48/01/25
الأبعاد الغيبية والسياسية لمعسكر الحسين (ع) في روايات أهل البيت
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وأشرف السفراء المبعوثين، محمد الطاهر الأمين، وعلى آله الأوصياء الخلفاء أئمة الدين، وعجّل فرجهم وفرجنا بهم.
إنما نستعرض تفصيلاً وجيزاً روايات كتاب «أمالي الصدوق» الذي عقد فيه، كما مرّ، مجالسه من المجلس الرابع والعشرين تقريباً إلى المجلس الحادي والثلاثين، وجعل غالبها، لا كلّها، حول أحداث كربلاء وعاشوراء والإمام الحسين (عليه السلام)، بحيث يمكن أن يُطبع مستقلاً بعنوان «المقتل المأثور للصدوق» (رحمه الله). والغرض من هذا الاستعراض هو بيان أنَّ هناك بحراً بشرياً زاخراً ينقل أحداث عاشوراء، غير قنوات الوحي التي رصدت بعض جوانبها من قبل السماء.
وعليه، فإنَّ القضية تتعدى راوياً واحداً أو كتاباً وكتابين، وهي من الغفلات الكبيرة لدى البعض، بل تتعدى حتى ما يُعرف بسلسلة وقائمة كتب المقاتل المتخصصة. وقد نبّه على ذلك المحقق الميرزا جواد التبريزي (رحمه الله)، فذكر في سياق مشادة علمية أنَّ المصادر لا تنحصر في كتب المقاتل، بل إنَّ «الكتب الأربعة»[1] نفسها تشتمل على روايات في هذا الباب، على الرغم من أنَّ موضوعها هو الفروع والفقه والأحكام. وبالفعل، فإنَّ كتب الحديث، كالكتب الأربعة و«وسائل الشيعة»، تحوي من ذلك شيئاً كثيراً، إذ يمكن لأحد الباحثين أن يستخرج أحداث عاشوراء من كتاب «وسائل الشيعة» وحده، وهو ما يتعرض له الأئمة المعصومون في رواياتهم.
ومثال ذلك: أبواب المزار من كتاب «وسائل الشيعة»، فلو تتبعها الباحث من أول باب إلى آخره لوجد عدداً هائلاً من الروايات، فضلاً عما ورد في آخر كتاب الحج، فهو مليء بما يخص شؤون سيد الشهداء (عليه السلام). وكذلك أبواب المزار في «مستدرك الوسائل»، فهذا مصدر ثانٍ. إنَّ أبواب المزار في هذه المصادر ليست إلا عينة من مصادر عاشوراء، ولو استقصى باحث أبواب المزار في «بحار الأنوار» أيضاً لرأى العجب العجاب.
وقد روى الصدوق (رحمه الله) في المجلس السابع والعشرين من أماليه عن شيخه محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الريان بن شبيب، عن الرضا (عليه السلام)، وفي رواية أخرى عن شيخه محمد بن إسحاق، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن علي بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: «مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ فِي حَوَائِجِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ قَضَى اللَّهُ لَهُ حَوَائِجَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»[2] . ومقتضى هذه الرواية وغيرها هو تعطيل برنامج الحياة اليومية والمعاش، وهو نوع من الحداد، فترك السعي في الحوائج، أي الانشغال اليومي المعيشي من قبيل السعي في الأسواق ونحوه، هو المراد من النص، ليكون ذلك اليوم يوم حداد ومواساة.
وفي سياق الحديث عن الآخرة، فإنَّ لفظ “اليوم” في قوله تعالى “يوم القيامة” لا يُراد به اليوم الزمني، بل هو عالم قائم بذاته، بل هي عوالم متعددة، فقد ورد أنَّها خمسون عالماً، كل عالم منها ألف سنة. والظاهر أنَّ عوالم القيامة يمرّ بها جميع البشر، وإن اختلفوا في سرعة المرور وبطئه، كما نختلف نحن في مدة بقائنا في عوالم الدنيا. فكما أننا الآن في عالم الدنيا وقد مررنا بعالم الأصلاب وعالم الأرحام، وقبلهما عالم الذر والطين، إلى أن وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]، ومن ثم يكون البرزخ والرجعة، وهي كلها من عوالم الدنيا، فكذلك القيامة عوالم لا بد من المرور بها. وعليه، عندما يُقال إنَّ من آثار إقامة المأتم والفجيعة والحزن والبكاء يوم عاشوراء أنَّها تورث سروراً في عوالم القيامة، فإنَّ لهذا القول معنى عميقاً.
والحاصل: أنَّ المؤمن لا يكون قرير عين بالجنة ذاتها، وإنما يكون قرير عين فيها بأهل البيت عليهم السلام، كما ورد أنَّ نور الجنة يشتد وضاءة بنورهم، وأنَّها تستوحش من دونهم على ما لها من البهاء والبهجة، وهو معنى ما ورد في الزيارة: «وَقَرَّتْ بِنَا فِي الْجِنَانِ عَيْنُهُ»[3] .
وأما من سمّى يوم عاشوراء يوم بركة وادّخر فيه لمنزله شيئاً، أي مارس حياته المعيشية كالمعتاد، وكأنَّ لا فرق بين يوم عاشوراء وغيره من الأيام، فإنَّه لم يُبارك له فيما ادّخر، وهو يُحشر يوم القيامة مع يزيد. إنَّ الحشر مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد إلى أسفل درك من النار كاشف عن عظم هذا الجرم، فترك الحداد والتفريط في العزاء والفجيعة يوم عاشوراء يُعدّ في فقه الشعائر الحسينية من الكبائر عند الله.
واللطيف في أحداث عاشوراء هو ذلك الوجه الآخر الذي لا يرصده الحسّ، وإنما ترصده عدسة الوحي، حتى في كتاب «كامل الزيارات» المخصوص بالزيارات، فإنَّه حافل بلقطات كثيرة من أحداث عاشوراء غير المرئية. وقد مرّ بنا مراراً أنَّ دأب القرآن الكريم في سياسة المعارف، وسرد أحداث سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم كبدر وأُحد والأحزاب وحنين وخيبر، هو أن يرصدها دائماً بعدستين: عدسة البعد المادي الحسي، وعدسة ما رافق الحدث الحسي من وقائع ملكوتية غيبية لا يراها البشر، لكنها كانت مواكبة لتلك الأحداث. فالقرآن يوازن بين المادة والغيب، وهذا التوازن منهج قرآني حتى في قراءة الأحداث التاريخية ذات البصمة في معالم الدين.
وقد يُشكل على بعض المقاتل باشتمالها على جانب غيبي كثير، والجواب على ذلك: أنَّ هذا هو عين منهج القرآن الكريم في سرد الأحداث. فهو يذكر في سورة الأنفال كيف جاء إبليس في معركة بدر، وكيف نزلت الملائكة وكان لها دور عسكري، فكما يذكر جانب الأسباب المادية، يذكر جانب الأسباب الغيبية. وهذا المنهج، اتفاقاً، يؤسس لميزان المعرفة القائم على قاعدة “لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين”[4] ، فليس كل شيء محصوراً في الأسباب المادية، بل للغيب دوره أيضاً، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]، فالنصر الإلهي هو الجانب الغيبي. ولم يقتصر القرآن على ذلك في بدر، بل تكرر في أُحد في سورة آل عمران، وفي سورة محمد، وفي سورة الأحزاب وغيرها، حيث يذكر كلا البعدين لكي لا يكون الإنسان حبيس المادة ومنطقها، وهي سياسة تعليمية معرفية من القرآن.
فالتهريج على الجانب الغيبي في مصادرنا التاريخية هو خلاف للمنهج الوحياني. وقد ذكرنا في بحوث كثيرة أنَّ كثيراً من القضايا المرتبطة بسيد الشهداء لها جذر قرآني لمن يتدبر، وفي هذا كفاية للرد على المستهزئين.
الرواية اللاحقة يذكرها الصدوق في المجلس السابع والعشرين أيضاً، فيقول: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه[5] ، قال: حدثنا علي بن إبراهيم القمّي[6] ، عن أبيه، عن الريان بن شبيب، قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) في أول يوم من المحرم، فقال لي: «يَا ابْنَ شَبِيبٍ، أَصَائِمٌ أَنْتَ؟»، فقلت: لا، فقال: «يَا ابْنَ شَبِيبٍ، إِنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الشَّهْرُ الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا مَضَى يُحَرِّمُونَ فِيهِ الظُّلْمَ وَالْقِتَالَ لِحُرْمَتِهِ، فَمَا عَرَفَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ حُرْمَةَ شَهْرِهَا وَلَا حُرْمَةَ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، لَقَدْ قَتَلُوا فِي هَذَا الشَّهْرِ ذُرِّيَّتَهُ، وَسَبَوْا نِسَاءَهُ، وَانْتَهَبُوا ثِقْلَهُ، فَلَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ أَبَداً». وقد مرّ بنا أنَّ بني أمية وضعوا الأحاديث في فضل يوم عاشوراء والتبرك به، وهو ما اعترف به ابن تيمية نفسه في بعض كتبه، معللاً ذلك بشدة عداوتهم لأهل البيت[7] . إنَّ العشرة الأولى من المحرم هي موسم للطقوس الشعائرية الدينية المرتبطة بتولي أهل البيت عليهم السلام والتبرؤ من أعدائهم، فالشعيرة بحد ذاتها عبادة ولائية متمحضة في الولاية.
ثم يوجه الإمام الرضا (عليه السلام) الخطاب قائلاً: «يَا ابْنَ شَبِيبٍ، إِنْ كُنْتَ بَاكِياً لِشَيْءٍ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ، وَقُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ شَبِيهُونَ»[8] . وقوله: «مَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ شَبِيهُونَ» إشارة إلى أنَّ هؤلاء أفراد استثنائيون خسرتهم البشرية. وقد بيّنت العقيلة زينب (عليها السلام) وجملة من أهل البيت أنَّ الذين قُتلوا من بني هاشم في عاشوراء لا يُقاس بهم أحد، حتى الأنصار الشهداء رضوان الله تعالى عليهم.
ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، وهذه من الأحداث الغيبية التي لا يُطّلع عليها إلا من طريق الوحي، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قُتل، فهم عند قبره شُعثٌ غُبرٌ إلى أن يقوم القائم عجل الله تعالى فرجه، فيكونون من أنصاره وشعارهم يا لثارات الحسين. وهذه كلها من الأمور الغيبية التي ينبئ عنها الوحي.
فإن لكربلاء بعداً غيبياً لا نراه ولا نشعر به على وجه التفصيل، وإن كنا ندركه على نحو الإجمال، وهذا ما تشير إليه الروايات، كما ورد في نظائره في كتاب كامل الزيارات، من أن السرور الذي ينتاب الزائر للحسين (عليه السلام) إنما هو أمواج تصله من الملائكة الحاضرين عند قبره الشريف.[9]
ومن آداب زيارة سيد الشهداء (عليه السلام): التسليم أولاً على الملائكة الحاضرين عند مرقده. ومفاد الروايات المستفادة من أهل البيت عليهم السلام أن كربلاء معسكرٌ ملكوتي سياسي، أي إن الملكوت يتدخل في سياسة الأرض عبر منصة كربلاء ومنفذها، ولهذا يرابط أولئك الملائكة لمشروع الإمام الثاني عشر عجل الله تعالى فرجه. إذن فمسؤوليتهم قضية سياسية في الأرض؛ فهؤلاء ليسوا كملائكة المطر أو السحاب أو الموت أو الحياة، بل هم ملائكةٌ دورهم سياسي وعسكري وأمني.
وذلك لأن للملائكة وظائف متنوعة بحسب منطق القرآن الكريم، فإذا كانت هذه مسؤولية الملائكة، فهل تُلقى هذه المسؤوليات السياسية عن عاتقنا؟ الجواب بالنفي قطعاً. وهذه القضية لا تقتصر على ما ورد في سورة آل عمران من ذكر الخمسة آلاف من الملائكة، بل ورد ذكر نزولهم في وقعة بدر أيضاً في سورة الأنفال. وهذا يدل على أن المعارك –سواء كانت عسكرية أم أمنية، ناعمة أم باردة– ليست بشرية محضة، بل يتدخل فيها الجن والشياطين من جهة، والملائكة من جهة أخرى. هذا هو منطق القرآن، فمن يستهزئ بكتب المقاتل وما تحويه من هذه القضايا، فهو في الحقيقة لم يدرك أن أحداث الأرض لا تقوم على الأسباب المادية وحدها، بل لها أسباب غيبية ملكوتية أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ¤ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (سورة الواقعة - 63-64)، وقوله: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ ¤ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ﴾ (سورة الواقعة - 68-69)، وقوله: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ¤ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَٰلِقُونَ﴾ (سورة الواقعة - 58-59)، بل حتى الطاقة التي هي عمود استراتيجي لحياة البشر، يسأل عنها القرآن: ﴿ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ﴾ (سورة الواقعة - 72). فهذه كلها أفعالٌ للغيب فيها دور، مع حفظ الجانب المادي، في موازنة دقيقة بين عالمي الغيب والشهادة.
تنبيه: هذا دليل على أن الملائكة مكلفون بأصل الدين وإن لم يكلفوا بفروع الشريعة؛ فأصل الجهاد من الدين، أما تفاصيل أحكامه فمن الشريعة، وكذلك أصل الصوم من الدين.
وعليه، فنزلوا للنصرة في مهمة ذات طابع عسكري.
والنتيجة: أنه يجب على المجاهدين والمناضلين أن يطمئنوا إلى أن الساحة ليست خالية، بل هناك أيدٍ غيبية تسددهم، ومصداقه قوله تعالى: ﴿…إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ…﴾ (سورة محمد - 7) بالملائكة والغيبيات. بل إنهم يقومون بالقتال العسكري المباشر، كما في قوله تعالى مخاطباً إياهم: ﴿…فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ…﴾ (سورة الأنفال - 12). هذا هو منطوق القرآن، فمن شاء فليصدق ومن شاء فليكذب، وذلك بحث آخر. فلا وجه للاستهزاء بكتب المقاتل إذا كان منطقها مستقى من منطق القرآن.
والحاصل: أن قضية الملائكة المرابطين عند قبر الحسين (عليه السلام) قضية رمزية يتضح منها أن للأحداث العسكرية والأمنية والسياسية في المجتمعات البشرية تدخلاً غيبياً دائماً من الملائكة. وقوله «شُعثٌ غُبرٌ» كناية عن تجردهم من بهرجة الدنيا وتهيئهم الدائم لحالة الاستعداد العسكري. وهذا الدور لا يقتصر على زمن الظهور فحسب، بل لهم دور عسكري وأمني في الأرض على الدوام؛ فإن إثبات الشيء لا ينفي ما عداه.
والمقصود: أن كربلاء معسكرٌ جامعٌ للأبعاد العقدية والسياسية والأمنية والعسكرية، وليس مجرد مزار للمباهاة. وقد بُيّن في الروايات أن معنى «الثأر للحسين» (عليه السلام) هو إقامة مشروعه، كما يظهر في الصلوات التي رواها السيد ابن طاووس.[10] وهذا هو معنى الانتقام لثارات الحسين (عليه السلام): أن يُستأصل مشروع الإفساد في الأرض المناوئ لمشروعه، وفي المقابل يُبنى ويُجذّر مشروع سيد الشهداء (عليه السلام).
فما معنى «يا لثارات الحسين» إذن؟ معناه الإصرار على إنجاز مشروع وبرنامج سيد الشهداء (عليه السلام)، والإيمان بأن الله منجزٌ له ما وعده، كما ورد في زياراته. وهذا نظير الدعاء المأثور الذي استُحبّت قراءته في تعقيبات الصلاة، وكانت السيدة فاطمة (عليها السلام) تدمن عليه: «لا إله إلا الله وحده وحده وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فله الملك وله الحمد».[11] والدرس المستفاد من ذلك هو ضرورة عدم الغفلة عن الجانب الغيبي في تحليل الأحداث العسكرية والأمنية والسياسية.
فلا ينبغي أن يحاربك العدو نفسياً بالرعب فتكون أنت المرعوب. إن سنة الأنبياء هي القيام بالمسؤوليات العسكرية في دك عروش الطغاة والجبابرة، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (سورة آل عمران - 146). أما دعوى الملل من الحرب والركون إلى الرخاء، فهي دعوى تؤدي إلى الاستعباد والاستباحة. وقد ضُرب لذلك مثالٌ بما جرى في سوريا، حيث إن الشعب على طبيعته المدنية لا يأنس بالقتال، فتسلطت عليه فرق عسكرية أجنبية.
إن قضية إبعاد الشعوب عن بعدها العسكري تحت عناوين مختلفة كنزع السلاح، تمثل خطراً أمنياً استراتيجياً، وهي استهداف خطير يعيد إلى الأذهان مخططات الانقلابات العسكرية التي تستبيح سيادة الأوطان.
فإن قيل: إن السلاح يجب أن يكون حكراً بيد الدولة. قلنا: عن أي دولة نتحدث؟ أهي دولة ذات سيادة كاملة أم دولة مستباحة سيبرانياً ونفطياً وعسكرياً بوجود مئات القواعد الأجنبية على أرضها؟ أهي دولة قرارها من داخلها أم دولة انتداب تُدار من الخارج؟ ما الفرق بين هذه الدول وبين الكيانات الكرتونية؟ فليقم أولاً كيانٌ ذو سيادة حقيقية غير منقوصة، ثم ليبحث بعد ذلك في حصر السلاح بيد الدولة. أما في ظل دولة الانتداب والإملاءات الخارجية، فإن منطق تجريد الشعب من السلاح هو منطق استعماري يهدف إلى استعباد الشعوب واستغفالها. وهذا المنطق لا يمت إلى القرآن أو الدين بصلة، بل يعاديهما. فسيرة الأنبياء كما يصورها القرآن الكريم هي سيرة مواجهة ومناطحة للطغاة؛ فهذا إبراهيم (عليه السلام) يناطح نمرود وهو الدولة العظمى في زمانه، وينطلق من مسجد السهلة لقتال العمالقة، [12] وهذا موسى (عليه السلام) يطيح بفرعون ثم يذهب لمواجهة جالوت وغيره من قوى الطغيان في عصره.
والخلاصة: أن هذا هو معسكر الحسين (عليه السلام)؛ معسكرٌ سياسي عقائدي، يمتزج فيه الغيبي بالشهادي، والعسكري بالعقدي. فلماذا لا يُشرح هذا البعد، ويُكتفى بالقول إنه قضاء وقدر؟ إن الملائكة الموظفين غيبياً عند الحسين (عليه السلام) وظائفهم عسكرية وسياسية وأمنية، وهم يمارسون هذه الأدوار الآن. والرسالة الموجهة للمؤمن هي: إن كنت تريد أن تلبي نداء الحسين حقاً، فهذا هو الحسين؛ فلا تسمح بأن تُنزع منك قوتك وعسكرتك لتصبح مدنياً ساذجاً يسهل الانقلاب عليه. وهذا ما يؤكده أهل البيت عليهم السلام، كما في حديث الإمام الرضا (عليه السلام) لابن شبيب، حيث بيّن حقيقة المعسكر الحسيني حتى في سياق الحديث عن الأجر والثواب، فقال: «فهم عند قبره شُعثٌ غُبرٌ»، وبيّن أن تطلعهم هو مشروع صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه، وهو مشروع سياسي عالمي.
فتلك تطلعاتهم، وهذه همومهم، وتلك غاياتهم، وهذا برنامجهم؛ هؤلاء ملائكة لا شياطين. هذه هي سيرة الملائكة وسنتهم، فأي سنة يجب أن تكون سنتكم؟ بل سيرتكم.
وقد يقول قائل: مللت الحرب، فهلّا مللتها؟ أفتُراك تريد أن تصير مستعبداً؟
يا ابن شبيب، لقد حدثني أبي عن أبيه عن جده، أنه «لَمَّا قُتِلَ جَدِّيَ الْحُسَيْنُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ دَماً وَ تُرَاباً أَحْمَرَ»[13] .
ولماذا اختار الله عز وجل -بمقتضى ما ورد في الروايات المتواترة عن المعصومين- رمزاً لمدرسة الحسين ونهجه؟ إنما يريد الله عز وجل أن يقول: إنَّ طريق الشهادة والفداء والمغامرة، والنهوض بالمسؤولية العسكرية والأمنية، هو الطريق الضروري في مجابهة أنظمة الظلم.
فكم هي البركة لزائر الحسين (عليه السلام)، وكم هي لمن يلتصق بهذا المشروع الحسيني! إنَّ هذه لرمزية واضحة يؤكدها أهل البيت عليهم السلام، مع أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) لم يكن له في الظاهر نشاط عسكري أو سياسي، إلا أنَّه في الواقع كان يجذّر ذكر الحسين ونهجه في شيعته، وإن كان ذلك بأسلوب ناعم، لكنه في حقيقته هو نهج سيد الشهداء.
نعم، ففي تتمة الحديث: «يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ بَكَيْتَ عَلَى الْحُسَيْنِ (عليه السلام) حَتَّى تَصِيرَ دُمُوعُكَ عَلَى خَدَّيْكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتَهُ صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيراً»[14] . فانظر إلى هذا الشد من السماء والوحي، الذي يربط المؤمن بنهج الحسين ومسيرته.
فيا أيها المؤمنون، إذا كنتم تأتمون بالحسين (عليه السلام)، فلا يصح أن تقولوا: إنَّ المسؤولية السياسية ليست من شأني، وإنَّ المسؤولية العسكرية لا تعنيني. فأبو الفضل العباس (عليه السلام) قد أقحم نفسه في مخاطر عسكرية وسياسية في زمانه، بل حتى نساء الحسين (عليه السلام) تحملن هذه المخاطر السياسية والعسكرية والأمنية، من السجن والإبعاد، وما اكترثن لذلك أبداً.
بل إنَّ النسوة يشاركن في هذا الدور العسكري والأمني والسياسي، فما بال الرجال؟ إنَّ هذا نهج راسخ وليس قضية عابرة، فالله عز وجل يجذّر هذا النهج، حتى إنَّ النساء يقع على عاتقهن هذا الدور ولو بالأسلوب البارد والآليات الناعمة؛ فجهاد المرأة السياسي والعسكري والأمني قائم بآلياته الخاصة.
فائدة: قد بيّنا في أبحاث سابقة أنَّ الذي سقط عن النساء هو الجهاد بالقوة الساخنة، لا القوة الإعلامية الباردة، ولا الناعمة، ولا الأمنية، ولا بقية أنواع آليات الجهاد، فهي باقية على حالها وظيفة على الكل. فقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17]، إنما هو في جهة القوة الساخنة.[15]
أما لو فرضنا أنَّ أعرجاً يستطيع أن يدير حرباً سيبرانية في القضايا العسكرية، فهل يسقط عنه الجهاد؟ كلا، لا يسقط عنه؛ إذ لا علاقة بين الأمرين، فالضرورات تقدّر بقدرها. وقول الإمام الحسين (عليه السلام) في حق نساء أهل بيته: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبَايَا»[16] ، لا يُعد استثناءً شاذاً من قدرة النساء، بل هو تأسيس لدورهن الجهادي الخاص. فالذي يُفهم أنَّ النساء إنما سقط عنهن الجهاد الساخن، لا الجهاد الإعلامي، ولا الناعم، ولا البارد، ولا الأمني، فهذه كلها باقية على حالها.
والشاهد على ذلك: أنَّ أسماء بنت عميس كانت عينًا لأمير المؤمنين (عليه السلام) على الطرف الآخر، تقوم بمسؤوليتها. وكذلك أخت أمير المؤمنين (عليه السلام)، أم هانئ بنت أبي طالب، التي لو جُمعت سيرتها لكانت مرجعاً، وقد ورد في حقها أنها لم تشك في الله طرفة عين. فمنذ الأيام الأولى لتشكّل خلايا المسلمين في مكة المكرمة، كان بيتها هو المقر السري الذي تُعقد فيه الاجتماعات، وهو يقع قبالة الركن اليماني، فكان بمثابة وكر أمني للنبي (صلى الله عليه وآله)، ومنه انطلق في إحدى مرات المعراج.
إنَّ أدوارها، وخصوصاً دورها في نجاح ثورة المختار، كانت أدواراً أمنية عالمية، وكلها كانت تتم في خفاء وبلا ضجيج. وقد كانت عينًا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته، وعينًا لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وعينًا للإمام الحسن (عليه السلام). واللطيف أنَّ أصحاب الكساء كانوا يزودونها بالتقارير الأمنية والعسكرية. وكذلك كان أولادها، يعملون في الخفاء وتحت السطح، حتى إنَّه يُنقل في بعض القصاصات التاريخية أنَّه لولاها لما نجح المختار الثقفي عسكرياً في السيطرة على الكوفة.[17]
فما حقيقة هذا الدور؟ إنَّ القول بسقوط التكليف عن المرأة لا يرتبط بمثل هذه الأدوار. وهل يُفهم من إمامة فاطمة (عليها السلام) أنَّ النساء لا دور لهن؟ بل لهن دور عسكري وأمني، وإن لم يكن ساخناً، فهو أخطر من الساخن؛ دور أمني خفي بارد. وهذه أم هانئ بنت أبي طالب كانت أعجوبة في هذا المجال، وهذا يبرهن على وفائها لأمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام.
والحاصل: أنَّ هذا هو نهج الحسين (عليه السلام) الذي يؤكده أهل البيت عليهم السلام بألسنة رمزية مختلفة، وهي قضية لا تقتصر على النغمات الصوتية، بل هي قضية وجدانية عاطفية. هذا هو الحسين (عليه السلام). وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.