« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/01/19

بسم الله الرحمن الرحيم



منهجية نقل أحداث عاشوراء وأصول الاستنباط الفقهي

كنّا بصدد متابعة كيفية النقل في المقتل المأثور الذي يرويه الشيخ الصدوق، وهو مقتل مسند مأثور، جُلّه عن الأئمة عليهم السلام، ويقع ضمن المجالس من الرابع والعشرين إلى الواحد والثلاثين من كتابه الأمالي. وكما مرّ بنا، فإننا لسنا في صدد شرح سند كل طريق في هذا المقتل، ولا في صدد استعراض تفاصيل المتن، وإنّما نركّز البحث على كيفية النقل ونوعية الناقل.

وهذا التركيز يعطينا جزمًا عقليًا وقلبيًا بأنّ نقل أحداث عاشوراء لا يقتصر على هذا المقدار الذي أورده الصدوق، وإنّما هي بمثابة نماذج، سواء بالنظر إلى المصادر التي ينقل عنها، أم بالنظر إلى طبيعة سبب النقل وكيفيته. وإلّا فهناك روايات أخرى غير ما أورده الصدوق في الأمالي، كما في كتاب كامل الزيارات لابن قولويه، أو ما أورده صاحب وسائل الشيعة في أبواب المزار، وهي تتضمن تفصيل أحداث كربلاء؛ ولذلك فإنّ محل التركيز هو نوع النقل.

فالعدسة هنا مركّزة على كيفية النقل وأنواعه؛ فهناك النقل النسوي، ونقل الشعراء، ونقل الأعداء، ونقل الوحي نفسه. ولكن شاء الله لهم، فكان دأبهم وديدنهم، كما كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) طوال بقيّة عمره بعد كربلاء، يذكر ويقيم مأتمًا، يذكر فيه لقطة من لقطات أحداث ظلامة كربلاء.

دور المرأة المحوري في نقل وتوثيق واقعة كربلاء

إنّ ذهاب النسوة مع سيّد الشهداء (عليه السلام) ينطوي على فلسفات عظيمة، إحداها توثيق النقل، وتوثيق مدى درجة الآلام العصيبة التي حلّت في كربلاء؛ لأنّ استشعار النساء للآلام والظلامات أشدّ من قدرة استشعار الرجال، وهذا أمر بيّن.

فلمّا يكون هناك جيش إعلامي نسوي، من العلويات والهاشميات، ومن نساء الأنصار الذين استشهدوا مع سيّد الشهداء (عليه السلام)، فمن الطبيعي أن يلتفت من يحرّك عقله قليلًا إلى وجود رافد أساسي لنقل وقائع عاشوراء، وهم المراسلون من الفريق النسوي. والاعتماد على الفريق النسوي في الإعلام مهم جدًا، بل هو سنّة حسينية.

إنّ توظيف الفريق النسوي في نقل الأحداث سنّة عظيمة من سيّد الشهداء (عليه السلام)، أُمر بها بحديث قدسي من الله تعالى: «شاء الله أن يراهنّ سبايا». فالمرأة والفريق النسوي فريق إعلامي مهم لرصد الأحداث التي تشتمل على زلازل روحية وأهوال عظيمة؛ ذلك أنّ المرأة في هذا المضمار أشدّ استشعارًا ورصدًا للأحداث من الرجل، فجانب العاطفة والروح لديها أكثر تحركًا ولطافة وشفافيّة، ممّا يجعلها أقدر على عكس الأحداث من الرجال في هذا البعد.

وهذه سنّة إلهية ونبوية وحسينية؛ توظيف الفريق النسوي لنقل الأحداث. فما بالك حين ينضمّ هذا المجموع الجيّاش من الجيش النسوي، سواء العلويات والهاشميات والفاطميات أو غيرهن، مع ما يتلقّينه من بقية نساء بني هاشم أو ما يسمعنه من أفواه النساء المواليات والمحبّات لأهل البيت، سواء في الكوفة أم في المدينة المنورة.

حتى إنّ المصادر ذكرت كيف كان للعامل النسوي دور عظيم في النقل؛ فقد أثّرت الفاطميات والهاشميات على الجانب النسوي في بيت آل أمية، واضطررن أولئك أن يقمن العزاء على سيّد الشهداء (عليه السلام). وكان أحد أسباب خوف يزيد من بقاء أسارى آل الرسول في الشام أنّهنّ كنّ يحرّكن الشارع هناك ويؤثّرن فيه.

فإنّ الجانب النسوي بمثابة جيش إعلامي عظيم لرصد الأحداث، فهل يُعقل الاكتفاء برواية واحدة أو اثنتين؟ إنّ هذا التساؤل ينبّه على أنّ الفريق النسوي شارك إلى ما شاء الله في نقل هذه الأحداث. حتى إنّ نساء جيش ابن سعد وجيش بني أمية كان فيهنّ مواليات ومحبّات، فوقفن مع قضايا عاشوراء، ونقلن ورصدن رصدًا عظيمًا لما جرى من أحداثها، ممّا لم يكن ليعلمه أحد لولا نقلهنّ، لأنهنّ كنّ من داخل جيش بني أمية، فما التفاصيل التي جرت فيه؟ لقد نقلت النساء ما جرى. فإذًا، هذا البُعد النسوي في كلا الطرفين قد قيّضه الله لنقل أحداث عاشوراء وتفاصيلها العجيبة، وما جرى من كرامات الله عزّ وجلّ على رأس الحسين (عليه السلام) ورؤوس الشهداء في الكوفة وغيرها.

اتساع مصادر النقل: بحر بشري وإرهاصات كونية

أنت إذًا أمام بحر بشري، وهذا ليس مبالغة، بل هو تعبير قاصر. بحر بشري يتموّج بالهيجان، والكل ينقل، والواقعة هي حديث الساعة. وكيف أنّ الله عزّ وجلّ، بتواتر نقل الفريقين، أقام هذا الإرهاص الكوني لأربع سنين في بعض الدول الإسلامية، ولثلاث سنين في دول أخرى، وهو أن تمطر السماء دمًا، وأن تُصبغ الجدران بالدماء.

وقد جمعنا نحو مئتي رواية في هذا المجلد، وهي غيض من فيض ما يقارب ألفي رواية، اعترف بوجودها حتى أتباع ابن تيمية وغيرهم، وذلك في ذيل تفسير قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (سورة الدخان - ٢٩). فكثير من مفسري الفريقين يذكرون هذه الروايات عند هذه الآية، فضلًا عن وجودها في أبواب ومصادر أخرى. وقد كانت حصيلة ورشة عمل شكّلناها مع الإخوة لمدة أربع أو خمس سنين هي الجزء الرابع من هذا العمل، وهو ينبئ بما روى الفريقان.

والحاصل: أنّ الله عزّ وجلّ هو الذي خلق هذا الجو الكوني، وأبقى الباري تعالى لهيبه متّقدًا. فإذا كان الكون كلّه متعاطفًا مع سيّد الشهداء (عليه السلام)، فما حال من يجحد هذه الأمور؟ إنّ هؤلاء، كما ورد في الرواية، في قلوبهم مرض يتغذّى على البغض. فما الذي يُتوقّع إزاء هذا البحر البشري، سواء النسوي أم الرجالي، الموالي أم المعادي، الذي كان كله في حالة استنفار لرصد أحداث عاشوراء التي غدت حديث الساعة؟ فبالتالي، إنّ هذه الواقعة التي قلبت الموازين والسنن، هل يُتوقّع أن تخمد؟ لا، أبدًا. إنّ فلسفة جعل الله لها مدرسة للأنبياء، فكيف تخمد لمن هم دونهم؟

وعلى أي حال، فإنّ كيفية النقل واضحة، فلا يصحّ الاقتصار على مصدر واحد أو رواية واحدة، بل يجب دراسة القضية كمنظومة كاملة. وقد وصلنا في الجلسة السابقة إلى هذا المقطع، وذكرنا وجود تشابه بين ما يرويه ابن قولويه في كامل الزيارات وما يرويه زميله الصدوق، وهذا يعضّد مصادر الكتابين، وكلّ منهما من زعماء المذهب.

إنّ ما هو موجود في كامل الزيارات متقارب جدًا مع ما هو موجود في هذا المقتل المأثور الذي يرويه الصدوق، وهذه ظاهرة في تراثنا الحديثي والرجالي والفقهي يجب أخذها بعين الاعتبار. إنّ هذا النص العربي، الذي يبدو كأنه صيغ بلغة إعلامية حديثة، يكشف لنا عند التدبّر أنّ الماكينة الإعلامية التي هيّأها الله عزّ وجلّ لنشر أحداث عاشوراء ليست بالسهلة، بل هي ماكينة ضخمة جدًا؛ جيوش جرّارة إلى ما شاء الله، وبحر بشري عظيم لنقل هذه الحادثة وتفاصيلها، فالكلام عن مصدر أو راويين لا معنى له.

وسنعيد ذكر كلام أحد علماء العامة الذي يقول ما مضمونه: إنّ مصادر حادثة عاشوراء متواترة لا يستطيع إنسان أن يقرأها كلها، فإنه يموت من كثرة قراءتها، حتى إنّ والده حذّره من ذلك قائلًا له: “تموت”. وهذه المرويات ليست من النواصب، بل من المحبّين لأهل هذا البيت. ونصّ العبارة معروف، وسنعود إليه إن شاء الله في أحد الملفات المخزونة، وهي عبارة مشهورة لأحد كبار علماء العامة يقول فيها: “حذّرني أبي أن أقرأ كل ما ورد وهي متواترة”. هكذا يجب أن نعلم، فإنّ الإنسان يزداد تفاعلًا.

**

تحليل رواية زيارة عرفة كمدخل لأصول الاستنباط

الرواية التي تليها** يرويها الصدوق عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب[1] ، وهو من الأجلّاء الكبار، ومن أصحاب الإمام الرضا والجواد، أو الجواد والهادي عليهم السلام تقريبًا. عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، وهو في طبقة أصحاب الرضا (عليه السلام). فهؤلاء رؤساء المذهب، والسند صحيح عالٍ.

عن صالح بن عقبة، عن بشير الدهّان، عن الإمام الصادق (عليه السلام). وهذا السند قد تكرّر حتى في زيارة عاشوراء وروايات أخرى في كامل الزيارات ومصباح المتهجد. فتلاحظ أنّ فقهاء الطائفة وعلماءها يروون عن صالح بن عقبة، وهو أحد رواة أحداث عاشوراء عن الإمام الصادق أو الباقر عليهما السلام. فكل الذين في هذا الطريق هم من زعماء المذهب.

يروي صالح بن عقبة عن بشير الدهّان، قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: رُبَّمَا فَاتَنِي اَلْحَجُّ فَأُعَرِّفُ عِنْدَ قَبْرِ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ. فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ يَا بَشِيرُ، أَيُّمَا مُؤْمِنٍ…»[2]

تنبيه: بغضّ النظر عن تفاصيل البحث، يجدر الالتفات إلى قضية “حريم الشعائر” أو استنباط القواعد من الأحكام الشرعية. فهذا الراوي التفت إلى أنّ يوم عرفة يوم عظيم ومناسب، وأنّ الحج يقام في أرض عرفة، وله خصوصياته العبادية، وقد جعل الله الحرم المكي في تلك الأنحاء، وإن كانت عرفة خارج الحرم لكنها بوابته. فانتقل ذهنه إلى مناسبة إحياء يوم عرفة بالدعاء في أرض مقدّسة أخرى.

**

من التوقيفية الجامدة إلى الاستنباط المنهجي

وهذا الاستنباط** من نفس الراوي هو استنباط في محلّه، مع أنّه لم يرد لديه دليل خاص، وإنّما سأل الإمام عن فعله، فقال له الإمام: “أحسنت”، أي إنّ هذا الاستنباط والارتكاز في محلّه. فإذًا، توقيفية العبادة لا تنحصر بالدليل الخاص، وإنّما قد يستنبط الفقيه من دليل خاص حكمًا لمورد خاص آخر، فيكتشف بذلك عمومًا كليًا.

وهذا ما أشار إليه صاحب الجواهر من أنّ توقيفية الأذان والتشهّد لا تنافي أن تُستفاد أجزاء التشهّد من الأدلة العامة.[3] وقد ذكر هذا المعنى بعينه أستاذه الشيخ جعفر كاشف الغطاء في باب تشهّد الصلاة في كتابه كشف الغطاء، بينما ذكره صاحب الجواهر في باب تشهّد الأذان.

والقاعدة هنا: هي أنّ الخصوص قد يُستفاد من العمومات. فبشير الدهّان لم يأمره أحد بذلك، ولم يبيّن له حكم خاص، لكنه استفاد من أدلة القرآن والروايات الواردة في الحج أنّ يوم عرفة يوم مقدّس تُستجاب فيه الدعوات في أرض عرفة.

سينتقل إليه؛ لأن هذا بحث عام، فالعبادة في هذا اليوم غير مخصوصة بالحجاج، بل تشمل غيرهم في أي أرض مقدسة أخرى. وقد أقرّ الإمام (عليه السلام) هذا الاستنباط بقوله: «أحسنت»، فالتوقيفية لا تعني امتناع استنباط الأحكام من الأدلة العامة.

وقد ذكرنا مراراً للإخوة أن الأعلام، كالمحقق النائيني وصاحب الكفاية، [4] قد استفادوا عبادية الصلاة -وهي أخطر ما في الصلاة وأعني بها نية القربة- لا من أدلتها الخاصة، بل إن صاحب الكفاية قد استفادها من الدليل العقلي العام، مع القول بتوقيفية العبادة. فكيف يُستفاد ركن الأركان في الصلاة، وهو العبادية ونية القربة، بدليل ليس خاصاً بل هو دليل عقلي محض وليس دليلاً شرعياً؟

وقد استنكر البعض على أمثال صاحب الجواهر وصاحب الكفاية إدراكهم هذا الأمر من العقل في باب توقيفية العبادات، فكيف يُستغرب إذاً استفادة جزء من أجزاء الصلاة من دليل شرعي عام؟ إن هذا الاستغراب ليس في محله.

والشاهد على ذلك: رواية بشير الدهان، حيث قال له الإمام (عليه السلام): «أَحْسَنْتَ يَا بَشِيرُ». ومعنى قوله «أحسنت» أن استنباطك في محله، وأنك ما ابتدعت في الدين ولا ضاددت ولا شذذت. أما نحن فصرنا قشريين حشويين، لا نفقه كيفية فهم المعادلات ومنظومة القواعد، وكيف تتناسق وتنسجم لتُستنتج منها النتائج عبر تركيب الصغرى على الكبرى.

إن القول بأن توقيفية العبادة تقتضي دليلاً خاصاً هو منهج حشوي قشري، مع احترامنا للأعلام. فها هو المحقق النائيني يستفيد عبادية الصلاة لا من أدلتها الخاصة، بل من جعل آخر أجنبي يسميه “متمم الجعل”، [5] وذلك لأن العقل يدرك أن ملاك هذا الجعل الأجنبي وملاك الجعل الأول كالأواني المستطرقة، مما يحتم أن الصلاة لا تصح إلا بنية القربة المستفادة من هذا الجعل الذي هو في ظاهره أجنبي.

والحاصل: أن الأعلام قد استفادوا أجزاءً وشرائط في العبادات لا من أدلة خاصة، بل من أدلة عامة، بل وأكثر من ذلك، استفادوها من أدلة عقلية أو أدلة شرعية تبدو أجنبية في الظاهر، ولكن بالتدبر والتمعن يظهر الارتباط بينها.

ومثال ذلك: باب اجتماع الأمر والنهي، فهو بحث عقلي في الأدلة الشرعية، استفاد منه الأصوليون شرطاً أو جزءاً في العبادة لا من دليل خاص ولا حتى من دليل شرعي عام، وإنما من الدليل العقلي المحض. فإذا اجتمع الأمر والنهي في مورد واحد، حكم العقل بفساد العبادة، فيكون النهي مانعاً.

فكيف يُتمسك بعد هذا بمفهوم جامد لتوقيفية العبادة؟ إنَّ التوقيفية لا تنفي الاستدلال بالدليل العقلي، فضلاً عن الدليل الشرعي العام. وهذا الدليل العام هو الذي يوضح أن حقيقة التشهد الشرعية هي ثلاثية الأركان وليست ثنائية. فالتشهد الثنائي إسلام غير مرضي عند الله وغير كامل. فإن أدلة روايات الشهادتين في تشهد الصلاة قد قُيّدت بجزء ثالث عند الكل، وهو الصلاة على النبي وآله، فلم يعمل أحد بتلك الروايات المطلقة. وهذا الجزء الثالث يُقيَّد بدوره بجزء رابع، وهو الشهادة الثالثة.

والقاعدة هنا: أنه لا يمكن الاكتفاء بمقدار معين من الأدلة في الاستنباط، بل يجب النظر إلى منظومة الأدلة مجتمعة. ولهذا نلاحظ أن كثيراً من الروايات الواردة في تشهد الصلاة، إن لم يكن أكثرها، لم يرد فيها ذكر الصلاة على النبي وآله، ومع ذلك لم يفتِ أحد بكفاية الشهادتين، بل أوجبوا ضم الجزء الثالث إليهما، وهو الصلاة على النبي وآله، مقيدين تلك المطلقات ولو بدليل عام لا خاص.

إن عملية بناء منظومة الأدلة تقتضي ما هو أبعد من ذلك. فلو أردنا أن نأخذ ديننا من تواتر واحد لما أمكن ذلك؛ إذ لا بد من ضمه إلى تواتر ثانٍ وثالث وعاشر ومئة. فكل الروايات المتواترة في الدين يجب أن تُجمع مع بعضها البعض لتتشكل صورة كاملة لمعالم الدين. ومن أراد أن يعمل بتواتر واحد ويغفل عن بقية مؤديات الروايات المتواترة الأخرى، فإنه يخرج عن جادة الصواب؛ لأن الدين كلٌّ متكامل. والقرآن الكريم نفسه يؤكد على هذه النظرة الكلية في قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]، فالقرآن منظومة واحدة لا تقبل التجزئة.

ومما يوضح ذلك: ما وقع للشيخ المفيد والشيخ الصدوق رحمهما الله، حيث إن هناك روايات متواترة في إثبات هلال الشهر تُعرف بـ”روايات العدد”، [6] وهي متواترة ومُسلَّم بتواترها، لكن المشهور أعرضوا عنها أو أولوها. وقد عمل بها الصدوق، وعمل بها المفيد فترة ثم رجع عنها. وهذا يثبت أن العمل بروايات متواترة بمعزل عن ضمها إلى تواترات وأدلة أخرى قد يؤدي إلى الزيغ عن الجادة.

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: 7] فإن منهجهم هو الزيغ؛ لأن الدين مجموع تواترات، وليس تواتراً واحداً. وهذا يجري كذلك في الضروريات. فهل نكتفي بضرورة واحدة، كضرورة أن الأئمة اثنا عشر؟ نعم، هم اثنا عشر، لكن هذه الضرورة مقيدة بكونهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومقيدة بكونهم ذكوراً، وإلا فما هو موقع السيدة فاطمة (عليها السلام)؟

فمن أراد أن يعمل بضرورة واحدة ويغفل عن بقية الضروريات، فإنه لن يفهم الدين. فالضروريات يجب أن تُجمع مع بعضها البعض. ولذلك نجد أن كل آية استدل بها الأئمة عليهم السلام على الإمامة، كانت السيدة فاطمة (عليها السلام) داخلة فيها: - كآية الفيء: التي هي آية إمامة وولاية. - وآية التطهير: التي استدل بها الأئمة على الإمامة وفيها فاطمة. - وآية المباهلة: التي استُدل بها على إمامة أهل البيت وفيها فاطمة. فإما أن يكون في هذا الاستدلال خدشة -وحاشاهم من ذلك- أو أن فهمنا قاصر عن إدراك الحقيقة.

نعم، لدينا ضروريات، ولكن من قال إن الدين يؤخذ من ضرورة واحدة؟ بل يجب جمع الدين من مجموع ضرورياته. وقضية فدك شاهد على ذلك، فأبو بكر نفسه يعترف بأن فدكاً كانت في يد فاطمة (عليها السلام) في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله). وما معنى فدك؟ إنها تعني أن اقتصاد الدولة النبوية كان بيدها. فكيف يمكن فهم الدين بأخذ ضرورة واحدة وترك الأخرى؟ إن الدين لا يُفهم من ضرورة واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاث، ولا أربع. ولو أخذت بتسع وتسعين بالمئة من الضروريات وتركت ضرورة واحدة، لزغت عن الدين.

فحتى الضروريات يجب أن تجتمع وتتناسق مع بعضها البعض، كما في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. فكما يجب الإيمان بجميع الرسل مع الإيمان بالتفاضل بينهم، كذلك يجب الإيمان بجميع ضروريات الدين. وأي آية قطعية استدل بها الأئمة عليهم السلام على إمامة أهل البيت، نجد فيها فاطمة (عليها السلام) في الرتبة الثالثة. فالقرآن ينص على أن الاصطفاء والإمامة في أهل البيت أمر وراثي يجري على قانون القربى، فتصل أولاً إلى علي وفاطمة، ثم إلى الحسنين عليهم السلام. هذا هو نظام القربى والوراثة.

وكذلك آية المودة، فقد استُدل بها على إمامة أهل البيت، بل إنَّ الإمامة على وجه الخصوص موجودة في آية المودة، فهل هذا دجل؟ هذه كلها من ضروريات المذهب، فمن أراد أن يرفع يده عنها فقد حفظ شيئاً وغابت عنه أشياء. فلا بد من إبصار مجموع الضروريات، فهناك ارتكازات لدى الأعلام قد لم تتبلور بعد بشكل كامل.

والمقصود من كل هذا أن نرجع إلى قول الإمام (عليه السلام) لبشير الدهان: «أَحْسَنْتَ يَا بَشِيرُ». فمعنى هذا الإحسان أنه لا يوجد نص خاص يرشده إلى فعله، ولكنه استفاد من أدلة الحج وغيرها، ومن مفهوم الحريم الزماني والمكاني، فقام بالتعميم. فالإمام هنا يثني على إحسان منهجي في الاستنباط، لا على مجرد عمل فقهي فرعي. فبشير الدهان لم يكن جامداً حشوياً قشرياً، بل كان يفهم العمومات ويلتفت إلى أن باب المندوبات باب واسع، ولذلك قال للإمام (عليه السلام): «رُبَّمَا فَاتَنِيَ الْحَجُّ فَأُعَرِّفُ عِنْدَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام)»، فقال له الإمام: «أَحْسَنْتَ يَا بَشِيرُ». وهذا تصريح بأن استنباطه في محله.

ونظير ذلك ما فعله هشام بن الحكم، كما ورد في أصول الكافي، [7] حيث استنبط استدلالاً على ضرورة الإمامة لم يسمعه نصاً من الإمام الصادق (عليه السلام)، وإنما استنبطه من قواعد كلية فوقانية سمعها منه. ففي أول مناظرة ذاع صيتها لهشام بن الحكم مع ذلك المتكلم المعتزلي في البصرة، لما عرض استدلاله على الإمام الصادق (عليه السلام)، سأله الإمام: «مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ هَذَا؟»، فأجاب هشام: «أُصُولًا عَلَّمْتَنِيهَا اسْتَنْبَطْتُ مِنْهَا». فقال الإمام (عليه السلام) إن هذا الاستدلال المفصل هو مما أُوحي إلى إبراهيم في صحفه. وهذا لا يدل على عظمة هشام بقدر ما يدل على عظمة علوم سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، التي هيمنت على صحف إبراهيم وموسى. فإبراهيم من أولي العزم وخليل الله، ولكن سيد الأنبياء فوق ذلك، وعلماء أمته التابعون له فوق ذلك. وهذه العظمة لسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، أن من يكون من أمته حقاً -لا من أمة يزيد وبني أمية- فإنه ينال شرف هذه العلوم العظيمة.

وهذا هو الشرف العظيم، وتلك هي العلوم الجليلة، فمن كان في مجلس المبصرين، سمع كلام المبصرين. إن قول الإمام (عليه السلام): «أَحْسَنْتَ يَا بَشِيرُ» هو تشجيع وتحريض على التفقه والاستنباط. ثم أكمل (عليه السلام): «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) عَارِفاً بِحَقِّهِ فِي غَيْرِ يَوْمِ عِيدٍ، كُتِبَتْ لَهُ عِشْرُونَ حِجَّةً وَ عِشْرُونَ عُمْرَةً مَبْرُورَاتٍ مُتَقَبَّلَاتٍ، وَ عِشْرُونَ غَزْوَةً مَعَ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ أَوْ إِمَامٍ عَادِلٍ».[8]

ثم إن هذا الثواب يتفاوت بتفاوت درجات الزائرين؛ فمنهم من يزور ببدنه وروحه وقلبه، ومنهم من يحضر ببدنه فقط، بينما يكون روحه وقلبه في شأن آخر، وعلى هذا تتفاوت الدرجات. وهذا النص الخاص الذي لم يكن بشير الدهان قد اطلع عليه، بيد أنه استنبطه استنباطاً دقيقاً بالجمع بين الأدلة؛ فإنْ كان الحج زيارة لبيت الله الحرام، فإن زيارة الحسين (عليه السلام) هي زيارة لولي الله وخليفته. وإن كان يوم عرفة يوماً مقدساً، فهذا شأنه في كل مكان. فاستفاد من عموم دليلٍ خاص مورداً خاصاً آخر، وهو خلاف ما قد يُتوهم من جمود التوقيفية في العبادات.

ثم قال الإمام (عليه السلام): «وَ مَنْ أَتَاهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ عَارِفاً بِحَقِّهِ، كُتِبَتْ لَهُ أَلْفُ حِجَّةٍ وَ أَلْفُ عُمْرَةٍ مَبْرُورَاتٍ مُتَقَبَّلَاتٍ، وَ أَلْفُ غَزْوَةٍ مَعَ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ أَوْ إِمَامٍ عَادِلٍ».[9] وهو ما يظهر أن الزيارة المباركة في يوم عرفة أعظم ثواباً من زيارته في يوم العيد.

وفيه دلالة: على أن الجهاد سنة جارية في جميع الأنبياء المرسلين، دحضاً لما يدعيه النصارى من أن النبي عيسى (عليه السلام) لم يجاهد عسكرياً، فإن الرواية تثبت أن الجهاد العسكري مما قام به جميع الأنبياء المرسلين ضد الطغاة. ويشهد لذلك ما ورد من أن مسجد السهلة كان منطلق النبي إبراهيم (عليه السلام) لمحاربة العمالقة.[10]

قال بشير: «فَقُلْتُ لَهُ: وَ كَيْفَ لِي بِمِثْلِ الْمَوْقِفِ؟» أي إنه وإن استنبط أصل العمل، إلا أنه لم يكن يتوقع عِظَم هذا الثواب. «فَنَظَرَ إِلَيَّ شِبْهَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بَشِيرُ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) يَوْمَ عَرَفَةَ وَ اغْتَسَلَ بِالْفُرَاتِ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ…».

فائدة: إن هذا التدرج في بيان الفضل يدل على قاعدة مهمة، وهي أن إثبات الشيء لا ينفي ما عداه. فبيان الإمام (عليه السلام) لفضلٍ معين في رواية، لا ينافي بيانه لفضلٍ أعظم في مقام آخر، وليس في ذلك تناقض. ومن هنا كان دأب العلماء والفقهاء أن باب المندوبات واسع.

ثم يروي الشيخ الصدوق (رحمه الله) رواية أخرى عن شيخه أحمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن علي السكري، عن محمد بن زكريا الجوهري، عن ابن عائشة، عن مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن ابن أبي نعيم، قال: «شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ وَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا، يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَ قَدْ قَتَلُوا ابْنَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، وَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا».[11]

والشاهد فيه: أن قضية الإمام الحسين (عليه السلام) كانت الشغل الشاغل حتى عند المنتمين إلى مدرسة الخلافة، فكيف لا تنتشر تفاصيل عاشوراء في أوساط محبيه ومواليه؟

وفي الباب روايات أخرى، منها ما يرويه الصدوق (رحمه الله) عن أستاذه ابن الوليد، وهو من أعلام قم وكبارها، عن شيخ الكليني محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، وعن ابن أبي نجران، عن المثنى بن الوليد، عن محمد بن مسلم، وكلهم من زعماء الطائفة وأجلائها. بيد أن الغرض ليس في تفصيل هذه المتون الشريفة، بل في بيان كيفية النقل، وكيف أن فقيهاً من كبار تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام)، كمحمد بن مسلم، تدور الأحاديث بينه وبين إمامه حول حوادث عاشوراء وتفاصيلها، كما ورد في ذكر خاتم الحسين (عليه السلام) وما كُتب عليه.

**

الإنباء المسبق بالواقعة: مصدر آخر للمعرفة

وفي المجلس الثامن والعشرين**، يروي الصدوق (رحمه الله): حدثنا أبي، عن علي بن موسى بن جعفر بن أبي جعفر الكومنداني، عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري وهو من زعماء قم، عن عبد الرحمن بن أبي نجران وهو من الأجلاء الثقاة، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن عبيد الله الدهقان، عن سعد بن طريف، وهو من فقهاء تلاميذ الإمام الباقر (عليه السلام) والراوي لكتاب القضاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام). قال: «بَيْنَمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَخْطُبُ وَ يَقُولُ: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَاللهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَضَى وَ لَا عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ… وَ إِنَّ فِي بَيْتِكَ لَسَخْلًا يَقْتُلُ ابْنِيَ الْحُسَيْنَ، وَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ يَوْمَئِذٍ يَدْرُجُ بَيْنَ يَدَيْهِ».[12]

والملحوظ هنا: أن الإنباء بأحداث عاشوراء ورصد تفاصيلها كان أمراً ممتداً قبل وقوعها بسنين، على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام). وهناك كمٌّ كبير من الروايات عند الفريقين في هذا المجال، حتى عند العامة، كروايات أم سلمة وعبد الله بن عباس وغيرهما من الصحابة.

وقد رصد العلامة الأميني (رحمه الله)، تبعاً للسيد عبد الحسين شرف الدين (رحمه الله)، مجالس العزاء التي أقامها النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه على سبطه الحسين (عليه السلام)، وأحصى منها خمسة عشر مجلساً من طرق العامة فضلاً عن الخاصة، كان فيها هو الخطيب والمبكي، سواء في مسجده الشريف أو في بيوته أو في أماكن أخرى. بل إن المتتبع للروايات قد يجد أكثر من ذلك، حيث كان دأب النبي (صلى الله عليه وآله) البكاء وإبكاء من حضر عنده كلما جرى ذكر الحسين (عليه السلام)، مع استرساله في ذكر تفاصيل ما سيجري عليه.

والحاصل: أن مصادر أحداث كربلاء لا تقتصر على من شهد الواقعة، بل تمتد إلى من سبقها، وعلى رأسهم سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) الذي كان هو المصدر الأول لهذه الأخبار، نقلاً عن الوحي الأمين. فكانت عملية الرصد الإلهي والسماوي لأحداث كربلاء أمراً عجيباً وعظيماً، تم التحضير له قبل الواقعة وبعدها وفي أثنائها، وهو ما يكشف عن بحر بشري هائج وموّاج نُوط به نقل هذه الحادثة


[1] نبّه المحاضر على أنّ المقصود هو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، وهو من الأجلّاء، تمييزًا له عن أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الذي ضعّفه أصحاب الرجال.
[2] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. ثواب الأعمال وعقاب الأعمال.. تقديم السيد محمد مهدي الخرسان، منشورات الشريف الرضي، 1406 هـ، ص95، باب “ثواب من زار الحسين (ع) يوم عرفة”. مع اختلاف يسير في اللفظ
[3] يُنظر: النجفي، محمد حسن. جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام.. تحقيق عباس القوجاني، ط7، دار إحياء التراث العربي، 1981 م. المبحث المتعلق بأجزاء الأذان والتشهد في أبواب الصلاة، حيث يناقش الشيخ فكرة التوقيفية وعلاقتها بالأدلة العامة
[4] هو المحقق الشيخ محمد كاظم الخراساني (1255-1329 هـ)، صاحب كتاب كفاية الأصول.
[5] يُراجع تفصيل هذا المبحث في تقريرات بحث المحقق النائيني، مثل أجود التقريرات. للسيد الخوئي، مبحث مقدمة الواجب
[6] وهي الروايات التي تجعل المدار في ثبوت الهلال على مضي ثلاثين يوماً من الشهر السابق عند الغيم. يُراجع: الحر العاملي، وسائل الشيعة.، أبواب أحكام شهر رمضان، باب5
[7] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي.. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج1، ص169-171، باب الاضطرار إلى الحجة، ح2
[8] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. الأمالي.. ط6، مؤسسة البعثة، 1417 هـ، ص200، المجلس السابع والعشرون، ح1
[9] المصدر نفسه.
[10] العمالقة: مصطلح يطلق على الأقوام الجبارة ذات البأس الشديد، وقد استعمله المحاضر هنا للإشارة إلى ما يعادل “الدول العظمى” في العرف الحديث، للدلالة على القوة والهيبة التي تملأ القلب.
[11] م. س.، ص201، المجلس السابع والعشرون، ح2.
[12] المصدر نفسه. ص204، المجلس الثامن والعشرون، ح1.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo