48/01/23
فضائل أهل البيت وشروط الإيمان: قراءة في أمالي الصدوق
أما الحديث الذي مرّ بنا في أمالي الصدوق، وتحديداً في المجلس الثامن والعشرين، الرواية الرابعة، فإنّ غالب هذه المجالس، من المجلس الرابع والعشرين إلى الحادي والثلاثين، تتمحور حول أحداث عاشوراء، ولكن في جملة من الروايات يورد الصدوق (رحمه الله) فضائل اصطفائية أو أحداثاً أخرى تجري على بقية المعصومين عليهم السلام.
ركنية النبي وفاطمة لأمير المؤمنين
وقد مرّ بنا قول النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم لأمير المؤمنين (عليه السلام): «فَعَنْ قَلِيلٍ يَنْهَدُّ رُكْنَاكَ»[1] ، وهنا يبرز مصطلح “الركنية”، فمن هما الركنان لأمير المؤمنين (عليه السلام)؟ إنّ ركنية النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم لأمير المؤمنين توازيها ركنية فاطمة (عليها السلام) له، وهذا مما يبين علو مقام الاصطفاء لفاطمة على الحسنين وعلى الأئمة التسعة من ولد الحسين عليهم السلام. فهي تُعتبر من أركان إمامة أمير المؤمنين التي يعتمد عليها، وقد فسّر النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم الركنين بأنه هو وفاطمة، مما يعني أنّ اعتماد أمير المؤمنين (عليه السلام) عند الناس وموقعيته وما يختزنه من شرعية ومقام وصفاء، يترابط بهذين الركنين العظيمين.
وعندما يتحدث النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم عن الركن الأول، وهو سيد الرسل، والركن الثاني، وهي فاطمة، مع وجود الحسنين عليهما السلام، لكنه لم يعبّر عنهما بأنهما ركن لأمير المؤمنين، وهذا الحديث له طرق متعددة حتى عند العامة. وإن كانت فاطمة (عليها السلام) لا تكون في درجة سيد الأنبياء، لكن في هذا نوع من المشابهة، فكما أنّ لأمير المؤمنين (عليه السلام) منزلة نفس النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم بنص آية المباهلة، فكذلك هي منزلة فاطمة مع النبي بالقياس إلى أمير المؤمنين. ويتحصل من ذلك أنّ لفاطمة (عليها السلام) من الاصطفاء والحجّية والإمامة والولاية شيئاً متميزاً دون بقية الأحد عشر إماماً. وحيث إنّ الحديث النبوي بحر زخّار، فيمكن أن يُتدبر فيه الكثير من الأمور الاستراتيجية وأصول المعارف والتشريع.
الرواية التي بعدها
طهارة سيد الشهداء عند ولادته
يرويها الصدوق عن أحمد بن الحسن، المعروف بأبي علي بن عبدويه، قال: حدثنا الحسين بن علي السكري، قال: حدثنا محمد بن زكريا الجوهري، قال: حدثنا العباس بن بكار، قال: حدثني الحسين بن يزيد، عن عمر بن علي بن الحسين، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت أبي بكر، عن صفية بنت عبد المطلب، وفيها فضيلة لسيد الشهداء (عليه السلام)، أنّ صفية عمّة النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم قالت: لَمَّا سَقَطَ الْحُسَيْنُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَ كُنْتُ وَلِيَّتَهَا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: «يَا عَمَّةُ هَلُمِّي إِلَيَّ ابْنِي»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَمْ نُنَظِّفْهُ بَعْدُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: «يَا عَمَّةُ أَ أَنْتِ تُنَظِّفِينَهُ؟ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدْ نَظَّفَهُ وَ طَهَّرَهُ»[2] . ومع أنّ لصفية من الشأن ما لها، يقول لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم: «أَ أَنْتِ تُنَظِّفِينَهُ؟»، وهذا يدل على علو مقام الخمسة أصحاب الكساء. ويروي الصدوق من طريق آخر نفس المطلب، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم وضع لسانه في فم الحسين، ثم ذكر بعض ما سيجري على سيد الشهداء، وأنّ فئة باغية من بني أمية تقتل الحسين.
الحديث اللاحق
إخبار أمير المؤمنين عن واقعة كربلاء
الذي يرويه الصدوق يتحدث عن هرثمة بن أبي مسلم، عن طريق زوجته جرداء بنت سمين، وكانت هذه الزوجة شيعية بينما زوجها لم يكن كذلك ولكنه كان يميل لأهل البيت عليهم السلام. قال هرثمة: غزونا مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) صفّين، فلما انصرفنا نزل كربلاء فصلى بها غداةً. ثم ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) شيئاً مما يجري في كربلاء، فحفظ هذا الراوي، وهو هرثمة، المكان الذي توقف فيه أمير المؤمنين وشمّ فيه تربة كربلاء. فلما قدم الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء، قال هرثمة: كنت في البعث الذي بعثه عبيد الله بن زياد، فلما رأيت المنزل والشجر، ذكرت الحديث، فجلست على بعيري ثم صرت إلى الحسين، وتركت جيش عبيد الله بن زياد، فسلمت عليه وأخبرته بما سمعته من أبيه في ذلك المنزل الذي نزل به الحسين. فقال الحسين (عليه السلام) لهذا الراوي: «أَمَعَنَا أَنْتَ أَمْ عَلَيْنَا؟»، فقال: لا معك ولا عليك. فقال له الإمام (عليه السلام) ما مضمونه أن يبتعد عن المعركة حتى لا يسمع واعيتهم. وهذا الرجل هو هرثمة بن أبي مسلم، وهو شخص آخر غير عبيد الله بن الحر الجعفي الذي خذل الحسين (عليه السلام). وهذه الرواية موجودة في كامل الزيارات لابن قولويه[3] ، وقد مرّ بنا أنّ هناك تشابهاً بين طرق الصدوق وطرق ابن قولويه، زميله المعاصر، فيما يرويانه عن أحداث سيد الشهداء وفضائل زيارته.
ثم يروي الصدوق
معنى “قتيل العبرة” وأهداف النهضة الحسينية
رواية عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه أحمد بن إدريس –وهو من أعلام الطائفة الكبار ومن مشايخ الكليني ووالد الصدوق– عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحكم بن مسكين الثقفي –وفيه كلام، لكن هناك من يبني على توثيقه– عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أبو عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام: «أَنَا قَتِيلُ الْعَبْرَةِ لَا يَذْكُرُنِي مُؤْمِنٌ إِلَّا اسْتَعْبَرَ»[4] .
سؤال: هل كان الهدف من مقتل الحسين (عليه السلام) هو البكاء والدمع فحسب؟ الجواب: إنّ هذا أحد الأهداف. والذي ينبغي الالتفات إليه أنّ ما ذكرته الروايات من أهداف نهضة سيد الشهداء أهداف كثيرة ومتعددة، منها: - الاستشهاد في سبيل الله. - أن يكون “قتيل العبرة” لإثارة العواطف وتحريك القلوب. - طلب الإصلاح في أمة جده، كما في قوله: «إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً… وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي»[5] . فله (عليه السلام) أهداف وقواعد كثيرة ذكرها، وسنتعرض لها في القسم الثاني من هذا البحث. ولكنّ هذا الهدف، أي كونه “قتيل العبرة”، هو أحد الأهداف المصرح بها في الروايات والزيارات، بل ورد في بعضها “عَبرة وعِبرة”، فليس الهدف البكاء فقط، بل العِبرة للاقتداء به أيضاً.
وأما السند الآخر
قصة الملك فطرس ومشروعية التبرك
في هذا المجلس عند الصدوق، فهو عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمي، صاحب كتاب نوادر الحكمة، قال: حدثنا موسى بن عمر النخعي، عن عبد الله بن صباح المزني، عن إبراهيم بن شعيب الميثمي، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول في خبر طويل يتضمن قصة الملك فطرس عند ولادة الحسين بن علي عليهما السلام[6] . والواضح أنّ الحالة لم تقتصر على الملك فطرس، بل شملت ملكاً أو اثنين آخرين. والعجيب أنّ هذا الملك كان من حملة العرش، وقد هبط من مقامه بسبب “ترك الأولى” لا بسبب معصية، فإنّ الملائكة لا يعصون، ولكن هذا الترك للأولى أسقطه من مكانه. وهذا يدل على أنّ التكليف مستمر، وأنّ المسؤولية عن الدين والتدين تشمل حتى الملائكة المقربين كحملة العرش، وإن كان تكليفهم يختلف عن تكليف الجن والإنس بالشريعة.[7]
إنّ بعض موارد ترك الأولى، بحسب بيانات الوحي التي لا يهتدي إليها فيلسوف أو متكلم، تسبب السقوط عن المقامات. ولكن ببركة سيد الشهداء (عليه السلام)، قال النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم لجبريل: «قُلْ لَهُ يَتَمَسَّحْ بِهَذَا الْمَوْلُودِ وَ يَعُودُ إِلَى مَكَانِهِ». فانظر إلى ولاية سيد الأنبياء، فهو المطاع في ملكوت الله. قال له: «عُدْ إِلَى مَكَانِكَ». فتمسح فطرس بالحسين بن علي عليهما السلام وارتفع. تأمل كيف أنّ ملكاً من الملائكة المقربين، من حملة العرش، يهبط ويكسر جناحه ويُلقى في جزيرة سبعمائة عام –أي قبل ولادة النبي عيسى (عليه السلام) بزمن– بسبب ترك الأولى، ثم ببركة التمسك بمولود أهل البيت يرتفع ويعود إلى مقامه. وهذا يظهر أنّ التمسك بمشاهد أهل البيت يطهر من الذنوب وينجي من الهبوط، وهو نور يتكامل به الإنسان والملك على حد سواء.
إنّ قول النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم: «تَمَسَّحْ بِهَذَا الْمَوْلُودِ، وَعُدْ إِلَى مَكَانِكَ»، يؤسس لقاعدة عظيمة. وقد ذكر السمهودي، وهو من علماء العامة، في كتابه وفاء الوفا ما مفاده إجماع المسلمين على أنّ البقعة التي ضمت جسد النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم أفضل من العرش نفسه.[8] فإذا كان هذا شأن التراب، فكيف بالبدن الشريف نفسه؟ إنّ بدناً مادياً لسيد الشهداء (عليه السلام) يؤثر في الجانب الملكوتي لهذا الملك، وهو شبيه بتأثير ريق النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم في زقّ العلم لأمير المؤمنين (عليه السلام) ملكوتياً. فإذا كانت أبدانهم المادية بهذه المثابة، فكيف بأبدانهم النورية والبرزخية، وكما ورد في الزيارة الجامعة: «وَأَرْوَاحُكُمْ فِي الْأَرْوَاحِ وَأَنْفُسُكُمْ فِي النُّفُوسِ وَأَجْسَادُكُمْ فِي الْأَجْسَادِ»[9] ؟ وهذا يدلل على أنّ الحضور البدني في مشاهد أهل البيت ومقاماتهم يؤثر في روح الإنسان، كما يؤثر التمسح بالحجر الأسود، بل إنّ التمسح بسيد الشهداء أعظم.
ومن هنا،
آداب زيارة المعصومين والتمسح بقبورهم
فإنّ من الآداب المستفيضة المتواترة في مصادر الحديث المعتبرة كـكامل الزيارات ومصباح المتهجد والتهذيب والكافي، أنّ من آداب زيارة المعصومين عليهم السلام أن يلصق الزائر خدّه على تراب القبر أو حواليه، سجوداً وتضرعاً لله، وتمسحاً وتبركاً وتوسلاً بصاحب القبر الشريف. وهذا الأدب وارد حتى في زيارة علي الأكبر وأبي الفضل العباس وحمزة بن عبد المطلب عليهم السلام. فالسجود لله، ولكن عند قبر المعصوم استشفاعاً وتوسلاً، والله يحب أن يُعبد ويُسجد له في أماكن مقدسة.
إنّ سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم يعطينا قاعدة في قصة فطرس المستفيضة، وهي أنّ التمسح والتبرك بسيد الشهداء، الذي هو مظهر للخضوع والتولي والتعظيم، كان سبباً في صعود ذلك الملك من الفرش إلى العرش. وهذا التعظيم هو إيمان قام به ذلك الملك المقرب، فكان هذا الإيمان والخضوع لأهل البيت سبباً في رفعته وعودته إلى مكانه. وهنا تتجلى حقيقة التوسل والتولي.
فتمسح فطرس بالحسين بن علي وارتفع، وقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا إِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلُهُ وَ لَهُ عَلَيَّ مُكَافَأَةٌ أَلَّا يَزُورَهُ زَائِرٌ إِلَّا أَبْلَغْتُهُ عَنْهُ وَ لَا يُسَلِّمَ عَلَيْهِ مُسَلِّمٌ إِلَّا أَبْلَغْتُهُ سَلَامَهُ وَ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ مُصَلٍّ إِلَّا أَبْلَغْتُهُ صَلَاتَهُ»[10] . فهو بذلك يصبح شبكة تواصل أثيري بين الزائرين وسيد الشهداء (عليه السلام).
فائدة: هناك فرق بين “الزيارة” و”التسليم” و”الصلاة”. - الزيارة: تقتضي الحضور. - التسليم والصلاة: هما من أنواع التحية والدعاء بالخير، ويمكن أن يكونا عن قُرب أو بُعد. فالسلام دعاء، والصلاة دعاء، والدعاء بالخير تحية. ولهذا يُستحب عند ظهور صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف تحيته بالقيام والقول: “صلى الله عليك يا بقية الله”، فالصلاة عليه هي تحية ودعاء.
أعظم من الكعبة، وأقدس منها، بل أعظم من العرش. وهذا ما يقرّره السمهودي، وهو من علماء العامة في القرن العاشر، في كتابه الذي يُطبع بالمئات كل عام في المدينة المنورة ومكة والرياض، حيث يدّعي في بدايته أنَّ هذا الأمر من ضروريات الدين عند الصحابة والتابعين وعامة المسلمين[11] . وهذا الحكم بطبيعة الحال يختص بالمسلم، وأمّا العلماني فله شأن آخر.
فلاحظ قول النبي (صلى الله عليه وآله): «تَمَسَّحْ بِهَذَا الْمَوْلُودِ، وَعُدْ إِلَى مَكَانِكَ». إنَّ لمادة بدن الحسين (عليه السلام) أثراً ملكوتياً في هذا الملك، وهو شبيه بما كان لريق النبي (صلى الله عليه وآله) من أثر في زقّ العلم لأمير المؤمنين (عليه السلام) ملكوتياً، كما حصل في يوم الدار[12] . ومورد آخر يتجلى فيه هذا المعنى، حين أرسل النبي (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى اليمن ليقضي ويحكم، فزوّده من ريقه الشريف الذي له من الأسرار الإعجازية ما لا يُدرك كنهه، وبه كان سمو أمير المؤمنين (عليه السلام). فإذا كان هذا شأن أبدانهم المادية، فكيف هو الشأن إذن بأبدانهم النورية والبرزخية، وتلك المقامات التي تشير إليها الزيارة الجامعة الكبيرة: «وَأَرْوَاحُكُمْ فِي الْأَرْوَاحِ، وَأَنْفُسُكُمْ فِي النُّفُوسِ، وَأَجْسَادُكُمْ فِي الْأَجْسَادِ»[13] .
وهذا ما يدل على أنَّ الحضور البدني في مشاهد أهل البيت عليهم السلام ومقاماتهم يؤثر في روح الإنسان؛ فإن كان للتمسح بالحجر الأسود أثره، فإنَّ للتمسح بسيد الشهداء (عليه السلام) أثراً أعظم.
ومن الآداب التي غُفِل عنها في زماننا، وهي مستفيضة متواترة في مصادر الحديث المعتبرة كـكامل الزيارات لابن قولويه، ومصباح المتهجد للشيخ الطوسي، والتهذيب له أيضاً، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والكافي للكليني، وغيرها من كتب الحديث، من آداب زيارة أئمة أهل البيت عليهم السلام عموماً، أن يُلصق الزائر خدّه على تراب القبر أو ما حوله، سجوداً لله، وتمسّحاً وتبرّكاً وتوسّلاً وتشفعاً بصاحب القبر. وقد ورد هذا الأدب في زيارة علي الأكبر، وأبي الفضل العباس، بل حتى في زيارة حمزة بن عبد المطلب عليهم السلام. وهذا بحسب ما وقفتُ عليه من مصادر، ولا أنفي وجوده في غيرها.
وهي موارد مستفيضة، وقد بُحثت في مظانّها من كتب الشعائر الحسينية وآداب الزيارة، وخلاصتها أن يضع الزائر خدّه على تراب القبر أو ما حوله، سجوداً لله وتضرّعاً إليه، فإنَّ الله تعالى يحب أن يُسجَد له في تلك البقاع المقدسة، ويتشفع بصاحب القبر، كما هو مضمون الأدعية المأثورة في آداب الزيارة، فيكون السجود لله عند قبر المعصوم، استشفاعاً به وتوسّلاً.
ويتضح من ذلك أنَّ سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) يؤسس قاعدةً عظيمة، وهذه ليست رواية واحدة، فقضية فطرس مستفيضة في طرق عديدة. ففي هذه السنة النبوية العظيمة، يأمر جبرائيل أن يقول للملك: «قُلْ لَهُ تَمَسَّحْ بِهَذَا الْمَوْلُودِ، وَعُدْ إِلَى مَكَانِكَ». فببركة هذا التمسح، عُوفي ذلك الملك وعاد من الفرش إلى العرش، فبالتبرك بسيد الشهداء (عليه السلام)، صعد إلى مكانه الرفيع.
وفلسفة ذلك أنَّ هذا التمسح هو نحو من الخضوع والتولي للإمام الحسين (عليه السلام)، وهذا التعظيم هو إيمانٌ عملي قام به ذلك الملك المقرّب، وهذا الخضوع لأهل البيت عليهم السلام هو ما أصعده إلى مكانه. وهنا تكمن حقيقة التوسل، فهو في جوهره تولٍّ.
فَتَمَسَّحَ فُطْرُسُ بِالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَارْتَفَعَ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا إِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلُهُ، وَلَهُ عَلَيَّ مُكَافَأَةٌ، أَلَا يَزُورُهُ زَائِرٌ إِلَّا أَبْلَغْتُهُ عَنْهُ، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسَلِّمٌ إِلَّا أَبْلَغْتُهُ سَلَامَهُ، وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ مُصَلٍّ إِلَّا أَبْلَغْتُهُ صَلَاتَهُ»[14] . فيصبح هذا الملك شبكة تواصل أثيري بين كل الزائرين وبين سيد الشهداء (عليه السلام).
والفرق بين الزيارة والتسليم والصلاة: أنَّ الزيارة تقتضي الحضور، أمّا التسليم والصلاة فهما متقاربان في المعنى اللغوي، فسواء قلت: «اللهم صلِّ على محمد وآل محمد»، أو قلت: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين، والسلام على الأئمة من آل طه وياسين»، فكلاهما تحية.
ويتفرّع على ذلك أنه عند ظهور صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف، يُستحب القيام بتحية سلطان العصر والزمان، فيُقال له: «صلى الله عليك يا بقية الله»، وهذه التحية بالصلاة تغني عن التسليم؛ فإنَّ حقيقة الصلاة هنا هي الدعاء، كما أنَّ السلام دعاء، والدعاء بالخير هو عين التحية، فإذا قلت لأحد: «صباح الخير»، فإنك تحييه بالدعاء له بالخير في لقائك به.
شرطية الشهادة الثالثة في قبول الإيمان والدين
وقد ورد في الحديث الذي يرويه الصدوق بطرقه عن الصادق عن الباقر عن آبائهما عليهم السلام، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ لِأَخِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَضَائِلَ لَا يُحْصِي عَدَدَهَا غَيْرُهُ، فَمَنْ ذَكَرَ فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ مُقِرّاً بِهَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[15] . والإقرار هنا وظيفة عقيدية، فيكون ذكر فضيلة واحدة من فضائله (عليه السلام)، مع الإقرار بها، كفيلًا بتطهير الإنسان من الذنوب، شأنه في ذلك شأن العبادات العظيمة كالحج والصلاة والزيارة.
ومما رُوي أيضاً حتى في طرق العامة: «النَّظَرُ إِلَى عَلِيٍّ عِبَادَةٌ، وَذِكْرُهُ عِبَادَةٌ»[16] . وتتمة الرواية عند الخاصة لطيفة جداً، وفيها: «وَلَا يُقْبَلُ إِيمَانُ عَبْدٍ إِلَّا بِوَلَايَتِهِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ أَعْدَائِهِ»[17] . والحديث هنا عن الإيمان، لا عن مجرد العمل. وهذه الخصوصية في الرواية، وهي عدم قبول أصل العقيدة، تطابق قوله تعالى: ﴿…الْيَوْمَ… رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا…﴾ [المائدة - 3]، فبدون الشهادة لعلي (عليه السلام) بالولاية، لا يرضى الله بالشهادتين ديناً، وإلّا لم يكن ديناً مرضياً، بل شيئاً آخر لا قيمة له.
فرضا الرب بالشهادتين كدين مشروط بالشهادة الثالثة. وهذا ما يذهب إليه السيد الخوئي (رحمه الله) في شرحه على العروة الوثقى، حيث يرى أنَّ دلالة الآية على الشهادة الثالثة هي على كونها لفظاً يُنطَق به، لا مجرد عقيدة تُضمَر في القلب، ثم يقول إنَّ دلالة الآية على ذلك «لا شبهة فيها في المذهب»[18] ، بما يعني أنها من ضروريات المذهب التي لا يختلف فيها عالم من علماء الإمامية.
وهنا ينبغي التدقيق: فالآية لم تقل: اليوم رضيت لكم أعمالكم جزاءً وثواباً، بل الآية في صدد بيان ما هو أعظم من ذلك، وهو شرطية الشهادة الثالثة لأصل تحقّق «الدين» المرضي عند الله. وهذا ما تؤكده رواية النبي (صلى الله عليه وآله) المتقدمة: «لَا يُقْبَلُ إِيمَانُ عَبْدٍ…»، فالحديث عن الإيمان لا العمل. وقد استدل بهذا المطلب نفسه السيد إبراهيم السبزواري، الملقب بـ«علم الهدى»[19] . وهو أنَّ قول الشهادة الثالثة هو مصداق «اليوم» الذي به رضي الله الإسلام ديناً. فالآية لم تشترط الإيمان، بل اشترطت ما هو أصل له، وهو «الإسلام» و«الدين» نفسه. وهذا هو الإسلام الواقعي.
أمّا الإسلام الظاهري، فقد أثبته القرآن للمنافقين في آيات عديدة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ…﴾ [المنافقون - 1]، مع أنهم ﴿…فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ…﴾ [النساء - 145]. فهذا بحث آخر. وأمّا الإسلام الواقعي، فيمكن فهم حقيقته بالجمع بين دلالات الآيات، فقوله تعالى: ﴿…وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا…﴾ معناه أنَّ اليوم الذي أُقرّت فيه الشهادة الثالثة هو اليوم الذي رضي الله فيه بالشهادتين ديناً. وهذا ما صنعه النبي (صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير، حين أخذ منهم البيعة، وهي إقرار باللسان واليد، لا مجرد قول يُقال. ولذلك يقول السيد الخوئي (رحمه الله) في الموضع المتقدم من شرح العروة: «لا شبهة في دلالة الآية على لفظ الشهادة الثالثة».
فتأسيسًا على هذا المطلب العلمي الضروري الذي قرّره السيد الخوئي (رحمه الله)، يتضح أنَّ الرب عز وجل اشترط في الدين أن تكون الشهادتان مقرونتين بالشهادة الثالثة كلفظ وقول، لا كاعتقاد فحسب. فالشهادة الثالثة هي الفارقة والمائزة، وبدونها لا يكون هناك رضى من الرب، فكيف يأتي المصلّي بتشهّد في صلاته لا يرضى به الرب؟ وهل يصحّ التقرب بما لا يُرتضى؟
وهذا ما أشار إليه السيد بحر العلوم (رحمه الله)، كما نقل عنه صاحب الجواهر، حيث يرى أنَّ القول بأنَّ الشهادة الثالثة ليست جزءاً في التشهد مطلقاً يتطلب دليلاً خاصاً، أمّا الدليل العام فهو دالٌّ على ضرورتها ووجوبها، وأنَّ دليله لا يختص بالأذان[20] . وعليه، تكون هذه الآية الكريمة حاكمةً على جميع أدلة التشهد في الأبواب الفقهية. فالإسلام الظاهري تترتب عليه أحكام ظاهرية، كما دلت على ذلك الأدلة، بينما الإسلام الواقعي هو الذي تترتب عليه جميع الآثار الحقيقية للإيمان.
يترتب على كل الآثار، وهذا الإسلام الواقعي الذي هو على كلٍّ، يترتب عليه الآثار جمعاً بين الأدلة.
وهذا الإسلام مشروط عند الله تعالى بمقتضى قوله: ﴿…فَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ…﴾ [المائدة: 67]. وهو ذات المنطق الموجود في الآية الكريمة: ﴿…الْيَوْمَ… رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، فمفاد ذلك أنَّه بدون الشهادة الثالثة[21] لا يرضى لكم بالشهادتين ديناً ولا إسلاماً. ففي سورة المائدة آيتان نزلتا في يوم الغدير، إحداهما قوله تعالى: ﴿…وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ…﴾، أي إن لم تُبلّغ بالشهادة الثالثة وتأخذ الإقرار والبيعة والتسليم بها من الناس، فما بلّغت الرسالة أصلاً، فلا إسلام حينئذٍ ولا رسالة ولا دين. وهو ذات اللحن والمفاد في الآيات. وقد حمله السيد بحر العلوم على الاستحباب، [22] بينما ذهب السيد الخوئي إلى الوجوب بل إلى ما هو قريب من الضرورة.[23]
ويتفرع على ذلك: أنَّ حديث النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم ينص على أنَّه: «لَا يَقْبَلُ اللهُ إِيمَانَ عَبْدٍ…»، ولم يقل: “عمل عبد”، بل أصل الإيمان وأصل الدين. وحيث إنَّ النية ركن من أركان الصلاة، فهل يُتصوّر أن يتقرب إنسان بعملٍ وهو يعلم أنَّه غير مقبول؟ فلا يمكن أن يقول: “اللهم إنّي أتقرب إليك بعمل لا تقبله”. إذن، فأدلة القبول، حتى لو قلنا إنَّ هذه الروايات المتواترة غاية ما تدل عليه هو شرطية الولاية في قبول الأعمال، فإنَّ العقل يحكم بأنَّه لا يمكن التقرب بعمل غير مقبول. فهل للعمل قابلية القبول أم لا؟ من هنا يظهر التلازم بين أدلة القبول وأدلة الشرطية.
وهذه هي النقطة الجوهرية التي يكشف عنها قليل من التدبر العقلي، فبقية الأجزاء قد يدخلها الاشتباه، لكن النية لا يمكن التلاعب بها، إذ لا يمكنني أن آتي بعملٍ مع الجزم بأنَّه لا يُقبل. والروايات المتواترة بين المسلمين كلّها على أنَّ الأعمال بدون ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تُقبل، فكيف يأتي العبد ليقول: “اللهم إنّي أتقرب إليك بعمل لا تقبله منك وتردّه ولا ترضى به”؟ إنَّ هذا محال.
وهذا هو ما بيّنه سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم. وقد ذكرت لكم أنَّ السيد الخوئي يفتي باستحباب الشهادة الثالثة في تشهد الصلاة، بحسب كلامه في (المنهاج) و(شرح العروة) وفي بحثه الأصولي في النهي عن الجزء، حيث يقول هناك إنَّها ليست من كلام الآدمي، وإنَّما تكون كذلك إذا قُصدت بها الجزئية. والفتوى المنقولة بالاحتياط إنَّما هي في حال قصد الجزئية، لا ما إذا لم تُقصد. ومع أنَّ قضية الجزئية وعدمها لها حلٌّ صناعيٌّ لم يغفل عنه الأعلام، كما أشار إلى ذلك السيد بحر العلوم فيما نقله عنه صاحب الجواهر.
والشاهد: أنَّ هذه الرواية قد أوردها ابن فتال النيسابوري في كتابه (روضة الواعظين)، [24] ورواها أيضاً الشُّعيري في (جامع الأخبار)، [25] وهما من علماء القرن السادس أو أواخر الخامس. وقد ذكر ابن فتال أنَّ روايات الكتاب مشهورات، ولشهرة أسانيدها لم يذكرها، وهو شبيه بكلام الطبرسي في (الاحتجاج). وربما لو بحث الباحث لوجدها في مصادر أُخر، فقد رواها الخوارزمي أيضاً في كتابه (المناقب).[26] ومؤدّى الرواية: «لَا يَقْبَلُ اللهُ إِيمَانَ عَبْدٍ…»، فدققوا، ليس “عمله”، بل أصل الإيمان.
ويدل على هذا المضمون، علاوة على آية ﴿…الْيَوْمَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وآية ﴿…فَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ…﴾، آية المودة التي تحمل ذات المنطق والمفاد، فهي تجعل المودة في القربى أجراً للرسالة، أي شرطاً للدين، وهي شرطية ظاهرة.
ومما يدل عليه أيضاً وبشكل أصرح، الآية الأربعون من سورة الأعراف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ…﴾ [الأعراف: 40]. لم يقل تعالى “بآية واحدة”، بل ﴿بِآيَاتِنَا﴾، أي بالآيات الناطقة، وهم الحجج الإلهية. فالتكذيب بهم مع الاستكبار عنهم والصدود عن سبيلهم، وهو ذات المنطق، يؤدي إلى النتيجة المذكورة. فقوله تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ يعني أنَّ عقائدهم وإيمانهم لا يصعد إلى الله، مع أنَّه ﴿…إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ…﴾ [فاطر: 10] من العقائد. فإذا كانت عقيدتهم لا تصعد، فيُعلم أنَّ شرط صعود العقيدة هو الولاية. وهذه عدة آيات مرت بنا تشترط صحة العقيدة بالولاية. والعقيدة ليست من جنس الأعمال، بل هي شرط النية في العبادات، فكيف يُتقرّب إلى الله بشيء لا يُتقبّل؟ فإذا كانت أبواب السماء لا تُفتَح لهم، فلا عقيدتهم تصعد فضلاً عن أعمالهم. ثم يكمل تعالى: ﴿…وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ…﴾ [الأعراف: 40]، وهو تعليق على المحال. فمآل أمرهم أنَّه لا تصح عقيدتهم ولا دينهم في الدنيا، ولا تصح أعمالهم، فضلاً عن الآخرة التي لا يدخلون فيها الجنة.
والحاصل: أنَّ كل هذه الآيات، كما يذكر العلماء، لا تكتفي بمجرد الاعتقاد القلبي بعليٍّ وأهل بيته عليهم السلام، بل يجب إظهار ذلك بالخضوع والإقرار اللساني، وترك الاستكبار والصدود عنهم، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بلفظ الشهادة الثالثة. فبالشهادة الثالثة يُرضى بالشهادتين ديناً.