُحيطُ بِكُلِّ أسرارِ الإمامِ المَهديّ (عجَّلَ اللهُ فَرَجَهُ الشريفَ)، ولا يمكنُهُ ذلك. فكيف يَتَوهَّمُ بعضُ أهلِ المعنى والمكاشفةِ - وأولئك ممَّن حَظُوا بالتشرُّفِ - أنَّهم يعلمونَ عن الإمامِ (عليه السلام) كلَّ شيءٍ؟! هَيْهاتَ، إنَّما ذلك قَطْرَةٌ في بَحْرٍ لَدُنِّيٍّ، فهذا السيّدُ ابنُ طاوُوسَ (قُدِّسَ سِرُّهُ) على عِظَمِ تَشرُّفاتِهِ العجيبةِ لم يَكُنْ لِيُحيطَ إلّا بِقَطْرَةٍ من ذاكَ البحرِ العَميمِ. فالمعصومُ (عليه السلام) لا يُحاطُ به، لا في ظاهِرِ عَلَنِهِ - كما صَرَّحَ بذلك الفقهاءُ - فَضلًا عن خَفِيِّ بَاطِنِهِ.
فالبشريّةُ عاجزةٌ عن الإحاطةِ بملفّاتِ هذه الدولةِ الإلهيّةِ العُظْمى وسُنَنِها ومشاريعِها، وادّعاءُ غيرِ ذلك شَطَطٌ من القولِ.
فائدة: بل إنَّ الأمرَ يَتَداعى إلى أنَّ أهلَ البرزخِ - ومنهم كِبارُ العلماءِ والأعلامِ والحواريّينَ - لا يَعْلَمونَ كُلَّ مشاريعِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) ولا يُحيطونَ بملفّاتِهم؛ لعِظَمِ تِلْكَ الملفّاتِ واتِّساعِها، فليسَ كُلُّ مَن انْتَقَلَ إلى العالَمِ البرزخيّ صَارَ عالِمًا بكُلِّ التفاصيلِ والمجلِيّاتِ أَبَدًا.
والشاهدُ على ذلك: أنَّ جَبْرَئيلَ (عليه السلام) وهو المَلَكُ المُقَرَّبُ، ينزلُ من السماءِ إلى رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) لِيَتَلَقَّى ويَتَعَلَّمَ منه العلومَ والملفّاتِ الإلهيّةَ التي لم يَكُنْ يعلمُها[23] . فإذا كان هذا حالُ المَلَكِ المقرَّبِ تجاهَ القيادةِ الإلهيّةِ، فكيف يُسَوَّغُ لَنا بِجَرَّةِ قَلَمٍ قاصرةٍ أنْ نَنْعَتَ سيرةَ الإمامِ السجّادِ أو الباقرِ أو الصادقِ (عليهم السلام) بالرُّكُودِ أو العَماءِ السياسيّ، أو نختزلَ حركتَهم الرساليّةَ في أُطُرٍ ضَيِّقَةٍ ضَئيلةٍ؟!
وللحديثِ تَتِمّاتٌ وتَفاصيلُ تُذْكَرُ في محلِّها، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصَلَّى اللهُ على مُحمَّدٍ وآلِهِ الطّاهِرينَ.