48/01/27
نهج الحسين: فقه سياسي ورؤية معاصرة
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وأشرف السفراء المبعوثين.
مما يُلاحظ في تتبع روايات أحداث عاشوراء، أنه قد تبيّن لنا ضمن هذه السلسلة أنَّ هناك في الحقيقة موجاً بشرياً ينقل أحداث عاشوراء، بمعزلٍ عن قنوات الوحي وما يُعبّر عنه بـ”عدسات الوحي”. وهذا الأمر يدفع إشكالاً كبيراً، وهو القول بأنَّ نقل واقعة عاشوراء يقتصر على طريق ضيّق ومصدر محدود.
إضافةً إلى ذلك، نجد في مفاد الروايات خطب سيد الشهداء (عليه السلام)، سواء خطبته في المدينة، أو خطبه في الطريق من المدينة إلى مكة، أو في مكة، أو من مكة إلى كربلاء، أو في كربلاء نفسها. فقد كانت لسيد الشهداء (عليه السلام) خطبٌ في محطاتٍ عدّة، وهي تمثّل تراثاً عظيماً جداً يبيّن سُنّة سيد الشهداء ونهجه.
فكما أنَّ سيد الشهداء (عليه السلام) أصرّ قبل يوم عاشوراء على أن يخطب فيهم، فإنَّ هذا الخطاب ليس موجهاً لأولئك القوم فحسب؛ بل هو خطابٌ من معصومٍ لكل البشرية، فهو خطابٌ لنا، وليس خطاباً لمعسكر ابن زياد فقط. إنَّ القرآن يموت لو جمد على مورد نزوله، وكذلك كلمات المعصومين وأفعالهم. وإلّا فكأننا نكون في زلزال، ولكن لا نعلم ما هي غايات هذا الزلزال.
فخطب سيد الشهداء أمرٌ ضروريٌ جداً، كمثل خطب عقائل النبوة، وخطبة الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الشام أو في الكوفة. فهذه الخطب تحمل قواعد عقائدية، وقواعد في الفقه السياسي، وفي تحديد المسؤوليات. وبالتالي، ليست هذه القواعد قضيةً استثنائيةً في واقعها كما يروق لكثيرين أن يتعاملوا معها.
ديمومة نهج الحسين ونفي خصوصية الواقعة
إنَّ هذا القول هو بمثابة الجحود لإمامة الحسين (عليه السلام) وإنكارها، فإنَّ معنى الإمام هو الذي يُقتدى به، ويسنّ الله به سُنناً وحيانية. أمّا القول بأنَّ هذا أمرٌ خاصٌّ بسيد الشهداء لا يعني الشيعة من قريبٍ ولا من بعيد، فهو نسخٌ لإمامة الحسين (عليه السلام).
ويتشبّث البعض بما ورد عن الإمام الباقر أو الصادق أو الكاظم عليهم السلام، والمشكلة في هذا المسلك هي النظرة غير الشمولية والتجزيئية، التي ينفرط بها عقد الدين وينمسخ، فيُقال بأنَّ أوامر الصادق والباقر والكاظم وبقية الأئمة اللاحقين ناسخةٌ لفعل الحسين (عليه السلام).
فإن قيل: إنَّ فعل الأئمة اللاحقين ينسخ فعل الإمام السابق. قلنا: إنَّ هذا يستلزم نسخ إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً، فماذا نصنع بخطبه في الفقه السياسي؟ فإذا كان الأئمة كلهم نوراً واحداً وكلامهم واحداً، فإنَّ المتكلم واحد، ومنظومة الدين تقتضي جمع كلماته كلها.
ومثال ذلك: في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، هل كان هناك تحريضٌ من الإمام لشيعته على التدخل في السياسة والقضايا العسكرية والأمنية أم لا؟ الجواب: نعم، وقد أفتى الفقهاء بذلك، والنصوص موجودة، ولكن يُتعامى عنها. وهذه هي عين مشكلة بعثرة الأدلة بعضها عن بعض. وهكذا كان الحال في زمن بقية الأئمة صلوات الله عليهم.
والمشكلة هنا: أنَّه إذا جزّأنا الأدلة، أو تشبّثنا ببعضها دون بعض، أو عمّمنا ما ورد في أبواب ذات موضوع خاصّ أو قيد خاصّ وجعلناه حاكماً على بقية الأبواب والأدلة، فإننا ننظر إلى سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وكأنَّها منسوخة، فيصبح تعلقنا به لمجرد البكاء عليه، لا للاقتداء به.
والحال أنَّ البكاء وإن كان أمراً مقدّساً، إلّا أنَّ فلسفته تكمن في كونه سبيلاً للاقتداء بالإمام والانجذاب إليه. وكذلك التبرؤ من أعداء سيد الشهداء وقتلته، هو أمرٌ عظيمٌ حقاً، ولكن فلسفته هي أن نعادي كل من يكون على نهج أعداء سيد الشهداء في زماننا.
الأنشطة الأمنية والسياسية للأئمة: استمرارية النهج
إنَّ أحد الأمور العظيمة في سيرة سيد الشهداء (عليه السلام) أنَّه كان يحمل همّ مصير الأمة. وهذا النهج لم يتغيّر، فاغتيال الأئمة عليهم السلام دليلٌ على أنَّهم كانوا في مسار الإمساك بزمام القدرة والقوة، ولو بآلياتٍ خفيّةٍ ناعمة. ولماذا قُتلوا؟ لأنَّ السلطات الأموية أو العباسية استشعرت أنَّهم يسحبون البساط من تحتها، ولكن بطريقٍ خفيٍّ أو ناعم، مع أنَّ الإمام لم يكن يعطيهم أي دليلٍ يتذرّعون به لقتله، كما هي سيرة سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) في مكة المكرمة، حيث لم يقم في الظاهر بأي عملٍ عسكري أو أمني، مع وجود قضايا أمنية كثيرة كان يديرها في تلك السنوات الثلاث عشرة.
وهنا يجب أن نميّز بين النشاط الأمني والنشاط العسكري. فالنشاط الأمني في الاصطلاح لم تُفرز له أبوابٌ مستقلةٌ في البحوث الفقهية، وهذا تقصيرٌ في تدوين الأبواب الفقهية يجب سدّه. ففي الدول المعاصرة، نجد أنَّ الأمن الصحي فكرة، والأمن التعليمي فكرة، والأمن الصناعي فكرة، والأمن الزراعي فكرة، والأمن التجاري فكرة. فكل مجالٍ له نظامٌ أمنيٌّ خاصٌّ به. أمّا المخابرات والاستخبارات، فهي تمثّل مجالاً واحداً من عشرات المجالات الأمنية.
والمقصود: أنَّ هذا علمٌ كبيرٌ وضروري، وعندما نفهم هذا العلم، ندرك أنَّ الأئمة عليهم السلام كان لهم أنشطة أمنية، بل إنَّ كل واحدٍ منهم كان أخبر رجال الأمن العام في زمانه، لا يضاهيه أحدٌ في النشاط الأمني؛ سواء في الأمن الصناعي، أو التعليمي، أو الثقافي، أو الروحي، أو الصحي، أو التنظيمي، أو الإداري، أو الخفي. ولكن من يقرأ هذه الحقائق عن أئمة أهل البيت؟
فالإمام الهادي والإمام الحسن العسكري عليهما السلام لم يكونا سجينين عاديين، بل سجينين عسكريين. والتشديد على السجين العسكري أشدّ منه على السجين السياسي. ورغم الحصار، لم يستطيعوا أن يقطعوا أنشطة الإمام الهادي مع قواعده المؤمنة والمسلمة. والإمام الكاظم (عليه السلام)، الذي قضى في السجن خمس عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة، أو عشر سنين، فهل استطاعوا أن يحجّموا أو يقطعوا أو يقلّصوا أنشطته الاجتماعية والسياسية؟ أبداً.
وكيف كان يدير كل هذا؟ لا يُفسّر هذا الأمر بالمعجزات، فأغلب نشاط أهل البيت عليهم السلام لم يكن قائماً على المعجزات، بل كان مسؤولياتٍ يقومون بها. وهذا دورٌ كبيرٌ يتطلّب نظاماً وإدارةً وتدبيراً وتخطيطاً.
إذن، الروايات الواردة في أبواب الفقه السياسي عن الإمام الباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام كثيرةٌ جداً.
فمثلاً: من المسائل المطروحة في هذا السياق، ما يمكن التعبير عنه بالاصطلاح العصري بـ”اختراق الأنظمة المعادية أو الجائرة”، وكذلك مسألة بيع السلاح لهم.
والمشكلة: أنَّه إذا لم يأتِ فقيهٌ جامعٌ للشرائط، فقيهٌ يلمّ بجميع الأبواب ليعطي رؤيةً متكاملةً لمسار معالم المذهب، فإنَّ تقحّم غير الملمّين بالأبواب في هذا المجال يكون خطيراً في إعطاء رؤية للمذهب.
والمقصود بهذا المطلب: هو الإشارة إلى مسألة حرمة بيع السلاح على الأعداء، وهي مسألةٌ فيها نصوصٌ واضحةٌ عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وهذا يطرح سؤالاً عن السلاح بوصفه قوةً عسكرية. فقد كان من المؤمنين في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) من يعمل في المصانع العسكرية، وهذا ما ينبغي أن يُقرأ بلغةٍ عصرية. لا تستحضر الرواية بلغتها القديمة، فإنَّ اللغة التاريخية قد تميت حقيقة الرواية. بل اجلبها بلغةٍ عصرية لكي تعيش الرواية ويعيش كلام الإمام. فكل أمرٍ مهمٍّ في الاستنباط، ترجمه بلغةٍ عصرية ولا تجلبه بلغةٍ تاريخية حتى لا تفقد الإحساس به.
ومثال ذلك ما مرّ بنا في قوله (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ شَاءَ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا»، [1] فهذه مشيئةٌ، فهل هي تشريعيةٌ أم تكوينية؟ وحتى لو كانت تكوينية، فما هو نطاقها التشريعي المستفاد منها؟ إنَّ معنى «شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا» هو أنَّ على النساء جهاداً آخر غير جهاد القتال الساخن؛ فجهاد الكلمة، والجهاد الناعم، والحرب الباردة، والإعلام، كل هذه الأدوار غير ساقطةٍ عن المرأة، بل هي باقيةٌ على حالها. حتى الرجل المعوّق إنَّما يسقط عنه الجهاد البدني الساخن، أمّا إذا كان عقلاً مدبّراً، فلا يسقط عنه، إذ يستطيع بفكرةٍ أو تدبيرٍ أن يشارك ويساهم، فكلٌّ يساهم من موقعه.
فالقول بأنَّ المرأة ليس عليها جهاد، المقصود به هو الجهاد الساخن، وليس مطلق الجهاد. وإلّا فما معنى قوله: «شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا»؟ هذا تشريعٌ وسُنّةٌ إلهية، وهو أمرٌ عظيمٌ نستنبطه من كربلاء. ومقتضاه أنَّ على عقائل النبوة مسؤوليةً أكبر من بقية نساء الأمة، وهي مسؤولية جهاد العدو إعلامياً، وبالآليات الناعمة، وبالحرب الباردة. وهذا الدور ليس ساقطاً عنهن.
فمن بعد يوم عاشوراء تبدأ مسؤوليات عقائل النبوة، حتى إنَّ السلطة الأموية خافت من إثارة الثورة والتحريض. وكانت خطبة الإمام زين العابدين (عليه السلام) كذلك إدانةً واضحةً لأصل السلطة الأموية، سواء في الكوفة أم في الشام.[2] فهل أقدمت زينب العقيلة (عليها السلام) على هذا الدور؟ هذه هي سُنّة زينب ونهجها. أمّا أن نقول إنَّ هذا فعلٌ خاصٌّ بواقعته، ولا نستنبط منه شيئاً، فأيُّ اقتداءٍ بسيد الشهداء يبقى حينئذٍ؟
إذن، إنَّ عدم دراسة العقيدة السياسية والاجتماعية لسيد الشهداء، ومن ثم فقهها، هو إماتةٌ لسُنّة سيد الشهداء بلا شك. فالبكاء ذريعةٌ لكي أطيع سيد الشهداء فيما رسمه لي من نهج. وهو عظيمٌ بهذا المعنى، إذ يرشدني إلى أن أجعل سيد الشهداء صراطاً مستقيماً لي. ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام - 153]. فهل يُقال: “اتبعوه” أم “ترنموا به”؟ إن قيل إنَّ عمل سيد الشهداء منسوخٌ وسيرته قضيةٌ في واقعة، فكيف يُتّبع؟
إنَّ فقه العقيدة السياسية التي بيّنتها العقيلة زينب (عليها السلام) في خطبها واضح، فلها خطبةٌ في مجلس ابن زياد، وخطبةٌ في مجلس يزيد، وخطبةٌ مع أهل الكوفة، فهذه ثلاث خطبٍ على أقل تقدير. فما هي العقيدة السياسية التي تحملها زينب؟ ولماذا أُبعدت بعد ذلك عن المدينة المنورة؟
المقصود: أنَّ هذا الأمر يجب الالتفات إليه، هو وسائر خطب أهل البيت كخطبة سكينة وفاطمة الصغرى وغيرهما، وإلّا نكون ممن قيل فيهم: “قلوبهم معك وسيوفهم عليك”. فالعاطفة عظيمة، ولكن يجب أن تكون لأجل أن ننهج نهجهم، ونقتدي بهم، ونأتمّ بهم.
فإذا كانت عبارة «شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا» مصدراً فقهياً عظيماً للعقيدة السياسية في أدوار المرأة، فإنَّ هذه الأدوار لا تقتصر على حالةٍ دون أخرى. فلماذا نجد في سيرتهن فضيحةً للظالمين؟
إعلاماً فاضحاً للظالمين. ولماذا قامت العقيلة زينب (عليها السلام)، وقبلها أمها فاطمة (عليها السلام)، بالدور نفسه؟ لقد واجهت العدوان، ووقفت عند الباب، وكلمت القوم، وأدانت فعلهم، وذهبت إلى ما كان بمثابة القصر الرئاسي آنذاك لتخطب في الناس وتحاجج وتكشف زيفهم. إذن فهذا الدور مستثنىً من الجهاد المعهود، فهو جهاد الكلمة، وجهاد الإعلام، وجهاد التبيين، وهذا كله ليس ساقطاً عن المرأة أبداً.
إنَّ جهاد القتال شيء آخر يتعلق بالجانب البدني، أما بقية أنواع الجهاد فكلها واجبة على الجميع، وهذا هو النهج الذي سارت عليه فاطمة صلوات الله عليها. فهل فترت عن جهاد الكلمة والجهاد الناعم؟ أبداً، فحين أتاها نسوة الأنصار فتحت الملف مرة أخرى، وحين أتاها الرجلان فتحت الملف مرة أخرى، فلها ما يقارب أربع أو خمس خطب، لا خطبة واحدة أو اثنتان.
بل حتى عند زيارة قبر أبيها سيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، كانت تفتح الملف من جديد، فتقول فيما نُسب إليها: “قَدْ كانَ بَعْدَكَ أَنْباءٌ وَهَنْبَثَةٌ”[3] ، وتواصل كشف ما جرى. إنَّ بحث الملف الساخن بالآلية الناعمة أمرٌ ما فترت الزهراء (عليها السلام) عن القيام به. وما قامت به العقيلة (عليها السلام) كان على نهج أمها، فهي سيدتها وإمامها وقدوتها.
وعندما يقال إمامة فاطمة: فمقتضى ذلك أنَّ على النسوة أن يأتممن بفاطمة (عليها السلام) في نهجها السياسي وجهادها بالآلية الناعمة. كما أنها سيدة نساء الأمة، بل لها سيادة في الجوانب المشتركة مع الرجال، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ¤ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 11-12]. والسؤال: هل تكون آسيا قدوة للرجال؟ الجواب: نعم، تكون قدوة للرجال، باعتبار أنها لم ترهبها دولة فرعون العظمى وهي في داخل بيته، وهذا الموقف البطولي ليس مختصاً بالنساء، بل هو مَثَلٌ يُحتذى به للرجال والنساء في الميادين المشتركة.
على أي حال، فالقضية ليست قضية ترانيم، بل هي رؤى وبصائر ومسؤولية تقع على عاتقنا. فقوله: “شاء الله أن يراهن سبايا” يفتح الباب لفهم طبيعة المسؤولية التي وقعت على فاطمة (عليها السلام) وما جرى عليها، حتى ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) في روايات وردت عند الفريقين ما سيحل بها، ككسر ضلعها وإسقاط جنينها وقتلها، وهي عناوين خمسة ذكرها النبي (صلى الله عليه وآله).[4]
وهذا هو جهاد فاطمة (عليها السلام)، فهي تقوم بالجانب الناعم والمقاومة الناعمة، فينضح الطرف الآخر ويستخدم أسلوب العنف، فينكشف أمره أمام العالم وتظهر حقيقة هدفه، وهو الحرص على السلطة والملك، لا المبادئ المقدسة. وإلا فكيف يُعتدى على بنت النبي (صلى الله عليه وآله) وهي لم تخض حواراً بالسلاح؟
وقد قال سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في وصيته لأمير المؤمنين (عليه السلام): “يَا عَلِيُّ، انْفُذْ لِمَا أَمَرَتْكَ بِهِ فَاطِمَةُ، فَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُهَا بِأَشْيَاءَ أَمَرَ بِهَا جَبْرَئِيلُ (عليه السلام)”[5] . فكل ما قامت به فاطمة (عليها السلام) كان بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله). هكذا ينبغي أن تُدرس شخصية فاطمة (عليها السلام)، فهي بذلك سُنَّة وحجة وإمام يُقتدى به للنساء، وفي الميادين المشتركة يقتدي الرجال بفاطمة (عليها السلام).
فبالتالي، إنَّ هذه سنن أهل البيت عليهم السلام، والالتصاق بهم والارتباط بولايتهم والبكاء عليهم هو للانشداد إلى صراطهم ونهجهم وسيرتهم. أما من يناصرهم بقلبه فقط دون لسانه ويده، فإنه يأتم بهم بقلبه فقط، والمطلوب أن نأتم بهم بقلوبنا وأفكارنا وأعمالنا. ولكل سُنَّة من سنن أهل البيت عليهم السلام ظروفها وبيئاتها، والنظر في مجموع الأبواب هو المنهج الصحيح.
وفي زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، نجد أنه يأمر بالاختراق الإداري للنظام العباسي. ومثال ذلك: الرواية الواردة في الباب الثامن والأربعين من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة في وسائل الشيعة، وهو باب بحثه الأعلام على مدى ألف سنة. فعن الصادق (عليه السلام)، فيما معناه، أنه إذا وُليت عملاً من قِبَل السلطان الجائر، فاعمل بما يأمرك به الله ورسوله، لا بما يأمرك به النظام الطاغي. حينئذٍ تكون في طاعة الله ورسوله، فأنت تدخل في نظامهم، لكن نهجك وسيرتك السياسية والإدارية والأمنية ليست نهجهم، بل تعتمد على ما أمرك الله به ورسوله.[6] وهذه الرواية هي محل إفتاء كل العلماء، سواء كان لديهم نشاط سياسي ظاهر أم لا، مع أن لكل فقهائنا أنشطة ولكن بألوان وأنواع مختلفة.
وكمثال معاصر، فإنَّ الموقف السلبي للسيد الخوئي (رحمه الله) تجاه البعثيين قد أسقط شرعيتهم في حرب الثماني سنوات، وقد كلفه ذلك الموقف أن يُقتل من بطانته وأولاده الشيء الكثير. وهذا بحد ذاته أسلوب من الأساليب الناعمة لجهاد الطغاة، وهو أسلوب خطير جداً. وهكذا نجد في مواقف عديدة أخرى أن لكل عالم آليته وأسلوبه المعلوم.
الحسين في التحليلات المعاصرة: مصدر قوة عالمي
إنَّ ترجمة بيانات أهل البيت عليهم السلام بالعبارة العصرية أمرٌ ضروري جداً، لأنه يجعل الإنسان يعيش الاستنباط حياً. وفي هذا السياق، يعجبني تحليل صيني لطيف جداً يقول إن البكاء على الحسين (عليه السلام) في عصرنا هو سبب قوة أتباع أهل البيت عليهم السلام في مواجهة الدول العظمى. إننا نتابع إصداراتهم يومياً وفيها عبرة، لأننا قد نمتلك آليات قوة عظيمة ونحن لا ندري بها، وهذه هي المشكلة، أن الأجنبي هو من ينبهنا لآليات العظمة الكامنة في بيئة أهل البيت عليهم السلام.
يقول التحليل: إنَّ سبب عدم انهيار أتباع أهل البيت عليهم السلام عندما قُتل قائدهم هو أن أعداءهم جهلوا أن هؤلاء قد تربوا على عقيدة الحسين (عليه السلام) السياسية. وعقيدة الحسين السياسية: هي أن الذي يُقتل يصبح أكثر قداسةً، ويُتَّبع أكثر، ويُتمسك به أشد. فلما رأى الأعداء العكس، فبدلاً من انهيار النظام الاجتماعي زادت قوتهم، أدركوا أنهم لم يفهموا حقيقة التشيع وأهل البيت عليهم السلام.
فالحسين (عليه السلام) ماذا صنع؟ لقد قدّس الموت. وتقديس الموت هو أكبر آلية للقوة، وأكبر آلية للمقاومة، ولو كانت أمامك ناطحات السحاب من الأسلحة؛ فلا يصيبك جبن ولا خَوَر ولا تنهار. قد ينظر العدو إلى الحسين (عليه السلام) على أنه أزمة، لأنه طبع أتباعه على أن الموت مقدس وجميل. فكيف ينهار مجتمع كهذا؟ إنَّ الحسين (عليه السلام) خلق في أتباعه عامل شجاعة وقدرة وقوة بأن قدّس الموت، فصار ناموساً لاهوتياً مقدساً. وعندما يقدَّس الموت، فأين الخوف؟
وقد بيّن سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) هذا السر، حتى إنَّ الصين وروسيا تقر في تقاريرها، فتقول: “الشجاعة التي يمتلكها أتباع أهل البيت ليست لدينا”. إنهم يملكون الجرأة، بينما القوى الكبرى قد تتردد. فالحسين (عليه السلام) أوجد في أتباعه جرأة فريدة.
إنَّ الحسين (عليه السلام)، في عصرنا الآن، يلعب بمعادلات القوة في العالم، وهذا باعتراف الصين وروسيا. الحسين كمدرسة، لا الحسين الذي يُختزل في البكاء فقط. فالبكاء شيء مقدس، ولكنه مقدس حيث يُنتهج نهج الحسين. الحسين حي بنهجه، بالاقتداء به، والائتمام به. إنَّ للحسين حرارة في القلوب تبث في أتباعه الشجاعة والقوة والقدرة على عدم الانهيار والخَوَر.
وهم يعترفون بأن عنصر القوة الروحية هذا هو سلاح استراتيجي لم يخطر لهم ببال. فالصينيون والروس يعترفون بأن عنصر الروح والشجاعة الذي بثه الحسين هو أزمة حقيقية لأعدائه. ولذلك، لا يزال الظالمون إلى اليوم يتخوفون ويتوجسون من الحسين، لأنه بنى في أتباعه عقيدة تُحدث زلزالاً. ونحن نقرأ هذا في التحليلات المعاصرة للملفات والدراسات الصادرة من مراكز الدراسات الغربية والشرقية حول ظاهرة الأربعين ما بين عامي 2003 و2024.
والسؤال المركزي في هذه الدراسات: ماذا يصنع الحسين الآن؟ هل يدكدك عروش طغاة العصر أم لا؟ والجواب: نعم، إنه يدكدكها الآن، فكراً وروحاً ونوراً وتربيةً لأتباعه. فهم يقولون إن المشكلة الحقيقية في معادلات القوة في مناطق مثل باب المندب وهرمز، ليست في الصواريخ، بل فيمن يدير الصواريخ بوهج الحسين. الأزمة الأصلية بالنسبة للعدو هي أن هذا المقاتل يحمل وهج الحسين وفكره وروحه، فلا ينهار ولا يجبن.
تشخيص داء الأمة وعلاجه في نهج الحسين
إنَّ كلمات سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) كلها استراتيجية. فعندما يصف حال الأمة الإسلامية في آخر الزمان، يقول: “يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا”. فَقَالَ قَائِلٌ: “وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟” قَالَ: “بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ”. فَقَالَ قَائِلٌ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟” قَالَ: “حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ”[7] .
مشكلة الطرفين، فهذان السببان ذكرهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم علّةً لذلّة الأمة الإسلامية، وهذه الرواية موجودة من طرقنا وطرقهم بألفاظ متعددة.[8] وهنا يخاطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم، فهل هذا الكلام منسوخ؟ إنه يخاطبنا بالمسؤوليات السياسية والعسكرية والأمنية التي يجب أن نقوم بها، والتي يُتخلى عنها إما من جهة عدم وجود الإدارة الناصحة والقيادة الأمينة، أو لسبب ثانٍ وهو أن الأمة إجمالاً تخاف العدو وتخاف الموت وقد استحبّت الحياة الدنيا. والمسؤولية تقع على الرؤوس وعلى المتوسطين وعلى جميع الشرائح، فهذا التواكل والتخاذل هو سبب ذلّة الأمة كما بيّن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم.
فماذا يصنع الحسين (عليه السلام) لعلاج هذا المرض؟ كما يذكر المحللون الصينيون، إنَّ الحسين (عليه السلام) يقدّس الموت، فيجعله أمراً عظيماً لاهوتياً، وبذلك يبث الشجاعة في نفوس أتباعه. وبهذا يزول أحد أسباب ذلّة الأمة. إنَّ الحسين (عليه السلام) بالشهادة التي يدعو إليها، والتي تعني الإخلاص وعدم الخنوع لتهديدات العدو، يصنع قيادة ناصحة في كل طبقاتها لا تخنع. فالسببان اللذان ذكرهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم لذلّة الأمة وانتكاستها، يعالجهما نهج الحسين. وهذا هو ما أشار إليه الصينيون في تحليلهم، مع أنهم لا يملكون عقيدة الحسين التي عندكم.
وعليه، فإنَّ واقعة عاشوراء، حتى البوذيين باتوا يفهمون فلسفتها اليوم. فالحسين في عصرنا منقذ للشعوب حتى غير المسلمة، لأنه يكسّر أصنام وفراعنة العصر، كل فراعنة العصر يكسّرها، وهذا هو الحسين (عليه السلام)، ولو عبر أتباعه. والآن بدأت الصين تتجرأ في قبال القوى الأخرى، وكذلك الروس. فمن الذي بث فيهم هذه الروح؟ إنه الحسين.
وحيث إنَّ الأئمة عليهم السلام يصرّون على تعلقنا بالحسين، فما السبب في ذلك؟ وما هي الفلسفة والغاية؟ بتعبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء قدس سره، تشير الروايات المستفيضة بل المتواترة إلى أنَّ أعظم الأجر في زيارة الحسين (عليه السلام) يكون عندما تزوره وأنت خائف على نفسك؛ ليس خوفاً على مالك وعرضك فحسب، بل على نفسك.[9] وقد أفتى بذلك أغلب الفقهاء، بل أكثرهم، لأنَّ في ذلك تربية على الشجاعة والقدرة.
والسؤال هنا: ما معنى الشهادة؟ ولماذا جعلها سيد الشهداء مقدسة؟ الشهادة هي ألا تكترث بالموت وألا تجبن، وليس معناها أن تكون بذلةً للعدو، بل هي إدارة وتدبير. فالحسين (عليه السلام) كان يقول مراراً وتكراراً: “سأُستشهد”، ومع ذلك كان يدير الأمور كأنه سينتصر لا كأنه سيُستشهد. هذا هو معنى الشهادة الذي لا نفهمه على وجهه، حتى الشهادة التي نقدّسها. فكثير من الشهداء رضوان الله تعالى عليهم، مع كامل احترامنا لشهادتهم، لم يدركوا المعنى الحقيقي العالي للشهادة.
ومثال ذلك: ما معنى الشهادة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ وما معناها عند سيد الشهداء (عليه السلام)؟ ليس معناها أن تكون شجاعاً فتبذل نفسك ليستأصلك العدو ويقتلك، فهذا معنى باطل للشهادة. تأمل في حال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في غزوة أُحد، فبعدما جدّل الأبطال وحقق نصراً للمسلمين إثر الهزيمة الأولى، وإن كانت كتب التاريخ تطمس هذا المقطع الأخير من الغزوة كعادتها معه، بقي يبكي. فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم عن سبب بكائه، فقال: “فاتتني الشهادة”.[10] وأي شهادة تفوتك يا أمير المؤمنين، وأنت الذي يصفك وحشي وغيره من الأعداء بأنهم يخشون الاقتراب منك لما لديك من فنون وجرأة عسكرية؟ أي شهادة تفوتك وهو الذي جدّل أصحاب الرايات من بني أمية وقريش الذين أحاطوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم، وحقق النصر بعد الهزيمة؟ هذه فنون في الإدارة العسكرية وعدم الانهيار، فالشجاعة ليست قوة عضلات وفروسية فقط. وللأسف، إنَّ شجاعة أمير المؤمنين في إدارة الأزمات لم يُسلّط عليها الضوء. فإذا كان أمير المؤمنين بهذه المنزلة، فأي شهادة يطلبها؟ دعونا نتأمل في معنى الشهادة التي طلبها أمير المؤمنين وبكى عليها بكاء الثكلى في أُحد، وهو الذي لم يكن ليفتح طريقاً للعدو كي يغتاله. إذن، معنى الشهادة، مع احترامنا لكل الشهداء من المؤمنين، لم يُفهم على وجهه الأكمل.
وكذلك سيد الشهداء (عليه السلام) في عاشوراء، فإنَّ أحداثها بحر مواج وتفاصيلها أعظم بكثير مما يُختزل في قراءة المقتل، كمقتل الشيخ عبد الزهراء الكعبي (رحمه الله) وغيره.[11] فمن ضمن النكات أنه كان هناك ما يشبه الوحي الإلهي لسيد الشهداء: “أتيتَ لتَقتُل أو لتُقتَل؟”. إنَّ التدبير الذي قام به سيد الشهداء كان تدبيراً يستأصل العدو، ولم يكن بمعجزة أو بملائكة أو بجن، بل بالإدارة العسكرية التي تقطع على العدو سبيل الانتصار. فأي شهادة كان يطلبها سيد الشهداء وهو الذي ما رُئي مكسوراً قط، بل كان يشتد عليهم؟ ما هي حقيقة هذه الإدارة؟ وأي روحية هذه؟ والحاصل: أنَّ معنى الشهادة عند سيد الشهداء، وعند أمير المؤمنين قبله، هو معنى لا نفهمه على وجهه الصحيح، وهو شيء مقدس وعظيم.
إنَّ عقيدة الفقه السياسي عند أهل البيت عليهم السلام ليست عقيدة محضة ولا فقهاً محضاً، بل هي مزيج بينهما يجلّيه الفعل، وإنَّ استعمال اللغة العصرية في شرحه مؤثر جداً في إيصاله.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.