48/01/26
منهج أهل البيت في إحقاق الحق: قراءة في وحدة السيرة السياسية
لا يزال الكلام في رواية الإمام الرضا (عليه السلام) لـريّان بن شبيب، وقد أُثيرت حولها اعتراضات مفادها أنَّ الحثَّ على البكاء لمصاب سيد الشهداء (عليه السلام) قد يُغري بالمعصية، بخلاف بكاء التوبة. والحال أنَّ البكاء على الحسين (عليه السلام) أعظم شأناً؛ لأنَّ فيه توبةً وزيادة، وهي التعلّق وشدّة الارتباط بأهل البيت عليهم السلام. فلو صحَّ الاعتراض هنا، لورد على أصل مشروعية التوبة من كل الذنوب بدعوى أنَّها تغري بالمعصية. وعلى كل حال، فهذا الإشكال قد أُجيب عنه بأجوبة عديدة لا حاجة للدخول في تفاصيلها هنا.
وقد ورد في الرواية: «يَا ابْنَ شَبِيبٍ، إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا ذَنْبَ عَلَيْكَ فَزُرِ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ»[1] ، وهو المضمون نفسه الذي تكرّر في موارد أخرى. ويُلاحظ تركيز أهل البيت عليهم السلام على زيارة الحسين (عليه السلام) بكثرة، وهو تشديد لا نجده بالدرجة نفسها في الحث على زيارة بقية المعصومين عليهم السلام.
**
وحدة سيرة الأئمة: الرد على استثناء عاشوراء
فإن قيل:** إنَّما يُعوَّل عليه هو سيرة المعصومين الآخرين، لا سيرة سيد الشهداء (عليه السلام) في واقعة عاشوراء؛ لأنَّها قضية استثنائية، أو أنَّ فلسفتها أمر تعبديٌّ محض لا يُقاس عليه.
والجواب: أنَّ هذا الطرح عجيب غريب، فمقتضاه أنَّ واقعة عاشوراء التي أعدَّ الله عزَّ وجلَّ لها منذ خلق آدم، هي قضية لا يُستنبط منها حكم شرعيٌّ. وعلى هذا المنوال، فكيف تكون سيرة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ وهل تُجعل خطبه في نهج البلاغة، وهي مشحونة بالمسؤولية السياسية والعسكرية واستنهاض الأمة، استثناءً كذلك؟
إنَّ سيرة الأئمة عليهم السلام كلٌّ متكامل، والشواهد على ذلك كثيرة، منها مدح الإمام الباقر والإمام زين العابدين عليهما السلام للمختار الثقفي، بل مدح الأئمة السجاد والباقر والصادق عليهم السلام له ولما قام به بعد استشهاده، وكذلك ثناؤهم على حركة التوابين.[2] وإلَّا فما معنى أن تُحكَّم سيرة إمام على سيرة إمام آخر في منظومة واحدة؟ فقد اقتصَّ الإمام الصادق (عليه السلام) من رئيس شرطة المدينة الذي قتل المعلّى بن خُنيس، بل وهدّد والي العباسيين على المدينة المنورة، داود بن علي، وهو العقل المدبّر الذي عيّنه المنصور العباسي للمراقبة.
ومن ذلك أيضاً خطبة الإمام الصادق (عليه السلام) الشهيرة في المسجد الحرام، التي ألقاها بأمر من أبيه الإمام الباقر (عليه السلام)، وكانت خطبة سياسية رنّانة مُدِينة للسقيفة ولمن غصب حق أهل البيت في الحكم، وعلى أثرها اعتُقل الإمامان الباقر والصادق عليهما السلام وأُخذا إلى سجن الشام، ثم أُرجعا إلى المدينة المنورة خشية تأزّم الموقف على الدولة الأموية. فما دلالة هذا الموقف السياسي المهم؟
والحاصل: أنَّ سيرة أهل البيت عليهم السلام كلّها ليس فيها تناقض ولا وهن.
صلح الإمام الحسن: تقاسم للسلطة لا تفويض
وينطبق هذا التحليل على مواقف الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)؛ فإنَّ صلحه لم يكن تفويضاً للسلطة إلى معاوية، وإنَّما كان تقاسماً لها، فلم يعزل الإمام الحسن (عليه السلام) نفسه عن السلطة، وهذه قراءة خاطئة لما جرى.
فقد اشترط الإمام الحسن (عليه السلام) ألَّا يبايع معاوية وألَّا يدخل في طاعته، وهو ما رفضه معاوية في بادئ الأمر وهدّد بالعودة إلى الحرب، لكنه لم يجرؤ على ذلك؛ لأنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان قد استدرجه بجيشه إلى الكوفة، حيث اختلط الجيشان، فلم يعد معاوية قادراً على أن يحرّك ساكناً، حتى إنَّه شك في أنَّ عمرو بن العاص قد تواطأ مع الإمام (عليه السلام) عليه، وأراد أن يبطش به، ثم أذعن للأمر الواقع. لقد استدرج الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية وجيشه إلى الكوفة قبل عقد الهدنة، فصار يملي عليه الشروط من موقع القوة.
ومن تلك الشروط ما كان اقتطاعاً للسلطة في حقيقته، فمثلاً، أن يكون بيت المال في منطقة كذا لهم، وبيت المال يعني الإدارة والتدبير والتوزيع. ومنها ألَّا يتعرّض معاوية لأصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولذلك لم يقتل معاوية أحداً منهم طوال تلك الفترة، مع ما عُرف عنه من ولع بتصفية رموزهم وحواريهم؛ لعلمه بخطورتهم على ملك بني أمية، ولا سيّما أنَّ جملة منهم كانوا من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله). ومنها أيضاً أن تكون الخلافة بعد معاوية للإمام الحسن، ثم للإمام الحسين عليهما السلام.
والنتيجة: أنَّ جميع البنود فرضها الإمام الحسن (عليه السلام) من موقع القوة، فكان الأمر في دقته تقاسماً للسلطة لا عزلاً للنفس عنها، وما سوى ذلك فهو قراءة مغلوطة للواقع.
يضاف إلى ذلك احتجاجات الإمام الحسن (عليه السلام) الكثيرة على معاوية وبني أمية وأعوانهم من بيوتات العصابات كبني مروان والمغيرة بن شعبة وغيرهم، وهي احتجاجات لم تكن فيها مواربة ولا تقية، حتى فيما يتصل بالأول والثاني والثالث. ولا نبالغ إن قلنا إنَّ أصرح الأئمة عليهم السلام في بيان بطلان منهاج السقيفة ومذاهب غير أهل البيت هو الإمام الحسن (عليه السلام)، كما نصَّ على ذلك الطبرسي في كتاب الاحتجاج عند نقله للمساجلات التي جرت.[3]
فمتى ترك أهل البيت عليهم السلام السعي لإحقاق الحق عبر السلطة؟ وما يُقال عن جلوس أمير المؤمنين (عليه السلام) في الدار طيلة خمسة وعشرين عاماً، فقد ذكرنا مراراً أنَّه لم يكن جليس الدار، بل كان جليس الميدان، حتى قلب موازين القوى التي أفرزتها السقيفة بأسلوب ناعم. فإذاً، لم تكن سيرة أمير المؤمنين، ولا سيرة الإمام الحسن، ولا سيرة الإمام الحسين عليهم السلام، لتنأى عن الواجب السياسي لإقامة الدين والحكم والعلم والجهاد أبداً.
السعي المستمر نحو الحق: من الغدير إلى الاغتيالات
وهذا ما تشير إليه زيارة يوم الغدير في وصفها لأمير المؤمنين (عليه السلام): «وَلَمْ تَسْتَكِنَّ عَنْ طَلَبِ حَقِّكَ وَلَا عَجَزْتَ عَنِ ابْتِغَاءِ مُرَادِكَ»، ولم يكن هذا الطلب حرصاً على الحق الذي جعله الله له، بل امتثالاً لأمر الله ورسوله بإحقاق الحق وإبطال الباطل. وإلَّا فمنطقه (عليه السلام): «أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ… إِلَى أَنْ قَالَ: لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ»[4] ، فليست القضية شراهة في الرئاسة، وإنَّما هي وسيلة لإقامة العدل وامتثال لأمر الله، لا حرصاً عليها كالذين تراكضوا إلى السقيفة وتركوا جثمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجمع القرآن.
لقد رحل الأول ولم يجمع القرآن، فبماذا حكم؟ لم يستطع أن يجمع ألفاظ القرآن وسوره برواياته المتواترة، فكيف له أن يفهم معانيه ويستنبط أحكامه؟ والثاني كالأول، والثالث كالأولين، استعان بالصحابة، ولو لم يستعن بحواريي أمير المؤمنين (عليه السلام) لما استطاع زيد بن ثابت أن يجمع القرآن. بل إنَّ الذي جُعل مهيمناً على زيد بن ثابت في الجمع هو سعيد بن العاص، وهو من حواريي أمير المؤمنين، حتى قال عثمان نفسه: “يُملي سعيد ويكتب زيد”. فالقوم لم يستطيعوا حتى القيام بجمع القرآن.
لقد كان الأولى بهم رعاية حرمة نبوة النبي (صلى الله عليه وآله)، فما كان المبرّر لتركهم جثمانه؟ أهو الخوف على الإسلام؟ أيُّ خوف، وقد ضرب الإسلام بجرانه كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ ومن كان يجرؤ حينها أن يحرّك ساكناً؟ إنَّما هي قضية حرص على السلطة والكرسي، وهو ما كشفته كلماتهم في السقيفة، وتنبأ به القرآن الكريم في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله): ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ¤ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 204-205]. ففي مواضع عديدة، بيّن القرآن أنَّ فئة ستتولى الأمور بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وستسعى في الإفساد.
إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يجمد حركته، ولو وجد الأنصار بالعدة الكافية لعمل بوصية النبي (صلى الله عليه وآله): «إِنْ وَجَدْتَ أَعْوَاناً فَجَاهِدْهُمْ». فأهل البيت عليهم السلام لم يتركوا السعي لأمرهم قط. ولماذا إذن اغتيل الإمام السجاد، والإمام الباقر، والإمام الصادق، والإمام الكاظم، والرضا، والجواد، والهادي عليهم السلام؟ لو لم تستشعر السلطات أنَّ بقاء هؤلاء يعني سحب البساط من تحتها لما أقدمت على ذلك. لقد كان هناك توازن قوى واضح، أشارت إليه الزيارات، فكلما بزغ منهم نجم، خافت السلطة، تماماً كما سُحب البساط من الثالث لانجذاب الناس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهكذا تكرّر الأمر مع بقية السلسلة الطاهرة في مواجهة بني أمية وبني العباس.
بل إنَّ أصل قتل الإمام الكاظم (عليه السلام)، كما ورد في تقرير الطبري والكشي، كان لهذا السبب. وتشير الرواية إلى أنَّ الفرج كان قد قُدّر في زمنه، إلَّا أنَّ المؤمنين كانوا متخلّفين في وعيهم الأمني، وإلَّا لتعجّل الفرج. وتوجد رواية أخرى تفيد بأنَّ الله قدّر أن يكون المهدي من آل محمد في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، ولكن حال دون ذلك أيضاً ضعف الشيعة والمؤمنين في الجانب الأمني والعسكري. بل ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يفيد بأنَّ الله قدّر أن يكون المهدي هو الإمام الحسين (عليه السلام). فكيف يُقال بعد كل هذا إنَّ قضية الحسين (عليه السلام) هي قضية في واقعة لا يُقاس عليها؟ أيُّ منطق هذا؟
فإنَّ الأرضية كانت موجودة، والسعي كان قائماً كتكليف شرعي، إلا أنَّ عموم الأمة لم تكن بقدر المسؤولية.
ويشهد لذلك تعبير الخواجة نصير الدين الطوسي في غيبة صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه): «غيبته منا»، وهي كلمة أطبقت عليها مقالات علماء الإمامية، ومفادها أنَّ العدّة والعدد لم يتوفرا، وأنَّ شرط النصرة لم يتحقق.[5] وعليه، فإنَّ مقتضى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7] بظهور الحجة، و﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ بالفرج، هو قيام هذا الشرط. وبناءً على ذلك، فإنَّ هذه القراءات المنزلقة بعيدة غاية البعد عن منظومة أهل البيت (عليهم السلام).
نعم، هناك شروط وظروف أخرى يطول البحث فيها، ولكن لا يعني ذلك سقوط المسؤولية، حتى في تلك الظروف التي يكتنفها العجز والظلم.
**
القوة الناعمة: استراتيجية أهل البيت الخفية
أما** تحت السطح، فالواجب هو التسلق إلى هرم القمة. ويُستشهد على ذلك بما يفعله اليهود الذين وصلوا، بغض النظر عن شرورهم، عبر العمل في الخفاء ومن تحت الطاولة، إلى قمة القوة في العالم وسيطروا على مقاليدها. فهل يُعذر الإنسان في ترك السعي إلى القوة، بينما الدول العظمى اقتصادياً وإعلامياً وعسكرياً وأمنياً لا تتحرك إلا بما يخدم قوتها، وتُخضِع بذلك بقية الأمم، وهو ما يُعرف بالأسلوب الناعم؟
إنَّ وجود الإمام السجاد (عليه السلام) في كربلاء يعني اصطفافاً عسكرياً مع أبيه الحسين (عليه السلام)، وهذا هو معنى حضوره، بغض النظر عن الروايات التي تذكر أنه لم يشارك في القتال لعلة كانت به.[6]
إذن، فأمير المؤمنين والحسن والحسين والسجاد (صلوات الله عليهم)، كانت لهم أنشطتهم العسكرية والسياسية. ومع ذلك، لماذا اغتيل الإمام السجاد (عليه السلام)؟ ولماذا كان مصير بقية الأئمة (عليهم السلام) أنَّ «مَا مِنَّا إِلَّا مَسْمُومٌ أَوْ مَقْتُولٌ»؟[7]
لقد التفت الطرف الآخر، الأموي والعباسي، إلى أنَّ هذا النهج سيصل بهم إلى القمة عبر القوة الناعمة والحرب الباردة. ولماذا أرادوا اغتيال سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) بعد ثلاثة عشر عاماً في مكة؟ لأنهم أدركوا أنه سيسحب البساط من تحت أقدامهم، ولن يبقى لهم حول ولا قوة إن لم يتداركوا أنفسهم. لقد أدرك مشركو مكة وقريش واليهود وبقية الأطراف أنهم لا يستطيعون مجاراة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في الحرب الباردة والناعمة والخفية، فقد أفسد عليهم كل قوتهم من دون حرب عسكرية.
والحاصل: أنَّ نظرية الانتقال السلمي للسلطة التي يحلم بها البشر، لا يستطيع أحد أن يقيمها إلا سيد الأنبياء وسيد الأوصياء والأئمة (عليهم السلام)، فهم القادرون على تحقيقها بالحرب الناعمة والآليات الخفية، من دون ارتكاب أي محذور شرعي.
ومن هنا كان مآلهم أنَّ «مَا مِنَّا إِلَّا مَسْمُومٌ أَوْ مَقْتُولٌ»، وهذا هو السبب. لقد التفت الطرف الآخر إلى أنَّ هؤلاء الأئمة في تنامٍ مستمر، وأنهم سيتسلقون إلى سدة الحكم، فإن لم يصفوهم، سيسحبون البساط من تحت سلطاتهم. فاغتيال أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هو أدل دليل على أنهم كانوا في تنامي قوة وقدرة ونفوذ، من دون أن يستعملوا حتى الأسلوب الصاخب.
لقد قال الثالث لأمير المؤمنين (عليه السلام): إنَّ وجودك هو الذي يثير الناس ضدي. فوجود أمير المؤمنين (عليه السلام) بما يمثله من نموذج نيّر ونور وكمال، كان يثير حفيظة الناس ضد الطرف الآخر. ولذلك، تارةً كان الثالث يبعد أمير المؤمنين (عليه السلام) عن المدينة إلى ينبع، وتارةً أخرى يخافه في ينبع فيتآمر عليه ليعيده إلى المدينة.[8] لقد وقع الثالث في حيرة، فماذا يصنع بعلي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ إن وُجد في المدينة فهو خطر، وإن أُبعد عنها التف الناس حوله وانجذبوا إليه، فهو يسحب البساط دائماً بالطريقة السلمية.
وإذا كانت لأمير المؤمنين (عليه السلام) مؤاخذة على طريقة الثوار، فليس لأنَّ فعلهم كان غير مشروع، بل هو بحث آخر عنده في تحليل ما صنعوه. لقد كان يسجل عليهم مؤاخذة مفادها: ما كانت لكم حاجة إلى هذا الاستعراض، كان بإمكانكم سحب البساط بصورة سلمية، فيُعزل ويُحاكم، من دون أن ترتكبوا ما يعطي ذريعة لمعاوية وبني أمية. فلم يكن ما فعلوه منتهى الذكاء.
وهذه خاصية وقدرة لأهل البيت (عليهم السلام) وحدهم، فهم يستطيعون سحب بساط السلطة والسياسة والحكم بالقوة الناعمة، حيث إنَّ نبض الجمهور نفسه هو الذي يزيل هؤلاء الحكام بطريقة سلمية، فيتهاوى جهازهم وينهار.
وحين استُقدم الإمام الرضا (عليه السلام) إلى مرو، خافه المأمون العباسي، وبدأت الناس تهتف باسم علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، مما سبب انحلالاً في تماسك الجهاز العباسي. ولذلك قال هارون العباسي للإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «إِنَّ عِنْدَكَ عُدَّةً وَعَدَداً وَلَمْ تَخْرُجْ».[9] مع أنه لم يستطع هارون، ولا السلطات الأموية والعباسية، أن يجدوا على الأئمة (عليهم السلام) أي بصمة لتحرك عسكري. ورغم ذلك، كانوا يلمسون ويتحسسون أنَّ بساط القدرة سيسلب منهم، لأنَّ الرأي العام وجمهور المسلمين كان ضاغطاً. وهناك موارد عديدة تشير إلى أنه لو تُرِك الناس لما التجأوا لغير أهل البيت، ولكن بطش السلطات وإرهابها حال دون ذلك.
وإلى الآن، تمارس الأنظمة إرهاباً ضد أهل البيت (عليهم السلام)، وإلا فإنَّ أكثرية المسلمين، حتى من أهل السنة، عقيدتهم صوفية، والتصوف هو الأقرب إلى مذهب أهل البيت. وتقدر نسبة الصوفية في أهل السنة بما يتراوح بين خمسين إلى تسعين بالمئة في البلدان الإسلامية من شرقها إلى غربها. فالأكثرية مع من؟ أهي ضد أهل البيت أم معهم؟ إنها معهم.
وقد كتب أحد مستشاري الرئيس المصري السابق مقالة مشهورة جاء فيها: إنَّ شعب مصر سني المذهب في الفروع، شيعي الهوى في العقيدة.[10] وقد أحدثت هذه المقالة ضجة قوية، وذكر فيها أنَّ أهل مصر، الذين دخلوا الإسلام ببركات أهل البيت واستعربوا ببركاتهم، وكذلك دول المغرب العربي، يميلون وجدانياً لأهل البيت. وقد جاءت هذه المقالة في سياق الرد على تطاول أحد الرؤساء السابقين على أتباع أهل البيت، فكانت بمثابة رصد تاريخي عظيم لمكانتهم.
إنَّ غيبة صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه) كانت لعلل، منها خشية القتل، كما ورد في الروايات.[11] ولماذا خشية القتل؟ لأنهم يمثلون خطراً على عروش الظالمين. ولذلك، من أوصافه (عجل الله فرجه) في الدعاء: «السَّلَامُ عَلَى السَّيْفِ الشَّاهِرِ»، [12] فهو الآن سيف شاهر، وليس أنه سيكون كذلك في المستقبل.
وما معنى “سيف شاهر”؟ السيف هنا كناية عن القوة العسكرية، أي أنَّ الإمام صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه) لم يدخل في هدنة عسكرية مع أي طرف، لا دولي ولا قطري ولا عربي. لا يوجد من يهدده عسكرياً أو أمنياً، فالباب مفتوح، ولا أحد يستطيع أن يلزمه بشيء، إنما يلزمه الله ورسوله بأحكام الدين.
وعليه، فمن الواضح أنَّ سيرة أهل البيت (عليهم السلام) هي سيرة إحقاق الحق عبر آليات القوة والقدرة، سواء كانت آليات ناعمة أم باردة أم خفية أم غيرها. وليس الأمر كما قد يُفهم من ترك الأمور للأشرار، وفي هذا يقول الشيخ لطف الله الصافي (رحمه الله) ما مضمونه: أتُترك الأمور للأشرار يعيثون في البلاد والعباد فساداً؟
إنَّ سعة الآليات وتنوعها أمر ضروري، وهو ما يشير إليه قول الإمام الصادق (عليه السلام) فيما يُروى عنه: «وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ الْخَارِجِيَّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ خَرَجَ وَعَلَيَّ نَفَقَتُهُ». فهذا يعني ضرورة وجود توازن، فلا يمكن أن يكون الأسلوب الناعم أو البارد كافياً دائماً.
وفي العلن أيضاً، يجب أن يكون هناك صوت مسموع، وأهل البيت (عليهم السلام) لم يسدوا هذا الباب أبداً، وكثير من رواياتنا تذكر ذلك، كقولهم: «اسْكُنْ مَا سَكَنَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ»، [13] أي في مقابل الثورات الطائشة غير الناضجة التي تكون نتائجها سلبية على عمق المؤمنين.
ولماذا اغتر البعض بدعوات انتهازية للسلطة، كنداءات العباسيين «الرضا من آل محمد»، التي كانت محض زيف؟ أو حتى قبل رايات العباسيين، خرج جملة من الحسنيين وغيرهم في ظروف غير مواتية، وقد ترتبت على خروجهم سلبيات، ولكن مع ذلك كانت لها إيجابيات لم ينكرها الإمام الصادق (عليه السلام).
**
الموقف من الحركات الثورية: توازن الآليات
ولماذا** يرى الإمام الصادق (عليه السلام) نفسه ملزماً برعاية عوائل الشهداء من أصحاب زيد الشهيد؟ أليس هذا نوعاً من التضامن مع نهجهم؟[14] نعم، كان مشروع الأئمة (عليهم السلام) يسير في الخفاء، لكن المسؤولية تقتضي أمراً آخر.
وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لَا تَزَالُ الزَّيْدِيَّةُ وِقَاءً لَكُمْ».[15] كانت مؤاخذة الأئمة (عليهم السلام) على الزيدية تتركز في حصريتهم لأسلوب التغيير الصاخب، بينما الواجب هو استخدام كل الآليات المتاحة، لا آلية واحدة. ولكن هذا لا يعني أنَّ الزيدية في نظر أهل البيت (عليهم السلام) كانوا سلباً مطلقاً، فهذا غير صحيح، وإنما كانوا يبينون الجانب السلبي والإيجابي في حركتهم.
وهذا شبيه بموقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من الخوارج، فعلى الرغم من أنهم قتلوه، وهو يعلم بذلك، إلا أنه قال: «لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ».[16] فبنو أمية طلبوا الباطل وأصابوه، أما الخوارج فطلبوا الحق والعدالة، لكنهم أخطأوا الطريق وجهلوا آلية الإصلاح.
وهذه نكتة لطيفة وعظيمة من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي أنَّ هناك فئات تطلب الإصلاح والعدالة لكنها لا تعرف الآليات الصحيحة. فاعتراض الأئمة (عليهم السلام) على الزيدية لم يكن في أصل طلبهم للإصلاح، بل هذا أمر جيد يوافقون عليه، وإنكار الفساد في السلطة الأموية والعباسية شيء حسن. إنما كانت المؤاخذة على الآلية وتخطيط الخطة التي يجب أن تكون بكل الإمكانيات المتاحة. لكن مع ذلك، يرى أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ هذه الخطة الصاخبة لا بد من وجودها، ولو نسبياً، فإذا لم يكن هناك خط صاخب، يطمع الطغاة في طغيان أكثر. وعليه، فإنَّ معنى الرواية: «لَا تَزَالُ الزَّيْدِيَّةُ وِقَاءً لَكُمْ»، أي وقاية من الخطر وحماية لكم، فإنَّ لديهم حدة ثورية لا ينبغي استئصالها بالمرة. فإذا أُزيلت هذه الفصائل، جاءت انقلابات بعثية وداعشية مرة أخرى. فإذا كانت لديك مؤاخذات على الفصائل، فليكن، لكن ليس معنى ذلك أن تزيلهم بالمرة.
فيُستهدف العمق الإيماني نفسه فينهار التوازن. فسقوط صدام إما أن تكون قد قامت به تلك الدولة التي وراء المحيطات، أو أنهم رأوا أن الفصائل المجاهدة في الأهوار كانت على وشك أن تقبض على زمام الأمور، فأتوا ليستولوا عليها قبل أن تفلت من أيديهم، وذلك بعد ضربات المجاهدين والمناضلين طيلة عشرات السنين، وقد استشهد منهم الكثير فكان لهم دورهم.
والحاصل: أن التوازن شيء مهم، فاليد الواحدة لا تصفق. وكانت مؤاخذة الأئمة عليهم السلام على الزيدية تدور حول هذا البعد، وهو ضرورة تحقيق التوازن بين مختلف الاتجاهات، فلا يُعتمد الخط الصاخب وحده، ولا الخط البارد وحده، ولا الخط الوسط وحده، بل يجب أن تتوازن مجموع هذه الاتجاهات.
ومثال ذلك: حال الدولة؛ فإنها تشتمل على وزارة للأمن، ووزارة للدفاع، ووزارة للداخلية، ووزارة للصحة، وغيرها. فلماذا تتعدد الوزارات ولا تكون وزارة واحدة جامعة؟ لأن الدولة لا يمكن أن تكون كلها دفاعاً، ولا كلها أمناً. ففي آلية القوة والقدرة أنماط متعددة، يجب تحصيلها امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. ولا ينبغي أن نتخيل أن القوة هي القوة العسكرية فحسب، بل هي قوة اقتصادية، وتجارية، وإعلامية، وروحية، وثقافية، وفكرية، وعقائدية. وهذا ما تعترف به الصين الآن، حيث تقول إنَّ الحسين قد علّم أتباعه درساً في الشجاعة، وإنهم كدولة عظمى، وروسيا كذلك، يملكون الآليات ولكنهم ليسوا بشجاعة الحسين وأتباعه، وهذا ما يرد في التقارير الصينية هذه الأيام.
وعليه، فإذا كان التوازن شيئاً مهماً، وأهل البيت عليهم السلام منظومة واحدة، فكيف يُقال إنَّ الحسين (عليه السلام) استثناء؟ وماذا يُستثنى منه؟ هل هو ليس بإمام؟ هل لا يؤتمن به؟ وما وجه النقص فيه؟ ولماذا كل هذا الحث على ذكره؟ إننا حين نقرأ نصوص أهل البيت نجد تركيزاً لا مثيل له على الإمام الحسين (عليه السلام) دون سائر الأئمة المعصومين الأربعة عشر. فما السر في ذلك وما فلسفته؟ الجواب الواضح هو أنهم يقولون: لا تتركوا نهج الحسين، فبه يتحقق التوازن المطلوب.
بل إنَّ من لم يقرأ سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) بقراءة حسينية لم يعرف الإمام الحسن، ومن لم يقرأ في الحسين (عليه السلام) بنظرة حسنية لم يعرف الحسين. فالحسن والحسين عليهما السلام، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بينهما معية، فهما سهما المعية المقدسة في وحي دين الله. «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا».[17] وقد ورد في الحديث: «عَلَيْكُمْ بِالشَّمْسِ، فَمَا دُمْتُمْ عَلَيْهَا فَتَمَسَّكُوا بِهَا، فَإِذَا غَابَتْ عَنْكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالْقَمَرِ، فَإِذَا غَابَ عَنْكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالزُّهَرَةِ، فَإِذَا غَابَتْ عَنْكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالْفَرْقَدَيْنِ».[18] وهذه نصوص رواها الفريقان، ولو تم تتبعها فلا يبعد أن تكون مستفيضة أو متواترة.
**
فائدة: فلسفة التواتر ومصادر المعرفة
فائدة:** إنَّ تباعد الطرق، حتى لو بلغت خمسة طرق، قد يكون سبباً لحصول التواتر والقطع عند غالب علماء الدراية، وذلك لأن التواتر لا يعتمد على الاعتبار الظني.[19] والتحقيق أن التواتر في حقيقته نكتة تكوينية لا ترتبط بالاعتبار التعبدي بأي حال. ويمكن بيانه ببيان آخر كما أوضحه القدماء، حيث يقولون إنَّ التواطؤ يعني أن الطرق متباعدة، فيمتنع عقلاً تواطؤ الرواة أو تآمرهم أو حتى تشابههم على نقل خبر واحد. وبما أن منشأهم متباعد، فإن احتمال الخطأ ممتنع عقلاً، واحتمال التطابق صدفةً ممتنع أيضاً، وحينئذٍ يقطع العقل ويوقن بأن هذا الخبر متواتر.
فإذاً، التواتر يعتمد إما على أسلوب تصاعد الاحتمالات كماً وكيفاً، أو يعتمد على آليات أخرى كامتناع التوافق والتطابق، كما في حالة الأنبياء. وقد نقل العلامة المجلسي عن بعض الأعلام إلفاتة مهمة، وهي أن التواتر لا يختص بالنقل الحسي، بل يجري في الغيبيات أيضاً.
وتقريب ذلك: أن سلسلة الأنبياء، مع أن الكثير منهم لم يعرف بعضهم بعضاً بالطريق الحسي المادي، كيف تطابقوا في أخبارهم؟ هذا التطابق في المفاد بين ما أتى به نبي وما أتى به الآخر -كتطابق القرآن مع التوراة غير المحرفة والإنجيل وصحف إبراهيم وزبور داود- لا يمكن تفسيره إلا بكون المصدر واحداً. وهذا التطابق ليس من باب تصديق اللاحق للسابق بالعقل العملي لكونه معصوماً، بل هو تطابق في المضمون يدركه العقل النظري.
وهذه نكتة لم يتفطن لها المناطقة والفلاسفة، فلا نجدها في كتب الفلسفة المرسومة، ولا في كتب العرفان، لا عند ابن عربي ولا الغزالي وغيرهم. لكن علماء الإمامية يذكرون أن التواتر يجري في الغيبيات، وأن الأمر لا يرتبط بقوة الثقة بالناقل فحسب، بل يمتنع عقلاً تطابق كلماتهم عن الجنة والنار وتفاصيل الغيب، وهم لا يعرف بعضهم بعضاً، كما يستحيل أن يكون هذا التطابق صدفة.
ونظير ذلك: ما يُعرف بتجارب الاقتراب من الموت، حيث يشاهد أفراد من شرق الأرض وغربها وفي بلدان مختلفة أموراً متشابهة تتعلق بعالم البرزخ. فيمتنع تواطؤهم، وليسوا جميعاً ممن يتابعون البرامج التي تتحدث عن ذلك. وهذا يثبت أن البرزخ حق، وأن العوالم الأخرى غير المرئية حق. فلا يُقال إنَّ الكشف ليس بحق، بل الكشف في المقدار الذي يوجب اليقين، والمكاشفات، هي حق حتى لغير الأنبياء.
فهناك قناة أخرى للمعرفة غير العقل والفكر، وهي قناة القلب أو الوجدان. فالحجج أربعة: الكتاب، والعترة، والعقل النظري، والوجدان. والقلب نافذة تدرك الحقائق، ولكن لإدراكاتها موازين، إذ يجب أن تُعرض على الحجج الأخرى للتحقق من صحتها.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.