48/02/03
مقامات أهل البيت الاصطفائية وأهمية الرجوع لمصادر الوحي
الموضوع: مقامات أهل البيت الاصطفائية وأهمية الرجوع لمصادر الوحي
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيّد الأولين والآخرين، وأشرف السفراء المبعوثين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الأوفياء الخلفاء أئمّة الدين، وعجّل الله فرجهم وفرج نبيّهم.
جدلية تفسير نهضة الإمام الحسين
كان الكلام في ما دار من جدليّة حول كتاب “الشهيد الخالد”، وهو كتاب مكتوب باللغة الفارسيّة، عرّبه الشيخ محمد جاويش. وقد مرّ أنَّ هذه الجدليّة أو المشادة العلميّة القويّة جدّاً التي دارت قبل سبعين سنة أو أكثر، تدور حول تشخيص أهداف نهضة سيّد الشهداء (عليه السلام)، وما هو التفسير الفقهي لمشروعه؛ أهو مشروع الشهادة، أم مشروع إقامة الحكومة، أم مشروع سياسيّ؟
وكما مرّ بنا نقل كلمات صاحب الجواهر، [1] والسيّد ابن طاووس، [2] والمولى أحمد النراقي، [3] وجملة من الأعلام الكبار الذين نقلنا كلماتهم، وهناك كلمات أكثر ذكروها في أبواب الجهاد، وأبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفادها أنَّ زوايا عديدة من سيرة سيّد الشهداء في كربلاء وقبلها لم يتّضح تفسيرها الفقهي إلى الآن لدى كبار العلماء.
فإذا كان هذا هو تصريح صاحب الجواهر والسيّد ابن طاووس والسيّد المرتضى وغيرهم من الأعلام، فلن نستغرب إذا حدثت قبل سبعين سنة أيضاً مشادة علميّة بين طرفين علميّين في هذا الجانب، في تفسير سيرة سيّد الشهداء (عليه السلام)، وتحديد ماهيّة مشروعه. ويأتيك بعض أهل الفضل فيقول: كأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قضيّة في واقعة خاصّة، هو شريعتها ومحورها. وهذا القول، على كلٍّ، هو نوع من جحود لإمامة إمام من الأئمّة، ويحصل إذا قلت بأنَّه أصلاً لا يُستنبط منه حكم، فهي قضيّة في واقعة. نعوذ بالله.
لذلك قرأنا خطبة سيّد الشهداء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي شبيهة بخطبة الإمام زين العابدين (عليه السلام) بعد واقعة عاشوراء، وذات المضمون لخطبة أبيه. ومحصّل هذه الخطبة، ممّا قرأناه، أنَّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام أخذوا على عاتقهم مصير الأمّة؛ ديانةً وسياسةً وحكومةً وطابعاً اجتماعيّاً وأخلاقيّاً، وهلمّ جرّاً. فكل هذه المسؤوليّات ملقاة على عاتق أهل البيت عليهم السلام، لأنَّهم هداة هذه الأمّة.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّا لَوْ تَرَكْنَاكُمْ لَمْ تَهْتَدُوا بِغَيْرِنَا».[4] فإذا كانت هداية الأمّة من مسؤوليّة أهل البيت عليهم السلام، وهي كذلك بلا شكّ، فبالتالي هي في كل أبعادها. وبعبارة أخرى، إنَّ مشروعهم يشمل كل أبعاد الهداية، أو قل: كل طبقات الهداية، وكل طبقات التكامل.
مقامات الاصطفاء الإلهي وشروطها
يُذكر في مباحث النبوّة والإمامة الفرق بينهما من زاوية، مع أنَّ سيّد الأنبياء هو نبيّ ورسول وإمام. كما هو الحال في النبيّ إبراهيم (عليه السلام)، الذي حاز أربعة مقامات اصطفائيّة، وطمع في مقام اصطفائيّ خامس. وذلك في آيات مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124]، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127]. فدعاؤه ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128] هو طلب حاجة خامسة وراء ما أعطاه الله عزّ وجلّ. طبعاً، المراد بهذا هو طلب إمامة أرفع درجةً أو اصطفاء أرفع. وهذا بحث آخر لسنا في صدده.
والمهم أنَّ الآية تبيّن أربعة مقامات، ويطمع هو في مقام اصطفائيّ خامس. فلاحظ أنَّ هذه الآية في سورة البقرة حول النبيّ إبراهيم (عليه السلام) تبيّن أنَّ كل مقام اصطفائيّ يمنحه الله لأحد من الأنبياء أو غيرهم، لا يمنحه إيّاه مجّاناً، بل لكل مقام اصطفائيّ امتحان خاصّ به. لذلك خصّص الله عزّ وجلّ امتحاناً خاصّاً للنبيّ إبراهيم لإعطائه مقام الإمامة، وهو غير النبوّة وغير الخُلّة.
والقرآن أيضاً يبيّن ذلك فيقول: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 22]. فالعلم والحكم اللذان يعطيهما الله عزّ وجلّ مشروطان ببلوغ الإنسان مقام المحسنين، وهو مقام الإحسان والفضائل. فإذاً، كل مقام اصطفائيّ للأصفياء -أنبياء كانوا أو أوصياء أو حججاً إلهيّة- إنَّما يمنحه الله عزّ وجلّ لهم بامتحانات خاصّة بكل مقام.
مقام إمامة النبيّ هو أعلى مقام، أي إمام الدرجات، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]. فالأنبياء فُضِّل بعضهم على بعض بنصّ القرآن، والإمامة كذلك. والدليل أنَّ النبيّ إبراهيم أُعطي الإمامة، ولكنّه طمع في درجة اصطفائيّة أكبر، وهي الموجودة في ذريّة إسماعيل: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: 128]، ثمّ الدعاء: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 129].
والمهم هو كيفيّة ارتباط الآية بالدرجة الاصطفائيّة الثانية والأولى، ثم بسيّد الرسل، وهذا بحث ذكرناه في محاضرات أخرى ولسنا في صدده الآن. إجمالاً، إنَّ كل مقام اصطفائيّ لم يُعطه الله عزّ وجلّ للنبيّ إبراهيم على نبيّنا وآله و(عليه السلام) مجّاناً، فالمقامات الاصطفائيّة متعدّدة وليست واحدة، ولكل عطيّة اصطفائيّة إلهيّة ثمن.
وقد ورد في رواية أنَّ يهوديّاً سأل أمير المؤمنين (عليه السلام): كيف أُعطيت أنت هذا المقام الاصطفائيّ الذي لم يُعطه الله عزّ وجلّ لبقيّة الأنبياء ولا الرسل ولا الأوصياء ولا لبقيّة أئمّة أهل البيت؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) ما مضمونه: «إِنَّ اللهَ إِنَّمَا أَعْطَانِي هَذَا بَعْدَ أَنْ أَخَذَ مِنِّي الْعَهْدَ عَلَى امْتِحَانَاتٍ شَدِيدَةٍ جِدّاً».[5]
وقد سأل اليهوديّ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) هذا السؤال في أواخر حياته أيضاً، فعدّد (عليه السلام) امتحانات زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما بعده. فكان قوله سلام الله عليه عند ضربته: «فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»[6] هو تتويج نهاية المطاف، وبهذا اللحاظ تكون أشدّ الامتحانات لأشدّ مقام اصطفائيّ قد أنجزها أمير المؤمنين (عليه السلام).
وقد يسأل سائل: هل الصلحاء على يقين من عاقبتهم؟ وهل يقولون إنَّهم فازوا؟ وأيّ فوز يريده أمير المؤمنين؟ وهل يكون الصلحاء العاديّون على يقين من حسن العاقبة؟ والجواب: أنَّ تباشر أمير المؤمنين (عليه السلام) بالفوز في آخر أيّام حياته الشريفة يفسّره ظاهر هذه الرواية؛ فالفوز الذي يقصده هو إنجازه بنجاح لأشدّ الامتحانات التي امتحن بها، وهو ما أهّله لذلك المقام الاصطفائيّ. على أيّ حال، لسنا بصدد تفصيل هذه الأمور.
والشاهد في المقام، والملخّص لهذا المطلب بما يرتبط بالبحث، هو أنَّ كل مقام اصطفائيّ للمعصومين له ضريبة إلهيّة، وهو امتحان شديد. وكذلك الحال مع سيّد الرسل (صلى الله عليه وآله)؛ فإذا كان النبيّ إبراهيم كذلك، فكيف بسيّد الرسل؟ إنَّه أعظم وأعظم. فإمامة سيّد الرسل أعظم من إمامة أمير المؤمنين. ولذلك جاء الترتيب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا…﴾ [المائدة: 55]، فابتدأ بالله، ثمّ بسيّد الرسل، ثمّ بأمير المؤمنين. فالإمامة بديهيّة من بديهيّات الوحي، قرآناً وروايةً، لسيّد الرسل، فهو إمام.
نعم، وبالتالي فهذا أيضاً من البديهيّات والضروريّات، وهو إمامة الأئمّة الاثني عشر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بقيد «بعد». وإلّا ففي ديننا، الرسول إمام، بل وفاطمة (عليها السلام) إمامة. إنَّما المراد إمامة هؤلاء الاثني عشر، وهذا القيد ضروريّ بتواتر الروايات، وكل هذا صحيح. لكن لا بدّ من ضمّ هذه الضرورة إلى ضروريّات أخرى، كضرورة إمامة رسول الله (صلى الله عليه وآله). فإمامة الاثني عشر هي بعد رسول الله، أمّا قبله فهو سيّد الرسل والإمام المقدّم.
وبالتالي، كذلك الحال في شأن فاطمة (عليها السلام). ولذلك نجد تفاضلاً في المقامات: فالحسن والحسين إمامان وسيّدا شباب أهل الجنّة، وأمير المؤمنين سيّد الأوصياء، وإمامته ليست كإمامة بقيّة الأئمّة، كما قال تعالى في الرسل: ﴿…فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ…﴾ [البقرة: 253] في الرسالة. وكذلك النبيّون في النبوّة، فالنبوّة ليست درجة واحدة مع كونها نبوّة، والرسالة أيضاً ليست درجة واحدة مع كونها رسالة، والإمامة كذلك ليست درجة واحدة، بل هي درجات. فبالتالي، إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) هي إمامة سيّد الأوصياء.
إمامة فاطمة الزهراء ومكانتها الخاصة
أمّا إمامة فاطمة سلام الله عليها، فهي سيّدة نساء أهل الجنّة، وإمام للنساء، وقدوة. فالسؤدد والسيادة تعني القدوة والإمام الذي يُحتذى به لأهل الجنّة. فمن هي إمام مريم في كمالاتها النسويّة؟ هي فاطمة. ومن إمام خديجة وآسية وحوّاء وسارة؟ بمن يقتدين في شؤونهنّ النسويّة؟ ليس في الجانب الذكوريّ الخاصّ بالرجال، بل في الجوانب النسويّة كالحجاب والعفّة وغيرها، يقتدين بفاطمة (عليها السلام). فلا بدّ من إمامة في النساء. بل إنَّ فاطمة (عليها السلام) ليست إماماً للنساء فقط، ففي الجوانب المشتركة بين الرجال والنساء، تكون فاطمة إماماً لهم أيضاً.
ومثال ذلك قول القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ…﴾ ¤ ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ…﴾ [التحريم: 11-12]. فقد ضرب الله مثلاً للذين آمنوا بهما. والمثل هو القدوة، فمريم كانت قدوة في الجانب المشترك بين الرجال والنساء، فهي نموذج وحجّة، كما قال تعالى فيها: ﴿…إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42].
وإن كان في رواية رواها العامّة عن أبي بكر -الخليفة الأوّل- أنَّه سمع من النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنَّ فاطمة «سَيِّدَةُ أُمَّتِي»، [7] وليس فقط «سيدة نساء أهل الجنة»، بل «سيدة الأمة» رجالاً ونساءً، وهذا على التحقيق. فإذاً، هذه هي المقامات الاصطفائيّة، ولكلّ مقام منها امتحان خاصّ به.
ونرجع إلى بحثنا الأصليّ، وهو أنَّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام هداة مهديّون. فالرسول (صلى الله عليه وآله) كما هو رسول ونبيّ، هو أيضاً وليّ، لقوله في حديث الغدير: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ».[8] فهذه العناوين التي ذكرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي عناوين أخرى للإمامة. فالإمامة، بضرورة القرآن وضرورة المذهب، يُعبَّر عنها في القرآن الكريم ربّما بخمسين عنواناً أو مئة عنوان.
فقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، هذا اللفظ في أدبيّات مذهب أهل البيت يعني الإمام. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ…﴾ [البقرة: 246]، ولفظ «ملكاً» هنا يعني الإمام. ثمّ قال تعالى: ﴿…قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ…﴾ ¤ ﴿…إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 247-248]. وقد سُمّي الإمام هنا ملكاً. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54]، فسُمّيت الإمامة هنا ملكاً عظيماً.
فالوهابية حبسوا فهمهم ودينهم على أنَّ للإمامة عنواناً واحداً، والحال أنَّ لها عناوين عديدة في القرآن، عديدة جداً. ولذلك استدل أئمة أهل البيت عليهم السلام والنبي (صلى الله عليه وآله) وسلم على إمامتهم تارةً بلفظ الولاية، وتارةً بالمودة، وتارةً بالحجية الخاصة؛ لا كل حجية، بل الحجية الخاصة.
وأما توهم أنَّ الإمامة كمقام اصطفائي في الوحي ليس لها إلا عنوان (الإمامة) فهو توهم باطل. ويتفرع على ذلك أنَّ الاحتجاج لإمامتهم يتم بآيات لا تشتمل على هذا اللفظ صراحةً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة - 55]. فإنَّ الناظر في ما كتبه علماء الإمامية يجد آياتٍ ثبت بالضرورة لدى المسلمين نزولها في عليٍّ (عليه السلام) وإمامته ومن بعده ولده، مع أنَّه ليس فيها لفظ (الإمامة) بخصوصه. وهذه ضرورة من ضرورات المذهب، فلماذا تُنسى؟
إنَّ لدينا ضرورات متعددة، والمعرفة السوية تقتضي الجمع والتوفيق بينها، وإلا فإنَّ الإيمان بضرورة والكفر ببقية الضرورات يؤول إلى ما وبَّخ عليه القرآن بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة - 85]. فكما أنَّ لديك ضرورة في المسائل العلمية، فكيف تجمع بين هذه الضرورات؟ إنَّ الجمع بينها هو المنهج الصحيح. وقد بحثنا في هذا الصيف في مشهد مسألة تعارض الأدلة في العقائد، وليس المقصود تعارض الأدلة في الفروع، بل في العقائد التي أدلتها قطعية؛ فكيف تتعارض القطعيات؟ ومآل القول: أنَّه يصعب علينا في الوهلة الأولى إدراك الانسجام ووحدة النسق، لكن بالتدبر يلتفت الإنسان ويتنبه إلى أنَّ حتى الأدلة القطعية تحتاج إلى توفيق وتوليف وملائمة.
وكذلك هي الضرورات أو الضروريات، تحتاج جمعاً وتنسيقاً. ومن ذلك حديث الغدير الذي عُمدته قوله (صلى الله عليه وآله) وسلم: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ»[9] . فالولاية هنا ولاية خاصة، وقد ثبتت لعليٍّ (عليه السلام) بنصوص قرآنية عديدة، كسورة الحشر وسورة الأنفال وغيرها، بل ثبتت بالتسالم بين المسلمين في موارد نزولها في شأن فاطمة (عليها السلام)، كولاية الفيء.
فحين أعطى الله عز وجل نبيه (صلى الله عليه وآله) وسلم فدكاً فيئاً، أعطاه فاطمة (عليها السلام) ولم يعطه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا يكشف عن تقاسم للأدوار في الولايات والإمامات. فلأمير المؤمنين (عليه السلام) التقدم بلا شك، ولكن هناك نحو شراكة بين عليٍّ وفاطمة عليهما السلام. فلم يخلق الله عز وجل لفاطمة (عليها السلام) كفؤاً من آدم فمن دونه؛ فآدم أبو البشر، وإبراهيم خليل الرحمن، فمن دونهما أولى. وإنما كفؤها الوحيد هو أمير المؤمنين (عليه السلام). وهذه الكفاءة، وإن كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) التقدم، إلا أنها تكشف عن مقاربة في نحو الشراكة. والمراد بالكفئية هنا الكفئية في الاصطفاء، لا في الزوجية البدنية الدنيوية. فكان تزويج النور من النور، لا مجرد تزويج بدنٍ ببدن. إنَّه اقتران نور اصطفاءٍ بنور اصطفاء؛ فهذه مقامات اصطفائية. وعليه، فهناك اقتران اصطفائي بين مقامات الاصطفاء لأمير المؤمنين (عليه السلام) ومقام الاصطفاء لفاطمة (عليها السلام).
خصوصية العلاقة الاصطفائية بين علي وفاطمة
وقد سبق أن أوضحنا في بحثٍ أنَّ كل ما ورد في أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنَّه قسيم الجنة والنار وما شابه ذلك، ورد نظيره في فاطمة (عليها السلام)، ولكن في مرتبةٍ تاليةٍ له. وإلا فهل يُتصور أن يُسمح وحيانياً للحسن والحسين عليهما السلام، ولو كانا كبيرين، أن يخاطبا أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك الخطاب الذي خاطبته به أمهما؟[10] . إنَّ هذا الخطاب ليس عتاباً حقيقياً من فاطمة لأمير المؤمنين عليهما السلام، بل هو دفاع عنه في صورة العتاب. فصورته عتاب، وحقيقته دفاع وتعظيم وتجليل لأمير المؤمنين (عليه السلام).
حتى هذا الدفاع عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في صورة العتاب، هل يُعقل أن تكون للحسن أو الحسين أو بقية الأئمة التسعة عليهم السلام الصلاحية أن يخاطبوا أمير المؤمنين (عليه السلام) بمثله؟ كلا وأبداً.
إذن، من الذي يخاطبه؟ إنها فاطمة المعصومة الطاهرة (عليها السلام). وهذا يكشف عن شأنها الخاص معه. ويُروى أنَّه لما سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) ذلك منها، قال لها ما معناه: إن شئتِ أن لا يُسمع هذا الأذان، فهدأت. وهذا الموقف الظاهري من فاطمة (عليها السلام) إنما كان ليفهم البقية أنهما شيء واحد، وأنَّ فلسفة سكوت أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النهضة العسكرية في وجه أولئك لم تكن عن عجزٍ منه، وإنما لأنَّ الأمة لم تكن تتحمل المواجهة العسكرية، مما قد يسبب لهم الوسوسة والشك حتى في نبوة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم، فيقولون إنَّ كل هذا كان حرصاً على الرئاسة. فهم لم يشاهدوا أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي أقام الإسلام بسيفه وإدارته، ثم تأتي ثلة ليس لها سوابق فتستولي على الرئاسة منه وهو لا يتزعزع أبداً.
فهذا دليل إخلاصه لله، لا للرئاسة، بخلاف أولئك الذين تراكضوا وهرعوا وتركوا جثمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم وجمع القرآن وهرعوا إلى الرئاسة قائلين: منا أمير ومنكم أمير. إنَّ هذا الإخلاص ليس له، بل لابن عمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم أيضاً، فمقصد بني هاشم إذن ليس طمع الدنيا، وقد صار هذا برهاناً لإيمان الناس. ولذلك ذُكر أنَّ يهودياً لما رأى مشهد الاعتداء على أمير المؤمنين (عليه السلام) وجلبه ملبباً إلى المسجد، شهد الشهادات الثلاث. فقيل له: يا يهودي، أنت لم تسلم في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم، والآن تسلم؟ قال: نعم، لقد علمت من إخلاص هذا الرجل وصبره أنَّه وابن عمه ليس مشروعهما رئاسة في الدنيا. فسيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) هي الدليل على صدق بعثة النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم وهديه، وأنَّ الهدف هو النبوة والهداية. وقد مكث صابراً، ثم لما عُرضت عليه الخلافة بعد ذلك على أن يحيد عن مبدئية من سبقه، قال: لا.
والمقصود من كل ذلك، أنَّ بين فاطمة وأمير المؤمنين عليهما السلام شؤوناً اصطفائية خاصة. وهل هذا الموقف بدعٌ من القول؟ ألا ترى نظيره بين النبي موسى وأخيه هارون عليهما السلام، حين قال له: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه - 94]؟ فهل كان موسى (عليه السلام) يريد إهانة أخيه؟ حاشا لله، وحاشاهما من ذلك. إنما أراد النبي موسى (عليه السلام) أن يبين لمن انحرف من قومه أنهم هم من جعلوا النبي هارون (عليه السلام) في محنة بسبب تمردهم على الاستقامة، فصار موضع مساءلة. كما أنَّ انحراف النصارى جعل نبيهم عيسى (عليه السلام) في محلة مساءلة يوم القيامة، إذ يقول له ربه: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة - 116].
وهذه المساءلة، وإن لم تكن حرجاً على النبي عيسى (عليه السلام)، والله يعلم أنَّه ليس له أي تقصير في ذلك، إلا أنَّ انحراف أمته جرّه إليها باعتباره راعيهم. ونفس توجيه هذا السؤال لنبيٍّ من أولي العزم موقف حرج وصعب. والذي أحرج النبي عيسى هو انحراف أمته. وهنا كذلك، توجه فاطمة (عليها السلام) المساءلة الظاهرية لأمير المؤمنين (عليه السلام) بسبب انحراف الأمة، لا بسبب تقصير منه. فليس هو عتاباً لأمير المؤمنين، بل عتاب للأمة على قاعدة: «إياكِ أعني واسمعي يا جارة».
لكن حتى هذا المقدار من الخطاب الصوري، من يستطيع أن يخاطب به أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ هل يمكن للإمام الحسن (عليه السلام) ذلك؟ أو الحسين (عليه السلام)؟ أو التسعة المعصومون من ولده؟ كلا. إنما فاطمة (عليها السلام) هي التي يمكنها ذلك، فلها هذه الصلاحية. وهذا يكشف عن شأنها البارز.
شاهد ذلك: ما ورد في بعض الزيارات، كزيارة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، من الإشارة إلى ثلاثية مهيمنة: سيد الرسل، وسيد الأوصياء، وسيدة النساء. فدائماً ما تُجعل فاطمة (عليها السلام) ثالثة الأربعة عشر معصوماً، وهذا أمر متواتر معنىً، ويكشف عن هيمنتها وولايتها. فإذا كانت لها ولاية وهيمنة وحجية على الحسن والحسين والتسعة من ولدهما، فهل لا تكون إماماً؟ بلا شك هي إمام. فإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ليست كإمامة بقية الأئمة، بل هو إمام لهم، كما هو إمام لبقية الأنبياء والأوصياء، فهو أسوة المعصومين. وفاطمة (عليها السلام) كذلك، لها ولاية على أولادها الأحد عشر، الذين هم بدورهم مهيمنون على بقية الأنبياء كلهم بحسب نصوص القرآن.
فائدة: في بيانات الوحي إشارة إلى أنَّ ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن - 19] هما عليٌّ وفاطمة، و﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن - 22] هما الحسن والحسين عليهم السلام. فالحسن والحسين، بل والتسعة من ذرية الحسين، هم نتاج نور عليٍّ وفاطمة. وهذا مطلب فلسفي دقيق، حاصله أنَّ كل كمالات الأحد عشر إماماً هي رشحة من رشحات نور الرسول وعليٍّ وفاطمة عليهم السلام. فهؤلاء الثلاثة لهم هيمنة خاصة.
وقد يُطرح سؤال: لماذا لم تُعنون هذه المباحث في كتب الكلام المتداولة؟ والجواب: أنها مبثوثة في مصادرنا الحديثية الأصلية، ككتاب التوحيد للصدوق[11] ، وكتاب بصائر الدرجات للصفار[12] ، وكتاب أصول الكافي للكليني[13] ، وعيون أخبار الرضا (عليه السلام)[14] ، وكتاب الاحتجاج للطبرسي[15] ، وأمالي الطوسي[16] ، وأمالي المفيد[17] ، وأمالي الصدوق[18] ، ومختصر بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله الأشعري[19] . فلدينا عشرون أو ثلاثون، بل خمسون كتاباً روائياً في العقائد من الكتب الأصلية التي هي أساس المذهب، وهذه المباحث كلها موجودة فيها.
ولكن ما جرى عليه الحال في الدراسات العقائدية هو الاقتصار على أمثال الباب الحادي عشر[20] وشرح تجريد الاعتقاد[21] وكتب الأعلام، رضوان الله تعالى عليهم. وهذا حصرٌ للنطاق بحيث لم تُعنون كل المباحث. بينما في بصائر الدرجات مثلاً، بحثٌ في وحيانية القرآن وقضايا معرفية حوله، فيه أجوبة شافية للشبهات العصرية، لكنها تُركت. والسبب هو أنَّ كتب العقائد التي صارت هي المتن الدراسي لم تتطرق إليها.
وقد كان أحد الفضلاء يدّعي أنَّه درس مباحث الإلهيات من التجريد عشرات المرات، ولما سألته: هل درست ولو لمرة واحدة أصول الكافي أو توحيد الصدوق؟ أجاب بالنفي. وعندما سألته عن السبب، ذكر خشية أن يُطعن عليه بأنَّه أخباري.
فأجبتُ بأنَّ الوحي روائي، ونحن لسنا أنبياء، والعلماء ليسوا أنبياء، ولا ينزل علينا الوحي، فمِمَّن نأخذ علمنا إذن؟ إنما كلمات العلماء وكتبهم شروح، وكما يقول السيد البروجردي (رحمه الله): إنَّ كتب العلماء شروح للثقلين. فيجب أن تؤخذ على أنها شروح، لا على أنها الأساس. وهي شروحٌ لا بد من ملاحظتها والأخذ بها، فإنَّ من جمع علم الناس إلى علمه، وضم عقل الناس إلى عقله، فقد اتبع منهجيةً ضرورية. ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب الأصل والأساس، وهو الوحي، فإذا تركناه وابتعدنا عنه، جهلنا كثيراً من المباحث العقدية، وهي كلها بيانات عقلية وبراهين ناطقة بلسان العقل.
فلا ينبغي النظر إلى الإمام الصادق والإمام الباقر وسائر الأئمة (عليهم السلام) على أنهم أئمة فحسب، بل يجب النظر إليهم بوصفهم علماء، ولينظر في ما قالوه، وهل أقوالهم قائمة على البراهين أم لا. فعلى أقل تقدير، يجب التعامل معهم كمرشدين ومعلمين. ومن قال إنَّ في باب العقائد تعبداً؟ فإنَّ مشهور علماء الإمامية على أنَّه لا تعبّد بالظن في العقائد، بل كل الأدلة فيها إرشادية إلى البراهين العقلية.
وتأسيساً على هذا المبنى، وهو مبنى المشهور، يذكر الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في تنبيهات الانسداد وفي مباحث القطع أنَّ مشهور علماء الإمامية على أنَّ التعبد بالظن غير جارٍ في العقائد.[22] فالقرآن لغته عقلية برهانية، والروايات كذلك لغتها عقلية برهانية، ولكننا تركنا هذه اللغة العقلية البرهانية الوحيانية واكتفينا بنتاج البشر المحدود.
وليس في هذا طعنٌ في جهود العلماء، بل على العكس، إنَّ جهودهم ضرورية، فإنَّ من لم يطّلع على كلمات العلماء واستبد برأيه يزلّ، ولا تُعتبر نتائجه العلمية سديدة. وهذا صحيح، ولكن الإشكال أنه لا يرجع إلى الأصل، فهو كمن يقرأ الشرح ولا يلتفت إلى المتن الأصلي، كمن يقرأ شروح الدستور ولم يتعرف على متنه. وقد كان السيد البروجردي (رحمه الله) يقول: الوحي هو المتن، وكتب العلماء هي الشروح. فإذا لم تقرأ المتن وتتدبر فيه، فلعله يخطر في بالك ما لم يخطر في بالهم، أو لعلك تستفيد من إثاراتهم نكتةً جديدةً لم يلتفتوا إليها بملاحظة المتن نفسه.
ولعل هذا ما حدا بالشيخ المفيد (رحمه الله) إلى تصنيف كتابه تصحيح الاعتقاد تعقيباً على كتاب الاعتقادات للصدوق (رحمه الله).[23] فأين هذه المباحث من كتاب الباب الحادي عشر مثلاً؟ نعم، إنَّ لغة الباب الحادي عشر لغة عقلية كلامية دقيقة، ولكن المباحث الموجودة في كتاب الصدوق غير موجودة فيه، بل إنَّ عشرات المباحث التي طرحها الصدوق لم يتطرق إليها العلامة الحلي (رحمه الله) في كتابه أبداً، وإنما تطرق العلامة إلى ما هو مرسوم ومعروف عند علماء الكلام، ولم يستوعب كل المباحث.
فالصدوق (رحمه الله) في كتابه يذكر برهاناً عقلياً سهل المأخذ، بيّناً وبديهياً، مستقى من القرآن والروايات وبياناتها العقلية على المعاد الجسماني، في حين أنَّ فيلسوفاً كابن سينا يقول بعد ذلك في كتاب الشفاء: إلى الآن لم نقف على برهان عقلي على المعاد الجسماني، وهذا حال الفلاسفة كلهم.[24] فهل رأى ابن سينا كتاب الصدوق؟ الظاهر أنه لم يره. وهكذا من أتى بعده من سلسلة الفلاسفة، الذين كان أغلبهم من الإمامية، من الفارابي إلى زمن الملا صدرا، حتى جاء الملا صدرا فاكتشف برهاناً على المعاد الجسماني، ولكنه برهان صعب المأخذ.
وقد تنبه لهذا البرهان الحر العاملي (رحمه الله) في كتابه إيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة.[25] وهذا الكتاب ليس في الرجعة فقط، وإن كان اسمه كذلك، بل هو بالدقة دورة عقائدية كاملة. والنتائج التي توصل إليها الحر العاملي عظيمة، إذ كانت عقليته نابهةً جداً، وهو ما يلتفت إليه من يراجع كتابه.
والشاهد: أنَّ هذا البرهان كان موجوداً، ولكن لمتاركة الآيات والروايات في البحوث العقدية، نضبت عندنا المباحث. وهذا الأمر لا يقتصر على الإمامية، بل هو موجود حتى عند أهل السنة؛ فإنَّ المباحث العقدية الموجودة في كتب الحديث عندهم أعظم بكثير مما كتبه علماؤهم في علم الكلام، سواء كانوا من الماتريدية، أو الأشعرية، أو المعتزلة، أو غيرهم. فإنَّ ما كتبوه لا يرقى ولا يتسع لما هو موجود في كتب الحديث وشروحها. بل إنَّ في كتب الحديث وشروحها ثوابت عقدية ضرورية عند أهل الحديث، وهي مطابقة لما عليه مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ولكن أنكرها علماء الكلام عندهم.
وهذه نكتةٌ مهمةٌ جداً: وهي أنَّ الابتعاد عن السنة النبوية وأحاديث المعصومين والقرآن الكريم، والانحباس حول تراث العلماء فحسب، يجرفنا عن جادة الصواب في جهات عديدة.