48/02/08
منهجية فهم الدين: من نهضة الحسين إلى العودة لمصادر الوحي
الموضوع: منهجية فهم الدين: من نهضة الحسين إلى العودة لمصادر الوحي
كان الحديث أن البحث في أهداف ونهضة سيد الشهداء ليس مبحثاً ثقافياً محضاً كما قد يُتخيل، بل هو -كما مرّ- أمرٌ معرفيٌ عقائدي، لا يندرج في حيّز الخواطر أو الكتابات الفكرية المجردة، وإنما هو معرفة اعتقادية. فهي مقوّمة لمعرفة الإمام، ولمعرفة مشروع أهل البيت عليهم السلام ومشاريعهم. وهذا مقوّم كبير لمعرفة أهل البيت، وإلا فإنَّ الاعتقاد بالإمامة يقتضي معرفتها.
فإنَّ معرفة الإمام بشكل كلّي إجمالي مبهم لا تفي بالغرض، بل لا بدّ على الأقل من معرفة مشروعهم عليهم السلام، وما هي مشاريعهم وسيرتهم ونهجهم؛ لكي يُنتهج ذلك النهج ويُسار عليه، وهذا هو مقتضى الائتمام. فإذاً، معرفة سيرتهم أو أهدافهم وما شابه ذلك هي جزء من المعرفة، والمعرفة جزء من العقيدة. ولذلك مرّ بنا أن معرفة ما جرى عليهم من مصاعب بالدقة يرجع إلى العقيدة، لأنه يوضح لنا سيرتهم ونهجهم، وسيرتهم ونهجهم مقوّمة للمعرفة بهم، والمعرفة بهم مقوّمة للاعتقاد بهم.
وعليه، فإنَّ سيرتهم وتاريخهم ليست مجرد سرد تاريخي محض، بل كل ذلك داخل في معرفتهم، وبالتالي فهو داخل في الاعتقاد بهم. ويضاف إلى ذلك النصّان اللذان أوردهما الصدوق في كتابيه الأمالي وعقاب الأعمال[1] ، وهما بمثابة المنبّه على هذا الأمر. فإذاً، تتقوّم المعرفة بالإمام، بل الإيمان نفسه، بمعرفة مسيرته ومشروعه وأهدافه ونهجه، وهذا أمر ركني وقوام لمعرفة الإمام.
نهضة سيد الشهداء: من السرد التاريخي إلى الركن العقائدي
وفي الحقيقة، إنَّ محاولة الفقهاء معرفة التفسير الفقهي العقائدي لنهضة سيد الشهداء، من الواضح أنها نوع من المعرفة بالإمام، ونوع من الائتمام به (صلى الله عليه وآله). وقد نقلنا كلمات جملة من الفقهاء الذين أصرّوا على ذلك في أبواب عديدة، كالسيد ابن طاووس، والسيد المرتضى، وصاحب الجواهر، والمولى أحمد النراقي، ولم نستوفِ كل كلماتهم. وإصرارهم هذا مبعثه أن نهج سيد الشهداء يمثّل حجة يُحتج بها.
ولم يذهب أحد من الفقهاء إلى القول بأنَّ سيرة سيد الشهداء ونهجه تمثّل استثناءً -والعياذ بالله- عن نهج سائر الأئمة، فما معنى هذا الاستثناء؟ وما حقيقة هذه المقولة؟ إنها مغالطة تناقضية في العقيدة وفي ثوابت الفقه والدين.
فأولاً: إنَّ نهج الأئمة هو نفسه نهج المؤمنين، والقول بخلاف ذلك كلام متناقض جملةً وتفصيلاً. وهل الأئمة عليهم السلام يختلفون أو يتعارضون أو يتناقضون؟ حاشاهم من ذلك. وكيف يوهِم الإنسان نفسه بمثل هذا التوهّم، والله تعالى يقول: ﴿…لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ…﴾[2] ؟ وقد ذمّ الله تعالى من يفعل ذلك في آية أخرى، وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾[3] . فهل نهج الله غير نهج الرسل؟ إنَّ وحدة النهج هي الأصل، فالأنبياء ليس بينهم اختلاف في أصول الدين وأركان الفروع، مع أن لهم شرائع مختلفة.
والشاهد على ذلك: ما يُنسب كذباً إلى النبي عيسى (عليه السلام) من أنه لم يشرّع الجهاد العسكري، فإنَّ هذا محض افتراء. وقد ورد في بيانات أهل البيت عليهم السلام أنَّ النبي عيسى (عليه السلام) قد قام بالجهاد العسكري. وعندما يُحتج على بعض القساوسة بأن الدول المسيحية لديها وزارات دفاع وجيوش، فهل هي لا تتبع نبيها؟ يجيبون بأن هؤلاء متمردون. وهذا عجيب! أن يكون نبي من أنبياء الله لا يجد في أتباعه من يطيعه! وهل يُعقل أن تقوم دولة أو حكومة بلا قوة عسكرية تحمي أمنها الوطني والقومي؟ إنهم يكذبون على النبي عيسى (عليه السلام) حين يزعمون أنه لم يشرّع المواجهة العسكرية.
إنَّ أصل الصوم ليس من الشريعة، بل هو من أركان الفروع، أي من صميم الدين. أما تفاصيل الصوم فهي التي تنتمي إلى الشريعة. وكذلك الحال في الزكاة والحج. ولذلك ورد في بعض الروايات أن للملائكة حجاً تحجّه، لأن الملائكة أيضاً تدين بدين الله، ودين الله فيه أصل الحج، غاية الأمر أنهم غير مأمورين بشريعة الجن والإنس. مع أنه ورد في الروايات أنَّ الملائكة أفواجاً أفواجاً يطوفون بالبيت المعمور كل يوم[4] ، وينزلون ويصعدون، ثم لا تعود تلك الأفواج إلى يوم القيامة. وورد أيضاً أن سبعين ألف ملك يطوفون ببيت الله الحرام في كل وقت صلاة، ويزورون سيد الأنبياء، ثم سيد الأوصياء، ثم الحسين عليهم السلام.
والحاصل: أن زيارة الأئمة ليست من الشريعة، بل هي من الدين الذي تقوم به الملائكة، الذين لم يخلق الله خلقاً أكثر منهم عدداً. فزيارة النبي والوصي وأهل البيت صلوات الله عليهم من الدين، وليست من الشريعة. وكذلك صلة النبي وأهل بيته، فهي من الدين الذي لا يتبدل من شريعة إلى أخرى، ويتكامل بها الملائكة المقربون من أهل السماء السابعة، كالكروبيين وجبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وذلك بنزولهم إلى الأرض وزيارة مراقد النبي وأهل بيته.
ومن المعاجز العلمية لتفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) -الذي اعتمده جلّ علماء الإمامية، وإن وسوس فيه من وسوس-[5] أنه يبيّن هذا المطلب، وهو أن صلة النبي وأهل بيته مأخوذة في كل بعثات الأنبياء، وقد بُعث بها جميع الأنبياء وعلّموا أممهم التوسل بأنوارهم قبل ولادتهم. وهذه من المعاجز المعرفية العظيمة الموجودة في هذا التفسير.
والشاهد على ذلك: ما هو موجود إلى اليوم من آداب عند اليهود، حيث يتوسلون في شدائدهم بـ “إيليا”، وهو اسم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عندهم. ولديهم آداب خاصة في الانقطاع وكيفية التوسل به. حتى إنَّه يُنقل أن بعض الممرضات اليهوديات يرشدن المريضات إلى التوجه إلى “إيليا”، والانقطاع إليه بالتركيز، ثم الاستغاثة به بصوت عالٍ بقول: “إيليا”، فيأتيهم الفرج منه. وهذا خلافاً للوهابية، وإن كان يقال إن مؤسسيهم من اليهود.
فائدة: إنَّ قضية التوسل بأهل البيت وصلتهم والتوجه إليهم والاستغاثة بهم وطلب الحوائج منهم، هي مما بُعث به جميع الأنبياء في أممهم، فهي من الدين. ولما كان التوسل من الدين، أتى فطرس الملك -وهو من حملة العرش كما ورد في بعض الروايات-[6] وقد ارتكب ترك أولى فهبط من مقامه، فلمّا أراد العودة توسل بالحسين (عليه السلام). فهذا توسل ديني وليس من الشريعة.
إنَّ دين الملائكة هو من الدين العام الواحد بين جميع الخلائق، وليس خاصاً بالجن والإنس. فالملائكة ليسوا “لا دينيين”، والعرش نفسه كائن حي متدين ويتوسل. فالتوسل ليس عبثاً. وكذلك الحال في حديث الكساء؛ فلا ينبغي أن يُظنّ بضعف طريق رواية معينة منه، فإنَّ واقعة الكساء نفسها متواترة، وقد تكررت من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونُقلت في طرق الفريقين مراراً وتكراراً. ذلك أنَّ أصحاب الكساء عليهم السلام عندما يجتمعون تحت ذلك الكساء، لا يكون بينهم وبين العرش حاجب، في حين أنه قد يكون بين السماء السابعة والعرش سبعون ألف حجاب أو أكثر، كما ورد في بيانات الوحي.
والخلاصة: أن التوسل والاستغاثة بأهل البيت من الدين، وليس من الشريعة، وهو أعظم رتبة، وقد بُعث به كل الأنبياء. أما الصلاة، فتفاصيلها من الشريعة، ولكن أصلها ووجوبها من الدين. فطريقة الركوع والسجود قد تختلف من نبي لآخر لأنها من الشريعة، والشرائع ينسخ بعضها بعضاً، كما قال تعالى: ﴿…لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا…﴾[7] . أما البعد الأول في الصلاة، وهو عقيدة وجوبها، فهو من الدين.
وقد ذكر الفقهاء أن هذا البعد في الصلاة من أنكره يمرق من الدين، فهذا ليس من الفروع، بل هو ركن من أركان الفروع وليس مجرد فرع. وإنَّ المباحث الفقهية إذا لم يتعمق فيها الباحث تصبح متشابكة.
فهذا البعد الأول هو من أركان الفروع الواجبة، وهو ليس من الشريعة ولا من الفروع، بل من الأركان التي تُلزَم بها الملائكة ومخلوقات كثيرة ما بين جن وإنس وملائكة. وهناك مخلوقات في جابلقا وجابرسة، كما وردت رواية مستفيضة في ذلك في بصائر الدرجات، [8] ومخلوقات لا يعلمها إلا الله. ففي كل سماء مخلوقات غير الملائكة، منهم الأخيار ومنهم الأشرار. وهم مع ذلك مكلفون بالدين، فالشريعة كُلّف بها الثقلان –الجن والإنس–، وأما الدين فيخاطب به كل مخلوقات الله.
فالخطاب الديني يعمّ الجميع، فعندما يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهذا بحث من الدين والعقائد، وهو خطاب يشمل الملائكة أيضاً. والذي بُعث إلى الملائكة من قِبَل الله هو سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) نفسه، فيكون سيد الأنبياء رسولاً إلى الملائكة وإلى كل المخلوقات، لا إلى الجن والإنس فحسب. وعليه، فإن سيد الرسل هو رسول إلى كل المخلوقات بلحاظ الدين.
فالإمامة مأخوذة على الملائكة أيضاً، فقوله تعالى للملائكة بالسجود للخليفة معناه: أطيعوه وانقادوا له. فالولاية التي نعتقد بها هي من الدين وليست من الشريعة. وإنَّ إلزام الله عز وجل للملائكة أشد من إلزامه لأهل الأرض التي هي دار لهو ولعب ومهلة. يقول تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ¤ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾[9] ، فالأمر بالسجود جاء فورياً وحاسماً: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، أي انقادوا له وخضعوا بلا مهلة.
وهذا الأمر يتعلق بالخليفة، وهو الإمام، فالخليفة أحد أسماء الإمامة في القرآن. وقد يغفل بعض الباحثين عن أن للإمامة في القرآن أسماءً عديدة، فيدّعي أن فاطمة (عليها السلام) ليس لها وصف الإمامة في القرآن. وكيف يصح هذا القول مع أن للإمامة في القرآن أسماءً عديدة؟ إنَّ علم الجمع بين الآيات وتفسير بعضها ببعض من البحوث الضرورية في فهم القرآن. ففي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ…﴾ دلالة على العهد المأخوذ على الملائكة بالولاية والإمامة، وذلك لأن لهم ديناً.
ففطرس الملك كان من دينه أن يتوسل ويتكامل ويتقرب إلى الله، وكان توسله بأن يمسح جناحه بمهد الحسين (عليه السلام)، [10] لا بالحسين نفسه، بل بمهده.
فائدة: وهنا نشير إلى ما ذكره السمهودي، وهو من علماء العامة في القرن العاشر الهجري، في كتابه “وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى”، الذي يقطر ولاءً للنبي وأهل بيته. حيث يذكر أن تراب قبر النبي (صلى الله عليه وآله) أعظم من الكعبة، وينقل الإجماع على ذلك، معتبراً إياه من ضروريات المسلمين التي أجمع عليها الصحابة والتابعون، فمن ينكرها يخالف ضرورة إسلامية. [11] بل وينقل الكتاب طرقاً من العامة تفيد بأن فاطمة (عليها السلام) تُقتل، وكذلك بقية أصحاب الكساء.
والحاصل: أن هذا السمهودي ينقل ضرورة أجمع عليها الصحابة والتابعون وتابعوهم والمذاهب الإسلامية كلها، وهي أفضلية تراب قبر النبي (صلى الله عليه وآله) على الكعبة. فكيف لا تُقبَّل العتبات وهي أعظم من الكعبة بضرورة المسلمين؟ ولذلك ورد عندنا في “كامل الزيارات” والكتب الأربعة وغيرها أن من آداب الزيارة أن تمرّغ خديك عند القبر، توسلاً إلى الله وتشفعاً بصاحبه، كما صنع فطرس.
وهذه سنة الأنبياء. وقد ذكر التنكابوني في كتابه “قصص العلماء” أن الوحيد البهبهاني، وهو المرجع الأعلى في زمانه، كان يمرّغ خديه على عتبات المراقد الشريفة.[12] وهذا الفعل ليس مختصاً به، بل هو من الآداب المستفادة من الروايات، وهو تمريغ الخد على القبر توسلاً إلى الله وتشفعاً. وهذا من الدين الذي تصنعه الملائكة، ففطرس وهو من حملة العرش ومن الملائكة المقربين، لكي يرجع إلى مقامه مسح جناحه بمهد الحسين (عليه السلام)، ليتكامل ويرتقي حتى يعود من حملة العرش.
فهذه مباحث فقهية وعقائدية عظيمة لكنها متروكة، وذلك لأن البحث العلمي صار بعيداً عن الروايات فقهياً وعقائدياً. إنَّ كتب العلماء الأعلام عظيمة، ولكن ينبغي أن تكون شروحاً لمتون الروايات وكتبها، لا أن نكتفي بها ونهجر معين الروايات.
وعليه، فإن التوسل بأهل البيت صلوات الله عليهم هو من أركان الدين. ولننظر في أعظم آية في القرآن، وهي البسملة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقد ورد في الروايات أنَّها أعظم آية في كتاب الله، [13] وأن من حذفوها من السور قد عمدوا إلى أعظم آية. كما ورد في بيانات الأئمة عليهم السلام أن قرب البسملة من اسم الله الأعظم كقرب بياض العين من سوادها. [14] وأول ما في البسملة هو التوسل بالباء، وهي للاستعانة، والاسم هو اسم الله، وهو مخلوق من المخلوقات العظيمة المكرمة عند الله.
وهذا الاسم مخلوق، وهو غير المسمى، وليس هو مجرد الصوت.[15] بل إنَّ الاسم أشد حياةً من العرش، مع أن العرش نفسه كائن شديد الحياة. فبالقياس إلى الحياة عند الأسماء، يكون العرش ميتاً، وتكون السماوات والأرض والجنة مواتاً. وذلك لأنَّ للحياة مراتب متفاوتة تشتد كلما علت، حتى إنَّ الحياة في مرتبة دنيا تُعد موتاً بالنسبة للمرتبة العليا.
وقد ورد في حديث المعراج عن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) أنه لما عرج به إلى ما فوق الجنة قال: “فرأيت كأن الخلائق كلهم موتى”. فأين الفلاسفة والعرفاء والمفسرون والمتكلمون، بل والفقهاء، من هذه المعرفة؟ إننا وإن كنا نعظم سعي الفقهاء، إلا أن المقصود هو ضرورة البحث في بحور الروايات، وأن تُجعل كلمات العلماء شروحاً لها، ويبقى الأصل هو بحور الروايات، وحينها سنرى العجائب في الصناعة العقلية والمعرفية والفقهية وفي علوم القرآن.
دعوة للعودة إلى بحور الروايات وتراث الوحي
إنَّ لآلئ قواعد علم التفسير التي نجدها في بحور الروايات لا تقاس بكتب علوم القرآن التي ألفها أعلام الفريقين، إذ يجب أن نرى إثارات الروايات ومجادلاتها في آفاق صناعية أوسع. لا نقول بترك كلمات العلماء، ولكن لا ينبغي أن نحبس أنفسنا ونعتكف عليها دون بحور الروايات.
يذكر في ترجمة السيد بحر العلوم أنه كان درسه الفقهي على كتاب “الوافي”،[16] وهو بحر من بحور الرواية. مع أنه كان أصولياً كبيراً، إلا أنه كان يرى في كتاب “التهذيب” للشيخ الطوسي من الوجوه والدلائل والإشارات والقراءات ما لا يجده الباحث والفقيه والمجتهد في كتاب آخر.
تنبيه: إنَّ كتاب “التهذيب” للشيخ الطوسي ليس مجرد كتاب حديث، بل هو كتاب استدلالي ألفه بأمر من شيخه المفيد، وجعل متنه هو كتاب “المقنعة” للشيخ المفيد، فالتهذيب في حقيقته شرح فقهي استدلالي لمتن المقنعة. والمفيد والطوسي كلاهما من أعلام المدرسة الأصولية، وكذلك كتاب “الاستبصار”. وهذا يؤكد أن هذه الكتب لم تؤلف على المسلك الإخباري، بل على المنهج الأصولي الاجتهادي.
إنَّ الابتعاد عن بحور الروايات، وإن كان بمثابة شروح لكلمات الأعلام كصاحب الجواهر وكاشف الغطاء، يوقع في فخ الاكتفاء بجهود العلماء دون الغوص في معينها الأصلي. فلا ينبغي أن نحبس أنفسنا فيها دون البحور، بل يجب على الباحث أن يكون غواصاً ماهراً يستخرج الدرر الصناعية التي ربما غفل عنها الأعلام. ولا يعني هذا العمل بالروايات دون صناعة أصولية أو كلامية أو عقلية، بل كل علم بحسبه. خذ الصناعة من العلماء، واجعل الأصل هو الثقلين: القرآن والروايات.
إنَّ هذا الابتعاد يسبب تصحراً في المعرفة في العلوم الدينية، فتصير أرضاً جدباء. والمطلوب هو الجمع بين كتب العلماء وكتب الحديث، لكي لا تفوتنا الآفاق الواسعة. خذ الصناعة من العلماء، ثم ابحر وغص بها في بحور الوحي.
والخلاصة: أن البحث المنهجي مهم. فحتى عند الاطلاع على كتب فقهاء المذاهب الأخرى، يبقى الأصل هو ما تركه فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله). والفقهاء هم أيادي الأئمة ونوابهم، لا شك في ذلك، ولكن الأصل هو قوله: “إني تارك فيكم الثقلين”. فهل قال: “إني تارك فيكم الملائكة” أو “جبريل”؟ حتى جبريل على عظيم مكانته، لو جُعل محوراً دون النبي والقرآن لكان ذلك اشتباهاً. مع أنه مأخوذ علينا في القرآن أن نوالي الملائكة ونحبهم، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾[17] .
ولكن النبي (صلى الله عليه وآله) قد قال لأهل السماوات والأرضين: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي». بل إن الأنبياء الآن في البرزخ يدرسون تراث حديث آل محمد، الكبار منهم والصغار. وذلك لأن علم النبي وآله، وهو علم القرآن أيضاً، له الهيمنة على ما سواه، كما جاء في نص القرآن الكريم: ﴿وَأَنزَلنا إِلَيكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَينَ يَدَيهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾[18] . فمن يبلغ هذا المبلغ؟ وأين هذا من قطرة في بحر علم النبي (صلى الله عليه وآله)؟
وإذا كان الحال كذلك، فالواجب هو العود إلى الكتاب، وتجنب الابتعاد في المتاهات. ويذكر الشيخ محمد رضا المظفر (رحمه الله)، في سياق حديثه عن ترجمة الملا صدرا، أن التجاذب والجدل العلمي الذي وقع بين كبار العلماء أثرى المذهب والحوزات العلمية، وجعل كل طرف يتلافى السلبيات التي شخصها الطرف الآخر، ويأخذ بإيجابياته.
ومن الأمور المهمة في بحث الاستنباط عدم الابتعاد عن بحور الروايات في كل علم من العلوم الدينية، فإن هذا الابتعاد يسبب تصحراً معرفياً. فلا ينبغي للباحث أن يبني على الرواية الصحيحة والمعتبرة فحسب، ويهمل ما سواها، فيترك التواتر والاستفاضة، وحجية المتن المستفادة منهما، ويدخل في متاهات روايات الآحاد، جاعلاً شعاره «الآحاد والآحاد»، فيضرب الروايات بعضها ببعض.
وعلى هذا المبنى أيضاً، فإن لكل علم من العلوم الدينية مساحاته الخاصة، لا سيما علم الكلام الذي لا يفيد فيه التعبد الظني، بل يحتاج إلى اليقين القاطع. وكذلك في سائر العلوم الدينية مساحات من الضروريات، والضروريات لا يقوم بها الظن. ففي علوم التفسير مثلاً مساحة ضرورية وقطعية، وتنقسم إلى: الضروري، والقطعي البديهي القريب من الضرورة، والقطعي النظري. وهذه ثلاثة أقسام في كل علم من العلوم الدينية، وهذا المنهج لا يجعلنا نفتر في الصناعة العلمية.
والحاصل: كيف يمكن الابتعاد عن بحور الروايات مع كل هذا؟ وقد تقدم مراراً أن النظرة إلى كتب الرواية، كالكتب الأربعة، على أنها كتب فروع فقط هي نظرة قاصرة.
فمثلاً: كتاب توحيد الصدوق فيه علوم عقائدية وعلوم فروع، بل كل العلوم حتى القرآنية منها. إن طبيعة الروايات كالآيات، وإن صنف المصنفون من المحدثين الكبار، كالشيخ الطوسي وغيره، كتاباً ما على أنه في الفروع أو في الأدعية.
وكمثال آخر: كتاب مصباح المتهجد؛ قد يُنظر إليه على أنه نظير مفاتيح الجنان للآداب والمندوبات، ولكن الحقيقة أنه كتاب عقائدي بامتياز.
فمصباح المتهجد كتاب فيه علوم القرآن، وفيه الرياضات الروحية والقلبية، وفيه سيرة أهل البيت. فكم علماً حوى؟ لقد حوى كل العلوم. فلا ينبغي أن يغتر الباحث بتصنيف المصنف (رضوان الله عليه) لكتابه في علم واحد، بل بالتدقيق يجد فيه كل العلوم؛ وذلك لأن طبيعة الوحي منظومة متكاملة.
وينقل عن الشيخ محمد الغروي (رحمه الله)، وهو من تلاميذ السيد الخوئي لخمس وعشرين سنة ومن تلاميذ السيد القاضي وإن كانت له معه بعض الاختلافات، أنه دُعي إلى مؤتمر في طهران عن نهج البلاغة بحضور الشيخ جوادي آملي. وفي المؤتمر، طرح بعضهم فكرة تأليف «نهج البلاغة العسكري»، و«نهج البلاغة الاقتصادي»، و«نهج البلاغة السياسي». فلما جاء دور الشيخ الغروي، وهو صاحب كتاب الأمثال المستخرجة من نهج البلاغة، وقد ولد وترعرع في النجف أربعين عاماً، وكانت له مباحثات مع السيد الخوئي في قضايا الرياضات الروحية.