« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/02/14

بسم الله الرحمن الرحيم

الوهن النفسي في مواجهة السنن الإلهية: قراءة في سيرة أهل البيت والقرآن

الموضوع: الوهن النفسي في مواجهة السنن الإلهية: قراءة في سيرة أهل البيت والقرآن

 

إنَّ إحدى الجهات المحورية التي سلّط أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الضوء عليها هي بيان أسباب تقاعس الأمة أو النخب عن الاضطلاع بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء أكان ذلك على الصعيد الاجتماعي أم السياسي. ويكتنز هذا التخاذل في جوهره سبباً رئيساً يرجع إلى الخوف على المنافع الدنيوية؛ إذ يؤول هذا الخوف إلى نكوص الأمة عن واجباتها العامة، وتقاعسها عن إقامة المعروف الأعظم المتجلي في القسط والعدل والحق.

أسس الشخصية المؤمنة ومفهوم العدل

وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يكشف عن بُعدٍ أساسٍ في شخصية المؤمن الرصينة؛ إذ يقول (عليه السلام): «يُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِالْمَعَاوِلِ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يَسْتَقِلُّ مِنْ دِينِهِ بِشَيْءٍ ثَابِتٍ، لَا يَذُوبُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ»[1] .

ومثال ذلك: ما رواه الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام بسند صحيح، في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ»، قِيلَ: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «يَتَعَرَّضُ لِمَا لَا يُطِيقُ»[2] .

كما ورد بسندٍ معتبر عن ابن أبي عمير، عن علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن جماعة من أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «مَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَمْ تَأْخُذْ لِضَعِيفِهَا مِنْ قَوِيِّهَا بِحَقِّهِ غَيْرَ مُتَضَعْضِعٍ»[3] ، وفي طريق آخر: «غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ».

والحاصل: أنَّ إقامة العدل في النظام الاجتماعي والسياسي تُعدّ من أسمى مصاديق المعروف، وأعظم العدل ألا يُمَكَّن الأجنبي من نهب ثروات البلاد ومقدراتها.

وفي الباب ذاته، روى الشيخ الطوسي بسنده عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «مَنْ طَلَبَ مَرْضَاةَ النَّاسِ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ كَانَ حَامِدُهُ مِنَ النَّاسِ ذَامّاً، وَمَنْ آثَرَ طَاعَةَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) بِمَا يُغْضِبُ النَّاسَ كَفَاهُ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) عَدَاوَةَ كُلِّ عَدُوٍّ، وَحَسَدَ كُلِّ حَاسِدٍ، وَبَغْيَ كُلِّ بَاغٍ، وَكَانَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) لَهُ نَاصِراً وَظَهِيراً»[4] .

وعليه، فإنَّ المستبد العاتي كفرعون لم يسبغ عليه القرآن الكريم صفة إصلاح أو عدل، بل صرّح بكونه طغى وتجبر؛ قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ¤ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾[5] . فالأمر بالقول اللّين هنا إنَّما هو أسلوب تبليغي بداعي إتمام الحجة، ولا يعني بحالٍ تغيير الرؤية الموضوعية لكونه طاغية، ولا يسوغ التفريط في الحقوق والمبادئ.

قراءة في صلح الإمام الحسن: إدارة صراع لا اعتزال

ومقتضى القول ما تقدّم الاستدلال عليه في صلح الإمام الحسن (عليه السلام)؛ إذ لم يكن صلحُه تفويضاً مطلقا للسلطة أو اعتزالاً للعمل السياسي كما توهمت الأقلام الأموية، بل كان تقاسماً للقدرة وإدارة للصراع، وحفظاً لمقومات الجماعة المؤمنة. فالمصادر التاريخية تثبت يقيناً أنَّ دعوى العزل والتنحي فرية جائرة وظلامة عظيمة بحق الإمام (عليه السلام).

فإن قيل: كيف يُفَسَّر اعتراض بعض الأصحاب -كحُجْر بن عَدِيّ- على هذا الصلح؟

والجواب: أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) شبّه صلحه مع معاوية بصلح جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) مع قريش في الحديبية؛ فهل كان صلح الحديبية سلبًا لعناصر القوة النبوية، أم كان تقاسمًا وتكتيكًا استراتيجيًا فرضته موازين القوى؟ وهذا التفسير الحسني يؤكد أنَّ الهدنة لم تكن تنزيلاً للسلاح أو تجريداً للقدرة الذاتية.

والشاهد التاريخي: استغاثة معاوية بالإمام الحسن (عليه السلام) مراراً لمحاربة الخوارج؛ ممّا يدلّ على بقاء القوة العسكرية والوجود الفاعل لكتائب الهاشميين. وكذا تحذير معاوية لبني أمية حين أرادوا اغتيال الإمام الحسن (عليه السلام) علانيةً بقوله: «إنَّكم لم تذوقوا نار سيوف بني هاشم»، استحضاراً لما ذاقه بنفسه من سيف أمير المؤمنين (عليه السلام) في صِفِّين.

فائدة: إنَّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يمتلكون التفوّق البشري الذاتي في الميادين كافة من دون الحاجة إلى التوسّل بالمعجزة أو الجانب الغيبي في كلّ حراك؛ وهذه اللقطات المشرقة في سيرة المعصومين غالباً ما تُطمس في القراءات التبسيطية.

قاعدة: إنَّ من أبرز صفات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم المخلصين أنّهم ﴿لَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾[6] ، وهي الحصانة النفسية في مواجهة الحرب النفسية والإعلامية التي تشنها الدوائر الخارجية والمُتخاذلون في الداخل.

تنبيه: تشير المعطيات الميدانية إلى أنَّ ثمانين بالمئة من الحروب إنَّما هي حربٌ نفسية وإرادات، وليست مجرّد آليات وتكنولوجيا صماء. ومن هنا نجد أنَّ الزيارات الشريفة -كزيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام)- لم ترتكز على الأوصاف الجسدية الشكليّة، بل ركّزت على المعالم الروحية والعقائدية، فقيل في زيارته: «أَشْهَدُ أَنَّكَ كُنْتَ نَافِذَ الْبَصِيرَةِ، صَلْبَ الْإِيمَانِ»[7] ، وقيل أيضاً: «أَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ تَهِنْ وَلَمْ تَنْكِلْ».

والنتيجة: أنَّ الوهن النفسي يمثّل الخطر الأكبر الذي يرتدي لَبُوس الحكمة زُوراً، بينما الحكمة الحقيقية هي الثبات والصمود.

وقد تجلّى لسان الإمام الحسن (عليه السلام) في الخطابات المأثورة المدوّنة في كتاب الاحتجاج للشبراوي والطبرسي، بكشف الملفات ومواجهة الخصوم بأعلى درجات الصراحة والحدة العلمية والدينية، ممّا يدحض دعاوى الانبطاح والتراجع.

والإشكال المطروح: هل يسوغ نشر الوهن والهلع والخوف بين المؤمنين تحت ذريعة “الحكمة والتدبير”؟

والجواب: إنَّ بثّ الرعب واليأس وتقديس السلامة المادية خروجٌ عن النهج القرآني، إذ يقول الله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[8] .

فالسيرة النبوية كلّها كانت زلازل ومحن (بدر، أُحُد، الخندق، حُنَيْن)، ولم تكن القدوة النبوية قائمة على الدَّعَة والدَّوران في فَلَك السلامة المادية.

فائدة: روى الشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّ نصر الله لأوليائه لا يأتي إلا بعد الامتحان والتمحيص والزلازل[9] ؛ إذ لو كان النصر يأتي بالراحة المادية والمسيّرة لكُتِب لأعظم الخلق وهو الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله).

السنن الإلهية: الامتحان والزلزال طريق النصر

ثمَّ إنَّ القرآن الكريم يذمّ الوهن والاستكانة بصريح العبارة: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾[10] . والذين يقلبون هذه السُنَن فيسوّغون التخاذل والخوف تحت اسم الحكمة، إنَّما يخالفون المحكمات القرآنية والسُنَن الإلهية الثابتة.

وإنّها سنّة إلهيّة دائمة، فتأمّلوها في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾[11] . فالاستيئاس المذكور هٰهنا إنّما ورد في سورة يوسف؛ إذ إنّ الرسل (عليهم السلام) هم أصبر الناس، بيد أنّ سنّة الله اقتضت ألا يأتي النصر الإلهي إلا حين تصل الأمور إلى حافّة الانفجار.

والقاعدة هنا: أنّ طبيعة المجرى الإلهي قائمة على الامتحان بالزلازل والمخاطر. وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيان حالهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله): «وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ، وَلَا اخْضَرَّ لِلإِيمَانِ عُودٌ»[12] ؛ ومقتضى كلامه (عليه السلام) أنّهم كانوا يوطّنون أنفسهم على اقتحام الأخطار والزلازل حتّى استقام عمود الإسلام وتأسّس كيانه.

والشاهد فيه: ما جاء في خطبة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام): «﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾، أَوْ نَجَمَ قَرْنُ الشَّيْطَانِ، أَوْ فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا، فَلاَ يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِمَاخَهَا بِأَخْمَصِهِ… وَأَنْتُمْ فِي رَفَاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فَكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوائِرَ»[13] . فالملحمة الفاطميّة تبيّن بوضوح أنّ أهل البيت (عليهم السلام) كانوا دوماً في قلب الزلازل والمواجهة، في حين كان غيرهم يتخلّف عن نصرتهم ويتدثّر بالدعة والأمان.

والإشكال هنا: قد يدّعي مدّعٍ أنّ خوض هذه الزلازل ينافي “الحكمة”، وأنّ المقتضى العقلائي يفرضه إلقاء السلاح والتقاعس والقبول بالوهن!

والجواب عليه: أنّ التوصيف الإلهي للسنن التاريخية يكشف بطلان هذا التوهّم؛ إذ يقول عزّ من قائل: ﴿أَمْ حَسَبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[14] . فهذا الزلزال الإلهي إنّما يرمي إلى غاية صحيحة وهي بناء الثبات والنضج النفسي لدى الأمّة.

ومثال ذلك: ما ورد في الثناء على أصحاب الحصانة الإيمانية، كأبي الفضل العباس (عليه السلام)؛ إذ لم تركّز النصوص الشريفة على تقاطيعه الجسديّة بقدر ما ركّزت على مقوّماته الروحيّة والفكرية، كما في زيارته المأثورة عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كَانَ عَمُّنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ نَافِذَ الْبَصِيرَةِ، صَلْبَ الإِيمَانِ»[15] [16] ؛ فمعنى “نفاذ البصيرة” أنّه لا يُخدع بالمكر الإعلامي والسياسي للعدوّ، ومعنى “صلابة الإيمان” الرفض المطلق للانكسار والوهن.

والنتيجة: هي أنّ المواجهة في جوهرها حربٌ فكريّة ونفسيّة وإرادات، قبل أن تكون حرب عتادٍ وتقنيّات ولوجستيّات ماديّة.

الشاهد التاريخي: معركة بدر الكبرى؛ فقد كان المسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً قبالة جيش يربو على الألف مدجّجين بالسلاح، وقد صور الحقّ تبارك وتعالى نزوع النفوس إلى العافية بقوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾[17] . وتكرّر هذا المعنى في أُحد والخندق؛ ممّا يؤكّد أنّ التمحيص سنّة إلهيّة ثابتة لتمييز الخبيث من الطيّب، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾[18] .

تنبيه: إنّ أشدّ الابتلاءات الإلهية إنّما تنصبّ على سائرتي “البصيرة الفكريّة” و”المشاعر النفسيّة”. ومن هنا يظهر الحظر الشديد لترويج الهلع والوهن بين صفوف المؤمنين؛ إذ يقول سبحانه في الذمّ المباشر للمرجفين: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[19] . فجعل بثّ المخاوف وتخذيل الأمّة منافياً للحكمة الشرعية، بينما يقرّر القرآن التكافؤ الميداني والصمود النفسي بقوله: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾[20] .

والحاصل: أنّ السنّة الإلهية المعلّقة على التغيير إنّما تنطلق من حركة النفس وبنائها؛ لقوله جلّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[21] . فميدان التحوّل الأوّل إنّما هو النفس والروح، وليس العتاد المادي المجرّد.

ومثال منطق التخذيل والتذرّع بالواقعية: موقِف بني إسرائيل من نبي الله موسى (عليه السلام)، حيث قالوا: ﴿يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾[22] ، ثمّ أردفوا باستفزازٍ وتخلٍّ واضح: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[23] . وهٰكذا يُساق منطق التداعي والجبن تحت طائلة الشعار المنحرف الداعي للتخلّي عن التكليف، وهو ذات المنطق الذي واجهه سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) حين اعترض عليه المرجفون.

فكان الجواب الإيماني: من العبدَين الصالحين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾[24] ، فلمّا أَبَوْا واستكانوا، نزل الحكم الإلهي: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۠ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۠ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾[25] ؛ جزاءً وفاقاً لفرارهم من التكليف، فظلوا يتيهون أربعين سنة حتّى هيّأ الله الإرادة الإيمانية على يد داود (عليه السلام)، حيث أحدث التغيير الاستراتيجي بإمكانات ظاهرة البساطة، مسقطاً كبرياء طالوت وجالوت بالتوكّل والصلابة.

فائدة: إنّ الكمال العظيم للأنبياء والأوصياء إنّما تجلّى في الجانب البشري والمجاهدة الإنسانية، وليس فقط في الاعتماد على الخوارق الغيبية؛ قال جلّ وعلا: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾[26] . ومقتضى ذلك أنّ كمالهم نشأ من نجاحهم في الامتحان البشري واقتحام المخاطر، لذا كانت سيرة الأئمّة (عليهم السلام) قائمة على تحمّل الأخطار والنهوض بالمشروع؛ ولهذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): «مَا مِنَّا إِلاَّ مَسْمُومٌ أَوْ مَقْتُولٌ» [27] [28] ؛ لأنّ المشروع الرسالي كان دائماً حركيّاً يرفض الجمود والاستكانة.

والشاهد من المأثور: قراءة دعاء الندبة الشريف: «فَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ، وَسُبِيَ مَنْ سُبِيَ، وَأُقْصِيَ مَنْ أُقْصِيَ»[29] ؛ ممّا يقطع بأنّ تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) خلوٌ من الملاذات المادّية والدعة. وهٰكذا يتّضح موقِف الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)؛ إذ لم يكن معتزلاً أو ساهياً عن موازين القوّة، بل كان المحرّك المحوري لمراكز القدرة والنفوذ الإيماني، حتّى إنّ الخصم لم يجرؤ على استئصال أصحاب عليّ (عليه السلام) في إبّان حركته لمكانة الإمام (عليه السلام) وهيمنته المقابلة.

تنبيه أصولي: تعتبر الآيات الكريمة المتناولة لهذه السنن الدستور الأساس لما يُعرف بـ “فقه المقاصد”. [30] فالتعاطي مع الشائعات والأخبار الأمنية يجب أن يقتصر على غرف القيادة والتدبير، ولا يُبث في الوساط العامة لئلا يورث الهلع؛ ولهذا قرن التنزيلُ المرجفين بالمنافقين وشديدي المرض الروحي فقال سبحانه: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾[31] . فالإرجاف وتفتيت العضد يرقى إلى مستوى الجريمة بحق المصلحة العامة.

**

غزوة الأحزاب كنموذج قرآني للحرب النفسية

تطبيقات قرآنيّة من غزوة الأحزاب:** - بيان المدَد الغيبي المترتّب على الصبر: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾[32] ؛ فالمعادلة لا تتوقّف عند التقديرات المادّية المجرّدة. - تصوير حجم الامتحان النفسي: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ¤ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾[33] . - كشف خطاب التخذيل والاعتذار الواهي: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ¤ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنَهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾[34] . - التأكيد على شؤم الانبهار بقوة العدوّ والانهزام النفسي: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ¤ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾[35] . - بطلان توهم النجاة بالاستسلام: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ¤ قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾[36] .

والنتيجة الحاصلة: أنّ التهويل بالقوى المادّية للعدوّ وإضفاء مظاهر القدرة المطلقة عليه إنّما ينطوي على ضربٍ من الخلل العقدي؛ إذ هو إعطاء للعدوّ ما لا يستحقّه من صفات السلطة الغالبة، والتعامل الميداني المعتمد على ترويج الهلع بين الموالين يتنافى تماماً مع فقه السنن الإلهيّة والرؤية التوحيدية النافذة.

مواجهة المرجفين وتفنيد منطق التخذيل

إعلاميًّا ونفسيًّا، وبدَلًا من إرهاب العدو، يمارس المرجّفون إرهابًا على الوسط الداخلي. والشاهد فيه: أنه إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، فإذا خافوا سقطت عزائمهم، وإذا زال الخوف أطلقوا ألسنتهم بالطعن والغمز في المؤمنين، كما وصفهم الحق تبارك وتعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ¤ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾[37] .

فتراهم عند مواجهة الأعداء كالفِئَار، أمّا في الساحة الداخلية فيستأسدون على إخوانهم، تحت شعارات زنيقة من الحرص والمذهبية!

والإشكال هنا: كيف يُسوَّغ بثّ الهلع والوهن في نفوس المؤمنين وتغليفه بظاهر الحكمة والتدبير؟! والجواب: إنّ ثَمَّ فرقًا جوهريًّا بين المناورة التكتيكية والتدبير السياسي السليم، وبين نشر الرعب والتقاعس والتخذيل؛ فإنّ هذا المسلك معكوس تمامًا للنهج القرآني الذي أشاد بالصلابة في مواجهة الكفّار والرحمة بين المؤمنين.

فإنّ التذرّع بسيرة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) لتبرير الانكفاء والوهن هو مغالطة تاريخية؛ فإنّ الإمام (عليه السلام) كان أشدّ الناس صراحةً وحدّةً بوجه الأعداء، ولم يداهن أرباب السلطة الأموية قط، وخطاباته المحفوظة في المظانّ التراثية — كـ الاحتجاج للشيخ الطبرسي[38] — خير شاهدٍ على تجريده السيف الكلامي في فضح زيفهم وكشف ملفاتهم.

والقاعدة المقرَّرة: أنّ الحكمة لا تتنافى مع الحزم والصمود، واللسان مسؤول عمّا يلفظ به؛ قال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[39] .

وقد أكّدت الآيات الشريفة هذا النهج بقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾[40] ، ثمّ يتصل السياق بقوله: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأعرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ﴾[41] . فقد حشدت القوى الجاهلية قاطبةً أحزابها لمواجهة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، بيد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يمالئهم ولم ينكفئ، بل خاض ثمانين غزاة وسرية خلال عشر سنوات، مرسخًا بذلك نهج المقاومة والجهاد؛ استجابةً للخطاب الإلهي: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[42] .

امتداد النهج المقاوم في السيرة المهدوية

وقد استمرّ هذا الخط الصارم في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي خاض معارك الجمل وصفين والنهروان دون استكانة أو مساومة على المبادئ.

والنتيجة: أنّ النهج المهدوي امتدادٌ أصيلٌ لهذا المسلك النبوي؛ إذ يُوصف صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في النصوص الشريفة بـ «السيف الشاهر»[43] ، وهو تعبيرٌ كنائيٌّ عن جاهزية القوة العسكرية ورفض الهدنة والاستكانة أمام قوى الاستكبار والظلم، فلا مساومة ولا مهادنة مطلقًا حتى إظهار الدين كله.



[1] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج5، ص63.. الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج2، ص242
[2] تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج6، ص180... الطوسي، محمد بن الحسن. تهذيب الأحكام. تحقيق السيد حسن الخرسان، دار الكتب الإسلامية، 1365 ش، ج6، ص173، باب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ح20
[4] الصدوق، محمد بن علي. الأمالي. ط6، أعلمي، 1400 هـ، ص384، ح489.
[7] المزار، الشيخ المفيد، ج1، ص122.. المفيد، محمد بن محمد. المزار. تحقيق أبل القاسم القيومي، مؤتمر الشيخ المفيد، 1413 هـ، ص122
[9] الصدوق، محمد بن علي. كمال الدين وتمام النعمة. تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، 1395 هـ، ج2، ص654.
[16] الصدوق، محمد بن علي. الأمالي. ط6، قم: موسوعة الإمام المهدي، 1417 هـ، ص547.
[28] الصدوق، محمد بن علي. من لا يحضره الفقيه. ط2، قم: دفتر انتشارات إسلامي، 1413 هـ، ج2، ص585.
[38] الطبرسي، أحمد بن علي. الاحتجاج على أهل اللجاج. تحقيق إبراهيم بهادري ومحمد هادي به، ط1، منشورات دار الأسوة، 1413 هـ، ج2، ص12.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo