48/02/21
شمولية الإمامة: قراءة في الأدوار المعلنة والخفية للأئمة
الموضوع: شمولية الإمامة: قراءة في الأدوار المعلنة والخفية للأئمة
كان الكلامُ على كلّ حالٍ في مشروعِ سيّد الشهداء (عليه السلام) ونهضته الشريفة: هل هي قضيةٌ في واقعةٍ، أم أنّها سنّةٌ دائمةٌ دائبةٌ، ومقتضى ذلك أنّه مشروعٌ يُؤتمّ به بموجب إمامة أهل البيت (عليهم السلام)؟
ومآل القول: إنّ عزل الاقتداء بالأئمّة (عليهم السلام) عن الاعتقاد بإمامتهم هو في الحقيقة عبارةٌ أخرى عن إنكار الاعتقاد بإمامتهم؛ لأنّ الإمام إنّما يُعتقَد بإمامته لا لكونها مجرّد فكرةٍ كلّيةٍ ذهنيّةٍ، بل لآثارها العمليّة التطبيقيّة.
ومثال ذلك: شبيهٌ بمن يقول: نعتقد بالله ولكن لا نعتقد بحاكميّته، أو نعتقد بالله تعالى ولكن يدُ الله مغلولةٌ، أو لا نعتقد بأنّ الله هو الحاكم، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾[1] ، فينفون أعلى رتب الحاكميّة لله في كلّ المجالات. فمقتضى هذا الطرح الاعتقادُ بإلهٍ مجمَّدٍ مسلوب الصلاحيّات، وأمّا الاعتقاد بإلهٍ ذي مطلق الصلاحيّات والولايات والشؤون -كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[2] - فلا يلتزمون به، وإنّما يعتقدون بإلهٍ من جهة بُعْدٍ فلسفيٍّ فكريٍّ ونظريٍّ فحسب، وأمّا أنّ الأمور كلّها تصير إليه تعالى فلا يعتقدون به.
والاستشهاد عليه: بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [3] ، وقوله سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾[4] . فعنوان “الإله” في بُعْد العقيدة لا ينفكّ عن أبعاده الأخرى؛ من كون التشريع لله، والسلطة السياسيّة لله، والسلطة القضائيّة لله، وإقامة الحكومة لله. والتفكيك بين هذه الأبعاد يُعدّ نوعاً من العلمانيّة في الحقيقة، القائمة على التمييز والفرز بين البُعْد العقائديّ والنظريّ وبين البُعْد الفقهيّ والنظام العملانيّ الاجتماعيّ الحياتيّ الذي يعيشه الإنسان، على نحو “ما لله لله وما لقيصر لقيصر”، وهذا ليس من التوحيد في شيءٍ، بل يمسّ أصل العقيدة.
والحاصل: أنّ التفكيك والدعوة إلى التمييز بين الاعتقاد بإمامة الإمام (عليه السلام) وبين عدم الاقتداء به أمرٌ غيرُ ممكنٍ عُقبةً ونقلاً.
تنبيه: قد مرّ بنا في الأبحاث السابقة أنّ القول بالتعطيل المطلق والتجميد المطلق لمعرفة الإمام (عليه السلام) أو صفاته أو أفعاله وسيرته هو قولٌ باطلٌ؛ فالتعطيل باطلٌ في معرفة الله ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، وكذلك في النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام).
والجواب عما أُثير: ممّا نقله بعض الفقهاء من صعوبة معرفة كُنْه فعل الإمام (عليه السلام) وتعقيده؛ أنّ مرادهم ليس أنّ فعل الإمام الحسين (عليه السلام) وسيرته مبهمةٌ مغلقةٌ بالكامل، بل الأمر شبيهٌ بالقرآن الكريم؛ إذ ورد أنّ للقرآن بطوناً تبلغ السبعين بطناً[5] ، ولا يعني ذلك تعطيل العمل بالقرآن، بل يدرك الإنسان من مراتب القرآن مقداراً يكون حجّةً عليه ويلزمه العمل به، وإن لم يُحِطْ بكلّ بطونه. فعدم الإحاطة المطلقة لا يستلزم التعطيل المطلق.
والقاعدة في ذلك: بطلان التعطيل المطلق وبطلان الاكتناه والإحاطة المطلقة، بل الأمرُ بين أمرين، وهذه الضابطة المنهجيّة مطردةٌ في معرفة الأئمّة (عليهم السلام).
ومقتضى هذه الضابطة: بطلان الدعوى القائلة إنّ سيرة سيد الشهداء (عليه السلام) مبهمةٌ مطلقاً لا يمكن التأسي بها؛ إذ كيف يُنصَبُ إماماً ليُؤتَمَّ به فكرياً وعملياً ثمّ يُدعَى عدم حجّيّة فعله وسيرته؟! هذا خلاف الضرورة الدينيّة والمذهبيّة. فلا تفكيك بين البُعْد العقائديّ والبُعْد الفقهيّ؛ لأنّ التفكيك يساوق التعطيل، وهو باطلٌ عاطلٌ.
فائدة تاريخيّّة وفقهيّة: تأسّساً على ضابطة “الأمر بين أمرين”، نجد الفقهاء يتبارون في تحليل السيرة الشريفة. وقد وقعت قبل عقودٍ فتنةٌ علميةٌ شديدةٌ حول كتاب “شهيد جاويد” (الشهيد الخالد)[6] ، واختلف الأعلام في قراءة نهضة سيد الشهداء (عليه السلام). وهذا الخلاف -بعيداً عن أبعاد التشنّج- أثرى الساحة العلمية الحوزوية؛ إذ خاض فيه العلامة الطباطبائي[7] ، وشارك فيه كبار المراجع كالسيد البروجردي وغيره، كما شارك الشيخ المطهري[8] وبعض الأوساط العلمية. وقد أثمرت هذه الإثارةُ تنضيجَ الأبحاث العلميّة في كيفية الجمع بين أبعاد النهضة الحسينيّة.
ثمّ نرجع إلى المطلب: وهو أنّ مشروع سيد الشهداء (عليه السلام) -بحسب خطبه الشريفة- يستند إلى سنّةٍ إلهيّةٍ؛ ومن ذلك المقطع المرويّ عنه: «شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَاكُنَّ سَبَايَا»[9] .
والسر في ذلك: أنّ اتصال الأئمّة (عليهم السلام) فيما بينهم ومع سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) لا يحجبه برزخٌ أصلًا، فنقلُ سيد الشهداء (عليه السلام) عن جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) -وهو في الرفيق الأعلى- ليس نقلاً عن البدن الشريف، بل هو نقلٌ عن قلب النبي (صلى الله عليه وآله) وروحه المقدسة.
والشاهد عليه: ما ورد في شأن سورة براءة، في الحديث القدسي المتواتر عند الفريقين: «لا يُبَلِّغُ عَنْكَ إِلا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ»[10] ، وهو عليٌّ (عليه السلام)، وكذلك فاطمةُ (عليها السلام) قطعةٌ من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد تواترت الأخبار: «عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ»[11] [12] [13] ، و«فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا فَقَدْ أَغْضَبَنِي»[14] [15] ، و«حَسَنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ»[16] ، و«حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ»[17] [18] [19] . فمقتضى هذا الارتباط التشريعي والروحي أنّ التبليغ عن قلب النبي (صلى الله عليه وآله) إنّما يكون ببدنه الشريف أو برجلٍ منه لحلوله في رتبة الاتصال بقلبه (صلى الله عليه وآله).
وقاعدة المطلب: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يختلف عن عموم الصحابة في أنّه ينقل عن روح النبي (صلى الله عليه وآله) وقلبه، لا عن بدنه الظاهري فحسب.
والدليل عليه: ما ورد في الخطبة القاصعة من نهج البلاغة، حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ»[20] ؛ فكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يشاهد تنزل الوحي ويسمع صوته ببركة النبي (صلى الله عليه وآله). وهذه الخصيصة ثابتةٌ لفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)؛ حيث يستقطب الجهازُ النبويّ الغيبَ الإلهي فتصل أمواجه إلى أهل البيت (عليهم السلام).
والاستشهاد عليه: بما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) من اختصاص أهل البيت (عليهم السلام) بمحضر نزول الوحي دون غيرهم[21] ، وهذا هو السرّ في كون الأربعة عشر معصوماً (عليهم السلام) “أهل بيت النبوة” ومخزن الوحي الإلهي الذي لا يندثر ولا يرتفع.
تنبيهٌ وتوضيح: ويتفرع على ذلك فهمُ كيفية ارتباط فاطمة (عليها السلام) بالنبي (صلى الله عليه وآله) في مصحف فاطمة؛ حيث ورد في الروايات المستفيضة والمتواترة[22] أنّ الذي حدّثها هو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو جبريل، أو ملكٌ كريمٌ، وتكفّل المكتوبُ التنزيلي ذلك، وكلها وجوهٌ متلائمةٌ غيرُ متضاربةٍ؛ إذ إنّ الاتصال بينها وبين النبي (صلى الله عليه وآله) لا يقطعه البرزخ.
ملاحظة تاريخيّّة: واللافتُ في هذا الباب أنّ عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية لم ينكروا وجود قناةٍ روحيةٍ اتصاليةٍ بين الحسين (عليه السلام) الحي وبين جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) رغم حاجب البرزخ، بل سلّموا بذلك واعتبروه أمرًا بدهيًا مسجلاً في كتب المقاتل والتاريخ، مما يدلك على ثبوت هذه المعارف الروحية والغيبية في الذهنية الهاشمية والموالية منذ القرن الأول الهجري، خلافًا لمن زعم حدوثها في القرن الرابع الهجري!
ويتفرع على ذلك: أنّ قوله (عليه السلام): «شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَاكُنَّ سَبَايَا»[23] يمثّل سنةً إلهيّةً وتكليفًا شرعيًا خاصًا. ومقتضاه: أنّ سقوط الجهاد العسكري عن النساء لا يعني سقوط مطلق الجهاد؛ بل يبقى الجهاد الإعلامي والأمني والسياسي والتربوي شاملاً لهنّ. ولذا حُمّلت العقيلة زينب (عليها السلام) وبنات الحسين (عليه السلام) هذه المسؤولية العظيمة، وهو بابٌ فقهيٌّ واسعٌ.
والقاعدة الفقهية: أنّ سقوط الجهاد العسكري عن النساء وكبار السنّ بالدقة لا يسقط عنهم التكليف بالجهاد الأمني والخبروي…
وكذلك الحال في سقوط الجهاد عن الشيوخ وكبار السن؛ إذ المراد بسقوطه بالدقّة هو الجهاد العسكريّ لا غير، وأمّا الجهاد الأمنيّ والخبرويّ والإداريّ والماليّ والإعلاميّ والناعم – ونحو ذلك – فلم يسقط عن المكلّفين بحال، بل إنّ مسؤوليّة كلّ فرد قائمة بحسبه، رجالاً ونساءً وشيوخاً؛ استناداً إلى البيان النبويّ الشريف: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[24] .
والنتيجة: إنّ هذا يفتح أفقاً فقهيّاً عريضاً ينبغي استلهامه من نهضة عاشوراء، وتطبيقاً لقاعدته (صلى الله عليه وآله): «شَاءَ اللهُ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا»[25] [26] ؛ إذ بقيت المسؤوليّة التكليفيّة على عاتقهنّ قائمةً بحسب المقتضى.
مثال ذلك: السيدة أمّ هانئ بنت أبي طالب (رضوان الله عليها)؛ حيث تمثّل دورها في كونه دوراً أمنيّاً حيوياً للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قبيل تأسيس الدولة في المدينة المنورة وأثناء وجوده بمكّة المكرّمة، ثمّ استمرّ هذا الدور الأمنيّ الخفيّ قائماً بعد تأسيس الدولة النبويّة، امتداداً إلى عهد خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكوفة، وصولاً إلى النهضة الحسينية.
تنبيه: إنّ تعدّد الأسماء والكنى للشخصيّة الواحدة من الأمور البديهيّة في التراجم والتاريخ؛ فقد أُطلق على السيدة أمّ هانئ زهاء خمسة أسماء وعدّة كنى (كعاتكة وغيرها) [27] ، ومثل هذا الجري التراجمي يرفع الإشكال اللفظي الحاصل في تحديد الشخصيّات كما في ترجمة السيدة رقية (عليها السلام).
ومما يجلّي عظمة دورها الأمنيّ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يُطلعها على التقارير والأحداث الأمنيّة، وكذا صَنَع أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ إذ أرسل إليها بالمعطيات والمعلومات الأمنيّة فور انقضاء حرب الجمل، وكذا في حرب صفّين. ويتفرّع على ذلك أنّ دورها كان امتداداً لدور السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وعقيلة بني هاشم السيدة زينب (عليها السلام).
والشاهد في النهضة الحسينية: أنّ اعتراض بعض أعيان بني هاشم كعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس، ومحمد بن الحنفية على اصطحاب الإمام الحسين (عليه السلام) للنساء[28] يندفع بجواب الإمام (عليه السلام) لهم؛ إذ بيّن أن لهنّ دوراً وتكليفاً ومسؤوليّةً ينبغي القيام بها على أتمّ وجه.
فالحاصل: إنّ مشاركة العقائل لم تكن في الجانب العسكري الميداني، بل في الأبعاد الإعلامية والسياسية والرسالية للنهضة.
ومقتضى القول في الإمامة: إنّ الاعتقاد بإمامة أهل البيت (عليهم السلام) لا ينفكّ فيه البُعد العقائديّ عن البُعد الفقهيّ والتكليفيّ العمليّ؛ فلا يصحّ تجميد الإمامة أو اختزالها في جوانب نظريّة تجريديّة، بل هي إمامة شاملة لكافة الأبعاد والشؤون.
فنحن نبرأ مما ادّعاه الخوارج ومن حذا حذوهم من وصم الحركة الحسينية بالتهوّر - وحاشا لسيّد الشهداء (عليه السلام) ذلك -؛ إذ الخارجيّ بالمعنى الاصطلاحيّ السياسيّ هو الثوريّ المتهوّر غير المنضبط بالضوابط الشرعيّة. بل الاعتقاد الراسخ هو التثبيت التامّ لإمامته (عليه السلام) الفقهيّة والسياسيّة في الميادين كافّة؛ عملاً بالنصّ المتواتر: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا»[29] .
قاعدة منهجية: خلافاً لما استقرّت عليه طائفة من الكتابات والتحليلات التاريخيّة عبر القرون المتأخّرة من القول بـ”تعدّد الأدوار ووحدة الهدف” لكلّ إمام، فإنّ التحقيق والتتبّع يقتضي أنّ كلّ إمامٍ من الأئمّة الهداة (عليهم السلام) قد مارس الأدوار كافّة - بما فيها الدور العسكريّ والتنظيميّ -، بيد أن تمظهر هذه الأدوار يتفاوت بين العلنيّ والخفيّ بحسب ظروف كلّ عصر؛ فالإشكاليّة الحقيقيّة تكمن في الاقتصار على قراءة السيرة الظاهريّة المعلنة وتجميد بقية الأبعاد.
والشاهد على ذلك: الخطبة الصارخة للإمام زين العابدين (عليه السلام) في الشام أمام يزيد بن معاوية[30] ؛ حيث واجه بها نظام السلطة الأمويّة العاتية وهو في أسر الأغلال، مبيّناً فيها مقامات أهل البيت (عليهم السلام) ومُديناً الجاهليّة الأمويّة بأعلى مستويات الشجاعة والمواجهة. فهل يُعقل وصف مقامه (عليه السلام) بالمهادنة أو التراجع السياسيّ وهو ينطق بهذه الصراحة بوجه سلطة تحكم ما يعادل ثلاثين إقليماً في ذلك العصر؟!
ومن الشواهد أيضاً: ما ورد في المأثور من الحوار بين عبد الله بن عباس والإمام السجّاد (عليه السلام) عبر وسائط؛ حيث حاول ابن عباس الجدال في تفاوت الموقف السياسيّ والعسكريّ للإمام زين العابدين (عليه السلام) عن موقف أبيه الشهيد (عليه السلام)، فكان جواب الإمام (عليه السلام) قاطعاً في وحدة الوظيفة والموقع الرساليّ[31] ، دون أن ينفي عن نفسه مسؤوليّة الإمامة وأدوارها الحركيّة.
وكذلك الشاهد في: رسالته (عليه السلام) للزهري (محمد بن مسلم أو قبيصة الزهري) المذكورة في كتاب تحف العقول[32] ؛ إذ تتجلى فيها نفس الروحية المندّدة بالسلطان الجائر، وذات المنهج الصلب المعروض في الشام دون أدنى تغيير في المبدأ والمسار.
مؤيّد آخر: تصحيح السيد الخوئي (قدس سره) للرويات الصادرة عن الأئمّة السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام) في مدح المختار الثقفي[33] ورعايتهم لحركته العسكريّة والسياسيّة. وكذلك ما جاء في كامل الزيارات من مدح الإمام الصادق (عليه السلام) لحركة التوّابين[34] ، واعتبار حركتهم مشروعاً ضروريّاً في الأُمّة، وإن لم تكن العزيمة مقصورةً على التعميم الميدانيّ لجميع المكلّفين. والنتيجة: إنّ دعوى “تعدّد الأدوار ووحدة الهدف” بمعناها السائد لدى الشهرة ناطرةٌ إلى الظاهر المتاح، بينما الواقع يؤكّد الشمول الشموليّ لأدوار كلّ إمام، ولو في أبعاد أمنيّة أو خفيّة.
فإن قيل: أين هي الأدوار العسكريّة والتنظيميّة الصريحة للإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)؟
قلنا: يتجلّى ذلك في إرسال الإمام الباقر (عليه السلام) لولده السيد عليّ بن الإمام الباقر (المدفون في مشهد أردهال ضواحي كاشان) [35] لتأسيس النواة التنظيميّة والعسكريّة هناك، واستشهاده في مواجهة مسلّحة مع السلطة الأمويّة. وكذلك الأدوار والتوجيهات السرّيّة الخفيّة للإمام الصادق (عليه السلام) وللإمام الهادي (عليه السلام) عبر رجالاتهما ومبعوثيهما كالسيد عبد العظيم الحسني (رضوان الله عليه) وسواه. فالمتحصّل أنّ الأئمّة (عليهم السلام) لم يتخلّوا عن أصل التمثيل والتوجيه السياسيّ والعسكريّ لإنشاء وإقامة دولة الإمامة والحقّ، غير أنّ التدبير الأمنيّ والتقيّة اقتضيا التستّر والإخفاء في كثير من المحطات.
مثال التخطيط الأمنيّ المحكم: ما يُستشفّ من دعوى محمد بن الحنفية للإمامة؛ إذ تشير الشواهد المنقّحة إلى أنّ ذلك كان خطّةً وتكتيكاً أمنيّاً لحماية رأس الطائفة وهو الإمام زين العابدين (عليه السلام) وتوجيه أنظار السلطة العباسيّة والأمويّة بعيداً عن شخصه الشريف، حتى لا تُخترق قواعد الإمامة الإلهيّة. ولهذا لما جاء كبار الشيعة إلى محمد بن الحنفية يتساءلون عن وجه إحالة الأمر إلى السجّاد (عليه السلام)، أرشدهم مباشرةً إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام)، ممّا يقطع بوجود تنسيق وثيق وتدبير أمنيّ باطنيّ بينهما. ويؤيّد هذا المطلب ورود المديح البليغ لمحمد بن الحنفية في مأثور أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)؛ حيث تولّى الإمام الباقر (عليه السلام) بنفسه غسله وتكفينه وتجهيزه[36] ، وهو ما لا يكون إلا لخالص الأولياء.
والخلاصة: إنّ تقسيم الأئمّة إلى قائم بالسيف وقاعد عنه هو تقسيم باعتبار الظاهر العرفي فقط؛ وإلا فإنّ الأئمّة جميعاً (عليهم السلام) ممارسون لكافّة الأدوار والتكاليف بحسب المقتضيات المعلنة والمخفيّة.
ومثال ذلك: قول الإمام الهادي (عليه السلام) في حقّ السيد عبد العظيم الحسني: «مَنْ زَارَ قَبْرَ عَبْدِ العَظِيمِ بِالرَّيِّ كَمَنْ زَارَ الحُسَيْنَ (عليه السلام)» [37] ؛ حيث يتعدّى المعنى مجرّد الثواب الفرديّ إلى إشارة سياسيّة وحركيّة تربط حراك السيد عبد العظيم بالامتداد الحسينِيّ والمشروع النهضويّ الشامل. ومن هنا يتجلّى الفهم المنهجيّ لفقرات الزيارة الشريفة: «مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ، وَظَاهِرِكُمْ وَبَاطِنِكُمْ، وَشَاهِدِكُمْ وَغَائِبِكُمْ»[38] .
الدولة الإلهية الخفية: نموذج الخضر (ع) ودوره السري
وليس ذلك مختصّاً بعصر الظهور، بل إنَّ إمامة كلِّ إمامٍ إنّما تكون مع ثلاثمائة وثلاثة عشر من رجال الغيب المنتشرين في الأرض، لكنَّهم متخفّون. بل إنَّ الكلَّ يعتقد — حتّى أهل السنّة — بوجود الأبدال والأوتاد[39] .
ومثال ذلك: الخِضْر (عليه السلام)؛ فإنَّه موجودٌ ولكنَّ دورَهُ سريٌّ، فلو أعلن عن نفسه لما كان هو الخِضْر، ومَن يدّعي علناً فيقول: «أنا الخِضْر الذي تعرفونه»، فهو كذّاب؛ لأنَّ جوهرَ دورِ الخِضْر قائمٌ على السِرّيّة.
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾[40] .
والشاهد فيه: أنَّ المسؤوليات الموكلة إليه في الدولة الإلهية ليست مجرّد حادثةٍ فرديةٍ وقعت في زمنٍ ما، بل هي سنّةٌ دائمةٌ. فماذا صنع الخِضْر (عليه السلام)؟ لقد مارس أعمالاً تنطوي على قضايا عسكريةٍ واجتماعيةٍ وقضائيةٍ، وتصرّف وفق سلطةٍ تشريعيةٍ وتنفيذيةٍ؛ فالأفعال الثلاثة التي قام بها — كما تُبيّنها روايات أهل البيت (عليهم السلام) — تُعبّر عن أنشطة دولةٍ إلهيةٍ كاملةِ الأركان.
وقد استشهد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) — كأمير المؤمنين (عليه السلام) وغيره — بسيرة الخِضْر لبيان واقع إمامتهم؛ استناداً إلى قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [41] .
والنتيجة: أنَّ القول بانحصار أدوار صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه) بعصر الظهور فقط هو تفكيرٌ باطلٌ لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة.
فقد ورد عنه (عجّل الله فرجه): «إِنَّا غَيْرُ مُهْمِلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ، وَلَا نَاسِينَ لِذِكْرِكُمْ»[42] ؛ وهذه الرعاية لا تقتصر على البعد الإعجازي، بل إنَّ أغلب مسؤوليات أهل البيت (عليهم السلام) تُمارَس ببعدهم البشريّ المتفوّق.
فائدة: إنَّ كثيراً من المفاهيم التراثية بحاجةٍ إلى تصحيحٍ وتبلورٍ رصين، مع كونها من البديهيات المسلّمة.
قاعدة: إنَّ أكبر خطأٍ واشتباهٍ يقع فيه المستنبط — سواء في الفقه أو العقائد أو التفسير — هو حصره لسيرة أهل البيت (عليهم السلام) في الجانب المعلن منها دون الخفي.
الإشكال: كيف يستقيم للعبد أن يُقرّ بالزيارات الشريفة المتواترة بقوله: «مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ، وَظَاهِرِكُمْ وَبَاطِنِكُمْ، وَشَاهِدِكُمْ وَغَائِبِكُمْ»[43] ، ثمّ يغفل عن هذا الباطن والسرّ في منظومته الاستنباطية الفقهية والسياسية؟
ومثال ذلك: ما نقله أبو الفرج الأصفهاني من وجودِ ارتباطٍ سرّيّ في التوجيه والتدبير بين الحسين بن علي (صاحب فخ) وبين الإمام المعصوم[44] .
تنبيه: إنَّ استقراء التاريخ يُظهر أنَّ كثيراً من الثورات الشيعية كانت مرتبطةً بالأئمة (عليهم السلام) سرّاً؛ إذ لا يُعقل أن يكون هذا الارتباط معلناً في ظلّ البطش والرقابة السلطوية آنذاك.
والشاهد عليه: أنَّ المختار الثقفي بعد شهادته، ورد مدحه والتصريح بجميل فعله عن الإمامينِ الباقر والصادق (عليهما السلام)[45] ، بعد أن زالت الموانعُ الأمنية التي كانت تمنع من إعلانِ التأييد والارتباط.
والحاصل: أنَّ سيرة أهل البيت (عليهم السلام) المعلنة لا تشكّل إلا نسبةً ضئيلةً مما يطفو على السطح (عشرة أو عشرين بالمئة)، بينما يقبع الثمانون بالمئة منها في الحيّز الخفي الذي تكشفه الحقائق والأزمانُ المتتابعة.
ومثال آخر: ما كتبناه في كتابنا (الإمامة الإلهية)[46] حول الأدوار الخفية للأئمة الموثقة في المصادر المعتبِرة؛ كعلاقة الإمام الكاظم (عليه السلام) ببلاد آسيا الوسطى، والتي كانت خافيةً تماماً عن سلطة هارون الرشيد والأجهزة العباسية، بل حتّى عن عامة المؤمنين.
والشاهد فيه: ما ورد من صلته (عليه السلام) بأولياء الله في تلك النواحي، وصلاته بهم ومتابعة شؤونهم عبر طرقٍ تنظيميّةٍ وخافية[47] .
تأسساً على ذلك: تجب قراءة سيرة الأئمة (عليهم السلام) ببعديها المعلن والخفي، وما خفي منها أعظم وأجلّ؛ ومن ذلك الدورُ الخفيُّ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الفتوحات الإسلامية (كفتوح فارس والروم)، كما وثّقناه في كتابنا (عداد الصحابة)، وكما تتبّعه الشيخ علي الكوراني في أبحاثه الفقهية والتاريخية[48] .
والخلاصة: أنَّ النظرية القائلة بتكفّل كلّ إمامٍ بدورٍ واحدٍ محددٍ هي نظريةٌ قاصرةٌ، بل إنَّ كلَّ إمامٍ قد مارس جميع الأدوار الهادفة لإقامة دولة الله، أكان ذلك بالظهور والإعلان أم بالخفاء والتكتم.