48/01/22
قراءة تحليلية في مقامات أهل الكساء ومحورية فاطمة الزهراء
كنا في سياق قراءة كيفية النقل لمقتل سيد الشهداء (عليه السلام) أو ما يرتبط به عند المرحوم الصدوق في كتاب الأمالي، وتحديداً في المجلس الثامن والعشرين، الرواية الثانية من الباب، وفيها أنَّ سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) كان يقيم مجالس مآتم على الحسين (عليه السلام) وهو يافع صغير، سواء في دائرة أصحاب الكساء مرات عديدة، أم في دائرة أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، أم في دائرة أصحابه في المسجد.
والحاصل: أنَّ سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) أقام عشرات المآتم على سيد الشهداء (عليه السلام)، بل على أصحاب الكساء كلهم، وليس على سيد الشهداء فحسب، بل حتى على مقتل فاطمة (عليها السلام)، وعلى مقتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومقتل الحسن (عليه السلام). وهذا من تشاهد الروايات وتضافرها، إذ يعضد بعضها بعضاً، ومع أنَّ هذه المجالس وقائع مختلفة، لكنَّ اللب واحد، وهو ما قام به سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في سيرته وسنته من إقامة العزاء.
ونحن وإن كنا في المجلس الثامن والعشرين، فإنَّ سند هذه الرواية مذكور في المجلس الرابع والعشرين، وهو سند يشتمل على سعيد بن جبير، وأبي حمزة الثمالي وابنه، وجميعهم من رواة المعارف.
سند الرواية وأهمية القراءة التاريخية لعلم الرجال
يروي عبد الله بن عباس أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)… وسعيد بن جبير هو من تلامذة عبد الله بن عباس، الذي ربّى خمسة أو ستة أو عشرة من تلاميذه في التفسير، منهم عكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وغيرهم. وهؤلاء التلاميذ قد نزع عبد الله بن عباس من قلوبهم العداء لأهل البيت عليهم السلام على أقل تقدير، بل زرع في بعضهم أو كلهم محبة أهل البيت أو الميل إليهم. وقد رويت بأسانيد عندنا وقائع تدل على ذلك، وهو أمر متفق عليه فيما نظن، فسعيد بن جبير هو الذي قتله الحجاج.[1]
تنبيه: من هنا يتضح أنَّ المستهدفين من قبل بني أمية هم رموز نشر نور أهل البيت عليهم السلام، سواء كانوا في دائرة قريبة أم بعيدة. إنَّ خارطة التاريخ لا تُعرف إلا بقراءة ما وراء الكواليس، فمن يقرأ التاريخ قراءةً سطحية فإنَّها قراءة ناقصة، بل يجب قراءة التاريخ بما وراء الكواليس لتتضح الخارطة.
فائدة: إنَّ علم الرجال شعبة من شعب علم التاريخ، فإذا اقتصرت القراءة على السطحيات من قبيل: “ثقة”، “ضعيف”، “مجهول”، كانت تلك قراءة جهولة لعلم الرجال. بل إنَّ القراءة المحققة لعلم الرجال يجب أن تكون بما وراء الكواليس؛ بالنظر في كيفية ارتباط سعيد بن جبير بعبد الله بن عباس، وما هو ربط أبي حمزة الثمالي بسعيد بن جبير. فانظر في حلقات الوصل هذه: تلميذه، ثم ابنه، ثم يرويه إلى الحسين بن يزيد النوفلي. وهذا النوفلي معروف، وقد وثقه السيد الخوئي قدس سره بأنَّه يروي روايات السكوني، [2] وهو راوٍ من رواة أسرار المعارف. وقد ذكر الشيخ الطوسي أنَّ الطائفة عملت بروايات السكوني، وغالب رواياته يرويها النوفلي عن هذا الحسين بن يزيد. ويروي عنه ابن أخيه موسى بن عمران النخعي، وهذا الطريق هو نفسه تقريباً طريق موسى بن عمران عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، الموجود في سند الزيارة الجامعة عند الصدوق والشيخ الطوسي في التهذيب.[3]
والنتيجة: أنَّ الإنسان إذا عرف ملابسات التاريخ والأزمنة، فهم حينئذٍ معنى الطريق السردي للرواية، فالطريق يمثل ظاهرة علمية أكثر من مجرد اعتباره إسناداً. وهكذا يقرأ فحول علماء الرجال.
وعلى هذا المنوال، نجد عبد الله بن عباس يتحين الفرص لنقل ظلامة أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم والموالاة لهم من خلال تلاميذه. فلا تُقرأ الرواية قراءةً جامدةً قشرية، بل تُقرأ كحدثٍ متفاعل، وكأنَّك تتابعها بعدسة، فتجد تاريخاً زاخماً بالأحداث، يبصّرك بحقائق الوقائع على حقيقتها، سواء في العقائد أم في الفروع أم في علوم التفسير وغيرها. وما سوى ذلك فليس من علم الرجال في شيء، بل هو تقليد أعمى. فمن أراد أن يكون مقلِّداً في علم الرجال فذاك بحث آخر، وأما من أراد أن يكون باحثاً محققاً فعليه أن ينبش في تاريخ المفردات الرجالية، وكيف تشابكت علاقاتهم وتواصلهم. فهذا هو الذي يمنح حياةً لعلم الرجال وحياةً للتراث. وهكذا هي القراءة في طرق الروايات ومتونها.
فلاحظوا الآن عبد الله بن عباس عندما ينقل هذا الحديث الذي سنقرؤه، وفيه مقتل فاطمة وأمير المؤمنين والحسين عليهم السلام، فإنَّه يذكر ملفات السقيفة، ومآل ذلك إلى ملفات بني أمية، ولكن بعبارة هادئة. فانظر إلى موقف عبد الله بن عباس. فلا ينبغي أن نقرأ الرواية قراءةً جامدة، بل بتحليل ذي أبعاد علمية وتفسيرية وتاريخية وسياسية، حتى يعيش القارئ الحدث وكأنَّه جالس في مجلس عبد الله بن عباس ويرى ما يصنع. قال: إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن (عليه السلام)، وهو شبيه بحديث الكساء.
محورية فاطمة الزهراء ومقامها الموازي لأمير المؤمنين
إنَّ قضية الخمسة أصحاب الكساء قد جذّر رسول الله (صلى الله عليه وآله) طابعها الخماسي في أصحابه وأزواجه، حتى صار طابعاً ناموسياً عقائدياً. فالأصل هم الخمسة، وفاطمة (عليها السلام) فيهم.
والشاهد على ذلك: أنَّ آية المباهلة نفسها خماسية في تركيبها، وهي الآية التي يحتج بها أئمة أهل البيت عليهم السلام على إمامتهم، وكذلك آية التطهير، وهلم جرا.
قاعدة: إنَّ الضرورات الدينية يجب أن تُقرأ مع بعضها البعض، فلا يصح الإيمان بضرورة مع الكفر أو الغفلة عن ضرورة أخرى. فبقراءتها مجتمعةً يُعرف المنهج وتتضح المنظومة العقائدية، وهذا ليس في القرآن فحسب. فإلى جانب معية الثقلين، لدينا في الدين “معيات” أخرى، فلدينا معية الحسنين عليهما السلام، بل إنَّ هناك تركيزاً من النبي (صلى الله عليه وآله) على معية الحسنين، وهو سرٌّ له مدخل في العقائد والفقه. وكذلك معية فاطمة مع أمير المؤمنين عليهما السلام. فما السر في هذه المعية؟ ولو لم يكن الأمر كذلك لما تواتر الحديث عن معية خاصة بين فاطمة وعلي عليهما السلام. وهذه المعية حقيقة يجب الالتفات إليها ضرورةً.
فكل ما ورد في مقامات أمير المؤمنين (عليه السلام)، تجد في موازاتها مقامات للزهراء (عليها السلام). فمقام “قسيم الجنة والنار” الثابت لأمير المؤمنين له ما يوازيه في مقام الزهراء (عليها السلام)، حيث تأخذ شيعتها إلى الجنة. فانظر في سر التعبير بـ”شيعة علي” و”شيعة فاطمة”. فأمير المؤمنين هو أحب الخلق وأعزهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفاطمة هي أحب الخلق إليه. وخُلِق النور في فاطمة. فلاحظ هذه المعية في مقاماتها، ففي حكومة رسول الله ودولته وحياته، كان أمير المؤمنين وزيراً.
وفي تأويل قوله تعالى: ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ¤ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ﴾ [الرحمن: 19-20]، ورد في طرق الفريقين أنَّ علياً (عليه السلام) بحر العلم، وفاطمة (عليها السلام) بحر النبوة. وقد جهر أئمة أهل البيت عليهم السلام بأنَّ فاطمة (عليها السلام) كانت ترى الملائكة المقربين.
وقد ذكر السيد الخميني قدس سره، وهو كلام دقيق، أنَّ في روايات أهل البيت عليهم السلام ما يدل على إدامة نزول جبريل على فاطمة (عليها السلام) بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بشكل أكثر مما ورد في نزول جبريل على النبي إبراهيم (عليه السلام). وهذا التردد والنزول لا نجده بهذا المقدار حتى في بعض أولي العزم من الرسل. فهي بحر النبوة، وقد أُرخي عليها حجاب النبوة، فهي ليست نبية، ولكن أُرخي عليها حجاب النبوة. وعلى هذا الحال، فإنَّ صحف فاطمة (عليها السلام) لو جُمعت رواياتها لكانت شيئاً مذهلاً، وهي من مصادر علوم الأئمة الاثني عشر عليهم السلام. فكيف لا تكون هذه الشخصية حجة عليهم؟
على أي حال: هذا بحث آخر، ومقامات أمير المؤمنين وما يوازيها من مقامات فاطمة عليهما السلام بحث يصلح لأن يفرد في مجلد. وكل هذا كان ينقله عبد الله بن عباس في أي زمان؟ في زمن الأمويين وسطوتهم وبوليسهم وسفكهم للدماء. فقد توفي عبد الله بن عباس قبل سنة سبعين للهجرة على ما يترجح، فالوضع كان مضطرباً. ومع ذلك يقول: إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن (عليه السلام)، فلما رآه بكى، ثم قال: “إلي يا بني”، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه الأيمن.
إنَّ لوقائع وأحداث أصحاب الكساء عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) حضوراً كبيراً في طرق الفريقين، فلخماسية أصحاب الكساء خصوصية. حتى إنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يقول إنَّ عنواناً معيناً خاص بالخمسة أصحاب الكساء لا يشملهم هم التسعة. فروايات خلقة النور تذكر أنَّ الخمسة الأنوار خُلقت قبل التسعة، ولهم مقام خاص. ولدينا معية ثلاثية خاصة بين الرسول وأمير المؤمنين وفاطمة عليهم السلام، دون الحسنين، لها زيارات وأدعية ومقام خاص. كما أنَّ هناك معية خاصة بين رسول الله وأمير المؤمنين في أُخوته.
فلو رصدت مقامات أمير المؤمنين لوجدت في موازاتها مقامات لفاطمة، فهما كفؤان. فعندما يتحدث أهل البيت عليهم السلام عن زواج أمير المؤمنين وفاطمة، لا يتحدثون عن زواجهما البدني فحسب، بل يقولون: “زُوِّج النور من النور”. وهنا قصة أخرى، فهذا ليس زواجاً بشرياً عادياً، بل له بعد غيبي. فعلى أساس هذه الكفاءة التكوينية بين النورين، جاء تشريع الخمس.
أدلة ولاية فاطمة في مصنفات القدماء (الكليني والصدوق)
ويتفرّع على ذلك أن الشيخ الكليني جعل مبحث الخمس والفيء الذي لفاطمة (عليها السلام) في أصول الكافي، مما قد يُستظهر منه أنه يذهب إلى ما يراه القائلون بإمامة فاطمة (عليها السلام)، حيث عقد باباً خاصاً يذكر فيه أن الفيء للإمام (عليه السلام)، ثم يورد روايات تفيد بأن الفيء لفاطمة (عليها السلام). فهو يذكر روايات الفيء للإمام عن الأئمة عليهم السلام، ثم يعقب بأن أول من ثبت لها ذلك هي فاطمة (عليها السلام)، وذلك في نفس الباب من كتابه.[4]
وكذلك الحال في مصنفات الشيخ الصدوق في كتبه كالخصال والعلل ومعاني الأخبار، حيث يروي روايات في معنى «حي على خير العمل» تفيد بأنها تعني البِرّ بفاطمة وولدها، وهذا البِرّ هو الولاية، أي الوفاء بولاية فاطمة (عليها السلام)، وأن ولدها يرثون منها الولاية والإمامة، وهذا هو مبنى الشيخ الصدوق. فهذه الروايات التي تحمل دلالات على ولاية فاطمة وحجيتها وإمامتها، قد رواها كبار المذهب، وهم يفقهون ما يروون.
ففي باب الفيء من أصول الكافي، يذكر الكليني في أولى رواياته أن فيء الأرض للإمام (عليه السلام)، ثم يذكر بعدها أن الفيء لفاطمة (عليها السلام) بأمر من الله، وليس الفيء محصوراً بفدك، بل إنَّ فدك كانت النموذج الأول لوضع يد فاطمة (عليها السلام) على الفيء.
والشاهد على ذلك: ما جرى بين المهدي العباسي والإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، حين قال الخليفة: من له ظلامة؟ فقال له الإمام: «مَا بَالُ مَظْلَمَتِنَا لَا تُرَدُّ؟»، فسأل الخليفة: «وَمَا ذَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ؟»، فبيّن له الإمام حدود فدك التي هي حدود الدولة الإسلامية، فكأن ولاية الدولة مرتبطة بفاطمة (عليها السلام)، مما يعني أن فاطمة (عليها السلام) هي قيادة وإمامة.[5]
والنتيجة: أن الطبرسي الذي روى هذه الرواية في كتابه الاحتجاج، يذهب إلى هذا المعنى أيضاً. فمقتضى هذه الرواية أن الحق ليس لأمير المؤمنين (عليه السلام) فحسب، بل هو حق لفاطمة (عليها السلام) بأمر من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله). وهذا ما كان يذهب إليه قدماء الأصحاب وأركان المذهب، وهو أمر يتضح للمتدبر في كلماتهم، وإن غفل عنه الكثيرون مع كونه من ضروريات المذهب عند التحقيق.
إنَّ في طيّات هذه الأحاديث أنواراً عقلية وقلبية وفكرية وفقهية، فلا ينبغي أن نحرم أنفسنا من هذه الأبحاث.
متن رواية ابن عباس ومصاب أهل الكساء
يروي عبد الله بن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن (عليه السلام)، فلما رآه بكى، ثم قال: «إِلَيَّ يَا بُنَيَّ»، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه الأيمن. ثم أقبل الحسين (عليه السلام)، فلما رآه بكى، ثم قال: «إِلَيَّ يَا بُنَيَّ»، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه الأيسر. ثم أقبلت فاطمة (عليها السلام)، وهي في قمة الخدر محجبة، فلما رآها بكى، ثم قال: «إِلَيَّ يَا بُنَيَّةُ»، فأجلسها بين يديه. ثم أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما رآه بكى، ثم قال: «إِلَيَّ يَا أَخِي»، فما زال يدنيه حتى أجلسه على جنبه الأيمن.[6]
تنبيه: إنَّ هذه الهندسة في الجلوس التي رسمها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث فاطمة أمامه والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وأمير المؤمنين إلى جنبه الأيمن، تحمل رموزاً ودلالات على درجات الاصطفاء، وكان الصحابة الحاضرون يرقبون ذلك المجلس النوراني.
فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما ترى واحداً من هؤلاء إلا بكيت؟ أوما فيهم من تسر برؤيته؟
فقال (صلى الله عليه وآله): «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ وَاصْطَفَانِي عَلَى جَمِيعِ الْبَرِيَّةِ، إِنِّي وَإِيَّاهُمْ لَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ».
إن هذا الحديث يذكرنا بأن لأسرة أصحاب الكساء خصوصية لا تماثلها خصوصية أي أسرة أخرى، فهم نواة نورية وقدوة لكل الأنبياء والأئمة. ونمط العلاقة بين هؤلاء الخمسة هو عبرة للجميع، ولهم منزلة خاصة كما نطقت بذلك روايات أهل البيت عليهم السلام.
قاعدة: من نور الخمسة خُلِق نور التسعة. وهذه الروايات متواترة عند الفريقين بألفاظ متعددة، ومفادها أن أول الأنوار هو نور النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم من نوره نور علي (عليه السلام)، ثم من نورهما نور فاطمة (عليها السلام)، ثم من نور الثلاثة نور الحسنين عليهما السلام. واللغة الفلسفية لهذا المعنى تقتضي أن كمالات فاطمة (عليها السلام) مهيمنة على كمالات الحسنين والتسعة من ولدهما في العلم والقيادة والشجاعة وكل شيء، فهي في السلسلة العلوية مما يُصطلح عليه بوسائط الفيض. وهذه الحقيقة متواترة، وقد أُلفّت فيها كتب كثيرة في الخلقة النورية للنبي وأهل بيته، حتى في مصادر العامة وإن وردت متفرقة.
وهذا المعنى تُلمح إليه الآية الكريمة في تأويلها: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ¤ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: 19-20]، حيث ورد في الروايات أن بحر العلم هو أمير المؤمنين، وبحر النبوة هو فاطمة، ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وهما الحسن والحسين عليهم السلام. وهذا يظهر هيمنة فاطمة (عليها السلام) على الحسنين فضلاً عن التسعة، فهي آمرة ناهية وناصحة لهم، وهي كفؤ لأمير المؤمنين (عليه السلام).
وقد يعترض معترض بطلب بيان معنى التواتر، والجواب أن مباحث دراية الحديث تفصّل أقسام التواتر من لفظي وإجمالي ومعنوي، وكلها تصب في معنى واحد في هذا المبحث، وهو أن حديث خلقة النور قطعي الصدور عند الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله).
ثم يكمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الرواية سرد ما سيجري على أهل بيته، فيقول في شأن فاطمة (عليها السلام): «…وَقَدْ دَخَلَ الذُّلُّ بَيْتَهَا، وَانْتُهِكَتْ حُرْمَتُهَا، وَغُصِبَ حَقُّهَا، وَمُنِعَتْ إِرْثَهَا، وَكُسِرَ جَنْبُهَا، وَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا، وَهِيَ تُنَادِي: يَا مُحَمَّدَاهْ فَلَا تُجَابُ، وَتَسْتَغِيثُ فَلَا تُغَاثُ…».
إنَّ هذه التفاصيل الوحيانية التي يسردها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والتي تمتد لصفحات في أصل الرواية، تكشف عن حقيقة ما جرى. بل ورد في الحديث القدسي أن لفاطمة شيعة كما أن لأمير المؤمنين شيعة. ويصفها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنها تٌقدم يوم القيامة محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة.
فإن قيل: ما الحكمة من بقاء بنت النبي حية بعد أبيها لو كان سيؤول أمرها إلى هذا؟ قلنا: إنَّ بقاءها كان ضرورياً لإقامة الحجة، فلو بقيت حية لما تم أمر السقيفة، ولكانت تحتج عليهم وتفسد عليهم شرعيتهم المزعومة. فكان لا بد من تصفيتها، إذ ببقائها لا تقوم لهم قائمة، فكل مسلم سيرى بنت نبيه لا تعترف بشرعيتهم وتدين فعلتهم. فكانت زيارتهما لها لأجل كسب الشرعية وترطيب الأجواء، لا لشيء آخر.
ثم يواصل النبي (صلى الله عليه وآله) البكاء ويذكر مصائبهم واحداً تلو الآخر، من ضربة أمير المؤمنين على رأسه، ولطم فاطمة خدها، وطعنة الحسن في فخذه.
فقالوا: يا رسول الله، أوما خلقنا ربنا إلا للبلاء؟ فقال: «أَبْشِرْ يَا عَلِيُّ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ».[7]
والحاصل: أن سردية الروايات في أحداث ما يجري على أصحاب الكساء قد تعرض لها الله ورسوله قبل وقوعها في مجموع كبير من الروايات، كهذه الرواية التي أوردها الصدوق في مجلسه. فالبلاء فيهم على قدر القرب والاصطفاء، لا على قدر الإيمان والحب فحسب.
عن الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي الذي كان من نواب النواب الأربعة؛ فإنَّ للنواب الأربعة نواباً يشكلون دوائر متعددة، وقد عبّر عنهم الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بالنواب أيضاً، لكنهم ليسوا من النواب المباشرين، بل هم نواب النواب.[8] وكان اتصال النواب الأربعة بهم يتم بما يشبه الاتصال النوري الروحي، كما ذكر ذلك الصدوق مفصلاً في أحوال نواب النواب، والطوسي في الغيبة، وغيرهم من الأعلام، فلم تكن شبكة اتصالاتهم مجرد مراسلات. وهذه الهيكلية ذات الدوائر المتعددة هي التي أخذها الصوفية فيما بعد وسرقوها من أهل البيت عليهم السلام.
وعلى أي حال، فإنَّ هذا الطريق الذي يرويه الصدوق هو عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن ابن أبي حمزة الثمالي، عن أبي حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس. فانظر كيف أن هذا الطريق عالي الرجالات، وفيه مصرع ومقتل تفصيلي للخمسة أصحاب الكساء عليهم السلام، يُعرض من خلال عدسات وحيانية مكتملة.
الرواية الثالثة: في هذا المجلس الثامن والعشرين، وأنا أتعمد سلوك هذا البحث في هذه السلسلة، وإن كان لدينا مقطع آخر مهم وحساس سنصل إليه إن شاء الله، وهو بحث فقهي عقائدي في الفلسفة الفقهية السياسية العقدية لنهضة سيد الشهداء (عليه السلام)، سيأتي وقته بإذن الله. ولكن أطبق ذلك عملياً ليتحصل أننا لا ينبغي أن نستعجل عندما نُعطى المواد العلمية، بل يجب أن نتأنى ونتثبت، وسنستخرج منها جواهر ولآلئ كثيرة؛ فإنَّ علم الحديث ذو طبيعة آكلة.
يروي الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن شيخه أحمد بن الحسن القطّان، عن الحسن بن علي السكري، عن محمد بن زكريا، عن عباس بن بكار، عن حرب بن ميمون، عن أبي حمزة الثمالي، وهو من الأجلاء وحواريي الأئمة عليهم السلام، وهو تابعي أدرك كثيراً من الصحابة.
فائدة: لأبي حمزة الثمالي، ثابت بن دينار، دور خاص، حتى إنَّ الطرف الآخر يجلّه. ويقال إنَّه أول من أسس حوزة النجف قبل الشيخ الطوسي؛ لأنه في زمن الإمام السجاد (عليه السلام) عرف موضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأخذ يدرس علم الحديث عند القبر الشريف، فيقال بهذا اللحاظ إنَّ أول من أسس حوزة النجف هو هذا حواري الإمام السجاد أبو حمزة الثمالي، إذ كان يعقد مجلس درسه عند قبر أمير المؤمنين (عليه السلام).
ويروي أبو حمزة الثمالي عن زيد بن علي الشهيد، عن أبيه الإمام السجاد علي بن الحسين عليهما السلام، قال: «لَمَّا وَلَدَتْ فَاطِمَةُ (ع) الْحَسَنَ (ع) قَالَتْ لِعَلِيٍّ (ع) سَمِّهِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَسْبِقَ بِاسْمِهِ رَسُولَ اللَّهِ (ص)».[9] وجرى مثل ذلك بعد ولادة الإمام الحسين (عليه السلام) في تسميته.
الرواية اللاحقة: يرويها الصدوق عن محمد بن موسى المتوكل، الذي يروي عنه كثيراً ويترحم عليه.
تنبيه: إنَّ الجحفة وادٍ يقع بجوار غدير خم، وهي ميقات الحجيج الآن. وتبعد محطة قطار رابغ كيلومترات يسيرة عن غدير خم، فهذه المحطة، وهي محطة الترانزيت السريعة، تمر على غدير خم. وقد وفقنا الله لزيارة الغدير مرتين، وشربنا من مائه، ورأينا فيه كرامة عجيبة؛ فقد كان معنا ثلة من التجار، وثلة من الأكّالين النهمين، لم يكونوا قد أفطروا، فلما شربوا من هذا الماء استغنوا، ولم يشعروا بالجوع حتى وقت الغداء إلى أن رجعنا قريباً من الغروب.
وعلى أي حال، كما أن للصوت في وادي الغدير كرامة خاصة جربناها؛ فإنك إن تهمس يسمعك من في الطرف الآخر من الوادي ولو كان همساً. وقد جربنا ذلك عدة مرات، فخفضنا أصواتنا إلى حد الهمس، فكان يسمعنا من على بعد خمسمئة متر تقريباً بوضوح تام، كأنما الحديث يجري في استوديو ذي صدى.
وقد رزقنا الله أيضاً زيارة منطقة بدر الكبرى مرتين، وهي قريبة من الغدير، ولبدر عظمة خاصة لم تمسسها يد البشر. وقريب منها الأبواء، وفيها هضبة عليها مقبرة دُفنت فيها أم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، آمنة بنت وهب. وإلى الآن، لا يزال البستان الذي وُلد فيه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في الأبواء يُعرف ببستان جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).
وقد رُوي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) قبل موته بثلاثة أيام: «سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّيْحَانَتَيْنِ، أُوصِيكَ بِرَيْحَانَتَيَّ مِنَ الدُّنْيَا، فَعَنْ قَلِيلٍ يَنْهَدُّ رُكْنَاكَ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ».[10] يصف رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه وفاطمة (عليها السلام) بركني أمير المؤمنين (عليه السلام)، فانظر إلى دور فاطمة الذي يحاذي دور رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو معنى لا يقاس.
فلما قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال علي (عليه السلام): «هَذَا أَحَدُ رُكْنَيَّ الَّذِي قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (ص)»، فلما ماتت فاطمة (عليها السلام)، قال علي (عليه السلام): «هَذَا الرُّكْنُ الثَّانِي الَّذِي قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (ص)».[11] فإذن، ركنا إمامة أمير المؤمنين هما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السلام)، فانظر أي موقع لفاطمة (عليها السلام).