48/01/28
فقه مقاصد نهضة سيد الشهداء وأبعادها المعاصرة
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الأوفياء أئمة الدين.
وقد ذُكر في تلك الروايات ما قد نصطلح عليه بـ”فقه مقاصد نهضة سيد الشهداء”، أو “فلسفة نهضة سيد الشهداء”، أو “الغايات والأهداف”. وهذه ليست عبارة ثقافية بقدر ما هي عبارة قواعدية تبيّن التفسير الفقهي لنهضة وثورة سيد الشهداء صلّى الله عليه وآله وسلّم. وهذه هي الأصول التشريعية والعقيدة الفقهية التي قامت على ضوئها نهضته.
أهمية التفقّه في فهم أهداف النهضة الحسينية
فالروايات تذكر كثيراً من الغايات والأهداف، وليست هذه رواية واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، بل هي روايات نستطيع القول إنّ أقل ما فيها أنها مستفيضة. وقد ذكرنا أنّ صاحب الجواهر، ولعلنا قرأنا في العام الماضي عبارة له أو لصاحب كشف اللثام أو غيرهما من الأعلام، أنّ الفقهاء لم يستطيعوا أن يفسّروا تفسيراً صناعياً فقهياً سيرة سيد الشهداء في نهضته بكل أبعادها؛ ففي جملة من أبعادها لا يزال هناك نوع من الإجمال.
والإجمال بمعنى أنّ الفعل يُؤخذ منه بُعد تعبّدي. والتعبّد هو هذا المعنى؛ فأحد معانيه هو العمل بالدليل وإن لم يُعرف الأصل التشريعي الذي انطلق منه هذا الدليل، والقواعد التي انحدر منها. وهو حجة بالتالي.
وما الثمرة في ذلك؟ الثمرة كبيرة، وهي أنّ سر الالتفات إلى أنّ الأصل هو تلك القواعد وتلك الأصول التشريعية، فإذا كان في الفعل بعض زوايا الإبهام والإجمال، عُطفت على تلك الأصول والقواعد. فأحد معاني التعبّدية في الأدلة وما شابهها يُراد به الإبهام، فالتعبّدية تعني ما لا يُعرف ملاكه، ولكنه حجة مُلزمة يُؤخذ بها، بخلاف ما إذا فُسِّر تفسيراً فقهياً.
ومَن الذي أمرنا بأن نفسّر الأدلة؟ إنّ الذي أمر بذلك هو القرآن نفسه، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122]، والتفقّه هو فهم التفسير. وقد حثّ القرآن على ذلك بالتعقل والتدبر والتفكر في مواضع كثيرة، وكذلك فعلت العترة الطاهرة.
وحتى سيد الأنبياء صلّى الله عليه وآله وسلّم في خطبة الوداع أمر بأن يبلّغ الشاهد الغائب حديثه، فقال في قولته المشهورة التي رواها الفريقان في خطبة الوداع، وهي خطبة عظيمة جداً: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا… فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»[1] ، وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم أيضاً: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ وَلَيْسَ بِفَقِيهٍ»[2] . واللطيفة أنّ الفقه سُمّي فقهاً لأنه يُفهم، أي هي أصول تُفهم.
إنّ طبيعة القالب البياني للوحي تقتضي أن يُفهم، وأن يُتدبّر ما وراء اللفظ من المعنى، أو ما وراء المعنى الأول الطبقة الثانية، أو ما وراءها الطبقة الثالثة، وهكذا كلٌّ يغرف حسب قدرته. ففهم الأدلة في العلوم والمعالم الدينية، بإرجاعها إلى القواعد والأصول التي انطلقت منها، هو أمر حثّ عليه القرآن والنبي والعترة الطاهرة.
كما ورد عنهم عليهم السلام: «مَنْ عَرَفَ أَمْرَنَا هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَمْ تَزُلِ الْجِبَالُ حَتَّى يَزُولَ»[3] . وقول الإمام الباقر (عليه السلام) لزرارة: «يَا زُرَارَةُ، إِذَا حَدَّثْتُكَ بِشَيْءٍ فَسَلْنِي عَنْهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ»[4] . وهذا هو التأصيل، وهو منهج يقابل منهج السطحيين والحشويين والقشريين.
وفي الحقيقة، فإنّ من جماعتي الأصوليين والأخباريين هناك علماء محققون متبحّرون على اختلاف مذاقاتهم، ونِعمَ بهم. ولكن من كلا الفريقين هناك سطحيون يجمدون على الألفاظ دون أن ينقّبوا عما وراءها ويفهموه.
وعلى أي تقدير، وردت روايات كثيرة في مصادر مثل بصائر الدرجات أو أصول الكافي تحث على دراية الحديث لا مجرد روايته، أي تجاوز الجمود على الألفاظ إلى فهم المغزى والأصل. كما ورد عنهم عليهم السلام فيما رواه الصدوق في معاني الأخبار: «حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيهِ»[5] . وواقعاً هذا البيان معجزة؛ فكيف يكون حديث واحد تدريه خيراً من ألف حديث ترويه؟ ذلك بحسب غوص فهم الباحث في العلم الديني؛ فكلما غاص أكثر، التفت إلى شبكة مترامية الأطراف وأفق واسع، ومن ثمّ تكون دراية حديث واحد أعظم من رواية ألفاظ ألف حديث. وكما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير سورة التوحيد ما يؤكد هذا المعنى، أمّا قدرة المعصوم وغير المعصوم فبحث آخر.
فالمقصود هو هذا المطلب، وهو أنّ التركيز على الفهم أمر مهم، وهو فهم لا يأتي من عنديات النفس، بل ينطلق من ألفاظ الحديث نفسها، طبقة بعد طبقة. فإذا قيل لنا: ما هي التعبّدية؟ قلنا: هي ما كان مبهماً لا نلتفت إلى ما وراء قاعدته أو أمره التشريعي المعيّن. أمّا إذا فهمنا ما وراءه، فالقضية لم تعد مبهمة، بل نعرف أنّ وراءها قواعد.
نظير ذلك: تشجيع الإمام الصادق (عليه السلام) لهشام بن الحكم في مساجلته الكلامية في العقائد والإمامة مع ذلك المعتزلي الكبير، كما ورد في أصول الكافي[6] . فقد أفحمه هشام، وكان في بداية شبابه، حتى إنّ الرواية تصفه بأنّ لحيته لم تكن قد خطّت بعد. وفي محضر تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام)، مدحه الإمام على هذه الكفاءة، ثم قال له: «مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟»، قال: يا سيدي، قواعد وأصول أنت علّمتنيها، فاستنتجت منها ما بلغت به ما ترى.
ومرّت رواية أنّ أحد الرواة استنبط من عبادات الحج ما يعمّ زيارة الحسين (عليه السلام) في عرفة، فقال له الإمام: أحسنت، إنّ استنباطك في محلّه. فالمقصود على هذا الحال، أنّ هناك من الأئمة عليهم السلام تأكيداً وتركيزاً على هذا النهج، وهو نهج إعمال الفهم بموازين وضوابط، سواء كانت قواعد اللغة أم قواعد دينية أخرى.
إذاً، بحث التعبّد، وهو بحث أصولي في نظرية المعرفة، لا نتوغل فيه كثيراً، ولكن المهم أنّ التعبّد يعني أنّ الباحث أو المجتهد أو العالم، أيّاً كان، يصل إلى حدٍّ يعجز فيه عن الفهم، فما وراء ذلك يسمّيه “تعبّدياً” بهذا المعنى، أي أنه مبهم بالنسبة إليه.
وهذه العبارة التي نقلناها في العام الماضي، وربما نجدّد ذكرها عن جملة من الأعلام في مصادرهم، وهم من أساطين الفقه، يعترفون بأنّ الفقه المدوّن لا يمكنه تفسير السيرة السياسية والعسكرية والأمنية لسيد الشهداء تفسيراً كاملاً. فلا تزال هناك مساحة مبهمة علينا في فهمها، نتعبّد بها ونأخذ بها، ولكننا نصل إلى حدٍّ معيّن، ونلتفت إلى ما وراء سيرة سيد الشهداء. ويعني ذلك أننا لو حاولنا تفسير الأمر، فلن نستطيع تفسير كامل سيرته، لا لأنها خارجة عن أبواب القواعد، وإنما لأنّ فهمها يتجدد جيلاً بعد جيل.
فهل اكتفى العلماء بما دوّنه الشيخ المفيد في علم الكلام، أم جاء بعده العلامة الحلّي فكتب وبسط أكثر؟ وهل اكتفى السيد المرتضى بما ألّفه أستاذه الشيخ المفيد؟ أبداً، بل ألّف هو أيضاً. ويذكر السيد ابن طاووس أنّ هناك خمسمئة مسألة في علم الكلام وقع فيها تعدّد النظر بين الشيخ المفيد والسيد المرتضى.[7] والمقصود على هذا الحال، أنّ الشيخ الطوسي الذي جاء بعد أستاذه الشيخ المفيد قد ألّف، وكذلك فعل الكليني الذي جاهد في علم الكلام والفقه والأصول وفقه الحديث والرجال.
وبعدهم جاء الخواجة نصير الدين الطوسي، ثم الشيخ البهائي، والمقدس الأردبيلي، والمجلسي الأول والثاني، والميرزا القمي الذي له كتابات كثيرة من استفتاءات وأجوبة في علم الكلام. وهكذا إلى القرون الأخيرة، لم يكتفِ اللاحقون بما ألّفه السابقون.
ولماذا؟ لأنّ مسيرة تنقيح وبلورة علم الكلام، وإن كانت العقائد الثابتة لا تتغير، إلا أنّ هذه الضروريات والثوابت تحتاج إلى بلورة أكثر فأكثر. وهذا يجري سواء في علم الكلام (وهو علم العقائد)، أم في علم التفسير، أم في علم الفقه. فالعلوم الدينية إذن هي مسيرة تنقيب مستمرة، بما لا يخرج عن الضروريات، وبما لا يخرج عن ميزان أنّ كل شيء لا بد له من دليل. وإلى الآن لم تكتمل مسيرة الاستنباط والتنقيح والتفسير الفقهي، فقه العقل، والعقيدة السياسية التي أشعلها سيد الشهداء.
الجدل التاريخي حول أهداف النهضة وأثرها العالمي
وعلى أثر هذا المطلب، قبل سبعين سنة تقريباً، حصلت ملحمة علمية، أو ما يمكن تسميته فتنة أو مجادلة قوية جداً في حوزة قم. وسبب هذه المشادة التي وقعت بين طرفين من الحوزة، على مستوى الفقهاء والمجتهدين، وإن كانت كفة أحد الطرفين أرجح من الأخرى، كان اختلافاً شديداً جداً حول كيفية قراءة سيرة سيد الشهداء. فالسبب هو الاختلاف في تفسير وقراءة سيرته.
وقد تطور الأمر، وكان سبب هذه الفتنة العلمية، التي أخذت بعداً سياسياً واجتماعياً حوزوياً، كتاباً ألّفه كاتب تحت عنوان “الشهيد الخالد” (بالفارسية: شهيد جاويد). وبغض النظر عن هذا الكاتب الذي كان من جماعة الشيخ المنتظري، فلسنا هنا في مقام الحكم أو الفصل في الخلاف بين هذين الطرفين، بقدر ما نحن في صدد شيء آخر. فقد أخذت القضية أبعادها علمياً وحوزوياً، وكان الانشداد والتشدد فيها صعباً وشديداً. وإنما هدفنا من ذكر هذه القصة التاريخية هو بيان أنّ سبب هذا الاختلاف الشديد كان كيفية تفسير سيرة سيد الشهداء، تلك المدرسة التي هي نبراس، حتى إنني نقلت للأخوة تقارير صينية تقول…
حتى إن محللين استراتيجيين صينيين يقررون أن الحسين (عليه السلام) هزم تلك الدولة العظمى القابعة وراء المحيطات، ففكر الحسين وشعلته يجعلان من الموت والاغتيال نصراً وليس هزيمة. لقد ظنوا أنهم إذا اغتالوا الرؤوس والمدراء والقيادات سينهار خصمهم، فكان العكس؛ إذ جعل الحسين من الشهادة والقتل قوةً وليس ضعفاً، وقدّس الموت لديهم. فالحسين إذن غيّر موازين العالم، حتى إن الصين تعترف بأن لديها أسلحة أكثر تطوراً من إيران وروسيا وغيرهما من الدول، ولكن ليس لديها الجرأة والشجاعة التي لدى أتباع هذه المدرسة.
والسبب: هو الحسين، فلا يزال الحسين كفكر يؤثر في المعادلات البشرية الدولية باعتراف أكبر المحللين الاستراتيجيين.
بل إن الأكاديميات العسكرية الروسية اعترفت في حدود سنة 2006م أو ما بعدها بأن أقوى عقيدة قتالية عسكرية أمنية في العالم الآن هي عقيدة الحسين، هي مدرسة الحسين. وليس هذا كلاماً إنشائياً أو شعرياً، بل هو نتيجة معاينة ورصد لأتباع أهل البيت عليهم السلام؛ لأنه كما هو مقررٌ الآن في الاستراتيجيات، فإن ثمانين بالمئة من الحرب هي حرب نفسية وإعلامية، وليست حرب آليات عسكرية أو لوجستية. ثمانون بالمئة من الحرب، بحسب النظريات العسكرية والأمنية الكثيرة، هي حرب إعلامية نفسية تدور حول سؤال: هل تخور الإرادة أم لا؟ وفيه آيات معروفة كقوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ﴾[8] ، فالصبر هو عامل روحي، وليس عاملاً مادياً أو تكنولوجياً.
ويبدو أن الجانب الروحي جانب مؤثر عظيم في القيادة، في القائد، وفي القيادات والمدراء، ليس فقط في الساحة العسكرية والأمنية، بل حتى في الساحة الاقتصادية والسياسية. ولذلك نجد أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكد في عهده الخالد لمالك الأشتر، وهو العهد الذي اعتبرته الأمم المتحدة ودول العالم نظاماً نموذجياً عظيماً لبناء الدولة، أن من ضمن ما يركز عليه في صفات مدراء الدولة ووزرائها أن يكونوا شجعاناً ذوي بصيرة.[9]
نفاذ البصيرة وصلابة الإيمان: ركائز القيادة
وسبب وصول أبي الفضل العباس (عليه السلام) إلى ما وصل إليه يوجزه الإمام السجاد (عليه السلام) في عاملين[10] : - الأول: نفاذ البصيرة، فهو يقرأ ما وراء الظواهر فقهاً وقواعد، ولا يقنع بسطح البصيرة وسواحلها. - الثاني: صلابة الإيمان، وهو الجانب الروحي.
فهذان عاملان يتحكمان في الإنسان، في القائد، والمدير، والوزير، وفي أي إنسان: جانب نفاذ البصيرة، وجانب صلابة الإيمان والصبر الروحي.
ولماذا؟ لأن الحرب، سواء كانت باردة أم فكرية أم اقتصادية أم صناعية أم أمنية، هي في جوهرها خدعة. وهذا كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) في الحرب لا يقتصر على الحرب الساخنة فقط، بل يشمل الحرب الناعمة والتغالب بالمخادعات.
إذ يقول النبي (صلى الله عليه وآله): «الحَرْبُ خَدْعَةٌ»[11] ، وكأنما يريد أن يقول إن القوة الناعمة في الحروب هي كل الحرب، أما القوة الساخنة فليست إلا جانباً هامشياً. والمقصود هو بيان خطورة الجانب الروحي والنفسي والفكري والإداري والتدبير الأمني في الحرب، وأن الحرب لا تقتصر على الحرب الساخنة، بل تشمل الحرب النفسية والإعلامية والفكرية وحرب الإرادات والحرب الباردة وغيرها من أقسام الحروب.
وعليه، فيتحصل أن هناك عاملين مهمين وخطيرين لمن يتقمص المسؤولية أو يكون في سدة المسؤولية بأي رتبة كانت: - العامل الأول: نفاذ البصيرة، بأن يقرأ ما وراء الأحداث، سواء على مستوى التطبيق والمصداق والبيئة، أو على مستوى التنظير والقواعد. - العامل الثاني: الصبر، لأنه حتى صاحب البصيرة النافذة لا تتكشف له كل الحقائق دفعة واحدة، فلا بد أن يكون جانب الصبر النفسي بديلاً وسنداً.
فأمير المؤمنين (عليه السلام) يشخّص علة الخوارج بأنهم يفتقرون إلى البصيرة، مع أن نيتهم كانت صافية في البدء، فهم «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ»[12] ، حتى إنه (عليه السلام) وصفهم بقوله: «لَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ»[13] ؛ فمشكلتهم كانت في غياب البصيرة النافذة. وصلابة الإيمان لا بد منها أيضاً، ولكن الرادار الكاشف في البداية هو نفاذ البصيرة. فلا بد من هذين الجناحين للوصول إلى الكمالات.
وهكذا مقام الطيار الذي وصل إليه أبو الفضل العباس (عليه السلام)، ووصل إليه من قبله عمه جعفر الطيار (عليه السلام). إن النبي (صلى الله عليه وآله) يتباهى بمفخرة اصطفائية، وهي أن مقام الطيار من مختصات أهل بيته، فلا يصل إلى هذا المقام غير بني هاشم المصطفين، سواء من الدائرة الأولى أم الثانية. فالنبي (صلى الله عليه وآله) يقول في حديث رواه الفريقان في سياق ذكر مفاخر أهل البيت: «مِنَّا الطَّيَّارُ»[14] ، كما قال: «مِنَّا سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنَّا سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ… وَمِنَّا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَهِيَ فَاطِمَةُ»، فهي إمام للنساء، بل سيدة وقدوة، فليس للنساء قدوة من الرجال، بل قدوتهن وإمامهن فاطمة (عليها السلام). وهذا مقام اصطفائي ناله أبو الفضل العباس (عليه السلام) بامتحان نفاذ البصيرة وصلابة الإيمان. إذاً، هما عاملان مهمان في القيادات.
هؤلاء الأعلام في حوزة قم اختلفوا في تفسير عقيدة الفقه السياسي لدى سيد الشهداء (عليه السلام): ما هو رأيه؟ وما هو هدفه؟ واشتد الخلاف العلمي بينهم إلى مراتب شديدة. وهذا الخلاف، وإن كانت له بعض الجوانب السلبية، إلا أن له جوانب إيجابية عظيمة؛ فقد حرك الشارع العلمي في حوزة قم، ووصلت تداعياته حتى إلى حوزة النجف تقريباً.
كما أنه قبل سبعين سنة أيضاً في العراق، في الكاظمية والنجف، قامت فتنة حول الشهادة الثالثة[15] ، فانبرى لها علماء النجف دفاعاً عنها، وسجل هذا الموقف السيد عبد الرزاق المقرّم (رحمه الله) في كتيب له رصد فيه فتاوى علماء النجف وقم ومشهد. وقد اعترف كل الأعلام بأن حساسية هذا الشعار ليست كونه أمراً مستحباً عادياً، بل لأنه معلم للمذهب، فله حساسية خاصة، وهذا ما صرح به السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي وعشرات من العلماء.
فهذه الفتنة العلمية، أو الملحمة، التي دارت حول الشهادة الثالثة، قامت مثلها في تلك الآونة في قم ملحمة حول الحسين (عليه السلام). اشتدت المعركة الفكرية، وكان أحد طرفيها هو صاحب كتاب «الشهيد الخالد» أو «شهيد جاويد» بالفارسية[16] ، الذي قال إن مشروع سيد الشهداء (عليه السلام) كان إقامة حكومة إسلامية دينية، وساق الأدلة والتدبيرات على أن هدفه كان إقامة حكومة عادلة في قبال حكومة الطغيان الأموية اليزيدية.
هذه هي فكرة الكاتب، إلا أنه لكي يجيب على نظريات الطرف الآخر القائلة بأن هدف سيد الشهداء لم يكن ذلك، بل «إِنَّ اللهَ شَاءَ أَنْ يَرَاكَ قَتِيلاً»، وأن المسار كان مرسوماً للشهادة. وطبعاً، أصحاب هذا القول أيضاً متعددون في تفسيراتهم وتصويراتهم.
والكلام يقع: في معنى أن تكون الشهادة مشروعاً. فالطرف الأول، أصحاب الكتاب، يعترضون على الطرف الآخر الذي يسمونه بالتقليدي، قائلين: ما هذا التفسير بأن مشروع سيد الشهداء هو الشهادة؟ وهل الشهادة مشروع في حد ذاتها أم لا؟ وهذه هي الإثارة الفقهية، أو ما عبرنا عنه بالعقيدة الفقهية أو السياسية.
والسؤال هنا: لماذا تسمى «عقيدة سياسية»؟ هذا المصطلح الأكاديمي موجود، كما يقال: العقيدة العسكرية، والعقيدة السياسية. فمثلاً، حين يقال إن دولة عظمى لديها عقيدة عسكرية نووية، فما هو الرابط بين العقيدة والعسكرية والنووي؟
والجواب: أن هذا اصطلاح منهجي، ومعناه أن القائد العسكري أو الجندي، إن لم تكن لديه رؤية أيديولوجية معينة، فلن يكون له ثبات واستمرار في القتال، وقد يخور في وسطه أو يتراجع أو يترك الساحة. انظر إلى ظاهرة الانتحار العجيبة الموجودة في جنود بعض الدول الكبرى أو دولة الاحتلال؛ إنهم لا يملكون تفسيراً لعقيدتهم القتالية التي تبرر لهم نزف الدم. فإذن، حتى الآلة العسكرية والجيش والأمن تحتاج إلى أدلجة وعقيدة تسند الموقف والمسار السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي.
والحاصل: أن العقيدة تعني أن القوانين، سواء كانت عسكرية أم سياسية أم غيرها، لا بد أن تتنزل من أصول تشريعية ملاصقة للعقيدة، وهذا الغطاء الذي يسند القائد أو الأمة هو العقيدة. فالعسكر يحتاج إلى عقيدة، والسياسة تحتاج إلى عقيدة، وهكذا. فالعقيدة العسكرية أو السياسية أو الأمنية تكون بمثابة القلعة الحامية التي تمنع الفرد من الخيانة والخور والجبن والهرب.
وقد ذكرنا سابقاً الحديث المعجز عن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، الذي يصف فيه حال الأمة في آخر الزمان، حيث قال: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ».[17]
تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: ومن قِلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن». فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»[18] . ولهذا الحديث ألفاظ متعددة.
فمعنى الغثائية هو غياب النظام والإدارة، وحلول الفوضى، وانعدام القيادة الرشيدة والإدارة المتينة، بل إن سبب ذلّتهم يرجع إلى حكامهم وأنظمتهم، فهم الذين يوقعونهم في الذلّ، وفي هذا إعجاز نبويّ.
والسبب الثاني الذي بيّنه سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) هو “الوهن”، المفسَّر في الرواية نفسها بحب الدنيا وكراهية الموت، ومآل ذلك إلى ضعف النفس وانعدام الصبر والشجاعة والثبات.
مدرسة الحسين: علاج الوهن وتحقيق صلابة الروح
ويتفرّع على ذلك أن مدرسة سيد الشهداء (عليه السلام) تعالج أحد أهم هذه الأمور، ألا وهو تحقيق صلابة الروح. وإنما تكون الروح صلبة عندما لا تخشى الموت.
وعلى هذا، يُطرح التساؤل: هل كان مشروع سيد الشهداء (عليه السلام) هو معالجة سبب الانحطاط؟ إن السبب الذي تنحط به الأمة الإسلامية أو البشر عموماً هو الخوف والرعب من الموت، فإذا انتفى الرعب من الموت، صار الإنسان بطلاً قوياً قادراً، سواء كان في موقع القيادة أم كان من عامة الشعب أو المدراء أو النخب.
ويُذكر في هذا الصدد ما ورد في مقابلة منشورة مع رئيس سابق لجهاز الاستخبارات السوفيتية (الكي جي بي)، حيث ذكر أن بعض من يُعدّون رموزاً للشيوعية، من أمثال فيدل كاسترو وتشي جيفارا وإدوارد شيفردنادزه وغيرهم، لم يكونوا شيوعيين بالمعنى الحقيقي. ومما يلفت النظر في كلامه قوله إننا استغللنا أسماءهم ورفعناهم كرموز للشيوعية، ولكنهم في حقيقة الأمر لا يؤمنون بها. وحين سُئل عن وجه ذلك، أجاب بأن هؤلاء كانوا يطلبون نمطاً من الحرية لا وجود له في الفكر الشيوعي.
إن الأوصاف التي ذكرها للحرية التي كانوا ينشدونها تنطبق على حرية الحسين (عليه السلام)، وكأن فطرتهم كانت تنادي “يا حسين” من حيث لا يشعرون. فهذه الشيوعية لا تؤمّن لهم مطلبهم، ولذلك أدركوا أننا لسنا على قدر آمالهم فجاملونا، وهم في الأصل ليسوا بشيوعيين. ثم إن العدالة التي كانوا ينشدونها تنطبق على العدالة التي ينادي بها صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف، فكأن فطرتهم كانت تنبض باسم “المهدي” وإن لم يصل إليهم اسمه.
والإشكال المحوري هنا: كيف يقع التوفيق بين القول بأن مشروع سيد الشهداء (عليه السلام) كان يهدف إلى إقامة حكومة، والقول بأنه كان مشروع شهادة واستشهاد؟ وما هو معنى الشهادة والاستشهاد المشروع؟ وكيف يمكن الجمع بين هذين الهدفين؟
إن سيد الشهداء (صلى الله عليه وآله) وسلم قد ذكر في خطبه المتعددة، منذ خروجه من المدينة المنورة إلى مكة، ثم في الطريق إلى كربلاء، وفي يوم عاشوراء نفسه، أهدافاً متنوعة لنهضته، فما هو وجه الجمع بينها؟ لقد دارت بين الأعلام نقاشات مستفيضة حول كيفية الجمع بين هذه القواعد والأهداف، ولا يزال الأمر مستفحلاً بالصعوبة والإغلاق إلى يومنا هذا.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.