« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/01/30

بسم الله الرحمن الرحيم

المعرفة الدينية بين التعطيل أو الإحاطة المطلقة (16)

منهجية فهم سيرة المعصومين: بين التعطيل والاكتناه

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وأشرف السفراء المرسلين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء أئمة الدين.

قرأنا في العام الماضي كلمات الأعلام التي تتناول سيرة أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما سِمة سيد الشهداء (عليه السلام)، وفيها إبهام؛ أي إنَّ فيها جهاتٍ يستعصي حتى على كبار فحول الفقهاء استخراجُ كل ما انطوت عليه سنَّة المعصومين وفعلهم وسيرتهم.

فمثلاً: يذكر العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار ما حاصله: “قد مضى في كتاب الإمامة وكتاب الفتن أخبار كثيرة دالة على أنَّ كلًّا منهم عليهم السلام كانوا مأمورين بأمور خاصة مكتوبة في الصحف السماوية النازلة على الرسول (صلى الله عليه وآله)، فهم كانوا يعملون بها ولا ينبغي قياس الأحكام المتعلقة بهم على أحكامنا”[1] . ويستطرد في بيان أنَّ كثيراً من الأنبياء كانوا يُبعثون فرادى في مواجهة ألوف الكفرة، ويدعونهم إلى دينهم، ولا يبالون بما ينالهم من المكاره والضرب والحبس والقتل، فلا ينبغي الاعتراض عليهم. فصاحب البحار يخلص إلى أنَّ تكاليفهم وضوابطهم وموازينهم تختلف عن تكاليفنا، وهو ما يصفه، بتبحّره وتضلّعه، بأنَّه من قبيل التعبّد الخاص الذي لا يُقاس عليه.

لكن هذا الإقرار في حقيقته هو إقرارٌ بالعجز عن الإحاطة بفهم القواعد والضوابط الكامنة في سيرة وسنن الأنبياء والأوصياء. وليس هذا العجز بمعنى الإبهام المطلق، بل مقتضاه أنَّ في سيرة الأنبياء والأوصياء جهاتٍ عديدة لم يستخرج الفقهاء ضوابطها وقواعدها وموازينها إلى الآن، فاصطُلِح على تسميتها تعبّداً خاصاً. وهذا الإقرار بحد ذاته يدل على خصوصية أفعال سيد الأنبياء والأئمة عليهم السلام.

وكذلك نجد صاحب الجواهر يذهب إلى المنحى نفسه في تفسيره لمشروعية الشهادة، إذ إنَّ القتل في سبيل الله ليكون المرء من الشهداء ﴿ٱلَّذِینَ هُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ یُرۡزَقُونَ﴾ لا تنطبق عليه دائماً شرائط الجهاد المتعارفة، كما في مسألة حرمة الفرار من الزحف. ثم يقول بعد ذلك بأسطر: “وما وقع من الحسين (عليه السلام) مع أنَّه من الأسرار الربانية والعلم المخزون…”[2] . وهذا التصريح بأنَّها من “الأسرار الربانية” يكشف عن إقرار صاحب الجواهر نفسه بأنَّ الفقهاء لم يلتفتوا بعدُ إلى تمام القواعد والضوابط المفسِّرة لسيرة سيد الشهداء ونهضته في كل أبعادها. ثم يضيف محاولاً تفسير بعض الجهات: “يمكن أن يكون لانحصار الطريق في ذلك… وعلى أنَّ له تكليفاً خاصاً قد أقدم عليه… ومعصوم عن الخطأ لا يعترض على فعله ولا قوله… فلا يقاس عليه من كان تكليفه ظاهر الأدلة والأخذ بعمومها وإطلاقها مرجحاً بينها بالمرجحات الظنية”[3] . وهذا الإقرار بالعجز عن القياس هو جوهر المسألة، حيث تُردّ خصوصية سيرته إلى تكليف خاص لا يمكن تركيبه من القواعد الفقهية الظاهرة.

وممن ذكر هذا المطلب أيضاً السيد ابن طاووس، فيقول بما يقارب مضمون صاحب البحار وصاحب الجواهر: “والذي تحققناه أنَّ الحسين كان عالماً بما انتهت حاله إليه، وكان تكليفه ما اعتمد عليه”[4] . وهو قولٌ يكشف عن حجم الجدل العلمي الذي كان قائماً بين العلماء حول إقدام الإمام الحسين (عليه السلام) على مصيره مع علمه المسبق به، حتى إنَّ عبارة “والذي تحققناه” تشير إلى أنَّ المسألة كانت محل لغطٍ بينهم. ثم يذكر أنَّ الشهادة من أبلغ درجات السعادة، مقدّماً بذلك فلسفة أخروية. ولكن ما ترجمة هذه الفلسفة إلى قواعد عملية في دار الدنيا؟

الآثار الدنيوية لفلسفة الشهادة: مثال جعفر الطيار

هنا يأتي دور الروايات التي تبيّن أنَّ لفلسفة الشجاعة ومشروع الشهادة آثاراً دنيوية حاسمة، فهي التي سببت نصر المسلمين في فتوح فارس والروم.

والمثال الأبرز: هو إصرار جعفر الطيار على الاستشهاد في مؤتة، ومن بعده زيد بن حارثة، ثم عبد الله بن رواحة، بينما آثر خالد بن الوليد الانسحاب بالجيش، وهو ما عُرف بالفرار الذي جعل نساء المدينة وأطفالها ينبزونهم بـ”الفرّارين” عند عودتهم، رغم أنَّ بعض المعاصرين كالعقاد اعتبرها عبقرية عسكرية.

بينما يرى السيد ابن طاووس أنَّ موقف جعفر الطيار الاستبسالي هو الذي ضخَّ روح الشجاعة في المسلمين في ضروس المعارك، فكانت هذه الروح هي العامل الحاسم في زعزعة جيوش العدو في فتح فارس والروم. فإذا كان جعفر قد سُمّي “الطيار”، فالله أعلم بحقيقة هذا المقام الاصطفائي الذي منحه إياه النبي (صلى الله عليه وآله).

وهذا يجرّنا إلى ذكر المقامات الاصطفائية التي خصَّ بها النبي (صلى الله عليه وآله) بني هاشم وأهل بيته، حيث تواترت عنه أحاديث في مواطن عديدة تشير إلى ذلك، كقوله: “منا مهدي هذه الأمة”، و”منا سيد الأنبياء”، و”منا سيد الأوصياء”، و”منا المنصور” وهو مقام لسيد الشهداء في الرجعة، و”منا السفاح”. وكلمة “السفاح” قد تُفهم اليوم بمعنى سلبي، لكن من معانيها في اللغة العربية: الذي يحيي الأرض عمارةً وازدهاراً، وهذا أحد مقامات الأئمة في الرجعة، حيث تكون مهمتهم عمارة الأرض.

والحاصل: أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) يذكر تطورات كبرى ستحصل للطبيعة البشرية وللأرض، لن تقوم إلا على يد بني هاشم خاصةً، لا على يد النبي عيسى ولا النبي إدريس عليهما السلام مع جلالة قدرهما. فهذه الكمالات حصرية ببني هاشم. ومن تلك المقامات مقام “الطيار” الذي ناله جعفر بن أبي طالب، والذي يعني أنَّ استبساله يصبح مدرسة تنبض وتضخ في الأجيال الشجاعة والصلابة والقوة. وهذا الموقف، بحسب التحليل الدقيق للسيد ابن طاووس، هو الذي أشاع روح الاستبسال في حروب المسلمين وكان عامل النصر. ولولا فعل جعفر ومن معه، لكان الانسحاب الذي قاده خالد بن الوليد قد صار سنَّة دائمة في جيش المسلمين، تحت مسميات “الحكمة” و”التعقل”، وهو منطق ماديٌّ يورث الجبن في النفوس. فمن إذن يشق طريق العزة والإباء إن لم يفعلها هؤلاء؟

وعليه، فإنَّ جولة في كلمات الأعلام، كما نقلنا عن السيد ابن طاووس في اللهوف، وكذلك ما ذكره المولى أحمد النراقي (رحمه الله) في معرض حديثه عن مشروع الشهادة للإمام الحسين (عليه السلام)، حيث ذكر لفلسفة الشهادة تداعيات في عالم القيامة، وهذا صحيح، ولكن يبقى السؤال: كيف نفسر قيمتها وآثارها في دار الدنيا؟ وكذلك ما ذكره السيد المرتضى في تنزيه الأنبياء من أنَّ سيرة سيد الشهداء فيها محطات غامضة وصعبة، وحاول الإجابة عن ذلك الغموض بقدر المستطاع وفق القواعد المقررة[5] ، كل ذلك يبيّن أنَّ في سيرة سيد الشهداء لغطاً وجدلاً علمياً قائماً.

نرجع إلى النقطة المحورية، وهي أنَّ فلسفة نهضة سيد الشهداء والقواعد الفقهية التي انطلقت منها، هي عند كبار الأعلام والرموز قضية غامضة وفيها إغلاقات عديدة. وإذا كان أمثال المجلسي وصاحب الجواهر يقرّون بأنَّ في النهضة أبعاداً لا تُفهم ضوابطها فتُردّ إلى “التعبّد الخاص”، فذلك يدعونا إلى الخوض في محاولة فهم المغزى الخفي أو الضوابط الكامنة في مقاصد سيرة سيد الشهداء، وهو نوع من التأويل الذي يقتضي رد القاعدة إلى قاعدة فوقية أخرى.

كما يعترف ابن سينا في الشفاء[6] ، فإنَّ معرفة كُنْه الأشياء شبيهة بالمعرفة النبوية، وهو أمر صعب جداً. ولا يستطيع أحد من علماء الأمة، حتى علماء الإمامية، أن يقول: إنِّي أعرف كل طبقات تأويل القرآن؛ فهو حبل ممدود طرفه بيد الله، ممتد لا ينتهي، في مقابل القطع والانتهاء. فهل حينئذٍ نوكل الأمر، ونقول: إنَّ ما عجزنا عنه نتركه رمزاً أو نحو ذلك؟

والسؤال: ما هي طبيعة العلوم كما مرَّ بنا، سواء في علم الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات؟ إنَّ التطورات في الاكتشافات تحصل بسبب أنَّ البشر لم يقفوا عند حدٍّ، بل حاولوا دائماً أن يغوصوا في المعادلات ونحوها، نزولاً أو صعوداً. وقد لا يستطيع جيل معين أن يتقدم، ولكن كل جيل يواصل بحسب قدرته؛ غير أنَّه في نفس الواقع، لا تتناهى حلقات المعادلات وسلاسلها المتصلة، وإن كان البشر قد يقفون يوماً ما عند حلقة معينة أو طبقة أو درجة.

ومثال ذلك ما يذكره الفلاسفة في تفسير المعجزة عند الأنبياء أو الأوصياء، حيث يقولون: إنَّ المعجزة ليست خارجة عن قاعدة تكوينية أبداً، إلا أنَّ أسبابها يستعصي على البشر الاهتداء إليها. فهناك معجزات مادية، ومعجزات جسمانية، ومعجزات حسية، أو معجزات عقلية. فمعجزة القرآن عقلية فكرية وبلاغية، وليست مادية. والمعجزات على أنواع.

فمثلاً: معجزة النبي عيسى (عليه السلام) في الطب، كإحياء الموتى، فإنَّ إحياء الموتى له أسباب تكوينية، إذ لا يقع الممتنع المستحيل في عالم الكون، ولكننا نحن البشر نعجز عن الوصول إلى تلك الأسباب. وقد أطلع الله عز وجل نبيه على أسبابها. وهذا هو تفسير الفلاسفة، وجملة من المتكلمين كذلك. فهم يرون أنَّ هذا الأمر الخارق للعادة ليس خارقاً لنظام الوجود، فالفلاسفة —خلافاً لبعض المتكلمين— يقولون: إنَّه ليس خارقاً حقيقةً، بل هو جارٍ ضمن نظام الأسباب والمسببات، إلا أنَّ مقاطع من سلسلة الأسباب والمسببات هذه يستعصي على البشر الوصول إليها إلى يوم القيامة.

فلا يُتصور أنَّ هذه الظواهر —سواء كانت في علم الفيزياء أو الكيمياء أو البيولوجيا أو الفسيولوجيا أو علم الروح أو العقل— ليس لها معادلات، بل لها معادلاتها الموجودة في نفس الأمر. والأنبياء في الإعجاز على درجات متفاوتة. كما ثبت عندنا بأدلة يقينية قرآنية وروائية متواترة، أنَّ النبي وأهل بيته (صلى الله عليه وآله) وسلم قد جُمعت لهم كل قدرات الأنبياء والأوصياء من قبلهم ومعجزاتهم كلها، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف - 76]، وفوق كل ذي قدرةٍ قدير.

والحاصل: أنَّ المعجزة بحسب المصطلح الفلسفي ترجع إلى العلم. فكيف الحال في باب العلوم التكوينية والتجريبية؟ ولو سألت اليوم أيَّ إنسان: هل سيأتي يوم يقف فيه علم الفيزياء عند حدٍّ أم أنَّه سيستمر إلى الأبد؟ فالجِنُّ لهم فيزياء أبدانهم، والملائكة لهم فيزياء، ولكنَّ علم الفيزياء البشري لم يخض في ذلك بعد. والجنة كذلك لها فيزياؤها وضوابطها ومنظومتها الخاصة بها.

فبالتالي، إنَّ العلوم الرياضية هي كذلك، من علم العدد والمقدار ونحوه. ونتاج الفلسفة هو نتاج بشري فيه السقيم وفيه الصحيح، بغض النظر عن الترويج لها. والجنة الجسمانية طبقات، كجنة عدن وجنة الفردوس وغيرها. وبالنتيجة، فإنَّ جميع الجنان جسمانيات، والمعاد فيها جسماني، سواء كان هذا الجسم غليظاً أم لطيفاً. فحتى الجنة لها جسم وفيزياء خاصة بها، فمن ذا الذي يكتشفها؟

فبحسب بيانات الوحي، إنَّ البراق —وهو فرس من أفراس الجنة— عرج به النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم. ولهذا البراق قدرة على الطيران ونحوه، بحيث يضع بخطوة واحدة قدمه في الأرض وبالثانية في الجنة. والملائكة تعرج إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، كما تشير الآية الكريمة: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج - 4]. وزيادة على ذلك، يذكر الله عز وجل أنَّه ينزل الملائكة بواسطة ما يسمى بـ«الروح»، وهو أشبه بطائرة ملكوتية، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر - 4]. فالملائكة يصلون من السماء الأولى إلى السابعة بخطوات إسرافيل، بينما جبرائيل (عليه السلام) —على ما له من قوة ومكانة ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ¤ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير - 20-21]— قدرته دون ذلك بحسب بيانات الوحي. وأمَّا البراق، ففي بيانات الوحي العديدة أنَّه ينتقل بخطوة واحدة من الأرض إلى الجنة. والجنة واقعة فوق السماوات السبع، وهو ما يعبَّر عنه بالفوقية غير الجغرافية. وهذا التنقل إنَّما هو انتقال من عالم جسماني إلى عالم جسماني آخر، ومن نظام فيزيائي إلى نظام فيزيائي مغاير، وهو بحث توقف فيه النظر كثيراً.

والخلاصة: أنَّ الأسباب موجودة تكويناً وإن لم يكتشفها البشر. فالمعجزة ليست خرقاً لنظام الأسباب والمسببات، بل هي فعل يصدر من مخلوق بإذن الله، وهذا المخلوق لا يخرج عن ذلك النظام. فإذا لاحظنا أنَّه حتى في العلوم التجريبية التكوينية يقف التفسير البشري عند حدٍّ، بينما واقع تداعي المعادلات والحلقات لا ينتهي، وإنَّما قدرة البشر هي التي تنتهي جيلاً بعد جيل.

تطبيق منهج “الأمر بين أمرين” على فهم الوحي

وكما هو الحال في العلوم التجريبية، فكذلك هو في قضية سيرة المعصوم وبيانات الوحي؛ لأنَّ سيرة المعصومين عليهم السلام هي بمثابة قرآن مجسَّم، وهي حقيقة القرآن. وكما أنَّ للقرآن تأويلاً ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران - 7]، فإنَّ نوابغ العلم، حتى مثل العلامة الطباطبائي (رحمه الله)، تبقى قدرتهم محدودة، وما هي إلا كقطرة في محيطات الوحي، وهذا يصدق على غيره من الأعلام أيضاً.

فلا يدَّعي أحد أنَّه استطاع أن يفهم فلسفتها ومغزاها بالكلية، فهذا غير ممكن. ولا يصح القول بأنَّها كلها أمور تعبدية، أي مبهمة لا سبيل إلى الاهتداء إليها، أو أنَّها قضية واقعة خاصة لا يُستدل بها ولا يُستنبط منها شيء. وهذا شبيه بالنزاع القائم بين الأخباريين والأصوليين[7] ، فالأخباري مثلاً قد يقول: لا نستدل بالآيات الكريمة إلا بما بيَّنه المعصوم، وأمَّا ما سواه فلا يمكن الاستدلال به من القرآن. مع أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم أمر بالتمسك بالثقلين معاً، أي التمسك بالقرآن عن طريق أهل البيت ومعهم. ومثل ما رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ عَرَفَ حَقَّنَا مِنَ الْقُرْآنِ زَالَ عَنْهُ الْجِبَالُ وَلَمْ يَزُلْ إِيمَانُهُ».[8]

والمتحصل من ذلك: أنَّ القول بالتعطيل في فهم سيرة أهل البيت عليهم السلام وسننهم هو قول باطل، إذ مآله إلى تعطيل الدين نفسه.

وكذلك القول بأنَّنا نكتنه كل سنن المعصومين وكل القرآن، فهو تحديد وتشبيه باطل.

فالأمر بين أمرين[9] ، فكما أنَّ التعطيل والتشبيه في باب الصفات الإلهية باطلان، فكذلك هنا. فلا نقول إنَّ الأمر مبهم كله، ولا أنَّه قضية خاصة لا يقاس عليها مطلقاً، فإنَّ في ذلك تعطيلاً لمعرفة أهل البيت عليهم السلام، والتعطيل باطل في معرفة الله وصفاته وأفعاله، وكذلك في معرفة النبي ومقامه. وهذا البحث جارٍ أيضاً في فهم القرآن، إلا أنَّ كثيراً من الأخباريين —لا كلهم— لم يلتفتوا إلى هذه الحلحلة. فالتعطيل المطلق للقرآن باطل، واكتناه كل القرآن باطل، والأمر بين أمرين.

والضابط في هذا الأمر بين الأمرين هو أن نستعين بالثقلين، فنرجع بمتشابهات كلٍّ من الثقلين إلى محكماتهما. بل نضيف إلى ذلك الاستعانة بمحكمات العقل. ويشهد لذلك القرآن والسنة والعقل والفطرة أو الوجدان، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۖ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم - 30]. فإنَّ محكمات هذه الأربعة يُعرض عليها متشابهات هذه الأربعة، وهذه المحكمات الأربع يضم بعضها بعضاً بنسق ونظام وميزان.

فإذاً، لا ندَّعي التعطيل المطلق، الذي يعني تعطيل الشريعة والأدلة والقرآن وسنن المعصومين، فإنَّ القول بأنَّها معطلة هو قول خاطئ. كما أنَّ ادعاء اكتناه كل شيء فيها غير صحيح. والقاعدة أنَّ «ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جُلُّه»، وهكذا تسير المسيرة العلمية خطوة بعد خطوة لأجل بلورة الحقائق، وهذه خلاصة صناعية للجدل بين الطرفين.

تطور العلوم الدينية: بلورة المفاهيم بين الغلو والبداهة

وحينئذٍ، نأتي إلى هذه النقطة الصناعية المهمة: فإذا نظرنا في تاريخ العلوم الدينية، كالعقائد والتفسير والفقه وعلم الكلام، نجد أنَّه لا يمكن القول بأنَّ علم الكلام قد اكتُنه بتمامه. فما يقوله البعض من أنَّ مذهب الإمامية قد اخترعه الشيخ المفيد، هو قول غير دقيق؛ فالشيخ المفيد لم يخترعه، بل بلوره. فهو لم يأتِ بشيء من عنده، بل بنى على جهود من سبقه، كما أنَّ من جاء بعده كالسيد المرتضى والشيخ الطوسي بنوا على جهوده، وهكذا في سلسلة الأعلام التي تمتد إلى ابن قولويه والصدوق والكليني وابن قبة والنوبختي. وهذا يوافق تعبير الوحيد البهبهاني الذي نقلناه لكم. فكثير من الأمور التي كانت تُعدُّ مبهمة عند بعض علماء الرواة في زمن الأئمة عليهم السلام، حتى إنَّهم كانوا يصفونها بالغلو، قد أصبحت اليوم، بفضل تراكم البحث العقلي الوحياني في مذهب الإمامية، من البديهيات.

وهنا تكمن إحدى مشكلات علم الرجال: وهي أنَّ مستوى البحث الكلامي آنذاك يختلف عن مستواه في أعصارنا. وهذا هو نص كلام الوحيد البهبهاني، وليس هو الوحيد في ذلك، بل يشاركه في هذا الرأي العشرات من علمائنا. وهذا يكشف عن أحد مواطن الخلل في أقوال الرجاليين، لا سيما في باب الجرح بالغلو. فإنَّهم كانوا يعدُّون بعض المباحث التي لم تُنقَّح في زمانهم غلواً، ويصفون القائل بها بأوصاف من قبيل: «مرتفع القول» أو «طيّارة»[10] .

ففي علم الرجال يذكرون تعابير من قبيل: “مرتفع القول”، أو “طيّارة”، أو “غالٍ”، ويقصدون بها أن في عقيدته إفراطاً. وهذه التعابير إنما نشأت لأن تلك المباحث لم تكن مُنقَّحة عقلاً في أزمنتهم.

ولتقريب الفكرة بمثال معاصر: هل يمكن اليوم لدولة أن تدير تطورها وقدرتها وتفوقها من دون الاستعانة بالكم الهائل من المعلومات الذي يوفره ما يسمى بالانفجار المعلوماتي والبيانات الضخمة؟ إنَّ هذه الحاجة إلى إدارة هذا الكم من المعلومات، أي ما يقتضيه منطق الإمامة والقيادة، لو طُرحت في الأزمنة السابقة لعدّت ضرباً من الخيال. سابقاً، عندما كان يُقال إنَّ الإمام يجب أن يمتلك علوماً ومعارف واسعة، كانت عقلية البحث المعرفي وعلوم السياسة والإدارة في زمن المعصومين عليهم السلام قاصرة عن استيعاب ذلك، فكان يرى تلاميذهم، فضلاً عن مخالفيهم، أن هذا القول ضرب من الإفراط والغلوّ؛ لأن العلوم البشرية لم تكن قد تطورت بعدُ بما يكفي للالتفات إلى حقيقة هذه المباحث وأهميتها. فالمعيار الذي كان يُطرح على رئيس أو قائد قبل ألف سنة يختلف جذرياً عن المؤهلات والعلوم المتعددة التي يُشترط توفرها اليوم فيمن يدير بلدية مدينة صغيرة.

وعلى هذا الأساس، فإن علم الكلام هو الآخر، شأنه شأن بقية العلوم، في حالة بلْوَرَة وتفتُّق دائمين. فما يتبلور الآن ليس نقيضاً لما كان قديماً، بل هو مبني عليه، ولكنه يفتقه ويوسعه، كما تتفجر العيون توسعاً من نفس النبع الأصيل. وهذا هو الحال في علم الرياضيات، وعلم الفيزياء، وفي سائر العلوم، وهكذا هو الأمر في علم الكلام.

ومن ثمّ، لا يصح الأخذ بأقوال بعض الرجاليين كأحكام قاطعة، لا سيما في جرحهم للرواة بناءً على المستوى العلمي والمعرفي الذي كان سائداً في عصرهم. وهذا ما نبّه عليه الوحيد البهبهاني[11] ، الذي كان بحراً في العلوم. فلا يُقال إنَّ الشيخ المفيد استحدث مذهباً، بل هو بلور معارف المذهب وفتقها. وكذلك لا يُقال إنَّ الشيخ الأنصاري ابتدع قواعد في علم الأصول، بل هو بلور نفس الارتكازات الموجودة وفتقها.

وهكذا هو المنهج في قراءة القرآن، وفي علم تفسير القرآن، وفي علم سيرة أهل البيت عليهم السلام.

والحاصل: أن القول بالتعطيل المطلق خطأ، والقول بادعاء الاكتناه الكلي خطأ أيضاً. فالتعطيل المطلق يورث اليأس ويوقف المسيرة العلمية، والدعوة إلى الاكتناه توقفها كذلك، إذ بدعوى إحاطة كل شيء لا يبقى مجال للبحث. إنما المنهج الصحيح هو “أمر بين أمرين”[12] ؛ فهو الذي يضمن ديمومة المسيرة وحياة العلم.

وحينئذٍ، فإن محاولة قراءة واقعة عاشوراء وما جرى فيها هي مسيرة لا تنتهي، لأن طبيعة القواعد الوحيانية هي كذلك. فإذا كانت قراءة الواقع التكويني الخارجي المادي لا تنتهي، فكيف بالكلام عن الوحي الذي هو من عالم ما وراء المادة، بل هو المنظِّم لعالم المادة؟

إذن، هذه هي الضوابط، وهذا هو الأمر بين الأمرين الذي لا تعطيل فيه، أي لا إبهام مطلقاً ولا تعبداً محضاً. فإذا قيل بتعطيل القرآن أو تعطيل سنة أهل البيت عليهم السلام، بمعنى عدم إمكانية الاستهداء بهما، فما الذي يترتب على ذلك؟ سيتحول الدين إلى أحجية ولغز، وهذا هو عين تعطيل الدين. وإن قلنا إننا نكتنه القرآن كله، ونكتنه سيرة أهل البيت كلهم، فهو ادعاء ليس في محله، ومن شأنه أن يوقف مسيرة العلوم الدينية، وهو باطل.

فالأمر بين أمرين يعني أننا نعقل شيئاً وتخفى علينا أشياء، والمسير العلمي ماضٍ في طريقه. ولا يصح الاعتراض بأن هذا لم يقله القدماء؛ فصحيح أنهم لم يقولوه، ولكن أدلته كانت موجودة، إلا أنهم لم يفتقوها أو يبلوروها بعد. فلا يُقال إنَّ الشيخ المفيد قد ابتدأ مذهباً، أو أن السيد المرتضى أو الشيخ الطوسي قد أتوا بشيء من عند أنفسهم، بل هم بلوروا ما كان موجوداً، واعتمدوا على نفس الارتكازات، ولكنهم فتقوها وبيّنوها، حتى أصبحت مسائل كبرى، مثل القول بكون الإمامة الاثني عشرية ضرورة من ضرورات الدين، من المسلّمات الواضحة.


تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[1] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار.. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج45، ص98
[2] النجفي، محمد حسن. جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام.. تحقيق عباس القوجاني، ط7، دار إحياء التراث العربي، [د.ت]، ج21، ص298
[3] المصدر نفسه.
[4] ابن طاووس، علي بن موسى. اللهوف في قتلى الطفوف.. أنوار الهدى، 1417 هـ، ص19
[5] يُراجع تفصيل هذا المبحث عند الشريف المرتضى، علي بن الحسين. تنزيه الأنبياء والأئمة.. تحقيق فارس تبريزيان الحسون، ط2، بوستان كتاب، 1430 هـ، ص233-235
[6] ابن سينا، الحسين بن عبد الله. الشفاء، الإلهيات.. تحقيق الأب قنواتي وسعيد زايد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975م، المقالة العاشرة، الفصل الأول، ص435-436، حيث يناقش أن معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه من خصائص الأنبياء
[7] يشير إلى الجدل التاريخي في الفكر الشيعي حول مصادر الاستنباط؛ حيث يميل الأخباريون إلى حصر الأدلة في الأخبار المروية عن المعصومين، بينما يتوسع الأصوليون في استخدام الأدلة العقلية وأصول الفقه إلى جانب الكتاب والسنة.
[8] العياشي، محمد بن مسعود. تفسير العياشي.. تحقيق هاشم الرسولي المحلاتي، المكتبة العلمية الإسلامية، ط1، 1380 هـ، ج1، ص12، ح10. مع اختلاف يسير في اللفظ
[9] وهو مبدأ كلامي وعقائدي أساسي في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ويعني نفي طرفي الإفراط والتفريط، كالجبر والتفويض في أفعال العباد، والتعطيل والتشبيه في صفات الله.
[10] «مرتفع القول» و«طيّارة» من مصطلحات الجرح عند بعض الرجاليين القدماء، وتُطلق على من ينسب إلى الأئمة مقامات أو معارف يرونها خارجة عن الحد المألوف، وهو ما قد يُعدُّ في أزمنة لاحقة من ضروريات المذهب بعد تنقيح المباحث الكلامية.
[11] يُنظر: تعليقة الوحيد البهبهاني على منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال للميرزا محمد الاسترآبادي. والبهبهاني، محمد باقر بن محمد أكمل، المعروف بالوحيد البهبهاني، من كبار مجددي الفكر الأصولي في القرن الثاني عشر الهجري.
[12] وهو مصطلح كلامي مشهور في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يُطرح كحل وسط بين الجبر والتفويض في مسألة أفعال الإنسان، ويُستعار هنا للدلالة على المنهج الوسط بين التعطيل المعرفي والادعاء بالإحاطة الكاملة.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo