48/01/24
جهاد المواساة: قراءة في فلسفة عاشوراء ومنهجية فهم السنن
المجلس السابع والعشرون الذي عقده الصدوق أيضاً في مقتل سيد الشهداء، وهو يندرج ضمن سلسلة المجالس التي تمتد من المجلس الرابع والعشرين إلى المجلس الرابع والثلاثين، والتي يغلب عليها الحديث عن سيد الشهداء (عليه السلام).
يروي الصدوق بسنده عن الحسين بن أحمد بن إدريس، وهو شيخه، قال: حدثني أبي أحمد بن إدريس الأشعري القمي، [1] عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم صاحب كتاب وقعة صفين، وهو مؤرخ كبير ينسب إلى التشيع، عن عمر بن سعد، [2] عن أرطأة بن حبيب، عن فضيل الرسان، عن جبلة المكية.
إخبار ميثم التمار الغيبي بواقعة الطف
قالت: سمعت ميثم التمار يقول: «وَاللَّهِ لَتَقْتُلَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ ابْنَ نَبِيِّهَا فِي الْمُحَرَّمِ لِعَشْرٍ يَمْضِينَ مِنْهُ، وَلَيَتَّخِذَنَّ أَعْدَاءُ اللَّهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمَ بَرَكَةٍ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، أَعْلَمُ ذَلِكَ بِعَهْدٍ عَهِدَهُ إِلَيَّ مَوْلَايَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ».[3]
وأضاف: «وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ يَبْكِي عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، حَتَّى الْوُحُوشُ فِي الْفَلَوَاتِ، وَالْحِيتَانُ فِي الْبِحَارِ، وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَتَبْكِي عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَالنُّجُومُ وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، وَمُؤْمِنُو الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَجَمِيعُ مَلَائِكَةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، وَرِضْوَانُ وَمَالِكٌ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَتُمْطِرُ السَّمَاءُ دَماً وَرَمَاداً».[4]
ثم قال: «وَجَبَتْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ، وَكَمَا وَجَبَتْ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ».[5]
قالت جبلة: فقلت له: يا ميثم، وكيف يتخذ الناس ذلك اليوم الذي يقتل فيه الحسين بن علي يوم بركة؟ فبكى ميثم رضي الله عنه ثم قال: «سَيَزْعُمُونَ لِحَدِيثٍ يَضَعُونَهُ أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي تَابَ اللَّهُ فِيهِ عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذِي الْحِجَّةِ».[6]
ومن اللافت أنَّ هذا الإخبار الغيبي من ميثم التمار، قبل وقوع الحادثة بعقود، يصف بدقة ما سيقوم به بنو أمية من تضليل إعلامي وديني، وهو ما اعترف به لاحقاً حتى بعض خصوم الشيعة كابن تيمية، الذي أقر بأنَّ الروايات التي تروّج لفضائل يوم عاشوراء هي من وضع النواصب عداوةً لأهل البيت عليهم السلام.[7]
ويواصل ميثم كشف زيفهم: «وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي قَبِلَ اللَّهُ فِيهِ تَوْبَةَ دَاوُدَ، وَإِنَّمَا قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي أَخْرَجَ اللَّهُ فِيهِ يُونُسَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي اسْتَوَتْ فِيهِ سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَى الْجُودِيِّ، وَإِنَّمَا اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ يَوْمَ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي فَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ».[8]
ثم قال: «يَا جَبَلَةُ، اعْلَمِي أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِأَصْحَابِهِ عَلَى سَائِرِ الشُّهَدَاءِ دَرَجَةٌ. يَا جَبَلَةُ، إِذَا نَظَرْتِ إِلَى الشَّمْسِ حَمْرَاءَ كَأَنَّهَا دَمٌ عَبِيطٌ، فَاعْلَمِي أَنَّ سَيِّدَكِ وَمَوْلَاكِ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ قُتِلَ».[9] وهذا نظير ما أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم زوجته أم سلمة.
قالت جبلة: «فَخَرَجْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَيْتُ الشَّمْسَ عَلَى الْحِيطَانِ كَأَنَّهَا الْمَلَاحِفُ الْمُعَصْفَرَةُ، فَصِحْتُ حِينَئِذٍ وَبَكَيْتُ وَقُلْتُ: قَدْ وَاللَّهِ قُتِلَ سَيِّدُنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ».[10]
الرواية الثانية: يرويها الصدوق أيضاً عن شيخه جعفر بن محمد بن مسرور، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله بن عامر، عن إبراهيم بن أبي محمود، [11] قال: قال الرضا (عليه السلام): «إِنَّ الْمُحَرَّمَ شَهْرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ فِيهِ الْقِتَالَ، فَاسْتُحِلَّتْ فِيهِ دِمَاؤُنَا، وَهُتِكَتْ فِيهِ حُرْمَتُنَا، وَسُبِيَ فِيهِ ذَرَارِيُّنَا وَنِسَاؤُنَا، وَأُضْرِمَتِ النِّيرَانُ فِي مَضَارِبِنَا، وَانْتُهِبَ مَا فِيهَا مِنْ ثِقْلِنَا، وَلَمْ تُرْعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حُرْمَةٌ فِي أَمْرِنَا. إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا، وَأَسْبَلَ دُمُوعَنَا، وَأَذَلَّ عَزِيزَنَا بِأَرْضِ كَرْبٍ وَبَلَاءٍ، أَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَالْبَلَاءَ إِلَى يَوْمِ الِانْقِضَاءِ. فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ».[12]
وفي قوله (عليه السلام): «أَقْرَحَ جُفُونَنَا» دلالة واضحة على مشروعية بلوغ الحزن والعزاء مرتبة إيقاع الضرر على النفس، كتقرح الجفون، في سبيل إحياء شعائر سيد الشهداء (عليه السلام).
ثم قال الرضا (عليه السلام)، وهو من الأئمة الذين شدّدوا على إحياء شعائر سيد الشهداء، كالإمامين الصادق والهادي عليهما السلام: «كَانَ أَبِي صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ لَا يُرَى ضَاحِكاً، وَكَانَتِ الْكَآبَةُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْعَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَحُزْنِهِ وَبُكَائِهِ، وَيَقُولُ: هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ».[13]
فتلك هي سنن الأئمة عليهم السلام في إحياء ذكرى عاشوراء، حيث كانوا يظهرون الحزن لذويهم وأبنائهم، ولم يتركوا إحياءها قط. وما ذكره الإمام الرضا (عليه السلام) هنا هو مقتطف من سيرتهم، ولم يفصل ما كان يقوم به والده الإمام الكاظم (عليه السلام)، والحال أنَّ سيرة الأئمة كلهم كانت على هذا المنوال. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه كان يجدد العزاء في يوم عاشوراء ويحث أصحابه على ذلك. فهذه الرواية تذكر خطوطاً عامة لسيرة الأئمة في إحياء هذه الذكرى.
الرواية الثالثة: يرويها الصدوق أيضاً بسنده عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه أحمد بن إدريس، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي، [14] قال: حدثنا محمد بن زياد، [15] عن زياد بن المنذر، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس.
ويُلحظ هنا أنَّ عبد الله بن عباس كان يترصد أحداث عاشوراء قبل وقوعها ويذكرها لتلاميذه، فلم يقتصر دوره على نقل لقطة أو لقطتين. ومن جملة ما نقله ابن عباس من الإخبارات الغيبية عن واقعة الطف قبل حدوثها، ما رواه عن مروره بكربلاء برفقة أمير المؤمنين (عليه السلام) أثناء رجوعه من صفين، حيث أخبره الإمام بمصرع الحسين (عليه السلام) في تلك الأرض. وهناك روايات أخرى تشير إلى أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أعطى ابن عباس علامة، كتربة من أرض كربلاء، وأخبره أنها ستتحول إلى دم عبيط حين يقتل ولده الحسين (عليه السلام). وقد ورد أنَّ ابن عباس نفسه شاهد علامة مقتل الحسين (عليه السلام) يوم العاشر من المحرم وهو في الحجاز، حيث كان يحتفظ بتلك التربة ليستعلم منها وقوع الحدث.
والحاصل: أنَّ عبد الله بن عباس ومدرسته يعدّون من المصادر المهمة لرواية أحداث عاشوراء، لا سيما الإخبارات الغيبية التي سبقت الواقعة.
قال ابن عباس: قال علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُحِبُّ عَقِيلًا؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّهُ حُبَّيْنِ: حُبّاً لَهُ، وَحُبّاً لِحُبِّ أَبِي طَالِبٍ لَهُ، وَإِنَّ وَلَدَهُ لَمَقْتُولٌ فِي مَحَبَّةِ وَلَدِكَ».[16]
واللطيف هنا هو تعبير النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم، حيث لم يقل إنَّ ولد عقيل سيقتل “في سبيل الله” أو “في مقاومة الظالمين”، بل قال: «وَإِنَّ وَلَدَهُ لَمَقْتُولٌ فِي مَحَبَّةِ وَلَدِكَ».
وهنا يطرح التساؤل: أي نوع من الجهاد هذا؟ إنَّه ليس جهاداً دفاعياً بالمعنى المصطلح، بل هو ما يمكن أن نسميه “جهاد المواساة”، وهو عنوان لم يفرد له الفقهاء باباً مستقلاً في مباحث الجهاد. بل يمكن القول إنَّ من أعظم التجليات للمنهج الفقهي العقائدي السياسي الذي سلكه سيد الشهداء (عليه السلام) هو هذا الباب الذي سنه، أي “جهاد المواساة”. فهو جهاد عسكري في ظاهره، ولكنه مواساة في جوهره.
وقد تعرض الفقهاء لهذا المفهوم عرضاً في بعض الأبواب الفقهية، وأشاروا إلى أنَّ لجهاد المواساة شروطاً تختلف عن شروط الجهاد الدفاعي والجهاد الابتدائي. بل إنَّ جملة من الفقهاء صرّحوا بأنَّ كثيراً من أحداث سيرة سيد الشهداء وأصحابه في عاشوراء لا يمكن تفسيرها ضمن القواعد الفقهية السياسية المعهودة، وإنما تندرج في باب جهاد المواساة، كما سيأتي بيانه.
وهذا مبحث مهم جداً، فمع أنَّ الفقهاء تعرضوا له إجمالاً، إلا أنهم لم يبسطوا البحث فيه كباب مستقل، مع كونه من أعظم أنواع الجهاد وأقسامه.
وعليه، فإنَّ تعبير النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم: «وَإِنَّ وَلَدَهُ لَمَقْتُولٌ فِي مَحَبَّةِ وَلَدِكَ»، يمثل فلسفة عميقة لماهية الجهاد في عاشوراء. فمع عدم نفي الأبعاد الأخرى لنهضة سيد الشهداء، إلا أنَّ هذا الحديث النبوي يبيّن أنَّ العمدة والذروة والقمة في جهاد أنصار الحسين وأهل بيته هو “جهاد المواساة” والقتل في سبيل المحبة.
إنَّ الجهاد في عاشوراء ذروته وقمته هو جهاد المواساة، فهو قتل المحبة لا قتل الدفع؛ “وَإِنَّ وَلَدَهُ لَمَقْتُولٌ فِي مَحَبَّةِ وَلَدِكَ”. وكيف لا، والمودة والمحبة قد جعلها الله لُبَّ لُباب الدين، قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]. فالمحبة هي الدين كله؛ فمحبة الحسين متولدة من محبة النبي (صلى الله عليه وآله)، ومحبة النبي (صلى الله عليه وآله) متولدة من محبة الله.
وهذه الضابطة هي المائز لماهية جهاد المواساة عن الجهاد الاصطلاحي. ومن نماذجه المتناثرة في أبواب الفقه حرمة الفرار من زحف المشركين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15]. فالفرار من الزحف من الكبائر العظيمة جداً، وقد ذهب الفقهاء إلى أنَّ هذا الحكم القرآني في جملة من صوره لا يمكن تفسيره بقواعد جهاد الدفاع أو شروطه، ولا بشروط الجهاد الابتدائي، بل لا بد من إدراجه في باب جهاد المواساة.
ونظير ذلك ما قام به أمير المؤمنين (عليه السلام) حين بذل مهجته في محبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم المبيت على الفراش؛ فإنَّ مبيته على الفراش يُعدُّ مثالاً بارزاً لجهاد المواساة، لا جهاد الدفاع أو غيره. وذلك أنه وإن سأل النبي (صلى الله عليه وآله) عن سلامته هو، إلا أنَّ مقتضى الظروف المحيطة بالحادثة كان يقتضي تصفيته وقتله. فكان فعله (عليه السلام) نوعاً خالصاً من جهاد المواساة. ولهذا المبحث دلائل كثيرة، إن وسعنا الوقت في الحلقات اللاحقة، نذكر خطوطاً عامة في أدلته، ولكنه بحث مهم جداً.
ومن شواهد جهاد المواساة في كربلاء ما جرى عند الماء، حين كان الإمام الحسين (عليه السلام) على شفا الهلاك من العطش، فآثر نفسه على الشرب وقال: “يَا نَفْسُ مِنْ بَعْدِ الْحُسَيْنِ هُونِي، وَبَعْدَهُ لَا كُنْتِ أَنْ تَكُونِي. هَذَا الْحُسَيْنُ وَارِدُ الْمَنُونِ، وَتَشْرَبِينَ بَارِدَ الْمَعِينِ”[17] . إنَّ الفقهاء لم يعنونوا هذا البحث بشكل مستقل في قالب وإطار خاص، مع أنه معنى مهم جداً.
وقد ذكرنا مراراً أنَّ جملة من الأعلام، كصاحب الجواهر[18] وكاشف اللثام[19] ، يعترفون في بعض تصريحاتهم ضمن مباحث الجهاد أو الحدود وغيرها، بأنَّ القواعد التي نُقِّحت في أبواب الفقه عند الأعلام لا تستطيع أن تترجم فقهياً على وجه الكفاية سيرة سيد الشهداء وأنصاره. ومقتضى ذلك أنه لا تزال هناك حاجة فقهية وسياسية وعقدية ماسة لوضع قواعد وأبواب جديدة كي يمكن للباحث أن يعرف كنه سنة الحسين (عليه السلام) في كربلاء، وهذه السنة لا تزال مبهمة في جوانبها، ولم تُترجم بالكامل من قبل الفقهاء الفحول.
وهذا الأمر لا يقتصر على سيد الشهداء وواقعة عاشوراء، بل إنَّ جملة من سنن الأئمة العظيمة لم يتم إلى الآن ترجمتها فقهياً أو عقائدياً بشكل كامل في العلوم الدينية. مع أنَّ الواجب علينا هو الاستنان بسننهم، ولكن كيف يتأتى ذلك إذا لم نفهم إلى الآن فلسفة جملة من سننهم وأعمالهم، وماهية وهوية الفعل الذي يقوم به المعصوم؟ إنها لظاهرة ملحة أنَّ في سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسنين والتسعة من المعصومين عليهم السلام سنناً لا تزال مبهمة علينا، ويجب علينا الفحص والتدقيق العلمي في تخريجها وتخريج القواعد التي تستند إليها.
نقد محاكمة المقاتل بالقواعد الفقهية القاصرة
ويتفرع على ذلك أنَّ من الأمور التي تدعو للعجب في زماننا هذا، أنك ترى من يُشكل على ما ورد في كتب المقاتل، بحجة أنَّ بعض أحداثها لا تتطابق مع القواعد الفقهية المقررة. والحال أنَّ هذه الأحداث العاشورائية وصنيع أهل البيت عليهم السلام فيها، هل تُرجمت بأكملها ضمن تلك القواعد؟ إنَّ فحولاً من الفقهاء كصاحب الجواهر وكاشف اللثام قد اعترفوا بأنَّ واقعة عاشوراء لا تزال غير مترجمة بالكامل فقهياً وعقدياً. فكيف يُستشكل على نقل الأحداث بقواعد فقهية يُعترف بقصورها عن الإحاطة بتلك الأحداث؟
إنَّ الإشكال ينبع من عكس المنهجية الصحيحة؛ فهذه القواعد لم تتبلور بعد بشكل كامل. فالقاعدة هي: أنَّ سنة المعصوم هي الميزان، لا ما استنبطه الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم، فإنَّ أحد أدلتهم التي يستنبطون منها هو سنة المعصوم نفسها، فكيف يُعكس الأمر؟ إنَّ هذه لغفلة عجيبة ومنزلق خطير يؤدي إلى الطعن في كتب المقاتل. بل الصواب أن تكون هذه الروايات مادةً لإثراء البحث وحافزاً للاستمرار في تنقيب الفقه والاستنباط، سواء في باب الجهاد، أم في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المنهج الصحيح: سنة المعصوم هي الميزان
وهذا شبيه بالفتوى المنقولة عن السيد محسن الحكيم (رحمه الله) في مجلة “الأضواء” الصادرة في النجف قبل عقود[20] ، حيث وُجِّه إليه استفتاء من قبل الشيخ عبد الهادي الفضلي والسيد عبد الهادي الشيرازي وجملة من فقهاء النجف. ومفاد الاستفتاء: أنَّ الشروط المذكورة في كتب الفقهاء لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو أردنا التقيد الحرفي بها، للزمنا الإشكال على سيرة صحابة أجلاء كأبي ذر الغفاري، الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مع عدم توفر بعض تلك الشروط فيه. وكذلك يلزم الإشكال على سيرة ميثم التمار، وعلى كثير من الشهداء التابعين لهذه الملة. فكيف يصح ذلك؟
فكان جواب السيد محسن الحكيم (رحمه الله) أنَّ ما نقَّحه الفقهاء في هذا الباب ليس هو كل دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو جزء منه وعينة من مصاديقه، ولم يُجعل منهجاً شاملاً. وكذلك كان رأي السيد عبد الهادي الشيرازي. والحاصل: أنَّ سيرة هؤلاء الأصحاب، وإن كانوا غير معصومين، لكنهم من أتباع أهل البيت المخلصين الذين أمضى الأئمةُ فعلهم، فيجب أن تُجعل هي الأصل، لا ما استنبطه الفقهاء. وعكس ذلك يُعدُّ مؤاخذة على المنهج، أو يكشف، كما يفسره السيد محسن الحكيم، عن أنَّ ما استنبطه الفقه ليس هو كل شيء.
إنَّ المنهج الذي ذكره السيد محسن الحكيم هو منهج قرآني قوامه أنَّ المواد البديهية المتسالم عليها من سيرة الأئمة وسيرة أصحابهم المرضيين لا تُحاكم بما استنبطه الفقهاء، بل يُحاكم ما استنبطه الفقهاء بها، لا العكس. فالآية القرآنية لا تُحاكم باستنباط الفقيه، بل استنباط الفقيه هو الذي يُحاكم بالآية. يجب أن تُجعل الآية ميزاناً، والحديث المعوّل عليه ميزاناً، وسيرة أهل البيت المسلَّمة وسيرة أتباعهم المرضيين ميزاناً يُعرض عليه ما استنبطه الفقهاء. لذلك قال السيد محسن الحكيم: لا تظن بأنَّ ما استنبطه الفقهاء في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو كل الأدلة الواردة فيه. فهذا الذي استنبطه الفقهاء هو جزء لا كل، ولا تزال المسيرة الفقهية تحتاج إلى توسع وامتداد واستمرار كي تترجم المواد المسلَّمة في الدين.
ولا ينبغي أن يُظن بأنَّ ما استنبطه علماء الكلام هو كل ما هو موجود من مواد قطعية وبديهية؛ فهناك مواد لم تتبلور ولم تُفسَّر صناعياً بعد لأنَّ المسيرة العلمية لم تصل إليها. وهذا يجري في علم الرجال أيضاً؛ فقد ذكر صاحب جامع الرواة[21] الذي اعتنى السيد البروجردي بطباعته، أنه وقف على مواد في علم الرجال توثّق عشرات ممن عُدّوا من المجاهيل أو تفصح عن حال المهملين. فعلوم الدين كلها، من رجال وكلام وفقه، طبيعتها كذلك.
وهذا الكلام في البديهيات التي لا زالت بكراً في أكمامها لم تُفتق بعد، وهو منهج يجب الالتفات إليه. فما دام البحث يستند إلى ضرورة مكتومة، وجب فتق أوراقها، لا لأنها تستند إلى ظن معتبر أو غير معتبر، بل لأنها بديهية الدليل. وهذه المنهجية التي أبداها السيد محسن الحكيم والسيد عبد الهادي الشيرازي وغيرهم من علماء النجف، ونقلها عنهم الشيخ عبد الهادي الفضلي، هي منهجية يجب الالتفات إليها؛ فهناك مواد موجودة بوفرة.
ورحم الله الماضين الذين دأبوا وكابدوا طوال اثني عشر قرناً، ولكن الدين، كما يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، متين وعميق وممتد، فأوغل فيه برفق. والإيغال هو الغوص والفحص والتبحر. وكما يصف القرآن نفسه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: 27]. فالكلام هنا ليس في الظنيات المعتبرة، بل في الضروريات القطعيات التي لا تزال تحتاج إلى تفتيق.
تنبيه: أيها الباحث، لا تتمسك بضرورة واحدة وتترك الضرورات الأخرى. لماذا؟ لأنَّ الضرورات والأدلة اليقينية لا بد أن تُجمع كلها في نسق وائتلاف وملاءمة حتى تتضح صورة العقيدة أو المعلم الديني بوضوح، سواء في الفروع أم في الأصول. فلو جمعت تسعة وتسعين بالمئة من الضروريات وتركت ضرورة واحدة، لاختل نظام الدين. قال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]، مع أنَّ سيد الأنبياء هو أعظمهم. وقال أيضاً: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285].
وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، فلا ننكر ميكائيل، بل يجب أن نُقِرَّ به. فالمنظومة كلها يجب أن يُنسَّق بينها، فلا يصح أن تقول مثلاً إنَّ الأئمة اثنا عشر، وتغفل عن أن إمامة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم مقدّمة، وهي أعظم من إمامة الأئمة عليهم السلام؛ وهذه ضرورة لا ينبغي نسيانها.
والأمر كذلك بالنسبة لمقام فاطمة (عليها السلام)؛ فإنَّ كل الأدلة التي استدل بها أئمة أهل البيت عليهم السلام على إمامتهم، جلها ليس بلفظ الإمامة الصريح، فهل يعني ذلك أن استدلالهم -والعياذ بالله- دجلي أو خداعي، أو أنَّه ليس بديهياً عقلياً؟ فآية المودة، وآية التطهير، وسائر تلك الأدلة، تجد أن الرقم الثالث في تلك الآيات بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم هو فاطمة (عليها السلام)، فماذا نصنع بهذه الحقيقة؟ إنَّ الأمر يحتاج إلى تفتيق وقراءة مجموعية، فلا يصح أن نقع في مصداق قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]. فلا بد من جمع كل الضرورات مع بعضها البعض كي يتسق المشهد كاملاً، وإلا صدق القول: “حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء”.
ولذلك نجد في كل العلوم، سواء كانت دينية أم غير دينية كالفلسفة والكلام والعرفان، أنَّه لا يُكتفى بدليل يقيني واحد، بل يُسعى لتعديد الأدلة اليقينية. والسر في ذلك أن منظومة اليقينيات المتعددة هي التي تشرح لوحة الحقيقة كاملةً، فلا يصح التمسك بحلقة واحدة من السلسلة. وهذا شبيه بما وقع فيه البعض من التمسك بحديث واحد أو طائفة من الأحاديث مع إغفال سائر الطوائف الأخرى المروية عند المسلمين، مما يؤدي إلى الزيغ في النتيجة، وهو ما حذّر منه القرآن الكريم، فإنَّ التمسك ببعض الأدلة دون بعض مآله الزيغ والانحراف.
وتأسيساً على ذلك، تعال وفسّر قضية فدك في مصادر الإمامية؛ فإنَّ فدكاً من الفيء، والفيء هو من الأنفال التي هي للإمام بنص القرآن بوصفه خليفة الله في الأرض. وهناك منظومة بحثية متكاملة ذكرها أئمة أهل البيت عليهم السلام في هذا الشأن. ولكن كيف تُعطى فدك لفاطمة (عليها السلام)؟ وما هي الصفة التي أُعطيت لها بها؟ إنَّ فدكاً من الأنفال، وليست قطيعةً يمنحها ملك لابنته، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم حاشاه عن ذلك، بل هو أمر من الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ [الإسراء: 26]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ [النحل: 90]. وقد وردت في فدك آيات عدة، منها ما ورد في سورة الحشر.
إنَّ قضية فدك هي أحد براهين إمامة أهل البيت عليهم السلام. ولكن كيف تكون فدك برهاناً على إمامتهم؟ وما هو دور فاطمة (عليها السلام) في هذه المنظومة؟ هذه أيضاً ضرورة تحتاج إلى فهم. إنَّ ثنائية علي وفاطمة عليهما السلام هي ضرورة أخرى في مذهبنا، وقد فسّرها الأئمة بأنفسهم.
فالشيخ الصدوق ليس طالب علم متوسطاً، بل هو من زعماء المذهب، وعندما يتبنى في رواياته أن “حي على خير العمل” هي نداء باسم فاطمة ووراثة ولدها منها، فإنَّه بذلك يجعل قضية فدك وفاطمة من أصول الدين.[22] وكذلك الكليني حين يورد هذه المسألة في أصول الكافي، فيذكر في باب أنَّ هذا المقام للإمام، ثم يورد رواية أنها لفاطمة (عليها السلام).[23] فهل هذا مزج غير مفهوم أو تخليط من الكليني -حاشاه-؟ أم أنَّه يضعها في أصول الدين عن وعي؟ إنَّ هؤلاء هم أعمدة المذهب: الكليني في الكافي، والصدوق، والطوسي في التهذيب. فهم الذين أوردوا أن الفيء للإمام، ثم أوردوا أنَّه لفاطمة. فهل يُعقل أنَّهم لم يفهموا ما يروون؟ إنَّ هذه حقائق تُعد من الضرورات، وليست من الظنيات التي يدور أمرها بين الاعتبار وعدمه.
إذًا، هذه الوصية التي ذكرها السيد محسن الحكيم (رحمه الله) هي وصية عظيمة، ومفادها أنَّه في فقه الفروع وعلم الكلام، لا سيما عندما لا يكون البحث في الظنيات المعتبرة التي يمكن أن يُقال فيها إنَّها ظن معتبر أُعرض عنه، بل في القطعيات والبديهيات، فماذا يكون الموقف؟
إنَّ المنهجية الصحيحة تقتضي عدم التمسك بضرورة واحدة، بل التمسك بمجموع الضرورات، والتنسيق بينها، وتفتيقها ضمن نظام متكامل. فليس كل ما دوّنه الفقهاء في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ترجمة كاملة لكل الأدلة، خصوصاً البديهية منها. قد يُقال في الأدلة الظنية إنَّها ظن معتبر أُعرض عنه، لكن ماذا عن الأدلة اليقينية والضروريات التي لا تزال مجملة؟ ومعنى كونها مجملة أنَّها لم تُفتق بعد ولم تُستخرج كنوزها.
ولاحظ ما يكتبه علماؤنا كالصدوق والكليني، بل وحتى الشيخ الطوسي في مصنفاته، من أبواب عقدية لم تكن مذكورة في كتب الكلام المعاصرة لهم أو السابقة عليهم؛ فما كُتب آنذاك في علم الكلام كان مختزلاً ومختصراً. فقضية محورية فاطمة (عليها السلام) في الدين لم تُبحث كما ينبغي في كثير من تلك المدونات الكلامية، فهل نرفع اليد عن هذه الضرورة مع وجود الأدلة القطعية البرهانية عليها؟ فكما نحتج بالغدير، نحتج بفدك في إثبات حقانية مذهب أهل البيت وتخطئة الطرف الآخر.
والحاصل: أن فدكاً برهان لمذهب أهل البيت، ولكن هذا ليس كل شيء، فكما يقول السيد محسن الحكيم، ما زال هناك الكثير الذي لم يُستنبط بعد، وكم ترك المتقدم للمتأخر. إنَّ الدين بحر عميق، وحبل ممدود طرفه بيد الله، لا يصل إلى أعماقه إلا أهله. فهذا هو طول الدين وامتداده.
وهذه نكتة علمية مهمة وضرورية، وليس بحث “جهاد المواساة” إلا نموذجاً تطبيقياً لهذه المنهجية. فإنَّ كل الضرورات تخضع لهذا القانون، ومحور البحث هو منهجية التعامل مع الضرورات وكيفية الملاءمة بينها.