48/01/21
منهجية تشاهد الأحاديث في فهم نصوص الوحي المترابطة
وصل بنا المقام إلى الحديث الثاني في المجلس الثامن والعشرين من أمالي الشيخ الصدوق، حيث يروي عن مشايخه، ومنهم ابن الوليد، بسنده المتصل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «بَيْنَا أَنَا وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، إِذِ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَبَكَى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُبْكِيكَ؟»[1] . وهذا حدثٌ قد تكرّر مرّاتٍ ومرّات، سواء في بيت فاطمة (عليها السلام) أم في أماكن أخرى، وفيه كان النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم يبكي لمقتل أصحاب الكساء ومصارعهم، ويذكر في كل مرّةٍ تفاصيل ما يجري على كل واحدٍ منهم.
وهذا الحديث يورده الصدوق في المجلس الثامن والعشرين من أماليه، كما يروي في المجلس الرابع والعشرين حادثةً شبيهةً لهذه الحادثة، وهو ما يكشف عن تكرار هذا النمط من المضمون، حيث يسرد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم تفاصيل ما سيجري على أصحاب الكساء، وإن كان لا يسردها كلّها في موطنٍ واحد، بل يذكر بعضها في كل مرّة.
وقد مرّ بنا بحث “تشاهد الأحاديث”، وهو من المباحث المهمة في علوم الحديث، وسنستعرض الليلة نموذجاً منه.
فائدة في تشاهد الأحاديث:
مفهوم تشاهد الأحاديث وأمثلته العملية
دعني أذكر لكم ظاهرةً مررتُ بها قبل نيفٍ وخمسة عشر عاماً، حين طلب مني اثنان من الفضلاء الأساتذة أن نشكّل جلسة بحثٍ وورشة عملٍ حول “الزيارة الجامعة الكبيرة”، وقد استمرت هذه الجلسة قرابة السنتين أو الثلاث سنوات على نحو متواصلٍ غالباً. كما تشكّلت ورشة عملٍ أخرى مع بعض الفضلاء حول “الزيارة الناحية المقدسة” المعروفة.
والحاصل: أنني خرجت من خلال هذه الورش بنتائج مذهلة، أعظم مما كنت أبحث عنه، وهي أن للأئمة عليهم السلام في زياراتهم وأدعيتهم وأحاديثهم، سواء في المعارف أم الفروع، نمطاً خاصاً. فمن باب المثال: يذكر أهل البيت عليهم السلام زيارةً ما في صفحتين أو ثلاث، ثم يذكر الأئمة أنفسهم تلك الزيارة عينها مبسوطةً في أربع أو خمس صفحات. ولم أجد هذا في زيارةٍ واحدةٍ أو اثنتين، بل وجدته في زياراتٍ عديدة.
بل وجدنا أن “الزيارة الجامعة الكبيرة” المروية في تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق، أصلها أكثر بسطاً مما هي عليه الآن. فقد رواها الكفعمي (رحمه الله) في البلد الأمين أو كتابٍ آخر له، كما رواها ابن المشهدي (رحمه الله) في مزاره عن الشيخ الطوسي من طريقين أو طريقٍ واحد. وقد روى ابن المشهدي هذه الزيارة بعنوان إحدى زيارات أمير المؤمنين (عليه السلام)، لكنها في الحقيقة هي “الزيارة الجامعة” نفسها؛ إذ تبدأ بالسلام على سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم أو على أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم تعاود السلام على رسول الله، ثم أمير المؤمنين، ثم فاطمة، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم بقية الأئمة واحداً واحداً، ثم تختم بمخاطبة: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ…»، ثم بعد إنهاء الزيارة، تعاود السلام بذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم، ثم علي، ثم فاطمة، ثم الحسن، ثم الحسين، وهكذا. فالمخاطَب بزيارة الجامعة، كما هو مصرّحٌ فيه، هم كل أهل البيت عليهم السلام.
تنبيه: إنَّ “أهل البيت” حقيقةٌ عقائديةٌ دينيةٌ من البديهيات، والمخاطب الأول بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] هو سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم، ثم علي، ثم فاطمة، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم التسعة من وُلْد الحسين عليهم السلام. فهذا اصطلاحٌ وحيانيٌ مقدس. والمراد بـ”البيت” قد يكون البيت الحرام، أو الكعبة، أو مسجد الرسول، أو كل بقعةٍ مقدسةٍ في الأرض والسماوات، أو معنى النبوة ومخزنها. كل هذه المعاني وردت بها الروايات، وهؤلاء الأربعة عشر هم الدائرة الخاصة.
فالزيارة الجامعة –وهذا التعبير وإن لم يكن دقيقاً تماماً ولكنه يفي بإيصال المعنى– هي عبارة عن مقتطفاتٍ جمعها الإمام الهادي (عليه السلام) من زياراتٍ أخرى وصاغها بصيغةٍ وحيانية. ويوجد منها نسخةٌ أكبر من هذه المعروفة، فيها كلماتٌ دُررٌ لم ترد في التهذيب ولا في الفقيه، ولكنها وردت في مصادر أخرى كـمزار ابن المشهدي أو كتب الكفعمي.
وشاهد آخر: لاحظوا زيارة “آل ياسين” الخاصة بصاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف. ذكر السيد ابن طاووس (رحمه الله) ثلاثة نماذج على أقل تقدير لهذه الزيارة: نسخة مبسوطة، ونسخة متوسطة، ونسخة أبسط. بل هناك رواية أخرى تقع في ست أو عشر صفحات. وتتجلى المعجزة في بيانات أهل البيت عليهم السلام في أن الفقرات نفسها تتمدد وتنبسط بمعادلاتٍ معرفيةٍ أوسع، على نحوٍ يُلحظ معه أن ناظمها معصوم، وهذا بحد ذاته برهانٌ يتجاوز النظر في الطريق والسند. وهذا النمط ليس خاصاً بزيارة “آل ياسين” أو “الزيارة الجامعة”، بل وجدته في زياراتٍ عديدة، وهو نوعٌ من التشاهد.
وكذلك الحال في الأدعية، فدعاء الافتتاح المعروف المنسوب لصاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف، نصفه الأول مرويٌ عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في كتاب مهج الدعوات[2] ، وإنما أكمله صاحب الزمان. وهذه هي صناعة علم الحديث بنظرةٍ استنباطيةٍ اجتهادية، حيث تظهر ظواهر علميةٌ صناعيةٌ في بيانات أهل البيت عليهم السلام.
بل إن زيارات النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم الموجودة في مفاتيح الجنان، والتي نقلها الشيخ عباس القمي (رحمه الله) عن كتب السيد ابن طاووس وغيره من المتقدمين، تجد فيها نموذجين للزيارة نفسها: أحدهما مختصرٌ في صفحةٍ ونصف، والآخر مبسوطٌ في سبع صفحات، يتناول مقامات النبي والصلوات عليه والدعاء. نفس المختصر جُعِل شبكةً منتشرةً بنظمٍ معرفيٍ مبهر.
وهذا نوعٌ من التشاهد في علم الحديث، وهو مهمٌ جداً.
وقد يُعترض فيقال: إنَّ هذا تشتيتٌ للبحث، وكان الأولى التركيز على روايةٍ واحدة. والجواب: أن هذه نظرةٌ تجزيئيةٌ مبتورةٌ، ومنكوسةٌ علمياً. فطبيعة متون الحديث يفسر بعضها بعضاً، والحديث يشهد بعضه لبعض، كما أن القرآن يفسر بعضه بعضاً، والقرآن يفسر بالحديث، والحديث يفسر بالقرآن. إنها منظومة الوحي، وطبيعتها هكذا.
وهذا يجري في روايات المعارف أيضاً؛ فالصديقة فاطمة (عليها السلام) شرحت ضرورة التوسل التكويني في خطبتها الفدكية، وأمير المؤمنين (عليه السلام) بيّن المطلب نفسه في ستة أو سبعة أسطر، والإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) يبين ضرورة الوسيلة في روايةٍ أخرى في صفحةٍ ونصف. المطلب واحد، ولكن المعصوم يوسعه ويبلوره أكثر. فالمدار ليس على الطرق فحسب، بل على وحدة الموضوع ووحدة الشبكة القائمة بين الأحاديث، وهي وحدةٌ لها مستندات متعددة. وهذا الحال جارٍ في روايات الفروع أيضاً.
والحاصل: أن هذه الظاهرة ليست صدفة، بل هي سنّةٌ عظيمةٌ جاريةٌ في القرآن والروايات والزيارات والأدعية. إذن، هوية الحديث الواحد ليست مختزلةً ومحبوسةً في طريقه الواحد، فهذا اشتباهٌ كبيرٌ وضربٌ من عدم الوعي الفقاهي. بل للمتن الواحد شبكةٌ من الطرق، وطبيعة الأحاديث، كطبيعة الآيات، أنها شبكةٌ مترابطة.
وقد أعجبني ما قامت به إحدى المؤسسات عند طبعها دعاء الندبة، حيث خرّجت لكل جملةٍ ومعادلةٍ معرفيةٍ فيه مصادرها من الروايات والآيات. ومقتضى ذلك: أن دعاء الندبة ليس له مصدرٌ واحدٌ أو طريقٌ واحد، بل إن كل معادلةٍ فيه لها مطابقٌ لفظيٌ أو معنويٌ في رواياتٍ أخرى، سواء في متون الزيارات أو الأدعية أو روايات المعارف. وهذا يعني صناعياً واجتهادياً –لا سطحياً قشرياً– أن أصل متون الأحاديث متشابكةٌ معنىً وقالباً، وهي شبكةٌ متداخلةٌ لا يجوز بترها.
فإن المعادلات المعرفية المودعة في دعاء الندبة كلها موجودة في مصادر الروايات، وما من معادلة فيه إلا ولها مطابق لفظي، فضلاً عن المعنوي، مع روايات أخر في أبواب متفرقة، سواء كانت متون زيارات، أم أدعية، أم روايات في سياق الأجوبة والأسئلة والمعارف.
والحاصل: أن هذا يعني على المستوى العلمي والصناعي والاجتهادي، لا السطحي الحشوي القشري، أن أصل متون الأحاديث ذو طبيعة متشابكة معنىً وقالبًا، فهي شبكة متداخلة بعضها مع بعض من حيث المعنى والمتن، فلا يجوز بترها؛ إذ طبيعتها قائمة على الاجتماع، وهذه الطرق بمجموعها هي قوام هذه الشبكة من المتون والحلقات المترابطة المنفتحة على بعضها البعض.
وهذا المنهج عينه يجري في سيرة أهل البيت عليهم السلام، ومن ذلك ما يتعلق بأحداث عاشوراء. ومما يؤيد ذلك ما يُنقل عن أستاذنا الميرزا جواد التبريزي رحمة الله عليه في جلسات تدوين المنهاج، حيث كان بعض الإخوة يقرأ عليه حديثًا من كتاب الوسائل، فيبدأ بقراءة السند، فكان يقول له: “اقرأ المتن أولاً وبعد ذلك اقرأ السند”. وحين سُئل عن سبب ذلك، كان يجيب بحدته العلمية المعهودة قائلاً بما مضمونه: “لننظر في المتن أولاً حتى يثبت العرش، ثم ننقش في الموضوع”. فالمتن هو الذي يحدد بنفسه ما إذا كان له طريق واحد أو عشرات الطرق المرتبطة بأحاديث ومتون أخر.
فهذا مثال من التشاهد في علم الحديث، وقد وجدناه بشكل عجيب وغريب وعظيم.
**
أنماط التشاهد في علم الحديث
وتشاهد آخر** في علم الحديث نذكره، وهو أن الراوي نفسه، لا الإمام فحسب، بل الراوي والرواة، يختصرون الحادثة تارةً، ويوسطون النقل تارةً، ويبسطونه تارةً أخرى، وهذا أمر موجود.
ونوع ثالث من التشاهد في الحديث: أن الرواة الذين حضروا المجلس الواحد لرواية واحدة، ينقلها أحدهم بألفاظ معينة، بينما ينقلها راوٍ ثانٍ كان في المجلس نفسه بألفاظ أخرى، وينقلها ثالث بألفاظ مغايرة، وهذا تعدد في صياغات الألفاظ، كمًّا وكيفًا، هو نوع من التشاهد الموجود.
ونمط رابع من التشاهد وجدناه أيضاً، وهو الذي نحن بصدده الآن، وهو أن الوحي، سواء من الله عز وجل أم من المعصومين، يثير موضوعًا واحدًا من أبعاد وطبقات متعددة، وفي مواطن وأماكن عدة، ومن زوايا مختلفة.
مثال ذلك: ما جرى على أصحاب الكساء، فإن بكاء النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم لأجلهم قد تكرر منه في مواطن عديدة جدًّا، ولا شك أن لذلك سرًّا وفلسفة معينة. فسردية الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم، أي روايته للحدث، تأخذ لقطات متعددة ومختلفة، مع أن المبحث واحد وهو مقتل أصحابه، لكنه (صلى الله عليه وآله) وسلم يأتي بألفاظ متعددة، أو يأتي أحيانًا بلفظ موحد ضمن تلك الألفاظ المتعددة.
وقد تتبعتُ مثل هذا التعبير، فوجدت من ضمن الموارد عبارة: «إنكم قتلى ومصارعكم شتى»، فقد كررها النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم في مواطن عديدة في خطابه لأصحاب الكساء.
وهنا يُسأل: ما الفرق بين (المقتل) و(المصرع) لغةً؟ ولماذا يكرر النبي هذين اللفظين؟ ويخاطب بهما فاطمة وعليًّا والحسن والحسين عليهم السلام؟
ومما يلطف ذكره أن السمهودي، وهو من علماء العامة في القرن العاشر، يذكر في كتابه وفاء الوفا طرقًا متعددة لهذا الحديث النبوي في مواطن عديدة للنبي (صلى الله عليه وآله) وسلم، وهو لا يذكرها في مكان واحد من كتابه، بل في أبواب متعددة وبطرق متعددة، وليس بينها تناقض أو تنافٍ.
وهذا نوع آخر من التشاهد في الحديث، ويكشف عن الشبكية الموحدة فيه، وهي أن الوحي يتصدى لحادثة واحدة ولكن من زوايا عديدة، وبألفاظ عديدة، وقد يُدرج فيها لفظ مكرَّر مثل: «إنكم قتلى ومصارعكم شتى».
فائدة: إن الباحث في الرواية الواحدة، أو الدعاء الواحد، أو الزيارة الواحدة، إذا أراد أن يكون بحثه مستقصيًا، شموليًا، تامًا، كاملًا، عامًا، وكان له نَفَسٌ في التتبع، فإنه سيجد الشيء العجب العجاب، فلا ينبغي له أن يقتصر في بحثه على كلمة أو كلمتين، أو عنوان أو عنوانين.
ومثال ذلك: زيارة الناحية المقدسة، فقد ذكرتُ سابقًا ونسيت تفصيلها، أن العلامة المجلسي يرى مثلًا أن مقطعًا منها هو من إنشاء السيد المرتضى، وهي غفلة من العلامة المجلسي، فقد تتبعتُ رسالة السيد المرتضى فوجدته يرويها روايةً لا إنشاءً. كما أن السيد ابن طاووس يرويها بنمط أو نمطين. وقد وقفتُ على خمسة مصادر قديمة أصيلة لزيارة الناحية المقدسة، وأُلفت في ذلك رسالة، ولكن مع وفرة التتبع وجدتُ غفلات حتى للعلامة المجلسي رحمة الله عليه في المصادر التي بحث فيها، مع تبحره الواسع. ولكن فوق كل بحث وتتبع وتدقيق، يبقى الباب مفتوحًا لمزيد من النظر، فهذه الظاهرة عظيمة جدًّا في الحديث، وتبيّن أن مصادر الحديث في واقعها متشابكة، وأنه كتلة واحدة وليس مبتورةً مجزأةً مبعثرةً كما يتعامل أصحاب ضيق النظر في الطرق.
شهادة المغلطاي على تواتر أحداث عاشوراء
وهذا المنهج لا يقتصر على الأدعية والزيارات وروايات المعارف والفروع، بل ينسحب على المصادر التاريخية أيضًا، ومنها ما نُقِلَ من مقاتل يوم عاشوراء. والشاهد على ذلك ما ذكره المغلطاي، وهو من علماء العامة، ويتضح من كلامه وفرة النقل البشري لحادثة عاشوراء.
إن المغلطاي معاصر للعلاّمة الحلي وفخر المحققين تقريبًا، وهو من أصل تركي، وعاش في مصر، وكان حنفي المذهب، ويوصف بالحافظ، وهو لقب لمن يحفظ متون خمسين ألف حديث أو مئة ألف حديث. كان متبحرًا في علم الحديث وعلم الرجال عند العامة، وله تعليقات على كتب عديدة كـتهذيب الكمال وغيره. يقول في استدراكه على كتاب كمال التهذيب في ترجمة الحسن البصري إلى ترجمة الحكم بن سنان، عبارة لطيفة. وهذا الرجل من أهرام الحفاظ الكبار، وهو معاصر للذهبي وابن تيمية والمزي. يقول هذا الحافظ المتبحر في الحديث والرجال: “لو أردنا استيعاب أخبار الحسين (عليه السلام) وقصة مقتله، لأربينا على ما كتبه ابن عساكر، فضلًا عما لخصه المزي من كتابه ولم يعده. فإن عندنا بحمد الله من أخباره المفردة التي لم ينقل ابن عساكر منها شيئًا، كمقتل الحسين لابن أعثم وهشام بن محمد بن السائب في سفرين كبيرين، ومن الأجزاء الصغار عدة أجزاء، وإنما ضربنا عن ذكرها لشيوعها على ألسنة العوام فضلًا عن الخواص”.[3]
وهنا يَرِدُ سؤال: لِمَ لَمْ يدل على تلك المصادر وهي أضعاف ما ذكره ابن عساكر وغيره، مع امتلاكه لمصادر قديمة؟ لا سيما وأنه معاصر لرجال كابن تيمية والذهبي والمزي، وكانت بينهم منافسات في التدقيق الرجالي.
والجواب في عبارته نفسها، وهي عبارة دقيقة تصدر عن صناعة رجالية علمية أصولية، حيث يقول: “وإنما ضربنا عن ذكرها لشيوعها على ألسنة العوام فضلًا عن الخواص”. أي إنها متواترة يتناقلها اللسان عن اللسان، جيلًا بعد جيل، فما الحاجة لذكر المصادر؟ فهو في القرن الثامن الهجري يدعي تواتر أحداث عاشوراء تواترًا يغنيه عن ذكر المصدر. وهذا الكلام لا يصدر عن متساهل، بل عن حافظ متبحر في الرجال والحديث لا يستريب في مكانته العلمية أحد.
ومعنى قوله (أضربنا): أن هذا المروي في الصدور في القرن الثامن هو متواتر عن صدور أجيال القرن السابع، عن أجيال القرن السادس، وهكذا وصولًا إلى عصر الحادثة، بما لا يدع مجالًا للتشكيك. ولعل السبب في ذلك أن قصة عاشوراء كانت تُذكر وتُفعّل في كل سنة وفي كل مناسبة. ثم يأتيك مريض القلب والفكر ممن يُحسب على الخاصة ليشغل الناس بطريق الرواية ومصدرها، ويحبس نظره في أفق ضيق، متغافلًا عن هذا البحر البشري الذي نقل قضايا عاشوراء.
ثم يكمل المغلطاي شهادته فيقول: “ولقد عهدتني وأنا ابن دون عشر سنين، وقرأت مقتله رضي الله عنه من كتاب استعير لي، فحصل لي منه بكاء عظيم أزعج أعضائي كلها، لم أبت إلا محمومًا، واستمر ذلك بي نحو شهرين، حتى حلف والدي عليّ أن لا أقرأه ما عاش”.
هنيئًا له! رجل حنفي المذهب يبلغ به صدق البكاء على الحسين (عليه السلام) حد الحمى والمرض لشهرين. إن في هذا الانشداد لآية.
البُعد العقائدي لمعرفة مصائب أهل البيت
وحتى لا يُظن أن الأمر مجرد تاريخ، لا بد من ملاحظة أن الأئمة عليهم السلام كانوا يوثقون ما سيجري على بقية الأئمة والمعصومين من أحداث وظلامات، ويوثقون ذلك قبل ولادة ذلك المعصوم.
ووظلمات يوثّقونها قبل ولادة ذلك المعصوم؛ لكي لا يُتنكّر له، لا سيما بناءً على هذا المبنى الكلامي القائل بأنَّ ما جرى من مصائب على أهل البيت هو جزء من المعرفة العقديّة الواجبة بهم.[4] وسنقرأ الروايات التي تؤسس لذلك، وإن لم يذكر ذلك علماء الكلام صراحةً، لكن في الرواية التي يرويها الصدوق في الأمالي ويرويها في عقاب الأعمال رواية أخرى، يتبيّن أنَّ جزءاً من المعرفة، بل أدنى المعرفة اللازمة، هو أن تعرف ما جرى على أهل البيت.
وتوجد رواية أخرى عن الإمام الكاظم (عليه السلام) حول الإمام الرضا (عليه السلام) في معنى زيارته عارفاً بحقّه، إذ سُئلوا: ما معرفة حقّه؟ فجاء في الجواب أن تعرف أنَّه إمام مفترض الطاعة، ثم أضاف ما يدل على معرفة ما سيجري عليه في غربته من ظلم وغير ذلك، لتتمّ المعرفة بحقيقته.[5] فكيف أنَّ المناقب العظمى وصمود الأئمة وبطولتهم في الصبر والإدارة والوقار في الأزمات، هي أيضاً من مقامات أهل البيت التي يجب أن نعرفها.
وهذا شبيه ما ورد في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام): «كَالْجَبَلِ لَا تُحَرِّكُهُ الْعَوَاصِفُ، وَلَا تُزِيلُهُ الْقَوَاصِفُ».[6] فهذه من صفاتهم، والصفات هي مقامات، وهي جزء من المعرفة. وهذا بيان عقلي لضرورة معرفة ما جرى على أهل البيت، فإنَّ ذلك يرجع إلى معرفة صفاتهم، ومعرفة صفاتهم واجبة عقلاً وشرعاً.
وعليه الحال، فإنَّ هذه الحوادث ليست مجرّد بُعد تاريخي كما قد يظنّ الظانّ. فإنَّ مكة على سبيل المثال بُعد جغرافي، لكن هذه الجغرافية صارت ناموساً مقدّساً. والكعبة بُعد مادي، لكنها صارت ناموساً مقدّساً. وبعثة النبي (صلى الله عليه وآله) حدث تاريخي، لكنه ناموس ديني مطبوع على التاريخ. فمن ينكرها أو لا يقرّ بها أو لا يستنّ بسننها فليس من الدين في شيء. فسيرتهم التاريخية والجغرافية وغيرها هي الدين، وقد صارت عقيدة تبيّن المناقب والمواقف والمشاهد السامية لعظمة شخصياتهم، فكيف يُتَنَكَّر لها؟
خصوصية أصحاب الكساء في نصوص الوحي
وفي المجلس الرابع والعشرين من أمالي الصدوق، ينقل بسنده عن علي بن أحمد بن موسى الدقّاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي.[7] وهذا النوفلي مدرسة في المعارف، شبيه ما مرّ بنا من علي بن حسّان عن عمّه عبد الرحمن بن كثير، فهناك بيوتات علمية كانت تمثّل مدارس معرفية مستقلة. وهذا موسى بن عمران النخعي هو راوي الزيارة الجامعة، وكان له ديدن في المعارف.
يروي عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كَانَ جَالِساً ذَاتَ يَوْمٍ وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَأَكْرَمُ النَّاسِ عَلَيَّ، فَأَحْبِبْ مَنْ أَحَبَّهُمْ، وَأَبْغِضْ مَنْ أَبْغَضَهُمْ، وَوَالِ مَنْ وَالاهُمْ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُمْ، وَأَعِنْ مَنْ أَعَانَهُمْ، وَاجْعَلْهُمْ مُطَهَّرِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ، مَعْصُومِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وَأَيِّدْهُمْ بِرُوحِ الْقُدُسِ مِنْكَ. ثُمَّ قَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): يَا عَلِيُّ، أَنْتَ إِمَامُ أُمَّتِي وَخَلِيفَتِي عَلَيْهَا بَعْدِي، وَأَنْتَ قَائِدُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ابْنَتِي فَاطِمَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نَجِيبٍ مِنْ نُورٍ…».[8]
فلمّا أقبل الحسن (عليه السلام) بكى، وأقبل الحسين (عليه السلام) فبكى، وأقبلت فاطمة (عليها السلام) فبكى، وأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) فبكى. وقد ورد في روايات أخرى أنَّ أصحابه سألوه عن سبب بكائه. وهذا الإجلاس من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحاب الكساء، بمن فيهم فاطمة (عليها السلام)، بين أصحابه تكرّر كثيراً، مع حفظ الحجاب والستر لها.
ولماذا يركّز رسول الله (صلى الله عليه وآله) على خماسية أصحاب الكساء؟ هذه الخمسة عدد ناموسي عقائدي مقدّس، غير الأربعة عشر، وغير الاثني عشر. حتى الأئمة التسعة من وُلد الحسين عليهم السلام يصرّحون بأنَّ لهذه الخماسية خصوصية خاصة في الأسماء والاصطفاء وفي خلقة النور. قد يسأل سائل: كيف ذلك؟ وهذه خصوصيات معرفية.
كما أنَّ في بيانات أهل البيت عليهم السلام ثلاثية (الرسول وعلي وفاطمة) لها خصوصية ضمن الخمسة. والثنائية بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) لها خصوصية. والثنائية بين أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام لها خصوصية. والثنائية بين الحسن والحسين عليهما السلام لها خصوصية. فهناك ضرورات متعددة، فهل يصحّ التمسك بضرورة وترك الضرورات الأخرى؟ لا، بل يجب الجمع بين الضرورات مع بعضها البعض، فهل يمكن أن يؤخذ الدين من ضرورة واحدة؟
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.