48/01/17
مصادر نقل أحداث عاشوراء وتحقيق التواتر في الرواية
متابعةً لما مرّ بنا في استعراض أحد المناهج الرجالية المتبعة في تتبع روايات المقاتل، واتخاذ مقتل الصدوق نموذجاً، فقد تبيّن أن كيفية النقل التي تُذكر في روايات المقتل، سواء في مقتل الصدوق (رحمه الله) أم في نماذج أخرى كالروايات التي جمعها ابن قولويه في أبواب المزار من كتابه كامل الزيارات، تتسم بالتنوع وتعدد المنابع والمصادر، على نحوٍ يهيئ كل مصدر منها أرضيةً لتحقق التواتر في نقل أحداث عاشوراء.
وتتعدد هذه المنابع لتشمل: - الأئمة (عليهم السلام) بوصفهم مصادر للوحي. - الهاشميات والعلويات، سواء اللواتي كنّ حاضرات في أرض كربلاء يوم عاشوراء، أم غيرهن ممن عاصرن تلك الفترة. - من يرتبط بهن من النساء كبعض زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) اللواتي عُرفن بموالاتهن لأهل البيت (عليهم السلام)، كأم سلمة (رضوان الله تعالى عليها). - نساء أخريات، بل وحتى بعض رجال السلطة الأموية ممن لم يكن له موقف متحامل على أهل البيت (عليهم السلام).
ومن تلك المصادر والمنابع أيضاً، نرى أن الروايات المعتمدة عند أعلام الطائفة، كالشيخ الصدوق في مقتله، أو ابن قولويه في كامل الزيارات، أو الشيخ المفيد تلميذ ابن قولويه في الإرشاد وغيرها من المصنفات، ينقلها رؤساء الطائفة طبقةً عن طبقة حتى تصل إلى المعصومين (عليهم السلام)، أو إلى سائر منابع رواية هذه الحادثة العظيمة.
أهمية معرفة المصائب كجزء من معرفة أهل البيت
وهذا مما ينبّه على أن رؤساء وأعلام الطائفة كانوا يهتمون بروايات تفاصيل ما جرى من مصائب على أهل البيت (عليهم السلام)، لا سيما في عاشوراء، كما كانوا يهتمون تماماً بروايات المعارف والعقائد، وروايات الفروع، والآداب والأخلاق، وسائر العلوم الدينية. والعلة في هذا الاهتمام أن من قوام معرفة الأئمة وأهل البيت (عليهم السلام) معرفة ما يجري عليهم من مصائب وابتلاءات وامتحانات، كما بيّنت ذلك روايات عدة رواها الصدوق في الأمالي وغيره في مصنفات أخرى كـعقاب الأعمال.
كما أن العقل يدرك هذا المطلب؛ لأن الوقوف على تفاصيل هذه المصائب يبيّن لنا جميعاً مدى عظمة نفوس أهل البيت (عليهم السلام) في الصبر والمصابرة، وقدرتهم على إدارة الأزمات، وما اتسموا به من حكمة وهدي وسيرة. فكيف لا يكون ما جرى عليهم جزءاً من المعرفة الواجبة بهم؟ إن العقل ليحكم بذلك. وهذا المبحث، للأسف، لم يتبلور بما يكفي في علم الكلام، وهو أن معرفة ما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) هي جزء لا يتجزأ من معرفتهم.[1]
وقد ورد في هذا المعنى ما يرويه الإمام الكاظم (عليه السلام) في حق ولده الإمام الرضا (عليه السلام): «مَنْ زَارَ قَبْرَ وَلَدِي عَلِيٍّ وَكَانَ عَارِفاً بِحَقِّهِ…»، وحين سُئل عن معنى معرفة حقه، قال: «يَعْلَمُ أَنَّهُ إِمَامٌ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ… غَرِيبٌ شَهِيدٌ»، فجعل الإمام (عليه السلام) من جملة المعرفة اللازمة بحق الإمام، أي بحقيقته، معرفة ما يجري عليه من بلاءات ومصائب. فليس هذا أمراً تاريخياً محضاً ومجرداً كما قد يُخَيَّل للبعض، بل إن هذه الأحداث الجسام هي جزء من معرفة ذواتهم (صلوات الله عليهم)، ومدى توازن وقوة شخصياتهم. فكيف لا يكون ذلك دخيلاً في المعرفة عقلاً، فضلاً عن وروده في بيانات الوحي؟
فائدة: وهذه نكتة لطيفة في بحث المعارف، وهي أن معرفة ما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) من الظلامات هي من لوازم وواجبات معرفتهم. إنها نكتة مهمة جداً، إذ إن الأمر ليس تاريخياً بحتاً، ولا جغرافياً بحتاً، ولا زمانياً بحتاً، وإنما هو أمر دخيل في معرفة القوة والمكانة التكوينية لأهل البيت (عليهم السلام)، وشخصياتهم، وأنفسهم، وأرواحهم، وحكمتهم، ومدى تفوقهم على سائر نماذج البشر. وهذا شبيه بما ذكره جملة من الأعلام في الاستدلال على عصمة السيدة زينب (عليها السلام)، حيث استدلوا بعظمة صبرها إزاء هذا الملف الحافل بالزلازل التي لا يستطيع تحملها كثير من الرجال والأنبياء. حتى إن أحد القساوسة المعاصرين، في كتاب له حول السيدة زينب (عليها السلام)، ذكر أن ما جرى عليها من فداحة المصائب يفوق وجداناً وعقلاً ما تستسرده كتب الوحي عما جرى على كثير من الأنبياء.
فيتحصّل أن هذا يُعد ضرباً من البرهان على أن معرفة المصائب هي جزء من المعرفة. وعلى أي حال، فهذا مبحث وإن لم يكن جديداً في أصله، إلا أن وروده في النصوص يستدعي الالتفات إليه، لأن القول بكونه أمراً تاريخياً محضاً هو غفلة باردة وغير صحيحة.
الرواية الأولى: رؤيا أم سلمة في مقتل الحسين
وقد روى سعد بن عبد الله الأشعري القمي، وهو من مشايخ الصدوق الأب، وقد توفي حوالي سنة ثلاثمئة للهجرة في منتصف الغيبة الصغرى، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن أبي البختري وهب بن وهب، وهذا الأخير وإن قيل فيه إنه من أكذب البرية، لكونه قاضياً من قضاة العامة تتلمذ على الإمام الصادق (عليه السلام) ثم كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممالأةً لخلفاء بني العباس في قصة معروفة، إلا أنه كان كشأن كثير من قضاة العامة الذين أخذوا العلم عن الإمام الصادق (عليه السلام)، فمن ثمَّ اعتمدت الطائفة على بعض ما يرويه عنه بعد عرضه على الروايات الأخرى واختباره، وبهذا الشرط أكثروا من الرواية عنه. يروي أبو البختري عن الإمام الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، عن أم سلمة (رضي الله عنها).
فالطريق هنا يصل إلى الأئمة (عليهم السلام)، ثم ينقلون عن أم سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)، أَنَّهَا أَصْبَحَتْ يَوْماً تَبْكِي، فَقِيلَ لَهَا: مِمَّ بُكَاؤُكِ؟ فَقَالَتْ: «لَقَدْ قُتِلَ ابْنِيَ الْحُسَيْنُ اللَّيْلَةَ، وَذَلِكَ أَنِّي مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مُنْذُ كَانَ إِلَّا نَائِماً، فَرَأَيْتُهُ اللَّيْلَةَ فَأَتَانِي شَاحِباً كَئِيباً»، فَقُلْتُ: «مَا لِي أَرَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَاحِباً كَئِيباً؟» فَقَالَ: «مَا زِلْتُ اللَّيْلَةَ أَحْفِرُ قُبُوراً لِلْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ (عليهم السلام)».[2] وهذا المتن وهذا المضمون منقول باستفاضة وتواتر عند الفريقين.
والملاحظ هنا: أن الأئمة (عليهم السلام) يتصدون لرواية أحداث كربلاء، فمِن ديدنهم وسيرتهم التعرض لذكر تفاصيل حادثة عاشوراء. وهنا يرويها الإمام الصادق (عليه السلام) لأحد قضاة العامة، لنشرها بين فقهائهم فضلاً عن الخاصة. فلاحظ كيف أن دائرة النقل شملت زوج النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم الأئمة (عليهم السلام)، ومنهم إلى قضاة العامة، ومنهم إلى أعلام الشيعة ورؤسائهم، يداً بيد. وهكذا عُبِّدَ الطريق لنشر أحداث عاشوراء. إننا لا ننظر في خصوص هذا السند أو ذاك المتن الشريف، بل في عملية أوسع، وهي كيفية النقل، وكيف اتُّخذت قنوات وحلقات وسلاسل متعددة للنشر، لئلا تُطمس حقائق أحداث عاشوراء.
الرواية الثانية: التي ذكرها الصدوق (رحمه الله) في هذا المجلس، يرويها عن أستاذه محمد بن الحسن بن الوليد، أو عن أبيه، وكلاهما من المرجعيات العليا في زمانهما. يرويها عن محمد بن الحسن الصفار صاحب بصائر الدرجات، وهو من أعلام الطائفة ووكلاء الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، وقد توفي في بدايات الغيبة الصغرى. عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، وهو من أعلام الطائفة أيضاً. عن نصر بن مزاحم، المؤرخ الكبير صاحب كتاب وقعة صفين. عن عمر بن سعد –والظاهر أنه غير ذلك الملعون لعدم تناسب الطبقة– عن عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، وهو من البُتْرِيَّة، [3] ولكنه روى عن الأئمة (عليهم السلام). عن أم سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) قالت: «مَا سَمِعْتُ نَوْحَ الْجِنِّ مُنْذُ قُبِضَ نَبِيُّنَا (صلى الله عليه وآله) إِلَّا اللَّيْلَةَ، وَمَا أُرَانِي إِلَّا وَقَدْ أُصِبْتُ بِابْنِي».[4] وكما يقص علينا القرآن الكريم فإن من الجن مؤمنين وكافرين، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (سورة الجن - 11). فالقرآن يثبت للجن وجوداً ومذاهب. والملاحظ هنا أن حتى الأسباب الأثيرية غير المرئية قد تدخلت في نقل أحداث عاشوراء.
الرواية الثالثة: في هذا الباب نقلها الصدوق عن أبيه، وهو من مراجع الطائفة، قال: حدثنا حبيب بن الحسين التغلبي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، عن عمرو بن ثابت، عن أبي الجارود، وهو زياد بن المنذر، رأس الطائفة الجارودية الزيدية، وهو من العلماء الكبار الذين تتلمذوا على يد الإمام الباقر (عليه السلام) وإن كان مذموم الطريقة عند الإمامية. عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «كَانَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ…». وهذه القصة معروفة رواها الفريقان بألفاظ متعددة، وتتضمن إعطاء النبي (صلى الله عليه وآله) لأم سلمة قبضة من تراب كربلاء، وإخباره لها بأنها ستتحول إلى دم. إن النبي (صلى الله عليه وآله) يشدد على أم سلمة في مواضع عديدة، ويربطها بحادثة كربلاء، لتكون أحد الأبواق العظيمة لإقامة العزاء وتوثيق هذه الحادثة.
وقد وردت روايات عديدة رواها الفريقان عن أم سلمة، حتى إنَّها (رضوان الله عليه)ا أدمت وجهها ولطمت صدرها، ووضعت التراب على رأسها.[5] وفي نقولات رواها الفريقان، هي أول من أقام العزاء على سيد الشهداء (عليه السلام)، وأقامت خيمة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهذه القضية المتعلقة بأم سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) في نقول الفريقين متواترة.[6]
والقضية متواترة أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى أم سلمة بهذه التربة، وأعطاها عدة قبضات من تربة سيد الشهداء عن جبريل (عليه السلام)، وأنبأها بأنَّها ستتحول دماً، وهذا التحول من تربة الحسين (عليه السلام) إلى دم هو شيء إلهي مقدس، مروي باستفاضة وتواتر عند الفريقين.[7] وفهمت منه أم سلمة أنَّ هذا شعار للعزاء على الحسين (عليه السلام)، ووصية من الله ورسوله وجبريل (عليه السلام).
وآية ذلك: أنَّ النقل مستفيض عند الفريقين عن فعل أم سلمة، حتى إنَّها كما يُروى زلزلت المدينة المنورة بالمأتم الذي أقامته على الحسين (عليه السلام). كل ذلك كان بوصايا من النبي (صلى الله عليه وآله) لأم سلمة، وتهيئة منه لها كي تقوم بهذه المسؤولية؛ مسؤولية إقامة العزاء ورموز العزاء. حتى إنَّه في بعض النقولات الموجودة عند الفريقين، أراد عبد الله بن عباس أن يهدئها فأعرضت عنه ولم تعتنِ به، مُذَكِّرةً إياه بأنها صاحبة وصية من النبي (صلى الله عليه وآله). فلاحظ كيف أنَّ قضية أحداث عاشوراء هي تدبيرات إلهية ونبوية ووحيانية لرصد أحداث هذه الحادثة العظيمة.
وسنتعرض لاحقاً بعد سلسلة هذا المبحث، وهو كيفية النقل، إلى الأصول التشريعية أو ما يمكن أن يسمى بفلسفة التشريع في حادثة عاشوراء؛ سواء الفلسفة العقائدية، أو الفلسفة المستقاة من نصوص الوحي، أو الفلسفة الفقهية السياسية. فحادثة أحياها الله عز وجل لتكون حادثة عظيمة جداً ستظل ما طال التاريخ، بل هي كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف ابنه الحسين (عليه السلام) أسوة، ومضمون الحديث: “لَا زِلْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أُسْوَةً”. أي إنَّ سيد الشهداء (عليه السلام) أحياه الله ليكون قدوة للأنبياء السابقين، ومدرسة لهم، فضلاً عما يلحق حادثة عاشوراء من أجيال إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة.
ومما ينبه على أنَّ قضية الإمام الحسين (عليه السلام) قضية عظيمة جداً، هيأت لها السماء، وتظل منبعاً مزلزلاً للأوضاع الظالمة في كل نطاق الأرض وكل نطاق البشر، وليست خاصة بالمسلمين أو المؤمنين. فالقضية إذن حساسة جداً. نعم، طبعاً في هذه الحادثة المستفيضة أنَّ الله عز وجل كتب على سيد الشهداء الشهادة، وكيفية فلسفة هذا الأمر عقائدياً أو فقهياً سياسياً مع المباحث الأخرى، سنتعرض له في القسم اللاحق من سلسلة هذه المباحث.
أما الآن فنحن فقط في صدد كيفية النقل التي تؤدي إلى التواتر الإجمالي من مناشئ ومنابع شتى كثيرة، كل منبع منها يقوي التواتر في هذا الصدد. وأما قضية فقه عاشوراء العقائدي أو الفقه السياسي فسنتعرض لها إن شاء الله في مبحث قادم بعد هذه السلسلة الأولى، وستكون تلك هي المحطة الثانية.
الرواية الرابعة: التي يعرضها الصدوق في هذا المجلس، المجلس التاسع والعشرين، يرويها عن محمد بن موسى بن المتوكل، وهو شيخ الصدوق الذي يكثر عنه ويترضى عليه ويترحم عليه. وقد اعتمد السيد الخوئي قدس سره، كما مر، على مثل هذا المبنى في توثيق مشايخ الصدوق الذين يكثر النقل عنهم مع الترحم عليهم.[8] قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، والصدوق دائماً ما تكون بينه وبين مشايخ الكليني واسطة، لأنَّ طبقته بعد الكليني، فيروي عن مشايخ الكليني لكن بواسطة، والعطار هذا من مشايخ الكليني. قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي، رئيس قم. فترى أنَّ كل رؤساء الطائفة يهتمون بروايات المقتل وروايات أحداث عاشوراء. عن علي بن الحكم، عن عمرو بن حفص، عن زياد بن المنذر أبي الجارود، [9] عن سالم بن أبي حفصة، [10] قال: سمعت كعب الأحبار يقول: “إِنَّ فِي كِتَابِنَا -يَعْنِي فِي التَّوْرَاةِ-… أَنَّ ابْنَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ يُقْتَلُ”.[11] وقد مر بنا أنَّ العهدين، التوراة والإنجيل، فيهما مواضع إلى الآن، رغم التحريف، تذكر الخمسة أصحاب الكساء، بل والتسعة من ذرية الحسين (عليه السلام)، ولا سيما ما ورد عن الحسين (عليه السلام) وعن كل واحد من الخمسة أصحاب الكساء.
نعم، إذاً فسلسلة أحداث عاشوراء وردت مقاطع منها في التوراة، ووردت مقاطع منها في الإنجيل، حتى في النسخ الموجودة اليوم رغم التحريف. ووردت أيضاً في عدة من مصادر كتب الأنبياء السابقين، مما يدل على أنَّ الواقعة قد أعد لها الوحي وأعدت لها السماء منذ عهود وقرون سابقة. وقد ندب الله عز وجل أنبياءه لإقامة العزاء على سيد الشهداء قبل أن يولد سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، وقبل أن يأتي أوان الحادثة، وهو ما يدل على مدى عظمة العزاء على الحسين (عليه السلام)، والبكاء عليه، وقص أحداثه، فكلها مدرسة تربوية عظيمة جداً في شؤون عديدة.
الرواية الخامسة: التي يعرضها الصدوق هي عن الحسين بن أحمد بن إدريس (رحمه الله)، وأحمد بن إدريس من مشايخ الكليني الأجلاء الكبار، وهذا الحسين هو ابنه. رفعه إلى أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)، قال: «الْبَكَّاءُونَ خَمْسَةٌ: آدَمُ، وَيَعْقُوبُ، وَيُوسُفُ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ».[12] وفي هذا الحديث يذكر الإمام الصادق (عليه السلام) كيف أنَّ فاطمة (عليها السلام) كانت تقيم العزاء على سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) متواتراً، ليلاً ونهاراً ويومياً، حتى استشهدت ورحلت عن الدنيا. فبعد البكاء والعزاء على سيد الشهداء، يأتي البكاء والعزاء على سيد الأنبياء الذي مارسته فاطمة (عليها السلام) ليلاً ونهاراً طيلة حياتها بعده. يقول الصادق (عليه السلام): «فَأَمَّا فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ فَبَكَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حَتَّى تَأَذَّى بِهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا لَهَا: قَدْ آذَيْتِنَا بِكَثْرَةِ بُكَائِكِ… فَكَانَتْ تَخْرُجُ إِلَى مَقَابِرِ الشُّهَدَاءِ فَتَبْكِي حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا ثُمَّ تَنْصَرِفُ».[13] أي إنَّها كانت تقيم العزاء عند قبور الشهداء، على من؟ على رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهذا معنى أنَّ مشي فاطمة (عليها السلام) إلى زيارة قبور الشهداء هو سنة فاطمية عتيدة رواها الفريقان.
وإنَّما يقتدي المؤمنون بالزهراء (عليها السلام) لأنَّها إمام، فإمامتها في الجانب النسوي هي الإمامة، وإن كانت هي إماماً حتى في الجانب المشترك. كما أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إمام في الجانب المشترك بين النساء والرجال، وإمام في الجانب الرجالي المختص بالرجال. أقصد في الخصوصيات، وإلا ففي المشتركات إمامة أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام على حالها.
أما علي بن الحسين (عليه السلام)، فيقول الإمام الصادق (عليه السلام) عنه في تتمة الحديث: «وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَبَكَى عَلَى الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، مَا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامٌ إِلَّا بَكَى، حَتَّى قَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. قَالَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف - 86]، إِنِّي لَمْ أَذْكُرْ مَصْرَعَ بَنِي فَاطِمَةَ إِلَّا خَنَقَتْنِي لِذَلِكَ عَبْرَةٌ».[14] يعني أنَّ سيد الساجدين (عليه السلام) كان يقيم العزاء على أبيه وذويه من أهل البيت عليهم السلام يومياً، ومتى ما أقيم العزاء عند الأكل، فهذا أحد المآتم، بما لا يقل عن مرتين في اليوم أو أكثر.
الرواية السادسة: يرويها الصدوق عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، وهو من الأجلاء. قال: حدثنا أبي محمد بن يحيى العطار، شيخ الكليني. قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن علي بن المغيرة، وهو أيضاً من الأجلاء. لاحظ أنَّ كلها أسانيد لأعلام الطائفة. عن أبي عمارة المنشد، وكلمة “منشد” موجودة في عدة تعابير لعدة أفراد بارزين في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، وكان الإمام يشجعه على الرثاء وإقامة المجالس.
فائدة: إنَّ الإنشاد لا يختص بالعزاء والبكاء والمآتم، بل يشمل أيضاً مجالس ذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام. وهذه المجالس، كتلك التي تقام في مواليد أهل البيت عليهم السلام، تأخذ صبغة الفرح والابتهاج بفضائل وخصائص ومقامات أهل البيت عليهم السلام. وهذه سنة عظيمة، ولعل بعض أتباع أهل البيت لم يتركوا هذه السنة، فكما يقيمون مآتم العزاء، يقيمون أسبوعياً أيضاً مجالس لذكر مناقب أهل البيت عليهم السلام. وهي مجالس بهجة فيها ذكر فضائلهم وتواشيح لمقاماتهم، لأنَّ المعرفة ليست قائمة فقط بما جرى على أهل البيت من مصائب، بل هي قائمة أيضاً في الجانب الآخر على معرفة فضائلهم وصفاتهم ومقاماتهم، ويسمى هذا أيضاً مجلس الإنشاد.
علينا أن نلاحظ إذن أنَّ أحد مصادر نقل أحداث عاشوراء هو ما ينقله الرواديد والخطباء في زمن الأئمة عن الأئمة عليهم السلام أو عن غيرهم. وقد مرت بنا صحيحة معاوية بن وهب، التي لها طرق قطعية عالية، والتي تبين في كلام الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّ المؤمنين في زمنه كانوا يجتمعون في المناسبات حول قبر الحسين (عليه السلام)، وهناك الخطيب، والراثي، والقاص، والنادب، وأنواع من الشعراء، وربما ستة أنواع ذكرت في لسان الإمام الصادق (عليه السلام). فبدأت هناك مهارات وفنون وآليات لترسيخ وتخليد ذكرى أحداث عاشوراء منذ زمن الإمام زين العابدين (عليه السلام).
كما هو الحال في أمر الإمام زين العابدين (عليه السلام) لأحد الشعراء قبل دخوله المدينة المنورة بإنشاد الشعر المعروف.
وهذا يُعدّ تأسيساً لسننٍ من أئمة أهل البيت عليهم السلام لإحياء ذكرى أحداث عاشوراء وتخليدها في الأذهان والنفوس، وهو ما يمثّل أحد مصادر النقل المتواتر. فإنَّ سلسلة الخطباء والشعراء والمنشدين جيلاً بعد جيل تمثّل قناة نقلٍ قائمة بذاتها؛ فلا يصحّ القول: ما علاقة الشعراء بالرواية والنقل وما شابه ذلك؟ فإنَّ هذا التساؤل خطأ كبير.
فالحاصل: أنَّ أحد مصادر النقل هم الشعراء والرواديد والخطباء والمنشدون، سواء كان إنشادهم نعياً أم ذكراً للفضائل. ولذلك جعل العلّامة الأميني (رحمه الله) في موسوعته الغدير سلسلة الشعراء عبر القرون من مصادر تواتر حديث الغدير، حيث ذكروا هذه الحادثة في أشعارهم.[15] فهم أيضاً رواة ونقلة، ولكن بلسان الشعر لا بلسان النثر. فلا ينبغي للباحث أن يستنكف من أن يقال له إنَّ خطيباً ينقل عن خطيب قبله أكثر مهارةً منه، وذاك الخطيب ربما ينقل عن سلسلة من الخطباء أو الشعراء متصلة، أو عن كتب، أيّاً كان مصدره.
فأحد مصادر كيفية النقل التي يشير إليها الصدوق في كتابه هذا، هي هذه المجموعة الشريفة الجليلة من الخطباء والرواديد والشعراء والمنشدين. وهذا هو ديدن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم، فقد كان يحثّ حسان بن ثابت وغيره من الشعراء على أن يسجّلوا أحداث تاريخ الإسلام، فكانت المواقف المشهودة تُسجَّل بلسان الشعر.
ومثال ذلك: حادثة الغدير، حيث حثّ النبي (صلى الله عليه وآله) حسان بن ثابت على أن يسجّلها في ديوان شعره، كي تبقى موثّقةً خالدةً للأجيال اللاحقة، فكان ذلك تسجيلاً بإقرار من النبي (صلى الله عليه وآله). فهذا النمط من التبليغ والنقل يضطلع به الشعراء والخطباء والمنشدون، وهو يمثّل منبعاً آخر للنقل، وقد أولى الأئمة عليهم السلام عنايةً خاصةً بهذه القناة، لما لها من أهمية بالغة.
وقد روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال لأبي عمارة المنشد: «يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَنْشِدْنِي فِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ». ولذلك، فإنَّ هذه الأشعار التي قُرئت على الأئمة عليهم السلام هي بنفسها مواد نقلٍ موثّقة بتقرير من المعصوم. فقوله (عليه السلام) يكشف عن ديدن الإمام الصادق (عليه السلام) في الحثّ على توثيق أحداث عاشوراء وواقعة كربلاء، ولو بهذه الآلية الشعرية. وهذه الآلية تختزن في نفسها القدرة على إقامة وتشييد أمور كثيرة، من غاياتها وفلسفاتها توثيق أحداث عاشوراء، وإنْ لم تكن هي الغاية الوحيدة.
يقول الراوي: «فَأَنْشَدْتُهُ فَبَكَى، ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ فَبَكَى، قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا زِلْتُ أُنْشِدُهُ وَ يَبْكِي حَتَّى سَمِعْتُ الْبُكَاءَ مِنَ الدَّارِ».[16] وفي هذا دلالة على أنَّ سماع صوت بكاء النساء من خلف الستر ليس فيه ريب، بل هو سيرة وسُنّة أقرّها الإمام الصادق (عليه السلام).
تنبيه: إنَّ في هذه الروايات مباحث جمّة في فقه الشعائر، ولكن للأسف أُعرض عن البحث فيها في القرون الأخيرة في الحوزات العلمية، مع أنَّها تمثّل ثروةً كبيرةً. ويمكن استخراج فقه الشعائر من الروايات الواردة المرتبطة بالزيارة أو بمقتل سيد الشهداء (عليه السلام) وما جرى عليه، فهذه جملة من المواد المهمة في استنباط هذا الفقه.
ثم قال الإمام (عليه السلام) مرغّباً: «يَا أَبَا عُمَارَةَ…». إنَّ إصرار الأئمة على الشعر الحسيني بألوانه المختلفة له غايات كثيرة وعظيمة، ومن أهمها توثيق النقل لأحداث عاشوراء وتخليده. وهذا مصداق ما قالته العقيلة زينب (عليها السلام): «فَوَ اللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا»[17] ، فإنَّ الظالمين مهما جَهِدوا لطمس هذا الذكر، فإنَّه لا يزداد إلّا علوّاً ونوراً وانتشاراً. بل إنَّ هذا النور قد تجاوز حدود الأمة ليصل إلى الأمم الأخرى، حتى إنَّ شخصيات معاصرة من غير المسلمين اعترفت بعظمة مدرسة عاشوراء والإمام الحسين (عليه السلام)، وأقرّت بأنَّها المنقذ للبشرية في هذا الزمان، وهو ما سيأتي تفصيل القول فيه بنقل تصريحاتهم وبياناتهم. فمعجزة الحسين (عليه السلام) يدركها بشر هذا الزمان، ويرون فيه منقذاً لهم.
ثم يكمل الإمام الصادق (عليه السلام) ترغيبه لأبي عمارة فيقول: «مَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَأَبْكَى خَمْسِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَأَبْكَى ثَلَاثِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَأَبْكَى عِشْرِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَأَبْكَى عَشَرَةً فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَأَبْكَى وَاحِداً فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَبَكَى فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَنْشَدَ فِي الْحُسَيْنِ شِعْراً فَتَبَاكَى فَلَهُ الْجَنَّةُ».[18]
وهنا لا بد من التنبيه إلى أنَّ التباكي المذكور في الرواية ليس نفاقاً ولا ازدواجية، بل هو أمر مطلوب في الشعائر.[19] فالتظاهر بالحزن والترائي به في شعائر سيد الشهداء (عليه السلام) مأمور به، وهو يصبّ في تحقيق غايات عظيمة لتلك الشعائر. ومن المؤسف أنَّ هذه الروايات وأمثالها في أبواب المزار متروكة من البحث الفقهي المعمّق، مع أنَّها حافلة بالمواد الثرية لاستنباط فقه الشعائر.