« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/02/23

بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة متعددة الأبعاد لسيرة المعصومين/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /الامامة

 

موضوع: الامامة/قواعد فهم النص وسيرة المعصومين /قراءة متعددة الأبعاد لسيرة المعصومين

 

قراءة متعددة الأبعاد لسيرة المعصومين

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيّد الأوّلين والآخرين، وأشرف المبعوثين محمّد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء أئمّة الدين، وعجّل فرجهم وفرجنا بهم.

في هذه السلسلة التي تمّ استعراضها حول الجدلية المثارة بين الفقهاء الأعلام، يتبيّن أنَّ قواعد بابٍ فقهيٍّ واحدٍ لها أبعادٌ متعدّدة؛ إذ إنَّ باباً فقهيّاً واحداً وقواعدَ ذلك الباب لا يمكنها تقديمُ تفسيرٍ كاملٍ لنهضة سيّد الشهداء (عليه السلام)، وإنما تفسّر فصولاً ومراحلَ من نهضته الشريفة، فمن ذا الذي يفسّر كلّ المسيرة والنهضة؟

تنبيه: ليس معنى ذلك أنَّ هذه الأبواب أو القواعد خاطئة في تفسيرها، بل هي تفسّر بعض فصول السيرة الشريفة لسيّد الشهداء (عليه السلام) وبعض مراحلها، لا جميع تلك المراحل والمواقف، بل تضيء على جملةٍ من المقاطع والمواقف في سيرته المباركة (صلوات الله عليه).

فائدة:

الخلافة الإلهية والدولة متعددة المشاريع

في سيرة المعصوم (عليه السلام) نكتةٌ لطيفة؛ باعتباره خليفة الله في الأرض كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[1] ، إذ إنَّ خلافة الله لمن يصطفيه ليست محصورةً في بقعةٍ جغرافيةٍ معيّنة، ولا بقوميّةٍ محددة. وقد تقرر في علم البلاغة أنَّ الاستخلاف غيرُ محدودٍ بالأرض، وإنما تواجد هذا الخليفة وكينونته كان فيها، ومثاله رئيس الدولة القاطن في العاصمة، فإنَّ رئاسته لا تنحصر في حدود العاصمة، بل تتعداها إلى سائر أقطار الدولة ومدنها.

ومقتضى ذلك: أنَّ قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يُراد به تواجده في الأرض، وأمّا صلاحياته فلم يقيّدها الحقّ سبحانه وتعالى بالأرض، وبدليل أمر الملائكة بالانقياد والطاعة لهذا الخليفة، ممّا يدل على أنَّ صلاحية الاستخلاف الإلهي غيرُ محدودةٍ بالأرض، بل تعمّ السماوات والأرض.

والنتيجة: أنَّ الدولة الإلهية دولةٌ واسعة النفوذ، ولا تدار بالمعجزات والغيبيات المباشرة فقط، بل تعتمد جانب الاختيار الإنسانيّ على قاعدة «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين»[2] . وإذا كانت الدول البشرية العظمى تملك برامج ومشاريع متعددة، فكيف بالدولة الإلهية؟ فهي تملك ملفاتٍ وبرامجَ ومشاريعَ متعددة، ولا تحصر أهدافها ومسؤولياتها في مشروعٍ واحد.

تطبيق: تتعدد الغايات والمقاصد التي بيّنها سيّد الشهداء (عليه السلام) في خطبه، فتارةً من باب الجهاد، وتارةً من باب دفع الظلم والعدوان، وتارةً من باب أصل حماية بيضة الإسلام[3] ، كما في قوله (عليه السلام): «وَعَلَى الْإِسْلَامِ السَّلَامُ إِذْ قَدْ بُلِيَتِ الْأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلِ يَزِيدَ»[4] .

والفرق هنا: أنَّ البحث في حماية أصل بيضة الإسلام يختلف عن بحث الجهاد بالمصطلح الفقهي الخاص؛ وقد أشار إلى ذلك السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه) في فتواه الشهيرة[5] ، حيث قرر أنَّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس منحصرًا في المعروف والمنكر الفردي ولا الاجتماعي العام فحسب، بل يشمل الطابع الديني العقائدي وهو أعمّ منهما.

ملاحظة: ذكر السيد الحكيم (قدّس سرّه) ما مضمونه: أنَّ ما دوّنه الفقهاء على مدى ألف عام في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو كتابٌ مختصر ركّز على البعد الفردي دون البعد الاجتماعي والسياسي العام. وقد وافقه على ذلك السيد عبد الهادي الشيرازي (رحمه الله) وغيره من أعلام النجف الأشرف، مؤكدين أنَّ هذا الباب يتدرج على أربع طبقات على الأقل.

والحاصل: أنَّه عند الوصول إلى مرتبة حفظ بيضة الدين وأساسه، فإنَّ جميع الشروط المتواضَع عليها في أبواب الجهاد تُلقى جانباً، ويُبذل النفيس والأنفس والدماء. وهذا المسار أشار إليه الفقهاء إشاراتٍ متفرقة ولم يفرزوا له باباً مستقلاً.

ومثال ذلك: شروط الجهاد الابتدائي والدفاعي التقليدي المقيدة بالقدرة واحتمال النصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾[6] ؛ فهذه الشروط تسقط تماماً عندما يمسّ الخطرُ أساسَ الدين، فيغدو الجهاد واجباً على قدم وساق ولو لم يلوح في الأفق أيّ نصرٍ عسكري، وهو ما تجلّى في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وقوله المشهور: «هيهات منا الذلة،»، وقوله: «وأنوف حمية ونفوس أبية ».[7]

مفهوم إثرائي: يتفرع على هذا التمايز ما يُعرف بـ «جهاد المؤسسات»[8] ؛ وهو جهادٌ لا تُشتَرَط فيه غاية النصر العسكري، بل غايته إحياء الفضائل والقيم ودحض العدوان.

ومثاله: ما ذكره الفقهاء في باب دفاع الإنسان عن ماله أو عرضه أو نفسه ضد السارق والماكس؛ فلو علم أنه يُقتَل ولا يستطيع دفع العدو، جاز له المواجهة بل استُحِبَّت، ويكون قتيله شهيداً؛ لأنَّ المقصد هنا هو إحياء فضيلة الغيرة والذود عن الحق.

قاعدة أساسية:

صلح الإمام الحسن: تقاسم سلطة أم تفويض؟

تتداخل القواعد العقائدية مع القواعد الفقهية في قراءة سيرة الأئمة (عليهم السلام) -وهو ما يُعبَّر عنه معاصراً بـ «الفقه السياسي» أو «العقيدة العسكرية»-. ومن الخطأ التأسيسي قراءة صلح الإمام الحسن (عليه السلام) بنظرةٍ أحادية أو اختزاله في تفويض السلطة؛ إذ تثبت الشواهد التاريخية أنَّ الصلح كان قائمًا على «تقاسم السلطة» وندّية التوازنات، لا على التفويض السائغ.

ومن الشواهد على ذلك: - إنَّ المناطق التي خضعت لمعاوية كانت متمردةً أصلًا على نفوذ السلطة المركزية في الكوفة. - استمرار الإمام الحسن (عليه السلام) في التحكم ببيت المال والميزانيات لعدة أقاليم ومحافظات. - استنجاد معاوية بالإمام الحسن (عليه السلام) عسكرياً في مواجهة الخوارج، ورفض الإمام الاستجابة بقوله: «لَوْ كُنْتُ مُقَاتِلًا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لَقَاتَلْتُكَ»[9] . - الاشتراط الصريح بأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) لا يدخل في هذا الصلح ولا يلتزم ببنوده.

تنبيه: لم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) داخلًا في بنود الصلح المبرم مع معاوية بحيث يُلْزَم به تفصيلًا، بحسب ما أثبتته بعض المصادر التاريخيّة، وعليه، فإنّ الإمام الحسن (صلوات الله عليه) أجرى نوعًا من الموازنة الاستراتيجيّة في إدارة الملفات وتوازن القوى؛ فرسّخ بذلك التوازن الإلهي في خيارات الأمة.

والحاصل: أنَّ الشواهد المتضافرة تدل على أنَّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) كان تقاسمًا للنفوذ وإدارة السلطة لا تفويضًا مطلقًا لها، خلافا لما روّجت له الأقلام الأمويّة والاتجاهات غير المحققة، فلم يكن ثَمَّ تنازلٌ عن الحق الإلهي أبدًا.

ومن الشواهد على ذلك: - أولًا: عدم تفويض الشؤون الخاصّة بدولة الحق، بل استمرار الإمام (عليه السلام) في بسط يده على مفاصل مهمة؛ ولعل محاولة معاوية اغتياله واغتيال شيعته في وقت لاحق كانت لرفع هذا المانع ورغبةً منه في الاستبداد الكلي بالسلطة.

- ثانيًا: اشتراط الإمام الحسن (عليه السلام) الخلافةَ بعد معاوية لأخيه الحسين (عليه السلام)، ممَّا يعني استمرار هيمنته ورقابته لصارم المآلات ومصير الأمة الإيماني.

- ثالثًا: الخطب المجلجلة والقاذعة التي ألقاها الإمام الحسن (عليه السلام) عقب الصلح، وتعرّض فيها لبني أمية ولشرعيّة السقيفة بلسان حاد صريح، ومقتضى ذلك أنه لم يكن ينطلق من موقع المنعزل أو المسلوب الإرادة، إذ لو كان الأمر تفويضًا كليًا لما وسِع معاويةَ سكوتٌ عن مثل هذه المواقف السلوكيّة الصارمة.

والشاهد فيه: ما ورد في الأثر عن النبي (صلى الله عليه وآله) في بيان الوراثة الملكوتية الاصطفائية لأهل بيته (عليهم السلام)؛ حيث قال لفرع العصمة فاطمة (عليها السلام): «أَمَّا الْحَسَنُ فَنَحَلْتُهُ هَيْبَتِي وَسُؤْدُدِي، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَنَحَلْتُهُ جُودِي وَشَجَاعَتِي»[10] .

ومقتضى القول: أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان يدير جغرافيا سياسية واجتماعيّة محددة، ويشرف بنفسه على الشريحة الإيمانية الأُولى، واشترط استمرار العطاء والمال لعوائل شهداء حرب صِفّين والجمل، ممَّا يثبت استمراريّة الإدارة والرعاية.

فائدة: إنَّ القراءة الاستراتيجيّة الحقيقية لحركة الإمام الحسن (عليه السلام) خلال الأعوام العشرة التي تلت الصلح، تتطلب من مراكز البحث التخصصية جمع كافة النصوص والقصاصات المروية عند الفريقين، ثم تحليلها وفق آليات علمية ودراسات استراتيجية معاصرة لكشف حقيقة تلك المشاطرة السياسيّة التي أُسست لحماية بيضة الإسلام وتعرية النظام الأموي.

نتيجة: لا يمكن حبسُ سيرة الإمام المعصوم (عليه السلام) في باب فقهي واحد؛ كباب الصلح أو الهدنة، بل إنَّ سيرة الإمام الحسن، كأخيه الحسين وسائر الأئمة (عليهم السلام)، تُفسّر فصولها المترامية بأبواب فقهيّة وعقديّة حار فيها كثيرٌ من العلماء.

وقاعدة المطلب: ما أشار إليه صاحب الجواهر (قدس سره) من أنَّ أفعال المعصوم (عليه السلام) ذاتُ وجوه وزوايا متعددة لا يمكن الإحاطةُ بتمام غاياتها[11] ، فالواجبُ منهجياً هو السير بين التعطيل للدرس الفقهي وبين ادعاء الإحاطة الشاملة؛ لأنَّ الأئمة (عليهم السلام) يديرون دولة إلهية واسعة ذات ملفات متوازية ومشاريع ممتدة عبر الزمان.

ومثال ذلك: المكونات والرجالات الخفية في الدولة الإلهية المتصلة بالمعصوم، كالأبدال والأوتاد والنبي إدريس والنبي الخضر (عليهما السلام). فالخضر (عليه السلام) يُشَكِّل رمزًا أمنيًا وسياديًا في المنظومة الإلهية كما نصَّ القرآن الكريم في حوارية موسى (عليه السلام): ﴿ قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾[12] ، وقبله قوله: ﴿ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾[13] .

تنبيه: إنَّ وجود شخصيات كالنبي إدريس (أخنوخ) [14] أو الخضر (عليهما السلام) حيينِ قائمين بأمر الله، ليس شأنًا غيبيًا مجردًا، بل هو جزء من الجهاز الإداري الخفي الممتد تحت إمرة حجة العصر (عجل الله فرجه)، ولا ينبغي الخلط بين هذه الحقائق الدينية وبين أدعياء الغيب والدجل المرتبطين بالأجهزة الاستخبارية العالمية.

والحاصل: أنَّ خطأ الخطأ يكمن في اختزال المعصوم في بُعْدٍ ظاهرٍ واحدٍ؛ كأن يُحْصَر دور الإمام الصادق (عليه السلام) في إدارة الجامعة الفقهية والعقائدية فحسب، بينما تكشفُ المظانُّ والمصادر الاستشراقية والتاريخية عن أدوار متعددة شملت العلوم التجريبية والتأسيس العلمي المعرفي للحضارة الإنسانية عبر تلامذته كجابر بن حيان[15] .

وممّا أورده بعض الباحثين الغربيين ممّن كتبوا عن سيرة الإمام الصادق (عليه السلام) -بحسب ما نُقِل إلينا، وإن كنّا لم نَطَّلِع إلّا على بضع مقاطع من تلك الدراسات- تصريحُهم بأنّ الإمام الصادق (عليه السلام) ببركة جيلِ تلامذته، كجابر بن حيّان، يُعدّ في الحقيقة صاحبَ فضلٍ تأسيسيٍّ على العلوم التجريبيّة الحديثة بأسرها، ومقتضى ذلك العنايةُ ببعدٍ آخر من أبعاد شخصيّة الإمام (عليه السلام)، وهو بُعدُ إمارة الدنيا ورعايتها، لا الخضوع للدنيا والافتتان بها.

ومثال ذلك: ما أشارَت إليه بعضُ أمّهات الموسوعات العالميّة كـ (الموسوعة البريطانيّة)؛ إذ اعترَفَت بالدَّوْرِ العلميّ الرياديّ للإمام (عليه السلام) في التأسيس للعلوم الطبيعيّة كالكيمياء والفيزياء، وهو ما تشهد به المخطوطات العلمية العجيبة المنسوبة لتلميذه جابر بن حيّان. وحينئذٍ يندفع قولُ بعض المؤرّخين ممّن حاولوا تحجيم الدور العلميّ للإمام (عليه السلام) بادّعاء اقتصار حراكه على أروقة الفقه والأصول والعقائد؛ إذ إنّ هذا الفهمَ الصغير يغفل عن كُنْهِ مقام الخلافة الإلهيّة الشاملة.

فالإمام (عليه السلام) له أدوارٌ متعدّدة بوصفه خليفة الله في الأرض، ومقتضى هذه الخلافة أنّ شأنًا كإدارة مؤسّسات الدولة الإلهيّة الخفيّة ينضوي تحت سلطته؛ فالخضر وإدريس (عليهما السلام) ليسا مجرّد رجالي غيب في دولة صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه الشريف) فحسب، بل كانا يعملان ضمن طاقم الدولة الإلهيّة في عهد الصادق وتحت إمرته، وكذا في دولة الباقر ودولة زين العابدين (عليهم السلام). وتأسيسًا على ذلك، فإنّ النبيّ إلياس (عليه السلام) -وهو من أنبياء بني إسرائيل المعقّبين لعهد عيسى (عليه السلام)- حيٌّ يرزق باتّفاق الفريقين، وكذلك يوجد فوجٌ كاملٌ من الأنبياء لا يزالون أحياءً يُدبّرون الشؤون بإذن الله، ودليلُ ذلك قائمٌ لمن تدبَّر القرآن الكريم؛ حيث يقول عزّ من قائل: ﴿﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾[16] .

وقد استفاضت الروايات الشريفة عن أهل البيت (عليهم السلام) في إثبات هذا الامتداد الغيبيّ والحُجَجِ الإلهيّين؛ فقد ورد عنهم (عليهم السلام): «اللَّهُمَّ بَلَى، لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً»[17] ، وأمّا النشاط الدجّالي المخابراتي المعاصر فهو خارجٌ عن هذا النسق الإلهي، بل هو ملفٌّ مرصودٌ ومحكومٌ بتدبير أهل البيت (عليهم السلام).

ومِنْ جَسِيمِ الخَطَأِ: اختزالُ بُعدِ الإمام زين العابدين (عليه السلام) في القالب الدعائيّ فحسب، بل إنّ الدعاء يمثّل جانبًا واحدًا من حراكه المترامية أبعاده؛ إذ كيف يُغفَلُ عن تحليل الموقف السياسيّ الاستراتيجيّ الجريء للإمام (عليه السلام) في خطبته التاريخيّة بالشام؟ فتلك الخطبةُ لم تكن مجرّد كلمة عاطفيّة، بل كانت تنظيرًا سياسيًّا وإستراتيجيًّا في غاية الخطورة والعمق، ألقاها الإمام (عليه السلام) وهو في قيد الأسرِ بعد فاجعة عاشوراء، فرسّخ بها حصريّة المشروعية الدينيّة والسياسيّة في أهل البيت (عليهم السلام).

تَنْبِيهٌ: ومثَالُ ذلك أيضًا ما يُرْوَى في قضايا مناوراته السياسية والأمنيّة مع بعض فقهاء وقضاة بني أميّة كـ (قبيصة)، ممّا يكشف عن تدبيرٍ أمنيٍّ حكيم ومناورةٍ سياسيّة عالية لا يمكن أن تُفهَم إذا حُصِرَت شخصيّة الإمام (عليه السلام) في لقطةٍ واحدة أو موقفٍ مجرّد.

والحَاصِلُ: أنّ السيرة المعصوميّة لِكُلِّ إمامٍ تَشْتَمِلُ على أبعادٍ متعدّدة وفصولٍ متنوّعة؛ بل إنّ الواقعة الواحدة قد تنطوي على زوايا ومحاور عديدة يديرها الإمام (عليه السلام) بتمكّن واقتدارٍ يتجاوز القابليّات البشريّة الظاهرة. وبناءً عليه، يمتنع فهمُ سيرتهم الشريفة وقراءتُها قراءةً متوازنة ودقيقة إذا اقْتُصِرَ على إسقاطِ أبوابٍ فقهيّة ضيّقة أو قواعد محدودة عليها، سواء في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) وفاطمة الزهراء (عليها السلام) -حيث تقاسما الأدوار لتوازُن المنظومة الإلهيّة- أم في سيرة الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام).

السيرة الخفية واستراتيجيات كسر شوكة الظلم

ثمّ إنّ السيرة الخفيّة للأئمّة (عليهم السلام) هي أصلٌ أُغفِلَ عن استجلائه في الأبحاث؛ فالإمام الصادق (عليه السلام) -على سبيل المثال- كانت له نشاطات وسيرة خفيّة عجيبة في أقاليم المغرب العربيّ[18] ، ومجموع ما يرتسم من حراكهم السريّ وغير المعلن يزيد أضعافًا مضاعفة على الأنشطة المعلنة.

وَمِثَالُ ذَلِكَ: ما تشير إليه بعضُ المصادر التاريخيّة من كون تأسيس الدول العَلَوِيّة والزيدية -التي انشقت عن سلطة بني العبّاس- قد تمّ بدعمٍ وتحريكٍ خفيٍّ برعاية السيّد عبد العظيم الحسنيّ (رضوان الله عليه)، وهو السفيرُ والمعتمدُ السرّي للإمام الهادي (عليه السلام).

فَائِدَةٌ: يتجلّى هُنا عمقُ البُعد السياسي التكتيكي؛ إذ بالرغم من الملاحقة الأمنيّة الشديدة من السلطة العبّاسيّة للسيّد عبد العظيم الحسنيّ، نجد الإمام الهادي (عليه السلام) يُعظّم من شأنه ومساره بعد شهادته في مَدِينَةِ الرَّيِّ، حتّى ورد عنه (عليه السلام): «أَمَا إِنَّكَ لَوْ زُرْتَ قَبْرَ عَبْدِ الْعَظِيمِ عِنْدَكُمْ لَكُنْتَ كَمَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)» [19] ؛ وفي هذا التشبيه دلالةٌ بليغة على أنّ حراك السيّد عبد العظيم كان امتدادًا حيًّا لمشروع جدّه الإمام الحسين (عليه السلام) في مناهضة الظلم وإقامة الدولة العادلة.

وَالقَاعِدَةُ الحَاكِمَةُ هُنَا: هي إعمالُ المبدأ العقلائيّ والفقهيّ: « مالا يدرك كله لا يترك كله »[20] ؛ إذ إنّ إقامةَ حكمٍ علويٍّ -ولو على المذهب الزيديّ- تُعدّ خطوةً تقدّميّة ومرحليّة في منطق الأئمّة (عليهم السلام) لكسر شوكة السلطة العبّاسية الغاشمة وتفكيك نفوذها. ومقتضى ذلك فتحُ آفاقٍ واسعة لاستنباط القواعد الفقهيّة والأصوليّة من السيرة المعصوميّة بشِقَّيْها المعلَن والخفيّ، وعدمُ جمودِ الباحث على نطاقٍ ضيّق.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

 


[3] بيضة الإسلام: أصل الدين وجماعته وحوزته التي يُخشى عليها الانثلام والدثور.
[5] تراجع فتوى السيد محسن الحكيم الصادرة في شأن الأحكام العامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المطبوعة في: الفضلي، عبد الهادي. في انتظار الإمام.. ط1، دار الزهراء، ص45
[8] يُراجع تفصيل هذا المبحث في الفقه الدفاعي وأحكام المدافعة عن المال والعرض، حيث يُقرر الفقهاء جلياً عدم اشتراط السلامة أو ظفر الدفاع إذا كان المقصد صيانة الكرامة ودحض الاعتداء.
[14] بحار الأنوار - ط مؤسسةالوفاء، العلامة المجلسي، ج11، ص270.. يُراجع تفصيل ما ورد في شأن الأنبياء الأقدمين وحياتهم الممتدة ومكانتهم في المنظومة الإلهية
[15] سیری در سیره ائمه اطهار، مطهری، مرتضی، ج1، ص155.. يُراجع ما ذكره الشهيد مرتضى المطهري في بحثه حول تنوع أدوار الأئمة واتساع نطاق أفعالهم
[18] يُراجع في هذا الصدد البحث التخصصي الوارد في مظانّ تاريخ الدعوة الإسماعيلية والتنظيمات السرية للإمامية في شمال إفريقيا؛ النعمان، القاضي. افتتاح الدعوة.. تحقيق فرهاد دفتري، دار الساقي، 2005 م، ص45-60
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo