« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/01/20

بسم الله الرحمن الرحيم



كنوز علم الحديث: أهميته ومناهج استنباطه

في المجلس الثامن والعشرين من كتاب (الأمالي) للشيخ الصدوق، [1] وفي نفس هذا الكتاب مجلس لا يحضرني رقمه الآن، وهو موجود في الفهرس، يتضمن دورةً عقائديةً كاملةً لما تعتقده الإمامية. وقد قدّم الصدوق (رحمه الله) في كتاب (الهداية)[2] أيضاً دورةً عقائديةً ثم دورةً فقهيةً. وله كتاب آخر اسمه (الاعتقادات)، [3] وهو معروف جداً في الحوزات، وبقي قروناً مداراً للتدريس، وهذه تُعدّ دورةً ثانيةً. وهنا أيضاً في (أمالي الصدوق)، في المجلس الثالث والتسعين، ما أملاه المؤلف في دين الإمامية، وهي دورة كاملة عن أصول الدين وضرورياته في مذهب الإمامية، فتكون هذه دورةً ثالثةً للصدوق (رحمه الله).

وعلى كل حال،

اهتمام الشيخ الصدوق بالعقائد وكتبه

فإنَّ الصدوق يهتم بجانب العقائد اهتماماً كبيراً. فمثلاً: كتاب (عيون أخبار الرضا عليه السلام)[4] كتاب عقائدي، ورواياته عقائدية. وكتاب (التوحيد)[5] للصدوق عقائدي. و(الأمالي) أيضاً ينتخب فيه فروعاً، ولكن جلّه عقائدي. فكثير من كتب الصدوق (رحمه الله) هي في روايات العقائد والمعارف، حتى كتاب (من لا يحضره الفقيه)[6] إذا دققنا فيه، لوجدنا فيه من العقائد الشيء الكثير، منها على سبيل المثال (الزيارة الجامعة)، [7] ومنها وصايا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

فائدة:

أهمية الإحاطة بفهرسة كتب الحديث للمستنبط

إنَّ الإحاطة بفهرسة تأليفات الصدوق وما تشتمل عليه أمر ضروري للاستنباط. فإذا كان المجتهد أو الفقيه، سواء في فقه الفروع أو في التفسير أو في العقائد أو في أي علم من العلوم الدينية، لا يحيط بفهرسة كتب الحديث، فإنَّه يفوته الكثير. فتمام الخبرة بعلم الحديث تقتضي إحاطة الباحث، فقيهاً كان أو مفسراً أو متكلماً، بالأبواب الموجودة في كتب الحديث، لا سيما كتب الحديث القديمة الأصلية، بل وحتى الفرعية منها مثل (وسائل الشيعة)، [8] وكتاب (الوافي)، [9] و(بحار الأنوار).[10] والوجه في ذلك: أنَّ هذا يسهّل الطريق لوقوف المجتهد والمستنبط على مصادر الحديث ورواياته.

ومما يُنقل في هذا الباب: ما روي عن الشيخ حسين الحلي (رحمه الله)، وهو صديق العمر للسيد محسن الحكيم (رحمهما الله)، أنَّه كان حافظاً لجميع عناوين أبواب (وسائل الشيعة)، وهي العناوين المترجمة بقلم المؤلف نفسه. فالظاهر أنَّ الشيخ حسين الحلي كان يحفظ هذا الفهرس الذي كتبه الحر العاملي بخط يده، ويعرف كم حديثاً في كل باب. ولعل مؤسسة ما قد طبعت هذا الفهرس بمفرده.

والحاصل: أنَّ علم الحديث، بمعنى الخبرة والتضلّع بفهرسة أبواب كل كتاب حديثي، هو علم جامع؛ لأنَّه يوقف الفقيه والمجتهد والمفسر والمتكلم والمؤرخ وأي باحث في العلوم الدينية على مظانّ المصادر والروايات والأدلة. إذ إنَّ المفروض في العلوم الدينية أنَّها علوم نقلية، يتحكم فيها النقل والتتبع، فالإحاطة بهذه الكتب وفهارسها وأبوابها شيء ضروري غاية الضرورة. وقد مرّ بنا مراراً أنَّ الكتب الأربعة[11] وإن كانت تسمى كتب فروع، لكنَّها في الحقيقة كتب فيها من الأصول العقائدية، بل فيها من كل العلوم الدينية، الشيء الكثير.

تنبيه: إيانا أن نغفل أنَّ هذه الكتب الأربعة، وكتاب (الوسائل) مثلاً، يُظن أنَّه كتاب فروع فحسب، والحال أنَّه كتاب يجمع كل العلوم الدينية، حتى علوم الإدارة موجودة فيه، وعلوم الرياضة العرفانية ببرنامج أهل البيت لا ببرنامج الصوفية موجودة فيه، وعلوم التفسير وقواعده موجودة في كتاب الصلاة وغيره من الكتب، فضلاً عن السيرة والتاريخ وهلم جرا.

والنتيجة: أنَّه يجب أن نلتفت إلى جانب آخر في كيفية معرفة كتب الحديث والاستئناس بها والتعرف عليها. وهذا الأمر، مع احترامنا للأعلام، نجد أنَّه قد يكون العالم متضلّعاً في الفقه، متضلّعاً في الأصول، ولكنَّه في علم الحديث مترجّل. ولماذا لم يخض في علم الحديث بالقدر اللازم؟

شاهد ذلك:

كنوز العلوم العصرية في التراث الحديثي

أنَّ أستاذاً جامعياً قديراً معروفاً في إيران، التقيت به مرتين، العام الماضي وهذا العام، في أيام الغدير عند الإمام الرضا (سلام الله عليه)، ودار الحديث بيننا حول علم الإدارة، وهو أستاذ جامعي في جامعات كثيرة، وقدير جداً في علم الاجتماع أو ما يرتبط بإدارة الاجتماع. فجرى بيننا أخذ وردّ حول ما إذا كانت لدينا روايات في علم الإدارة وتنمية الإنسان، فقلت له: نعم، هناك الكثير. فسأل: أين؟ قلت له: في أبواب العشرة من كتاب الحج في (وسائل الشيعة)، [12] فهذه الأبواب هي فن التعامل مع الآخرين، وهذا من صميم علم الإدارة.

المقصود: أنَّ صاحب (الوسائل) (رحمه الله) وضعها في زمانه تحت عنوان “أبواب العشرة”، ونعم ما فعل، كما فعل الكليني في (أصول الكافي) حين وضع أبواباً في العشرة. وهذه الأبواب تُعرف بلغتها العصرية بأبواب الإدارة، والتنمية البشرية، ونحو ذلك. وهذه خطوة مهمة جداً، وهي كيف نترجم العناوين والبحوث العصرية إلى عناوين تراثية موجودة في أبواب الروايات. وهذا يجرّنا إلى مبحث الثابت والمتغير، ففوق كل متغير متغير، وهناك ثابت ومتغير.

الجامعات الأكاديمية، بل اكتُشف وجوده بجدارة وتفوّق على ما طرحه أكبر منظّر في هذا المجال. وهذا العلم الآخر هو علم المفاوضات.

وقد اكتشف باحث متخصص آخر علماً جديداً لم أطلع على تفاصيله كثيراً، يقول هذا الباحث: إنَّ علم الإقناع يغاير علم المفاوضات، وإنَّ علم الاستشارات علم ثالث، فهما علمان وبحثان مختلفان. وكلاهما موجود في نهج البلاغة بجدارة عجيبة تفوق ما هو مقرّر أكاديمياً الآن عند البشر، لا سيما وأنه لم يكن مطروحاً في الأزمنة السابقة.

ومن ناحية البلاغة، فمعلوم أن نهج البلاغة قد حوى علوم الأولين والآخرين، فينبغي الالتفات إلى ما هو مودع فيه، وفي سائر كتب الحديث وتراثه. وحين يأتي جيل بشري متطور، متفجر في العلوم العصرية، سيلتفت إلى المعجزات العلمية الموجودة في تراث الحديث لدينا. وللأسف فإننا في أوساطنا الداخلية نجد أصواتاً جاهلة لا تعي معنى التخصص العلمي، تتطاول على تراث الحديث، جهلاً على جهل، وصدق قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].

والحاصل: أن هذه كانت شقشقة هدرت ثم قرّت، في بيان مدى ابتعادنا عن كتب الحديث. لقد صرنا بعيدين عنها بعداً عجيباً، مع أن فلاسفة الشيعة وعرفاءهم ومفسريهم – لا أقول كلهم، بل كثير منهم – كانوا متضلعين فيه. ومنهم جدّ صاحب الجواهر، المولى الشريف الفتوني (رحمه الله)، فله كتاب “ضياء العالمين في الإمامة”[13] ، وقد طُبع منه تسع مجلدات أو أكثر. فهذا فقيه عظيم، وأصولي، ومتبحر في علم الحديث، قد جمع بين هذه الخصائص.

وله أيضاً كتاب آخر باسم “مرآة الأنوار”[14] ، الذي طُبع مع تفسير السيد هاشم البحراني، وهو للمولى الشريف الفتوني، وقد تولى طبعه وتصحيحه الشيخ علي الكوراني. وفي هذا الكتاب يفسر القرآن لا بكلمات اللغويين، بل بكلمات روايات أهل البيت (عليهم السلام). ثم إنَّ هناك نظرية في التفسير يتبناها قطب الدين الراوندي، ويتبناها شيئاً ما الفيض الكاشاني، ولكن يتبناها بشكل مركّز جداً قطب الدين الراوندي والمولى الشريف الفتوني. وقد وقفت على أربعة أو خمسة من العلماء يتبنون هذه النظرية.

فما هي هذه المنهجية في علوم التفسير؟ النظرية هي كالتالي: لقد طالعت كتاب “فقه القرآن” لقطب الدين الراوندي، وهو يقع في مجلدين. والراوندي كان أصولياً، فقيهاً، مفسراً، أديباً، بل موسوعة في العلوم في القرن السادس الهجري قبل علماء الحلة. ففي هذا الكتاب، “فقه القرآن لآيات الأحكام”، يذكر قطب الدين الراوندي أن دليل حرمة من زنى بذات بعل عليه مؤبداً مستفاد من القرآن نفسه.[15] في حين أن متأخري هذا العصر يقولون: لم نقف على الدليل من القرآن. مع أن الدليل موجود، وقد عنون ثلاثة عشر من القدماء (رضوان الله تعالى عليهم) هذه المسألة وذكروا دليلها من ألفاظ القرآن أصلاً، ولكن غفل عن ذلك المعاصرون لعدم التتبع في كتب القدماء.

وكتاب “فقه القرآن” هذا كتاب جزل جداً، يمكن أن نعدّه بمثابة كتاب “شرائع الإسلام” ولكن في تفسير آيات الأحكام، فهو وجيز وجزل ومفيد، ومضغوط ودسم جداً. ومن ضمن منهجية قطب الدين الراوندي – وله كتب عديدة كـ”قصص الأنبياء” وهو من أعلام الإمامية وقبره في صحن السيدة معصومة – في كتابه “فقه القرآن” الذي يتناول فيه آيات الأحكام من الطهارة إلى الديات، أن له منهجاً في التفسير عظيماً جداً.

فما هو هذا المنهج الذي يخالف فيه أكثر علماء الإمامية؟ مبناه في التفسير: أن روايات أهل البيت (عليهم السلام) الواردة في تفسير القرآن ليست من باب التأويل. فأكثر العلماء يقولون إنها تأويل، ويعتبرون الظاهر في وادٍ والتأويل في وادٍ آخر، ومن ثم يقل اهتمامهم بمعالجة الظاهر القرآني على ضوء الروايات، إلا من يذهب إلى بحث التأويل كمبحث مستقل. هكذا هو المنهج عند الأكثر، لا أقول الغالب.

أما قطب الدين الراوندي فيقول: لا، إنَّ روايات أهل البيت، كلها الواردة في تفسير القرآن، سواء في آيات الأحكام أو غيرها، هي تعالج وترصد بنية الظهور في الآية نفسها. ولكن على الفقيه المفسر أن يتحذلق ويتأمل ليرى كيف أن الرواية تشير إلى بنية اللفظ وبنية التركيب. فبالتدبر والتأني والتدقيق والغور سيرى ذلك. وإلى درجة أنه من أول كتابه إلى آخره، يستخرج الروايات الفقهية من أبوابها ليجعلها ناظرة إلى نفس بنية الظهور في الآيات. هذا هو منهج قطب الدين الراوندي.

إلى درجة أنه في باب أحكام المحارب، وهو مبحث صعب في آيات الأحكام، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]، حيث وردت طوائف من الروايات العديدة في أحكامه، وقد تحيّر الأعلام في كيفية الجمع بينها، وما إذا كان التعارض بينها مستحكماً فيُرجع إلى عموم الكتاب. فبحث المحارب ليس بحثاً سهلاً، وقد استفرغ الأعلام وسعهم فيه. فماذا صنع الراوندي؟ لقد أخذ طوائف الروايات وبيّن كيف أنها تعالج بنية الظاهر في الآية جزءاً فجزءاً، وتفصيلاً دقيقاً.

إلا أن المقداد السيوري، تلميذ الشهيد الأول وفخر المحققين، وصاحب الكتاب الجليل في آيات الأحكام “كنز العرفان”[16] ، عندما يصل إلى بحث حدّ المحارب، يتعرض لكلام قطب الدين الراوندي فيقول بما حاصله: إنَّ هذا إفراط من الراوندي أن يجعل الروايات الواردة في تفاصيل أحكام المحارب ناظرة شبراً بشبر ونقطة نقطة وزاوية زاوية لألفاظ الآيات. ويرى أن هذا إفراط في المنهج، والأولى حملها على التأويل. فقد استصعب ما استظهره الراوندي. ولكن سبحان الله، إذا دقّق المنصف لوجد أن ما استظهره قطب الدين دقيق جداً، لأنه كان أديباً فائقاً، فما استظهره هو في محله.

المقصود على كل حال، أن منهج قطب الدين الراوندي في التفسير هو أن روايات أهل البيت (عليهم السلام) جلها، بل كلها، ناظرة لبنية الظاهر. وهذا بحث حساس جداً في علوم القرآن.

وهذه المنهجية في البحث قد استفدناها من ثلة من كبار المجتهدين الذين عاصرناهم، كأحد الأعلام (رحمه الله) الذي كان يفوقني بثلاثين عاماً في السن، وهو من تلاميذ السيد محمود الشاهرودي الكبير والسيد محسن الحكيم والشيخ حسين الحلي، وله تقريرات قوية جداً صناعياً طُبعت أخيراً. وكذلك استفدت هذا المنهج من شيخ آخر هو الشيخ محمد حسين الصادق المازندراني، الذي كان من تلاميذ السيد هادي الميلاني. فهؤلاء الأعلام، وإن لم يصرحوا لي بهذا المطلب، إلا أنهم تبنوا هذا المبنى في بحوثهم.

فما هو حاصل هذا المبحث في منهج التفسير؟ هو أن روايات أهل البيت (عليهم السلام) ناظرة إلى بنية الظاهر. وهذه نكتة مهمة جداً، لأن عزلها عن الظاهر يجعل المفسر في عهدة أقوال قتادة وغيره، أو كتب اللغة كلسان العرب والجوهري.

إن كتب الحديث فيها الكثير من علوم الدين، ونحن نحرم أنفسنا منها كثيراً. وأذكر للإخوة مثالاً من مصادر الاستنباط، لأن هذه مرحلة مهمة جداً. ففي كتاب الوسائل، في أبواب الصلاة، بعد أبواب قراءة القرآن في الصلاة، يأتي بسلسلة أبواب حول قراءة القرآن مطلقاً، سواء في الصلاة أو غيرها، وهذه كلها من علوم القرآن، فما علاقتها بالصلاة؟ بل حتى أبواب قراءة القرآن في الصلاة نفسها، فيها بحوث كثيرة من قواعد علم التفسير.

إن كتب الحديث مملوءة بالعلوم التي نحرم أنفسنا منها. وأحد أسباب هذا الحرمان هو الفاصل الذي وقع بيننا وبين علم الحديث، فهو لا يُدرّس في الحوزات كما ينبغي. واللائق بحوزة النجف، مدينة أمير المؤمنين العظيمة، أن تؤسس فيها مدينة لعلم الحديث، مدينة تضم الكليات ومراكز البحوث. فنحن مأمورون بالتمسك بالقرآن والسنة، كما في الحديث الشريف: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ»[17] ، ولم يقل: تارك فيكم مكاشفاتكم أو رياضاتكم.

فمن الضروري جداً أن تتوجه العتبات المقدسة (سددهم الله) إلى هذا الأمر. فهم يطبعون كتباً شتى، فلماذا لا تكون الأولوية لكتب الحديث؟ عجيب! المفروض أن تكون أفخر الطبعات لكتب التراث الحديثي. لا أقول إنهم لا يطبعون شيئاً، ولكن بالقياس إلى ما يُطبع من كتب المستشرقين والمستغربين وغيرهم، فإن الجهد مقلّ. ولو نُشرت كتب الحديث بلغات عالمية وبآليات إلكترونية حديثة، لسجدت لها مراكز الدراسات في العالم لما فيها من كنوز علمية. ومن الذي نبّه كوفي عنان إلى نهج البلاغة؟ للأسف، لم يكن عالماً من الحوزات، لا شيعياً ولا سنياً.

ولم ينبهه إلى ذلك عالم شيعي أو سني، بل كانت زوجته السويدية هي التي نبهته، إذ يدرسون نهج البلاغة في أوروبا أشد من دراستنا له، لا في بغداد ولا في طهران. فالحمد لله الذي جعل لأهل البيت عليهم السلام جنوداً من غير المسلمين، ومن غير الشيعة، ومن غير العرب.

إنَّ علوم أهل البيت عليهم السلام علوم عظيمة، ولكنك تجد في الوسط الداخلي جهالاً وجهولات، ومستهزئين ومستهزئات، ومستنكفين ومستنكفات، وذلك أنَّ من فقد هويته والثقة بنفسه وتراثه، لا يتجرأ على تعظيم علم الحديث. ومعذرة إن كانت هذه الليلة قد خُصصت للحديث عن علم الحديث، ولكنها واقعاً قضية خطرة جداً.

ونعود إلى الحديث الثاني في هذا المجلس، فقد صدر من الروايات ما ورد “من فوق العرش”، وهنا تبرز الأسئلة: ما العرش؟ وما فوق العرش؟ ومن الذي صدر عنه القول؟ وما الذي صدر؟ وأياً كان، فإنَّه إذا وُجد خلل في البنية العقائدية، لزم أن يقع الخلل في سائر العلوم الدينية على نحو التداعي، فتتلو التموجات والتداعيات بعضها بعضاً.

ولماذا التركيز على العقائد؟ لأنَّ الإشكال إذا وقع فيها، فإنه يمتد إلى الفروع والعلوم الدينية الأخرى فتنشأ فيها الأزمات. فإن لم تلتفت إلى العقائد، انعكس ذلك سلباً على فهمك. فبناؤك على أنَّ الأئمة عليهم السلام مجرد علماء وباحثين وأبرار وصلحاء، ينفي عنهم العلم العابر للقرون والعوالم. ومن يقول بهذا؟ وأي علم هذا؟ ومن أين أتوا به؟ فالإنترنت لم يكن موجوداً في زمانهم، وهو الآن موجود عندنا. وعلى هذا المنوال، فإنَّ الأمر ينتهي إلى التشكيك في النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم في القرآن، ثم في الله جل وعلا، فهي سلسلة متدرجة من الانسلاخ.

تحليل رواية المقتل من أمالي الصدوق

إذًا، نعود إلى الرواية. قال حدثنا الصدوق، قال حدثنا ابن الوليد. وانظر إلى هذه الرواية مع كونها في المقتل، فإنَّ الصدوق يذكرها كشواهد، كما هو دأبه في لاحقه وكما في كامل الزيارات. فدائماً ما تجد رؤساء الطائفة، الذين ليسوا مجرد رواة عاديين، يذكرون تفاصيل أحداث عاشوراء. فابن الوليد ومن هم في طبقته كان لهم اهتمام خاص، ولم يكن الأمر مقتصراً على الخطباء والرواديد والشعراء. وهكذا أصبحت مصادر أحداث عاشوراء راسخة.

قال حدثنا أحمد بن إدريس، وهذا يعني أنَّ الشغل الشاغل لمراجع الشيعة في القرون الثالث والرابع والخامس كان أحداث كربلاء وما يرتبط بالإمام الحسين (عليه السلام). هذه هي سيرة علمائنا، وهذه الرواية الثانية التي نقرؤها الآن شاهدة على ذلك، فكل رؤساء المذهب والمرجع الأعلى في زمانه، سواء في زمن الأئمة أم بعدهم، كانوا على هذا النهج. والمرجعية كانت موجودة حتى في زمن الأئمة، من زمن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام، بل حتى في زمن الإمام زين العابدين (عليه السلام) شيئاً ما، متمثلة في شخصيات كأبي حمزة الثمالي.

قال حدثنا أحمد بن إدريس ومحمد بن يحيى العطار جميعاً، وهؤلاء من أساتذة الكليني والشيخ الصدوق. عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، وهو من أعلام قم وصاحب دأب وجد. قال حدثنا أبو عبد الله الرازي، الذي يكثر الرواية عنه. عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني، عن سيف بن عميرة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام). فهذا السند يرويه الصدوق عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي من الأسانيد التي تصل مباشرة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهي أسانيد علوية، لا تمر بالإمام الحسن أو الإمام الحسين أو الإمام السجاد أو الإمام الباقر عليهم السلام، بل تصل إلى أمير المؤمنين مباشرة. وقد مر بنا ذكر كتاب “قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام)” الذي يُروى عنه، ثم يرويه الإمام الباقر (عليه السلام) تصديقاً لما روي عن جده، ومثل هذه الروايات موجودة عندنا.

المهم، قال: «بَيْنَمَا أَنَا وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، إِذِ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَبَكَى»[18] . أنا لا أقرأ الحديث كاملاً، ولكن هذا المشهد تكرر عند رسول الله (صلى الله عليه وآله). وسنقرأ هذه الرواية الموجودة في المجلس الرابع والعشرين، حيث يجتمع أصحاب الكساء الخمسة فيبكي عليهم النبي (صلى الله عليه وآله).

وهذا السمهودي، صاحب كتاب “وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى”، وهو من علماء القرن العاشر الهجري من أهل السنة، مصري هاجر إلى المدينة المنورة وكان صوفي المشرب، ومع ذلك تُطبع كتبه بالآلاف كل سنة. وهذا الكتاب عظيم، وفيه أسانيد عديدة من طرق العامة أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) خاطب فاطمة وعلياً والحسن والحسين عليهم السلام قائلاً: «إِنَّكُمْ قَتَلَى وَمَصَارِعُكُمْ شَتَّى»، ثم يبكي النبي (صلى الله عليه وآله)[19] . فهذه الحادثة تكررت كثيراً.

واللطيف أنه في المجلس الرابع والعشرين، يروي الصدوق هذه الرواية، وهذا يقودنا إلى قضية “تشاهد الأحاديث”[20] ، أي أنَّ الحديث يشهد لحديث آخر، وهذه قاعدة عجيبة في علم الحديث. وأذكر نمطين منها على نحو الفهرسة: - النمط الأول من تشاهد الأحاديث: هو أن واقعة واحدة يرويها المعصوم أو الرواة بأنحاء مختلفة؛ نحو مبسوط، ونحو مختصر، ودرجات بينهما. وهذا النمط يكثر في الزيارات والأدعية. وهو باب عظيم للالتفات إلى شبكية الأحاديث مع بعضها البعض، ولا يطلع عليه إلا من تمرس في علم الحديث.

وعلى كل حال، فإنَّ هذا السمهودي يورد طرقاً عديدة لمصرع فاطمة (عليها السلام). وفي أولى صفحات كتابه يذكر أنَّ تراب قبر النبي (صلى الله عليه وآله) أعظم قدسية من الكعبة المكرمة، بل ويذكر أنَّ هناك إجماعاً وضرورة عند الصحابة على أنَّ تراب قبر النبي (صلى الله عليه وآله) أعظم قدسية من العرش العظيم. وهو ما قد لا يقبله البعض في وسطنا الداخلي ونحن أتباعه.

ولكن البحث في تشاهد الحديث باب عجيب في علم الحديث وفي الاستنباط، وسنكمل الحديث عنه إن شاء الله.



[1] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. الأمالي.. ط6، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1417 هـ
[2] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. الهداية في الأصول والفروع.. ط1، مؤسسة الإمام الهادي، 1418 هـ
[3] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. الاعتقادات في دين الإمامية.. تحقيق عصام عبد السيد، ط2، دار المفيد، 1414 هـ
[4] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. عيون أخبار الرضا (عليه السلام).. تحقيق حسين الأعلمي، ط1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404 هـ
[5] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. التوحيد.. تحقيق هاشم الحسيني الطهراني، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، د.ت
[6] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. من لا يحضره الفقيه.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط2، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، 1413 هـ
[7] ورد نصها في: الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص609، ح3213. وأيضاً في: الصدوق، عيون أخبار الرضا (عليه السلام).، ج2، ص272، ح1
[8] الحر العاملي، محمد بن الحسن. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة.. ط1، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1409 هـ
[9] الفيض الكاشاني، محمد محسن. الوافي.. تحقيق ضياء الدين الحسيني، ط1، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي، 1406 هـ
[10] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار.. ط2، دار إحياء التراث العربي، 1403 هـ
[11] وهي: الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار. للطوسي
[12] يُراجع: الحر العاملي، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة.، كتاب الحج، أبواب آداب العشرة في السفر، وأبواب العشرة مع الناس عموماً
[13] هو الشيخ محمد شريف بن الحسن علي الفتوني العاملي النباطي (ت. 1138 هـ)، وهو جدّ الشيخ محمد حسن النجفي (ت. 1266 هـ) صاحب كتاب جواهر الكلام لأمه. انظر: الأمين، محسن. أعيان الشيعة.. تحقيق حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، 1983 م، ج9، ص346
[14] الاسم الكامل للكتاب هو مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار في تفسير القرآن.
[15] وهي من المسائل الخلافية المشهورة في الفقه، حيث ذهب المشهور من المتأخرين إلى عدم ثبوت الحرمة الأبدية، خلافاً لجمع من القدماء. يُراجع تفصيل المسألة في كتب الفقه الاستدلالي، كتاب النكاح، مبحث المصاهرة.
[16] المقداد بن عبد الله السيوري الحلي (ت. 826 هـ). كنز العرفان في فقه القرآن.. تحقيق محمد باقر شريف زاده، ط1، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، 1422 هـ
[17] الحر العاملي، محمد بن الحسن. وسائل الشيعة.. تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط2، مؤسسة آل البيت، 1414 هـ، ج27، ص33، باب وجوب الرجوع في جميع الأحكام إلى المعصومين، ح33142
[18] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. الأمالي.. ط1، مؤسسة البعثة، 1417 هـ، ص196، المجلس الثامن والعشرون، ح2
[19] السمهودي، علي بن عبد الله. وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى.. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط4، دار إحياء التراث العربي، 1404 هـ، ج4، ص1386. (أورد روايات بمعانٍ متقاربة)
[20] تشاهد الأحاديث: مصطلح في علم الحديث يعني أن يشهد حديث لآخر ويقويه، سواء بتعدد طرقه، أو بتضافر روايات مختلفة تصف واقعة واحدة بجوانب متعددة، مما يمنح الباحث صورة أكثر تكاملاً عن الحادثة.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo