48/02/13
المنكرات الكبرى وأسس النظام الاجتماعي في حديث النبي وأهل بيته
الموضوع: المنكرات الكبرى وأسس النظام الاجتماعي في حديث النبي وأهل بيته
وقد تقدمت الإشارة إلى الرواية التي يرويها الكليني في الكافي والطوسي في التهذيب عن كتاب البرقي. ولعلها موجودة في المحاسن، لكنهما يرويانها عن البرقي، وليس ببعيد أن تكون موجودة في أصل كتابه، وإن كان كتاب المحاسن الموجود بين أيدينا اليوم قد ضاع منه الشيء الكثير.
ففي رواية البرقي بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام)، ذكر الإمام (صلى الله عليه وآله) أمراً لطيفاً، وهو أنَّ في هذه الرواية عبرة جيدة، وهي موجودة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في التهذيب والكافي. فذكر (عليه السلام) في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنَّ نتيجته، أو أنَّه كما قال: «سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَ مِنْهَاجُ الصُّلَحَاءِ، فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ وَ تَأْمَنُ الْمَذَاهِبُ وَ تَحِلُّ الْمَكَاسِبُ وَ تُرَدُّ الْمَظَالِمُ وَ تُعْمَرُ الْأَرْضُ وَ يُنْتَصَفُ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَ يَسْتَقِيمُ الْأَمْرُ»[1] [2] .
والحاصل: أنَّ كل هذه، كما مرّ بنا، هي وظائف وزارات الدولة، وأسس النظام الاجتماعي والأمن. والمقصود بـ«المذاهب» هنا الطرق، أي الأمن الداخلي في الوطن. و«تحل المكاسب» أي تكون التجارات مشروعة لا تضر المجتمع، وليست فاسدة كتجارة المخدرات أو غيرها. و«ينتصف من الأعداء» أي ما يعادل وزارة الدفاع، للدفاع عن الأمة والوطن والأرض. و«يستقيم الأمر» يعني كل شؤون الأمر العام والشأن العام، أي كل شؤون الدولة.
ومقتضى ذلك أنَّ الإمام (صلى الله عليه وآله) يقرر أنَّ عمدة غايات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي وضع وظائف الدولة وإقامة وبناء نظام اجتماعي. وقد ورد في ذيل الرواية أيضاً أنَّ الله يعذب أكثرية الأخيار بسبب أقلية الأشرار في قوم شعيب، وذلك لأنَّ الأكثرية من الأخيار سكتوا عن منكرات الأقلية من الأشرار.
مسؤولية الأخيار عن فساد الأشرار
فقد أوحى الله إلى شعيب النبي (عليه السلام): «إِنِّي مُعَذِّبٌ مِنْ قَوْمِكَ مِائَةَ أَلْفٍ، أَرْبَعِينَ أَلْفاً مِنْ شِرَارِهِمْ وَ سِتِّينَ أَلْفاً مِنْ خِيَارِهِمْ». فالأشرار أقلية، ومع ذلك سيعذب الكل. فقال شعيب: «يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ؟» فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ: «إِنَّهُمْ دَاهَنُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي وَ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي»[3] . أي إنَّهم لم يحاولوا مواجهة هذه الأقلية المفسدة أو الشريرة.
فكان مآل هذه الأغلبية الصالحة الخيرة أن تُعذَّب بسبب عدم مواجهتها وممانعتها لفساد الأشرار وشرورهم في النظام الاجتماعي الموحد. وهذا العذاب، كما هو ظاهر، له وجهان: عذاب عاجل دنيوي، وعذاب أخروي، لأنَّ عذاب قوم شعيب كان عذاباً دنيوياً.
وقد ورد في الروايات عن أكثر الأئمة (سلام الله عليهم): «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ»
، بحيث تكون عقوبتها عاجلة دنيوية قبل الآخرة لكل فرد. فقوله: «إِنِّي مُعَذِّبٌ مِنْ قَوْمِكَ مِائَةَ أَلْفٍ…» يدل على أنَّ كل فرد من هؤلاء الأخيار سيعذب، فكل منهم مسؤول وليس المجموع فقط. لا سيما أنَّ المدينة التي بُعث إليها شعيب كان مجموع سكانها مئة ألف، منهم 40% أشرار و60% أخيار، ومع ذلك لم يعفهم الله عن المسؤولية العامة، مسؤولية النظام الاجتماعي.
وعليه، فإنَّ الإنسان قبل أن يكون مسؤولاً عن نفسه وأسرته، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾[5] ، هناك أيضاً خطاب آخر في القرآن يجب أن نصغي إليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [6] .
فمسؤوليتنا لا تنحصر في النظام الأسري أو الفردي لأنفسنا، بل نحن مسؤولون أيضاً عن النظام العام. فكما أنَّ الفرد يفكر في مسؤولية أسرته وإدارتها وتدبيرها، يجب عليه أن يفكر ويضع لنفسه عقلاً سياسياً واجتماعياً وأمنياً، يفكر في كل المنكرات في النظام الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو المالي أو الأمني. فالشرور لها أبعاد متعددة وليست نوعاً واحداً أو اثنين، والأخيار مسؤولون عن كل هذه الشرور، بأن يصدوها ويقتلعوها ويبعدوها عن النظام الاجتماعي. فكم نحن مقصرون!
فلا يكفي صلاح الإنسان، وكونه يصلي صلاة الليل، ورعاً وتقياً، وسليم العقيدة والاعتقاد والمعرفة، كل هذا لا يكفي. بل لا بد زيادة على ذلك أن يكون للفرد نهضة لدفع المنكر، سواء في الجانب الاقتصادي، أو في الجانب الديني حيث عاثوا في الدين فساداً. وهذا ما تؤكده ليس رواية واحدة، بل كل روايات الباب في الكافي والتهذيب وغيرها من الكتب.
حديث الشجرة الملعونة ومحاور الفساد الكبرى
وقد وردت روايات متواترة تقريباً عند العامة، وهي أنَّه إذا بلغ بنو أمية، أو بنو العاص، أو بنو مروان، أو بنو الحكم عدداً معيناً، وهذه هي الرؤيا التي رآها النبي (صلى الله عليه وآله) وحزن منها، إذ رأى القردة ينزون على منبره الشريف، وقبل القردة كانت هناك فتنة، هي فتنة السقيفة في الحقيقة، ومنبر الرسول (صلى الله عليه وآله) كناية عن الحكم في الأمة الإسلامية. وهذه الحادثة هي مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾، والشجرة الملعونة هم بنو أمية وبنو العاص وبنو الحكم وبنو مروان. وفي هذه الأحاديث لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، وهي منتشرة في أغلب كتب أهل السنة، يذكر أنَّ فتنة السقيفة وما تلاها من حكم بني أمية هي فتنة للناس، ومصداق للشجرة الملعونة في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾[7] .
والشاهد في هذا الحديث العظيم المستفيض المتواتر عند أهل السنة، فضلاً عن طرقنا، والذي ورد بألفاظ متعددة ومتقاربة، أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) يقول إنَّ هؤلاء، بعد فتنة السقيفة، إذا بلغوا عدداً معيناً، جعلوا كتاب الله دغلاً[8] ، وعباد الله خولاً، ومال الله دولاً.
فهذه ثلاثة أمور مفاسدها عظيمة في النظام الاجتماعي للأمة الإسلامية، وهي المحاور الأساس التي أكد عليها سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، وأشار إليها سيد الشهداء (عليه السلام) بنفس الألفاظ عن بني أمية التي ذكرها جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) في خطبه. ثلاثة محاور منكرات خطرة في المجتمع: «كتاب الله دغلاً» أو «دين الله دغلاً»، وكلا التعبيرين موجود في الأحاديث الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله). وتجد لهذا الحديث مصادر عديدة بطرق متعددة في كتب أهل السنة، مما يجعله مستفيضاً.
والقاعدة عند علماء الدراية من الفريقين أنَّ خمسة طرق متباعدة تقطع بعدم تواطئ رواتها على الكذب وبعدم الصدفة، وهذا ما يسبب تواتراً قطعياً. فالشرط الكيفي في التباين أهم من الجانب الكمي العددي.
وقد أشار السيد الخوئي (قدس سره) في بعض كتبه الفقهية إلى أنَّ وجود طرق متعددة، وإن لم تكن صحيحة السند بالضرورة، لكنها إذا كانت متباعدة، يورث الاطمئنان بعدم سراية الاشتباه بينها وبعدم التواطؤ على الكذب، لأنَّ التأثير في التواتر ليس بالكم فقط، كما قد يتخيل جملة من الأعلام.
ففي علم الدراية عند الفريقين، الجانب الكيفي في التواتر أهم من الجانب الكمي. نعم، للكم دور، لكن الكيف هو الأهم، وليس مجرد وثاقة الراوي، لأنَّ التواتر ليس من شأنه التعبد الظني والاعتبار أبداً، وهذه من أبجديات علم الدراية وعلم الحديث. قديماً في كتب الأصول كـالقوانين أو الفصول أو الوافية، كانوا يبحثون في صناعة علم الدراية، أما الآن فقد حُذف هذا البحث المهم من علم الأصول، وهو البحث في ضابط التواتر، الذي هو ضابطة تكوينية وليس تعبدية اعتبارية.
ومن ثم، فإنَّ عدم الاكتراث بكثرة الروايات الضعيفة مع وجود هذه الخاصية التواترية فيها هو نوع من الغفلة القاتلة علمياً. والسبب في استقصاء علماء الفريقين طيلة قرون لكل رواية وشاردة هو أنَّ تباعد الطرق أعظم من وجود طريق أو طريقين أو حتى عشرة من الروايات الصحيحة لثقات، فقد يكون هؤلاء الثقات قد اشتبهوا أو غفلوا، لا سيما إذا كانت طرقهم متقاربة، كأن يكونوا جميعاً من الكوفة أو من قم، فقد يسري الاشتباه بينهم.
بخلاف ما إذا كانت الطرق ضعيفة لكنها متباعدة، فإننا نقطع بعدم تقاربهم، وعدم سراية الاشتباه بينهم، أو التآمر، أو التواطؤ. هذه ضابطة عقلية، وليست نقلية. فيجب الالتفات إلى أنَّ ضابطة الاستفادة من التواتر هي ضابطة أخرى غير ضابطة اعتبار الخبر الظني الأحادي.
أصلاً، الخبر الأحادي، كما يقول الشيخ المفيد (قدس سره) والسيد المرتضى وابن إدريس، ليس في قاموس الأدلة، فهم يقولون إنَّه ليس هناك دليل على اعتبار الخبر الواحد بما هو واحد، حتى لو كان صحيحاً على اصطلاح المتأخرين. إنما الحجية دائماً منظومية تراكمية، وهو ما يسمى بالخبر العلمي، بخلاف خبر الآحاد الذي يظل ظنياً. والتواتر يفيد اليقين، وهو يقين تكويني وليس تعبدياً. سبحان الله.
ولكن كيف يمكن التنبيه على هذه الغفلة العجيبة في الجو العلمي، أو ما يصح أن يسمى بالجو اللاعلمي السقيم. فهذه نقاط دقيقة منسية.
تنبيه: لاحظوا أيضاً في هذه الروايات المتواترة عند العامة على حدة وعندنا على حدة، أن الإشكالية والخطورة في بني أمية، وبني مروان، وبني العاص، وبني الحكم، وهي تسميات لمجموعة واحدة، والشجرة الملعونة في القرآن هم، أن هؤلاء يتخذون كتاب الله أو دين الله دغلاً، وكلا التعبيرين صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله). أما عبارة “كتاب الله دغلاً” فلها معنى مرتبط بالتحريف، لا تحريف ألفاظ القرآن على الأقل، بل تحريف ترتيب القرآن، وتحريف تفسير القرآن. ففي اللغة، دَغَلَ في الشيء: أي أدخل فيه ما يناقضه أو ما يخالفه ويفسده. [9]
إن هذا الجمع للقرآن الذي قامت به السقيفة لم يكن على وفق الترتيب الذي أُنزل به من حيث السور والآيات، وهذا محل اتفاق بين علماء الفريقين. طبعاً، إنَّ صحة ألفاظ القرآن قطعية لا زيادة فيها ولا نقصان، وهذا متفق عليه إجمالاً، والكلام في ضرورة كونه هو الحجة القائمة. ولكن ترتيب الآيات إذا عُبث به تبدّل المعنى، وهذا أمر خطير. فلو غُيّر ترتيب النزول لتبدّل المعنى كلياً.
لقد حُذف التأويل، وحُذف تفسير الله، بل وتفسير النبي (صلى الله عليه وآله)، وحُذفت أسباب النزول، وحُذف تأويل النبي وتفسيره. وقضية حرق الأحاديث النبوية التي قام بها الأول والثاني والثالث لم تقتصر على الأحاديث النبوية، بل حُرقت الأحاديث القدسية أيضاً. فكيف حينئذٍ يهتدي المسلمون والأمة إلى معاني القرآن؟
ولماذا أُبعد علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو أعلمكم بالقرآن باعتراف الجميع؟ وجُعل مكانه زيد بن ثابت وغيره، الذي لم يدرك من زمن نزول القرآن إلا ربعه الأخير. فكم عشر سور أدركها زيد بن ثابت حتى يُجعل مديراً للجنة جمع القرآن؟ وأُبعد عبد الله بن مسعود، ولماذا؟ لأنه كان في صحفه تفسير للقرآن، وكثير من مواد نزول الآيات كانت في علي، في علي، في علي، وهذا أمر خطير. وأُبعد أُبيّ بن كعب الذي كانت في صحفه تفاسير وحيانية.
فما ورد في بعض المصاحف من زيادة تفسيرية مثل: “يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي”، وإن لم يكن من متن القرآن، فليكن من تأويل القرآن. ولكن هل هو تأويل من الله؟ أو تفسير من الله؟ أو من النبي (صلى الله عليه وآله)؟ أو أسباب نزول ذُكرت؟ إذن، مصادر فهم القرآن قد أُذهبت، وجُعل المتن القرآني وحده. إنَّ تغيير الترتيب ليس تحريفاً بالزيادة والنقصان، ولكنه أخطر منهما، لأنه تحريف للمعنى.
ومن ثم يتخذون كتاب الله دغلاً، أي يعبثون فيه. فقضية تحريف المعنى أخطر من التحريف اللفظي. وقد وجدتُ أن بعضهم يستدل بآية شريفة تكررت في القرآن، وهي قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [10] [11] . فيستدل بها الطرف الآخر على أنه لا ينبغي نبش تاريخ الصحابة، بحجة أن تلك أمة قد خلت. ولكن هل كان في الصحابة متآمرون على رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ يقولون: لا تنبشوا، تلك أمة قد خلت.
والجواب: أن الآيات التي استُدل بها على عدالة الصحابة قد استعرضناها في كتاب “عدالة الصحابة”، وثبت أن الأمر على العكس تماماً، فالآيات والسور كلها تصنف الصحابة أقساماً: - قسم مناصرين لرسول الله (صلى الله عليه وآله). - قسم متآمرين عليه، يخططون لاغتياله بنص القرآن. - قسم متذبذبين. - قسم منهزمين، وغير ذلك. وذلك ظاهر في سورة الأنفال التي تعرضت لغزوة بدر، وفي سورة آل عمران في الحديث عن أُحد، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة محمد (صلى الله عليه وآله). فهذه ملفات صارخة لم يستطيعوا أن يخفوها.
وهنا يُطرح السؤال: لماذا أبعدتم علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ ولماذا لم تأخذوا بمصحفه؟ والجميع يعترف بأن أول مصحف جُمع بين الصحابة هو مصحفه. هذه سقيفة أخرى مورست على القرآن، فلم يتركوا أهل البيت فقط، بل تركوا المصحف الذي جمعه ورتبه كما أُنزل. وكثير من الصحابة والتابعين كانوا يقولون: “يا ليتنا اطلعنا على مصحف علي”.[12] فغُدر بالعترة، وغُدر بالقرآن، فصار كتاب الله دغلاً.
سبحان الله، إنه حديث متواتر عندهم فضلاً عن عندنا: “اتخذوا كتاب الله دغلاً”.
[13] ومعنى دغلاً: أي أدخل في الشيء ما يخالفه ويفسده. وإن كانت حجة الله باقية، والقرآن باقٍ، ورغم ما صنعوا، يبقى القرآن نوراً، والمصحف الذي بين أيدينا نور. وإنما يظهر صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه، فينشر ويُخرج المصحف الذي جمعه علي بن أبي طالب (عليه السلام). وفي أحاديث عديدة مستفيضة أن كتاب الله دُغِل، وفي أحاديث مستفيضة أخرى أن دين الله دُغِل، ولكل منهما طرق متعددة.
فالمحور الأول في المنكرات هو التنظير الديني والفكري. فقد يقال لك: حكومة مدنية، أو تطبيع مع العدو، وما شابه من القضايا التي يُنظّر لها تنظيراً خطراً. هذا هو أكبر المنكرات في كل القرون، وفي قرننا وزماننا هذا.
والمحور الثاني من المنكرات الخطيرة الذي ذكره سيد الشهداء (عليه السلام) في خطبه، وهو مرتبط بنظام الدولة بل بنظام الحضارة، والحضارة أوسع من الدولة، إذ هي مجموع تاريخ الدول والأمة خلال قرون. ولذلك كان الطابع الديني والعقائدي أخطر من أي طابع آخر. هذا المحور الثاني ذُكر في كلام النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) وفي خطب سبطه الحسين (عليه السلام)، وهو: “واتخذوا عباد الله خَوَلاً”، أي عبيداً مقهورين.
وهذا الأمر موجود حتى في تاريخ انحراف النصارى واليهود، فأول ما عمدوا إليه هو تحريف التوراة والإنجيل. وهي نفس النغمة والنسق الذي حذر منه النبي (صلى الله عليه وآله): “لتركبنّ طبقاً عن طبق، ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه”. [14] فأول شيء يبدأ به الانحراف هو التنظير الديني والفكري، فيا ويل من يحرّف فيه، وهنا تكمن أهمية العلم والعلماء.
المحور الثاني: اتخذوا عباد الله خولاً. سبحان الله، نرى اليوم البرجوازيين الأثرياء في الغرب، حيث كانت ثروة الدول الغربية سابقاً يتركز تسعون بالمئة منها بيد أربعة بالمئة من شعوبهم. أما الآن، فقد اطلعت على تقرير صيني في هذه الأسابيع يفيد بأنه أصبح في هذه الدول، لا سيما تلك التي وراء المحيطات، ما يقارب تسعين أو خمسة وتسعين بالمئة من الثروة بيد أقل من واحد بالمئة من السكان. وهذا يمثل فاصلاً طبقياً فاحشاً وشرساً، حيث تُمتص الضرائب وغيرها لصالح هذه الثلة القليلة. فالغني فيهم فاحش الغنى، والطبقة المتوسطة قد أصبحت فقيرة، حتى إنَّ الفرد منهم يعمل في دوامين أو ثلاثة على الأقل ليتمكن من دفع الإيجار وتسيير أموره المعيشية. ولا يستطيع أحد أن يخرج في تظاهرة أو معارضة أبداً، إذ تلفق له جرائم قانونية حتى يتوب عن أي اعتراض، وهذا ديدنهم في كل الدول الغربية باسم القانون.
إنَّ جهاز الدولة كله قد أصبح عصابة للأثرياء، كما نبّه القرآن الكريم: ﴿…كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ…﴾[15] . ويقول القرآن الكريم في سورة الحشر إنه لا يمكن أن يستتب العدل الحقوقي والسياسي والمالي والحريات إلا بولاية قربى النبي (صلى الله عليه وآله) حصراً، حيث يقول تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ…﴾[16] . فاليتامى والمساكين وابن السبيل هم طبقات محرومة ومصرف للثروة، وليسوا أولياء عليها. أما الأولياء فهم: الله، والرسول، وذو القربى.
وفي أربع من السور إصرار شديد من الله على نبيه أن يولي فاطمة (عليها السلام) الفيء،[17] وينصبها ولية عليه. فكما نُصّب عليٌّ (عليه السلام) في الغدير، فإن لحن التهديد نفسه موجود في الأمر بالتعجيل بنصب فاطمة (عليها السلام) ولية على الثروات وأموال الدولة. وهذا باعتراف المسلمين في كتب أسباب النزول، وفي أن النبي (صلى الله عليه وآله) أعطى فاطمة الفيء، مع أن الفيء هو للإمام الخليفة. فهل كانت فاطمة (عليها السلام) إماماً؟ إنَّ نصوص القرآن والروايات المستفيضة تؤكد أن الفيء للإمام، فما هو مقام فاطمة (عليها السلام) إذن؟
إنَّ العدالة تحتاج إلى عِلم وافر، وهو عِلم القرآن، وتحتاج إلى عصمة في التطبيق. وهذا يدل على عصمة أهل البيت عليهم السلام في الموضوعات، وفي الإدارة والتدبير، أي في السلطة التنفيذية، وليس فقط في السلطة التقنينية التشريعية. فأهل البيت عليهم السلام شهد لهم القرآن في هذه الآية وآيات كثيرة بعصمتهم في التنظير، وفي السلطة التنفيذية، وفي السلطة القضائية.
والشاهد فيه: أن القضاء هو نوع من السلطة التنفيذية، وهو يجمع بين التنظير والتنفيذ. فعندما يقال: “أقضاكم علي”،[18] فإن القضاء يتضمن الفتوى وزيادة، وتلك الزيادة هي التطبيق. فلما قيل: “أقضاكم علي”، كان معناه أن علياً (عليه السلام) ذو عِلم لدني إلهي في التنظير (الفتوى)، وفي التطبيق (الإجراء والتنفيذ). هذا فضلاً عمن هو أستاذه وهو سيد الرسل (صلى الله عليه وآله). فآيات كثيرة تدل على عصمة النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام في السلطة التنظيرية المعرفية، وفي جانب التنظير القانوني الديني، وفي التنفيذ، أي في الأبعاد الثلاثة.
ومثال ذلك: قولهم: “أعلمكم بالقرآن علي”، وقوله (صلى الله عليه وآله): “علي مع القرآن والقرآن مع علي”.[19] وفي طرقهم، يروون أن عبد الله بن مسعود، وهو من أكثر الصحابة إلماماً بالقرآن ومصحفه، يقول: تعلمت سبعين سورة من النبي (صلى الله عليه وآله)، والباقي تعلمتها من علي.
يقول: تعلمت سبعين سورة من النبي، والباقي تعلمتها من عليٍّ.[20]
وهذه قصة سورة براءة، إذ كان عبد الله بن مسعود موجوداً مع النبي (صلى الله عليه وآله) في المدينة المنورة، وهذا يدل على أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقتصر دوره على تعليم سورة براءة للأمة، بل كان عوناً للنبي (صلى الله عليه وآله) في تعليم الصحابة للقرآن، وإملائه عليهم.
وكان من خصيصي كُتّاب القرآن عبد الله بن مسعود، الذي كان أكثر إلماماً بالقرآن من أُبيّ بن كعب، ومع ذلك كان أمير المؤمنين (عليه السلام) أكثر إلماماً بالقرآن حتى من عبد الله بن مسعود. وأما سعيد بن العاص وخالد بن سعيد بن العاص فكانا من شيعة عليٍّ (عليه السلام)، وقد استعان بهم أهل السقيفة ولم يستطيعوا الاستغناء عنهم، بينما كان لأُبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود ميول معروفة.
وتتجلى إمامة عليٍّ (عليه السلام) في جمع القرآن، حتى قيل: لولا أمير المؤمنين وحواريه لعلى القرآن السلام، وهذا المعنى مذكور في رواياتهم فضلاً عن رواياتنا.[21] فحتى هذا المصحف الذي ابتدأ بجمعه أبو بكر، ثم واصله عمر، ثم عثمان، كان أصل الشروع فيه بإيعاز من أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن هرع القوم إلى الرئاسة والسقيفة وتركوا القرآن، ثم فكروا بعد ذلك في جمعه.
وعلى أي حال، ففي هذا برهان عظيم على نزاهة أمير المؤمنين (عليه السلام) وعظمة إدارته للدين والقرآن. وليس هذا من العبث حين يُقال في رثاء سيد الشهداء أو الأئمة عليهم السلام: “وأصبح القرآنُ بقتلك مهجوراً”.[22] فلماذا يُهجر القرآن بقتلهم؟ لأنَّ حفظة القرآن الحقيقيين هم عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم عليهم السلام.
وهذا حديث متواتر قد ذكرناه لكم، فارجعوا إلى المصادر. فمن يتكاسل عن التتبع، فإنَّ مرض الكسل والتكاسل، والاعتماد على الكلمات الطائرة هوائياً دون تتبع عميق، آفة تُزرع في الجو العلمي للأسف. فالواجب هو التتبع، على أن يكون تتبعاً أميناً غير مخادع.
ونرجع إلى المطلب الأساس، وهو أنَّ المحور الأول في المنكر الذي ذكره سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، وورد في الروايات، يؤدي إلى هلاك الأمة وتردّيها.
فالمحور الأول: هو جعل كتاب الله دَغَلاً، ودين الله دَغَلاً، فإذا وقع التلاعب في التنظير الديني والفكري، فنعوذ بالله. حينها يُصوَّر لك الانهزام أمام العدو فخراً، والذوبان فيه حنكةً وحلماً، وما إلى ذلك. ويهدئون الشرور بمناورات وكيد، كما أُمر موسى أن يقول لفرعون قولاً ليناً، لا لهدايته، بل ليستنفر شراً وقوة عليه، فكان ذلك كيداً إلهياً، وفيه أسوة لنا.
خلاصة المنكرات الكبرى وأسس المعروف
وعليه، تتلخص المنكرات الكبرى في ثلاثة محاور، نواصل الحديث عنها:
- الأول: اتخاذ كتاب الله أو دين الله دَغَلاً، وهو ما يتصل بالتنظير الديني والفكري.
- الثاني: اتخاذ عباد الله خَوَلاً،[23] أي سلب الحريات والحقوق.
- الثالث: اتخاذ مال الله دُوَلاً، [24] أي تداول المال العام واحتكاره.
وسبحان الله، هذه هي خاصية الرأسمالية والبرجوازية والإقطاعيين، وهذا هو الفرق الجوهري بين مسار السقيفة وبني أمية وبني العباس من جهة، ومسار أهل البيت عليهم السلام من جهة أخرى.
وقد ذكر السيد محمد باقر الصدر في كتابه (فدك في التاريخ) كيف أنَّ الصحابة اكتنزوا الأموال بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عدا عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.[25] وهذا هو سبب إقصاء أمير المؤمنين، وإقصاء فاطمة، وإقصاء الحسن، وإقصاء الحسين عليهم السلام.
والحاصل: أنَّ هذه هي أسس المعروف وأسس المنكر في منطق النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته عليهم السلام، والتي أشار إليها الإمام الباقر (عليه السلام).